القرآن بين التفسير والتأويل
كتبه: الشيخ حمزة اللامي
العدد (43) السنة 19 - 1429هـ/ 2008م
التعليقات: 0
القراءات: 2878

المقدمة

إن التأويل من أخطر آليات التشويش على الحق، فهو طريق ذو حدين «كما قال الباحث القرآني آية الله الشيخ محمد هادي معرفة (قدس سره): إن التأويل في القرآن له خطان إيجابي سليم وسلبي فاسد»؛ ولذلك فهو إما أن يؤدي إلى التنوير والتحرير والتحضر، وإما إلى التضليل والزيغ وربما يمارس عملية تزييف كاملة، كما قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ[1].

وهذا الأمر يستدعي الحذر ونحن نمارس هذه العملية المعرفية، إنها محاولة عميقة وتحتاج إلى أدوات نشطة وليست هواية عابرة أو عملية مزاجية. وقد لاحظنا في حياتنا الفكرية والاجتماعية أن التأويل كان مصدر كثير من حروب ودماء وانشقاقات أمم كثيرة وتفتت كيانات، كما أنه سبب غنىً معرفيٍّ زاخر.

ولذلك تشتد الحاجة اليوم إلى مدرسة تأويلية قرآنية كوثرية فاعلة لأن اتساع حركة الإنجاز الإنساني وتشابكه يحتاج إلى آليات تكثيف عملاقة.

والتأويل من أهم وأبرز هذه الآليات التي نحتاج إليها بشرط الاهتمام بأعلى درجة ممكنة من الموضوعية والعلم.

ولذلك نرى بأم أعيينا العودة إلى الكتب المقدسة باعتبارها الشخصيات المعنوية للأمم، ومنابع للتشكّل الحضاري والسياسي للشعوب، ثم هناك اتجاه لتأسيس علم قراءة، يكون التأويل أحد مفرداتها.

والتأويل كما يعرفه المرجع المدرسي قائلاً: «إنه وسيلة لوعي الواقع بمنظار الحق وتطبيق الحق على متغيرات الحياة».

وهو بحاجة إلى أمرين:

الأول: «فهم الحقائق الكبرى فهماً يغور إلى أعماقها ويكتشف تكاملها مع بعضها، ولعل الكلمة القرآنية التي تقول: ﴿الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ تعني هذا الشرط.

الثاني: تجنب الهوى في تقسيم الواقع الخارجي «لكيلا يؤثر الحب والبغض والاستعمال والأفكار المسبقة وخشية الناس وتقديس الذات ومحاولة التهرب من المسؤوليات» وبكلمة لا تؤثر عوامل الخطأ النفسية «تأثيراً سلبيًّا على تحديد الموضوع وتمييزه بالدقة عن غيره. ولعل هذا الشرط جاء في الآية ضمن كلمة قرآنية جامعة ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا».

والبحث سيدور حول خمسة محاور:

أولاً: عرض آلية التفسير والتأويل وبيان خطوط التلاقي والافتراق.

ثانياً: بيان الأسباب المعرفية والتاريخية التي ساهمت في فرض آلية التفسير عوضاً عن الآليات الأخرى.

ثالثاً: التطرق للتأويل وموقعه.

رابعاً: شرح مختصر لمدارس التأويل.

خامساً: رؤيتنا في هذا المجال.

المحور الأول للبحث:

«عرض آلية التفسير والتأويل في الثقافة الإسلامية وبيان خطوط التلاقي والافتراق بينهما».

هناك في الحقيقة ثلاثة حلقات تشكل مع بعضها حقيقة التأويل وآلياته:

الحلقة الأول: معرفة النص معرفة راسخة: تشخيص قيم النص المقدس.

الحلقة الثانية: معرفة الواقع معرفة راسخة: تشخيص القيم المتحركة.

الحلقة الثالثة: التطبيق النزيه لقيم «الوحي والعقل» على أرض الواقع الموضوعي مع ضبط المتغير بعيداً عن الهوى.

والحلقة الأولى طبعاً تلتقي مع آليات وخطوط التفسير في الثقافة الإسلامية فالتأويل يجري في مرحلتهِ الأولى على جسد النص القرآني «والنص ليس كلمات شفافة سريعة الانكشاف بل شبكة علاقات متجددة تنتظر الثقافة المقتحمة».

ولذلك فقضية «وعي النص التأويلي» تجعل القارئ يتعامل مع الكلمات كمنظومة من الرموز في «ضوء» وفي «تلاقح مستمر مع الزمن»؛ ولذلك يذهب التأويليون إلى أن النص القرآني المقدس هو موضوع خصب للقراءات المتعددة، وهذا هو شرط بقاء النص فاعلاً رغم تقدم الزمن، علماً أن التغير هو سمة العصر.

وسواء كان النص «مكيًّا أو مدنيًّا»، «عقائديًّا أو تشريعيًّا»، «محكماً كان أو متشابهاً» فإنه يحتمل أكثر من قراءة.

والواقع أن هذه القراءات هي ليست احتمالات بل «رؤية» وهي إحدى الشواخص الفارقة الجوهرية بين «نصوص الوحي» والنصوص الأخرى كالشعر مثلاً، ولو كانت مجرد احتمالات لما استوعبت كل هذا الكم الهائل من المعرفة.

وهناك عناصر تتشابك داخل النص المقدس من أهمها:

- اللغة القاموسية، والسياق النصي، وعلاقة النص بالنصوص الأخرى، وعلاقة النص بالواقع، إضافة إلى عناصر النص الداخلية كالعناصر النحوية والصرفية والبلاغية واللغوية؛ ذلك لأن الحضارة وخاصة الإسلامية وجود يقوم على اللغة، وهي أيضاً دحض لمفاهيم، وخلق لأخرى بعد أن لم تكن، وإعادة إبداع لبعضها الثالث في صيغ جديدة.

ثم إنها وهذا من أبرز خصائصها المميزة، انتقال بالإنسان من كائنه الشخصي إلى كائنه «النصي»، وما كان هذا ليكون إلا لأنها فعل تركيبي يطال الأعماق في إحداث الوعي لغة، وتشكيل يطال الظاهرة في أحداث تجلياتها المادية نصاً، وأنها بين هذا وذاك لتجعل المعنى حضوراً دائماً في حضور وعي الإنسان بالعالم.

ومن أهم هذه الآليات ما أشار إليها المرجع المدرسي في كتاباته «منهج الاستلهام المباشر من القرآن ذاته»، حيث إن الكتاب الإلهي يصدّق بعضه بعضاً، وهو ميزان القبول والرفض للآراء والنظريات، إضافة على الأخذ بسنة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وأحاديث أهل البيت (عليهم السلام).

«فالمعاني المضغوطة في الآيات لا يمكن فك ضغطها بالوجه الصحيح، والقيم والأحكام المجملة لا يمكن إبانة المراد الحقيقي منها، إلاَّ بالاستعانة بالروايات الواردة عن المعصومين (عليهم السلام)، فالروايات بصفتها نصوص رديفة للقرآن الكريم تسير جنباً إلى جنب مع آياتهِ ومن دونها يتعسر الوصول إلى المعاني القرآنية الحقيقية..».

الحلقة الثانية: «معرفة الواقع معرفة راسخة مع ضبط المتغير»

معرفة الواقع:

فلكي تصدر حكماً لابد أن تعرف الموضوعة التي تريد أن تحكم عليها وأيضاً القاعدة التي تتناسب وهذا الموضوع، وهنا «فالعقل والخبرة والعرف» يقوم بذلك، فلو هدى الإنسان عقله «البحث العملي + التفحص الشخصي» على خبث الشيء حرم عليه وإلا يرجع إلى عالم يُعرّف ذلك له. أَوَلم يقل ربنا:

﴿الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا[2].

وإذا لم يكن ذلك فإنه يعود إلى العرف: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ[3]، والعرف في حقيقته خلاصة عقول الناس، وهو خبره متراكمة، وهو يتصل بحجية الشورى، وللشورى أصلان:

تراكم الخبرة وتكثيف التجارب؛ لأن الناس هم معدن الحكمة التاريخية ومرتكز التجارب المتواردة. من هنا جاء في الحديث «من شاور الرجال شاركها عقولها». والشورى هي السبيل لبلورة الرؤى والنظريات والتجارب. والسر أن الشورى تستحث الناس على التفكر وتحضهم على الحوار البنَّاء لمعرفة الحقائق.

استثمار قنوات المجتمع لتركيز الخبرة عبر الأسرة ثم العشيرة ثم الصحبة «بالجوار وبالجنب أو في الشغل أو في الدراسة»، ثم التجمعات العلمية والسياسية والاقتصادية، فهذه القنوات لو استغلت عبر الشورى لتجميع شتات الخبرة ثم تركيزها وإيصالها إلى دماغ المجتمع المتمثل في القيادة لكانت أعظم فائدة من كثير من مراكز البحث؛ لأن التفكير الجمعي أفضل الطرق لانتخاب الأصلح.

«والسؤال المطروح هنا هو: كيف يتم تحديد الموضوعات الخارجية ؟»

من خلال الأخذ بالسبل التالية:

- العرف.

- الشورى.

- رأي الفقيه العارف بأهل زمانهِ.

الحلقة الثالثة للتأويل:

«التطبيق النزيه لقيم الوحي والعقل على أرض الواقع مع ضبط المتغير بعيداً عن الهوى».

في الحقيقة التأويل يولد من حركتين أساسيتين:

حركة من الظاهر إلى الباطن: «وهذه الحركة معناها تفعيل العقل ببصائر الوحي».

وحركة من الباطن إلى الواقع وضبط المتغير بعيداً عن هوى الذات وضغط المجتمع.

وكلاهما تشكلان حقيقة واحدة وهي «فهم النص وتطبيقه على أرض الواقع» ولا يكفي التخمين هنا، ولا إخضاع النص لأهواء المفسر وأيديولوجيته مهما كانت النوايا حسنة، وإنما لابد أن يستند الاستنباط التأويلي إلى حقائق النص من جهة وإلى معطياتهِ اللغوية من جهة أخرى، ثم لا بأس من جهة أخرى بعد ذلك الانتقال من الدلالة إلى المغزى.

وكما لابد أن نفهم التأويل ضمن الإطار الذي وصف فيه القرآن نفسه بمعنى «أنه كتاب حكمة وبصائر فلا يتجاوز التأويل هذا الوصف»، يقول تعالى: ﴿ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ[4]، وتارة يسمي هذه القيم بالبصائر لأننا نبصر بها ﴿هَذَا بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ وَهُدًى[5].

ولذلك «فالتأويل هو الطريق الرابط بين ظاهر الحدث والبنية المحركة لهذا الحدث»، فكل حركة على مستوى الظواهر الكونية أو السلوك الإنساني تتحرك وفق بنية تحتية تكون بمثابة المحرك للظواهر.

فالظاهرة الكونية تتحرك وفق سنن الله في الطبيعة، كما أن السلوك الإنساني على مستوى الإرادة والاختيار يتحرك وفقاً للغايات والأهداف، والغرائز، والقيم، وكذا النص يحمل بنية تحتية تمثل الحكمة الباعثة لتشكّل النص.

ولذا فالباطن المقصود بالتأويل هو بمعنى السنة أو الأصل أو الحكمة الذي يرجع إليها الظاهر وليس مطلق الباطن.

ولذلك فالروايات التي وردت، وردت في هذا الاتجاه:

فقد جاء في تفسير العياشي عن الفضل بن يسار قال سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن هذه الرواية «ما في القرآن آية إلا ولها ظهر وبطن.

ماذا يعني بظهر وبطن؟

قال: ظهره تنزيله وبطنه تأويله».

فهذه الرواية تؤكد أن عملية التأويل هي التحرك نحو الداخل لاكتشاف بطن القرآن.

وروايات تُبيِّن أن التأويل هو معرفة السنن. ففي تكملة الرواية السابقة يقول الإمام: «ظهره تنزيلهُ وبطنه تأويل. منه ما مضى ومنه ما لم يكن بعدُ يجري كما تجري الشمس والقمر».

فتؤكد هذه الرواية أن شمولية القرآن واستمراريته تتحقق وفق عملية التأويل، فهي التي تجعل النص يحتمل خاصية الجري والانطباق.

وهذا معناه «أن للقرآن ظهراً ولظهرهِ باطن، وبطن القرآن هو العلم، وهذا العلم هو التأويل، وهذا التأويل هو الذي يعطي للنص استمراريته، وهذه الاستمرارية بسبب كشف التأويل للسنن والحكم التي تحرك الظاهر».

ويبقى أمامنا أن نسأل هذا السؤال: «بما أن التأويل هو تطبيق الثابت على المتغير مع ضبط المتغير وتحديده بعيداً عن الهوى» كيف نضمن هذه الدقة؟ هذا أولاً، وكيف نعرف إخلاص الذي يصدّر الحكم؟ ثانياً، ما هو الشيء الذي يتغير والشيء الذي لا يتغير؟ ثالثاً.

الجواب: قبل كل شيء «أو قول: إن أصول الحقائق لا تتغير» ولكن الموضوعات الخارجية التي تطبق عليها تلك الحقائق هي التي تتغير.

إن ما يتغير هو مستوى التقدم العلمي والعرف والمصالح العليا للبلاد.

وأما شروط دقة التطبيق للقيم الرسالية (قيم الوحي والعقل) على الواقع الموضوعي فهي:

أولاً: سلامة النية.

ثانياً: العلم بالقيم علماً راسخاً.

ثالثاً: العلم بالواقع علماً راسخاً.

والتطبيق النزيه للقيم على أرض الواقع هو من أهم مسؤوليات رجل العلم.

أما: «أهم خطوط الافتراق في الموضوع» فهي:

أن التفسير هو معرفة الحكم والتأويل هو معرفة الحكمة؛ ولذلك يقول تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ[6].

فإذا نظرنا لهذه الآية من خلال أن باطن القرآن هو العلم وأن هذا العلم لا يتحصل إلا عن طريق التأويل تكون النتيجة الطبيعية أن علم القرآن رهن تأويله، وهذا هو منطوق الآية.

ويكمن بُعد أصيل من أبعاد عملية التأويل وهو أن التأويل يرتبط «الاستنباط واكتشاف الباطن» في حين يغلب على التفسير النقل والرواية.

المحور الثاني:

«بيان الأسباب المعرفية والتاريخية التي ساهمت في فرض إليه التفسير عوضاً من الآليات الأخرى».

السبب الأول: «الاهتمام بظاهر القرآن» وإهمال روحه العظيمة، فالطريقة التفسيرية المستوعبة لنواحي الاستفادة الشكلية من النص القرآني المقدس قلّصت الاجتهاد في فهم النص وأصبحت الدوائر الاستنباطية لا تتجاوز آيات الأحكام وبعض الجدل العقائدي بين المذاهب في آيات الصفات وغيرها.

لذا نجد أن للذين اهتموا بشأن القرآن وعلومهِ قد أكدوا بشكل جلي في تصنيفاتهم مدى تركيز التفسير والمفسرين على ما يدور خارج النص.

فإذا رجعنا للزركشي في البرهان أو السيوطي في الإتقان رأينا عناوين الأبحاث التي اهتم بها التفسير طوال قرون متطاولة تعبر عن الاهتمام البالغ بالتفسير على حساب التأويل، وبمراجعته كتاب الإتقان نجد أن عناوينه بلغت الثمانين عنواناً.

- معرفة المكي والمدني.

- النهاري والليلي.

- الفراشي والنومي.

- أول ما نزل وأخر ما نزل.

... الخ.

السبب الثاني: بعض المفسرين جعل كلمة التأويل مرادف لكلمة التفسير واعتبر أن هناك خصوصية واحدة تمتاز بها حركة التأويل عن التفسير، وهي تبديل كلمة التفسير بكلمة تأويل.

السبب الثالث: وهي محاولة مصادرة كل اتجاهات الفكر الديني المعارض ما أشار إليه نص حامد أبو زيد:

«إذا كان مصطلح التأويل في الفكر الديني الرسمي قد تحول إلى مصطلح مكروه لحساب مصطلح التفسير فإن وراء مثل هذا التحويل محاولة مصادرة كل اتجاهات الفكر الديني المعارضة سواء على مستوى التراث أو على مستوى الجدل الراهن في الثقافة».

كما وأن وصم الفكر السائد للفكر النقيض بأنه فكر تأويلي يستهدف تصنيف أصحاب هذا الفكر في دائرة الذين في قلوبهم زيغ؛ ولذلك تتهم السلطات التنفيذية المعارضة والاحتجاج السياسي بأنها تحركات تستهدف إثارة الفتنة.

والسبب الرابع: إنه سبب رباني لحماية شخوص الوحي الإلهي.

والسبب الخامس: «النظر إلى النص كحرف جامد وإطار ثابت» هو المسؤول عن كثير من التناقضات التي نجدها ظاهراً بين النصوص. والعلاج هو في أن ننظر إلى النص «كرمز وإشارة إلى الحقيقة، وبالتالي جعل النص تعبيراً عن بُعد من الحقيقة لا يكتمل إلا بأمرين آخرين:

الأول: سائر النصوص في السياق ذاته.

الثاني: سائر القواعد العقلية التي يستشيرها النص».

المحور الثالث:

«التطرق للتأويل وموقعه في العقلية المسلمة عبر الحقب التاريخية».

حينما نعود إلى حركة الأجيال في الأمم السابقة وتحديداً في زمن النبي يعقوب (عليه السلام) نجد أن التأويل ذا أهمية بالغة، حتى أن النص يصف لنا حالة الملك الذي رأى الرؤية وطلب تأويلاً لها حيث يقول النص:﴿أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ[7].

وهذا دليل واضح على أن التأويل قد احتل موقعاً هامًّا في عقلية الأمم الماضية.

نحن نرى في سيرة فريق كبير من العلماء واتباعاً لنهج الشيخ محمد عبده في تفسير القرآن حيث جعلوا التأمل في الأصول العامة -آيات الأحكام واستنطاق قواعدها العامة وتطبيقها على الظروف أو ما يسمى بالتأويل- أهم أصل في فقه الشريعة اليوم.

ويرى البعض أن التأويل ليس فقط يجري في النصوص الشرعية العامة بل وأيضاً في كل نص، باعتبار أن التأويل جسر بين الحقائق المطلقة والوقائع المتجددة، كما أنه وسيلة لاستثارة العقل وإنهاضه من سباتهِ، ومن ثم التعمق في وعي الحقائق.

المحور الرابع:

«شرح مختصر لمدارس التأويل الحديثة التي تنادي بالتأويل وتفعيله»

أولاً: «مدرسة الهرمنوطيقا»:

إن من أهم مدارس التأويل في العصر هي مدرسة الهرمنوطيقا «تعدد القراءات» وهي مدرسة أدبية تختلف عن مدرسة السكولارزم الفلسفية والبلورالسيم المنطقية.

فهي مدرسة تُعنى بالعلوم النقلية وكيفية قراءة وفهم النص سواء كانت نصوص سماوية كالتوراة والإنجيل والقرآن، أو كان نصًّا بشريًّا. وكان رواد هذهِ المدرسة فلاسفة ألمان متخصصون في الألسنيات وعلوم اللغة.

وأهم ما يميز هذه المدرسة عن مدرسة البلورالسيم هو أن مدرسة الهرمنوطيقا تعتمد على تعدد القراءات للنص، في حين أن البلورالسيم تعتمد على تعدد الإدراك، هذا من جهة.

ومن جهة أخرى فإن المدرسة الهرمتوطيقية ترفض القراءة الفردية للنص، وهي تتعامل مع النص كما تتعامل مع اللغز الذي له العديد من الحلول. ونقصد من القراءات هنا الدلالات والاستظهارات والاستنباطات والأفهام.

ثانياً: مدرسة البلوراليسم «تعدد الإدراك»:

وهي مدرسة منطقية وليست فلسفية وتعتمد على منهج الإدراك وكيفية استقاء المعلومات. والمناهج المنطقية القديمة والحديثة والغربية والشرقية والمادية وغير المادية جميعها تهتم بكيفية الإدراك ونظم المعلومات والاستنتاج من تلك المعلومات. وتعتمد هذه المدرسة على أساسين:

الأول: إن الإنسان لا يستطيع أن يحيط بالحقيقة بمفرده.

الثاني: إن الإنسان وإن أدرك بعض الحقيقة لا يستطيع إدراكها كلها.

ولذلك فالكل من العلماء يبحثون عن الحقيقة.

المحور الأخير للبحث:

«رؤية الباحث في هذا المجال»

هناك عدة اتجاهات في قضية التأويل وأصوب هذه الاتجاهات الاتجاه الذي «يرى أن التأويل هو الرجوع إلى الموئل الخارجي الذي يحقق النص، أي ليس علاقة لفظ بمعنى، بل علاقة لفظ بأمر عيني يحقق ذاته ويجسد هويته».

وهذا معناه: «إن كل آية يطابقها واقع يكون عين اللفظ لها».

وهذا معناه أن التأويل علماً مراتبيًّا؛ فهو تعقّل ونظر وفقه ودراية وخبره وتشخيص. وأرقاه وأتمه الذي يكون بتعليم الله لأنبيائه الكرام، وقد عبر عنه القرآن «النبأ» لأن النبأ هو: الخبر الصادق، وهو دليل على أن التأويل في القرآن حركة معرفية بعيدة الأغوار.

وربُّنا سبحانه وتعالى يطوي الكلام في القرآن وهو الذي خلق الكون في ستة أيام أول هذه الأيام في القرآن هو يوم الهبوط كما قال تعالى: ﴿قُلْنَا اهْبِطُواْ...، واليوم الأخير في القرآن من سماتهِ «أنه يوم التأويل»، وكلهم يتأولون على صاحب العصر والزمان عجل الله فرجه الشريف.

والإمام المعصوم هو معيار التأويل والتنزيل، فالرب يقول في كتابهِ ﴿أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ.

والسر الذي من أجله لجأ الله سبحانه وتعالى للتأويل هو لأن الله سبحانه وتعالى أراد ستر بعض الحقائق، وفي المقابل هناك شخوص قد أعدها الله تعالى لفتح التأويل، وهم خلفاء السماء حجة الله تعالى على العباد والبلاد. وهذا بحد ذاته عنصر من عناصر الحماية التي توفرها السماء لخطها في الأرض، وهذه الحماية تتجلى بشكل واضح وصريح «قضية إخفاء التأويل وستره لكيلا ينطق بهذه الحقائق طغاة الأرض ويكون لها واقع ملموس بين الناس» والسر يعود إلى حقيقة وهي أن منطوق الخليفة المعصوم له واقع. كما قال تعالى: ﴿... وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ[8]؛ ولذلك ينبغي على من يقود الناس أن يعرف مُراد الله «التأويل» ولذلك فإن الله لا يريد ولا يرغب أن يوصل صريح النص القرآني إلا لمن يحب.

وهذا سبب من أسباب خفاء حركة التأويل في الأجيال وهو «حماية شخوص الوحي».

--------------------------------------------------------------------------------

[1] سورة آل عمران، الآية 7.

[2] سورة الفرقان، الآية 59.

[3] سورة الأعراف، الآية 199.

[4] سورة الإسراء، الآية 39.

[5] سورة الأعراف، الآية 203.

[6] سورة يونس، الآية 39.

[7] سورة يوسف، الآية 43.

[8] سورة ص، الآية 88.


ارسل لصديق