العدد (45) السنة 20 - 1430هـ/ 2009م

في منتصف الستينات الميلادية طالعنا سماحة آية الله العظمى السيد محمد تقي المدرسي بمشروعه الفكري (الفكر الإسلامي.. مواجهة حضارية) كمقدمة أولى لرؤيته في نظرية المعرفة، وثنّى المشروع بكتابه (المنطق الإسلامي) وختمه بكتابيه (العرفان الإسلامي) و(مبادئ الحكمة) بين نظريات البشر وبصائر الوحي، ليؤكد لنا بنتاجه المعرفي هذا أنه ليس بالفقيه على النسق التقليدي فله مدرسته الخاصة في التعاطي مع الفقه والفكر الإسلاميين والذي أكد عليه في جملة من حواراته ونتاجاته المعرفية.

  • معوقات التغيير الاجتماعي
  • أمتنا بين الانشطار والتماسك
  • الأمة.. والكراهية والتعايش بين الطوائف
لست سلبيًّا حينما قدّمت كلمة الانشطار على كلمة التماسك، ولا أريد أن أنظر إلى واقع أمتنا الإسلامية بعين سوداوية، ولكنها -مع كل أسف- وصف لواقع الحال. وقد عمل المخلصون -علماء ومفكرون ومثقفون وساسة وذوو الرأي والنظر- من أبناء هذه الأمة لإيقاف حالة الانشطار هذه والصيرورة إلى أحسن الأحوال، ولكنهم تفاجؤوا بأن ما يمكن الوصول إليه لا يرقى إلى مستوى التماسك فضلاً عن الاندماج الذي طالما طمحوا إليه وعملوا من أجله.
ليس أدل على وجود فوضى على مستوى الكرة الأرضية من الوضع القائم في الأمم المتحدة، فهذه المنظمة التي تتمثل فيها كافة الدول المستقلة -حيث لا يعترف باستقلالية دولة إلا إذا كان لها علمها الخاص في مبناها في نيويورك-، هذه المؤسسة هي مجرد أداة لتنفيذ مآرب الدول العظمى، وليست لديها القدرة على الالتزام بمبادئها، بل الحقيقة أن الأمم المتحدة ولدت عام 1945م، بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، وهي مشوهة التركيب، نتيجة إصرار الدول الغربية الثلاث، وهي الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا، على مجموعة مواد ثانوية جعلت من ميثاق المنظمة أداة تكبيل لها، وكأنها محاولة لوقف الزمان.
في خضم الأزمات المريرة التي تشهدها ساحتنا العربية والمسلمة، وما منيت به من انتكاسات متعاقبة طيلة العهود المنصرمة، إضافة إلى ما سُلب من خصائصها ومزاياها الراقية، أفضت نتائجها ورواسبها إلى إيداع تركة حبلى بالهموم المستعصية، ومع تصاعد وتيرة ذلك الظرف المأزوم تستحوذ على الأجواء مشكلة الطائفية بما تتبنى من مسارات وممارسات متشنجة، ليست لأنها وليدة الظرف الراهن المسكون بهواجس التبعية والانحطاط، لكنها باتت المشكل القلق الذي برز كتهديد مؤرّق للنسيج الاجتماعي والوطني وزعزعة شبكة علاقاته ومنظومته المعرفية، لا سيما في ظل المعطيات الحرجة التي تواكبها مجتمعات الأمة.
يعتبر التراث الأخلاقي لأي ثقافة حصيلة الجهود المعرفية والفلسفية لتلك الثقافة؛ فما ترصين القواعد المنطقية وتحكيم البنى الفلسفية إلا للتنظير السديد للمسألة الأخلاقية؛ فمن هنا بات الاهتمام بالبحوث الأخلاقية مسألة أساسية لأي ثقافة من الثقافات.
(التدبر الموضوعي في القرآن الكريم، قراءة في المنهجين: التجميعي والكشفي)، كتاب قيّم يحاول ملأ فراغ شاغر في المكتبة الإسلامية بحقلها القرآني، تتلمس فيه اطِّلاعاً وافراً وإحاطة واسعة، سُبكت بأسلوب سهل ممتنع، ولغة علمية رصينة، ومنهجية فنية رشيقة، معالجاً مسألة التدبر الموضوعي عموماً، وكيفيتها تحديداً، عبر فهم تحليلي رصين.
أقامت ممثلية سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد تقي المدرسي بالبحرين مؤتمر القرآن الكريم في دورته الثالثة، تحت شعار: (الآفاق القرآنية في التربية الصالحة) وذلك في الفترة ما بين 11-12 يونيو لعام 2009م، الموافق: 18-19 جمادى الآخرة لعام 1430هـ.
تشكل ظاهرة التكفير في واقعنا المعاصر، سدًّا منيعاً أمام التقدم الحضاري، لما تحمل بين طياتها من عصيباتٍ وأحقادٍ كافية لأن تُلقي بالأمة في مستنقع التخلف والانهيار، فالكراهية وإقصاء الآخر الداخلي كفيلان بجعل المجتمع يسبح في بحرٍ من الدماء، فليس من السهل بمكان أن تتحكم في الواقع المجتمعي شرذمة قليلة تسعى بأفكارها المغلوطة إلى أن تحاكم مذهباً أو فرقةً من الفرق الإسلامية لمجرد الاختلاف العقدي أو الفكري.