أصالة الاتفاق بين أطياف الأمة
كتبه: الشيخ ناجي زواد
العدد (43) السنة 19 - 1429هـ/ 2008م
التعليقات: 0
القراءات: 1663

ثمة حقائق تتجلى عند قراءة خصائص الدعوة المسلمة وما حققته من امتيازات راقية في طور بناء نسيجها المجتمعي، وتأسيس معالم نهضتها المباركة، وعند عرض فصول معالم تلك الصحوة فإننا نقف على ذلك التراث الخصب الذي ملأ الآفاق بما قدمت من إسهامات جزيلة، لدفع الحركة الفكرية والثقافية في ظل المنظومة المعرفية، وكانت مرئياتها الحضارية محط الأنظار التي أذهلت أبناء البشرية كافة بمختلف مشاربهم وأعراقهم، واحتلت مرتبة الصدارة مدة من الزمن ليست بالقصيرة، حتى كادت أن تأسر المتتبع لتلك المآثر والملامح الخلّاقة، بقيمها ومبادئها وإنسانيتها، ولم تكن تلك المشاهد النموذجية التي تتابعت متزامنة مع نهضتها وحركتها مجرد مواقف عفوية ملأت أجندة التاريخ، لكنها كانت حقائق تتجسد على صفحات الواقع لتحقق أرقى القيم والمبادئ، التي تبعث بالعقل البشري لانتخاب أفضل المناهج وأنبلها في معترك الواقع الحياتي، لكن رغم كل تلك المآثر الراقية، وما وصلنا من مخزون ديني وثقافي هائل، أضحى الوضع السائد بعيداً عن تلك المقاصد والأهداف، ويعيش القطيعة والغربة في الجسد الواحد والوطن المشترك.

وعند تتبع مجريات الواقع المسلم وما آلت إليه الأحوال الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، إضافة إلى التقهقر والتراجع المتجلي في جل الميادين العلمية والمهنية، كل ذلك يجعلنا نلمس حقيقة الغياب لتلك المآثر الخلّاقة التي كان لها الأثر الكبير في نهضة الأمة وتقدمها، وهو الأمر الذي خلّف تلك التركة الثقيلة الحبلى بالأزمات والقضايا المستعصية، التي لا مفر منها إلا بالرجوع إلى تلك الأسس الرسالية الأصيلة.

ومن الأمور المساعدة على اتساع دائرة التقهقر والتراجع هي ما ينشب من تشنجات ونزاعات بين الشركاء في الأقاليم والأوطان الحاضنة، ورغم ما نشهده من معاهدات دولية توفر مساحات من الهدنة والمصالحة بين الشعوب المختلفة، لتشغل طاقاتها وإمكاناتها فيما يعود عليها بالتقدم والتطور، وتحقيق أهدافها في مجالاتها المختلفة، لم نصل إلى إيجاد صيغ ومحاور مشتركة تزيل العقبات المتكلسة، ومع ما نمتلك من قدرة راقية على الاستنباط وقراءة النص بإتقان في علوم الفقه والأصول والعقيدة وغيرها من العلوم، عجزنا عن تهيئة أجواء ملائمة تحتضن كافة أطياف المجتمع، لتحقيق حالة من الانسجام والتوافق على المبادئ والمفاهيم المشتركة، الأمر الذي أفقد هذه الأمة الكثير من مزاياها وخصائصها الخلّاقة، وأضاع الفرص المتوالية لاستنقاذ نهضتها وخصوبة أفكارها ومعارفها، في ظل الرهانات الحرجة التي تتكبدها.

ولعل أغلب ما يبدو أنه خلاف بين شرائح المجتمع والأمة هي هواجس ووساوس ناجمة من أثر القطيعة والانفصال، ولو أتيح لها التواصل والحوار الهادئ لتلاشت جل بؤر الخلاف بين الأطراف المختلفة، فما يحمله دعاة الإصلاح والتغيير من كافة النخب والشرائح الاجتماعية على مر العصور، يصب في قالب وهدف مشترك، ومهما بلغت هوة الخلاف في استنباط الرؤى والأفكار، فإن ما لديها من روابط أوثق من كل ذلك، بل لا يسوغ بحال من الأحوال أن تتحول تلك الاستنتاجات والقراءات إلى معاول هدم وإعاقة للإطاحة بجسور العلاقة، المؤكد على حفظها وصيانتها في منظومة المفاهيم الشرعية، ويتجلى ذلك البعد من خلال القراءة السريعة للموروث الثقافي والمعرفي، التي أرست قواعد اللحمة، وأسست لإقامة جسور شبكة العلاقة بين كافة الأطياف الاجتماعية، وزعزعت هذه الركائز إعلاناً صريحاً ضد قيم الدين ومفاهيمه الأصيلة، وانتفاضة عدائية ضد مبادئه وتعاليمه السمحة، قال تعالى: ﴿وَأَطِيعُواْ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ[1].

ناهيك عن أن حركة الدعوة جاءت صريحة لإرساء دعائم الرابطة بين أبناء الأمة، وهي مسؤولية ملقاة على عاتق كافة النخب والشرائح، شأنها شأن سائر الواجبات التكليفية على المسلم، فإذا ما اعترى الواقع خلل يُعكِّر صفو الأخوة واللحمة، استدعى المبادرة الفورية للإصلاح والتقريب بين الأطياف المتنازعة والمختلفة، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ[2].

ثم ينبغي التأكيد على حقيقة متجسدة بمعاني الدين ومبادئه الخلّاقة، التي قلَّما تجد أحداً من الدعاة المصلحين يفتقر إلى إدراك معالمها ومفاهيمها الراقية، الداعية إلى السماحة والرحمة واتِّباع السبل الحسنة في ممارسة الدعوة، ولا ريب في أن حضور هذه المآثر يكاد لا يغيب عند استخلاص المزايا السامقة التي اختصت بمعالم الشريعة، وهي لم تبتكر لتسويق الأفكار والثقافات لتحقيق غاية منشودة، لكنها قيم راسخة أتت نتيجةً موضوعية للمعطيات الراهنة، من هذا المنطلق لا يسوغ لأي انتماء أو توجه خرق هذه القاعدة بمزاعم واهية، لزعزعة أوضاع المجتمع وسلب أمنه واستقراره، والإضرار بمنطلقاته وأهدافه.

فإذا كانت منظومة المعارف تدفع نحو توحيد الكلمة وتعزيز اللحمة بين أبناء الوطن المشترك والأمة، فما هي الأسباب الداعية إلى الفرقة والاحتراب لتصعيد السجال الداخلي بين كافة الشرائح والنخب الاجتماعية؟

ثقافة التحريض:

إن ثمة حقائق ينبغي ألَّا نجتازها بعفوية وسذاجة، دون التدقيق في مواردها ومصادرها، فهي بمثابة الشريان لتعبئة المجتمع للتعاطي والانسجام على بث ثقافة الفرقة والخصومة والاحتراب المقوضة لمشاريع التأليف والتقريب بين المذاهب المتعددة، إن هذه الثقافة كانت ولا زالت تباشر عبر قنواتها ووسائلها المرئية والمسموعة والمقروءة غرس بذور النزاع والفرقة، وغدت منذ أمد بعيد تُكرِّس هذا النمط لشحن الأجواء بالتوترات والتناقضات، وإفشال المساعي الإصلاحية المنبعثة لإعادة الروابط، وتعبيد جسور العلاقة بين الأطياف المختلفة، ولقد تذرعت بكل وسيلة لإعاقة هذا التأسيس، رغم أنها لا تمتلك من التبريرات والذرائع الشرعية والقانونية والإنسانية، فضلاً عن الصلاحية، ما يُصوِّب تصوراتها ومرئياتها لزعزعة البنية الاجتماعية وتفكيك روابط عضويتها.

ولقد كانت ثقافة التحريض ولا زالت هي المنبع والمستقى الأساس في إثارة الفوضى والقلاقل بين أطياف المجتمع والأمة، ولسنا بحاجة لاستدعاء الأدلة والبراهين لإيضاح الحقائق، إذ لا يخفى على المطلع البصير أن يلمس ذلك الواقع من خلال المشاهد التي تتجلى عبر الممارسات والمسارات المشبوهة، وإذا كان كل ذلك الاستعداء المحموم بدعوى المواجهة للابتداع، فإن ما يمارس من نمط سلوكي يكرس الفرقة أشد ضراوة من الابتداع، وفرية عظيمة مناقضة للمفاهيم والرؤى، التي شجبت بالأمر الصريح هذا اللون من التعامل في اتِّباع نظم الدين، ويتجلى هذا البعد من خلال ما يكرس من مناهج تعليمية تفرض قسراً لتربية الأجيال الناشئة في أقطار البلاد المسلمة.

وأنه ليقلقنا كثيراً ما يتناهى للأسماع من إقامة حواجز أو جدر حائلة بين الطوائف المختلفة، للوصول بالمجتمع إلى الأمن والاستقرار، في خضم نشوب فتن مذهبية أو طائفية، فللوهلة الأولى قد نصور ذلك الحال بأنه لون من التجني لضرب المصالح الوطنية، وزعزعة لحمة النسيج الاجتماعي، غير أنه عند التدقيق في ملامح العلاقة القائمة بين الأطياف المتعددة سنجد أن ما يُبنى من سدود فكرية وثقافية ممانعة لانتعاش الأفكار والثقافات وتداولها بآفاق خصبة متفتحة، وشخصية متسامحة، تنسجم وتتناغم ضمن نسج بناء تعايش مشترك، إن هذه الأسوار والسدود الممانعة للمشاركة الوطنية فكريًّا وثقافيًّا لهو أشد جناية من إقامة تلك الحواجز التي سرعان ما تتداعى أعمدتها وتتشقق جدرانها عندما يألف المجتمع التعايش والتسامح والتعاضد.

ثم إن جل ما يثار من صخب إعلامي مشبوه لنشوب الخلافات الدائرة بين أطياف المجتمع والأمة، لا يستند في الغالب إلى مبانٍ علمية متينة، ولا تدعمه المنطلقات والأسس لمرتكزات نظم الشريعة الغراء، وإنما هو عبارة عن ميولات وقناعات شخصية تنم عن نمط وسلوك تعصبي متحجر متبلد، يحجب آفاق الفكر والمعرفة عن فهم الحقائق واكتشاف براهينها، وينأى بقناعاته عن الانفتاح والتعايش مع الآخر، دون مراعاة للمصالح العامة المشتركة، ومهما كانت الرهانات تتطلب التصالح على العيش المشترك، وفتح مساحة للتوافق والانسجام ضمن الخطوط والمحاور المتفق عليها شرعيًّا وقانونيًّا وإنسانيًّا، فإن هناك من يأبى إلا إقامة العوائق والسدود التي تحول دون تحقيق نجاح يذكر في هذا المجال، ودفع الأمور إلى طرق موصدة لا ترقى لتكوين حالة صحية من التصالح والتسامح والتعايش.

وبرغم أن كافة القوى الكونية مضت لنسج عقود التآلف والانسجام فيما يحقق لها المصالح والمكاسب في سائر مجالاتها الحيوية، ولم تزل تعزز منظومتها بمزيد من التجانس والتقارب في فلكية الرهانات الملحة، فإن واقعنا لا زال يكرس جهده لنسج الخلاف والنزاع في إطار النسيج الواحد، ورغم ما نعايش من رهانات مستعصية، يطيب للبعض إذكاء شرنقة الطائفية بنبش حوادث التاريخ وما واكبه من سجال واحتراب، لتتحول إلى عتاد فتَّاك في المواجهة العضوية والأخوية، فتشتت الجهود والقدرات، في الوقت الذي ننشغل فيه عن أبسط المخاطر والأزمات المحدقة بواقعنا المشترك لتطال المجموع بكامله دون التفات واهتمام، فتسقط من أجندتنا دون حساب.

إن الواجب الذي يتفق عليه سائر العقلاء من كافة الأطياف المتنوعة يحتم على الشرائح والنخب الاجتماعية إثراء الساحة العربية والمسلمة بأدوات الوعي والمعرفة، والسعي الحثيث لعلاج هذه الظواهر المتفشية في أروقة مجتمعاتنا، وتجاوز بؤرها ورواسبها، إذ أضحت هذه الشعوب بما تملك من فكر متوثب وثقافة متفتحة تعيش انشغالاً داخليًّا، يصرف جهودها وقدراتها في تكريس واقع التخلف والانحطاط، الذي لا يتسنى له بحال من الأحوال التصدي للهجمات العدوانية والاستعمارية بالشتات والضياع، فما ينبغي أن يُهتم به ويُسعى إليه، هو البحث في سبل تقريب وجهات النظر والتغاضي قدر الإمكان عن مسببات التشنج والاختلاف، فتؤسس وعياً جديداً يحتضن مكونات التصالح والتعايش، ونبذ ثقافة القطيعة.

ولسنا نغفل تلك المساعي التطوعية المباركة التي تصدر عن توجهات إسلامية مخلصة للحد من دراما التحريض وترميم جوانب حساسة من شبكة العلاقة بين الأطياف المختلفة، ومن الجدير بالذكر الإشارة إلى ما يرد من بعض الدعاة للنأي عن استخدام الألفاظ المشنجة للأجواء بين المسلمين كالروافض والنواصب وغير ذلك، ومن الجيد أن يتنامى هذا الحس عند شرائح الدعاة والعقلاء من كافة التوجهات، لتتحول إلى مادة إعلامية تربوية تنشأ على قاعدتها ثقافة المسلم وفكره، لتتلاشى حملات التشويه والتحريض المقيتة من قبل المذاهب بعضها ضد بعض، فتحل بقنواتها نواة التعايش وتبادل الاحترام والتقدير، فتتعاطى على أساس المعايير الأصيلة، سيما وواقعنا يواكب الأزمات المستعصية، والخطوب تدلهم بحاضره ومستقبله دون أن تسخر القدرات والإمكانات لتحصين الواقع وتجاوز المخاطر المحدقة به، ورغم أهمية المنحى المشار إليه إلا أنه من الضروري مراقبة المناهج التربوية والنأي بها عن مواد التعبئة وتأجيج الأجواء بالتشنجات والعصبيات التي تغض الطرف عن البصائر والرؤى.

تقديس الأفكار المتطرفة:

ولعل جذر المشكلة يكمن في الارتهان للأفكار والرؤى الاستنباطية وإحاطتها بهالة من القداسة والحصانة، الذي يجعلها غير قابلة للنقاش والاعتراض على مضامينها ومفاهيمها، رغم أنها لم تكن في الأساس إلا اجتهادات بشرية محضة قابلة للصواب والخطأ، ومهما حققت من مكاسب وإنجازات فإنها لا تتشح برداء العصمة، فقد تُصيب وقد تُخطئ، نعم قد تنتهل من مصادر السنة، وتستخلص معانيها من معالمه ومفاهيمه، غير أنها تبقى مرئيات قابلة للنقض والتصحيح وإعادة صياغة محاورها ومنطلقاتها من جديد، حسب ما يتفق مع الوقائع والأحداث المستجدة على مسرح الواقع الحياتي.

إن ذلك المنحى الذي تتخذه بعض التوجهات من احتكار منبع مفاهيم قيم الدين وتعاليمه الرشيدة وتقمصها رداء الأصالة، وإحاطة منطلقاتها ومناهجها واستنتاجاتها الفكرية بالبراءة ومجانبة النواقص والمثالب، لتختزل الحقيقة بكافة مضامينها ومقاصدها ضمن أطر وقوالب خاصة فتسلب الآخرين الصلاحيات المتاحة في ساحة الاجتهاد والدعوة، إن ذلك التصور السائد هو الذي سوّغ لتلك الجماعات إسقاط ما هو محظور من حملات عدوانية وتكفيرية بحق الأطياف الأخرى، التي تتقاسم معها الاغتراف من المنبع ذاته، ولا يمكن بحال من الأحوال أن نجعلها المحطة الأخيرة والخاتمة لاصطياد الحقيقة بكافة مكوناتها وغلق منافذها الوافرة، بل إن من المميزات الراقية التي انفردت به منظومة المعارف والمفاهيم الدينية أنها لا تخضع للاحتكار والوصاية.

ثم إن الكثير من الأفكار والرؤى وما تحتضنه منابع المعرفة ومنظومة المفاهيم طوت مراحل متعددة وأزمان متغايرة، جرت عليها ابتكارات وتطورات حسب المقتضيات والمصالح الراهنة، فسائر العلوم والمعارف لم تجمد على مكوناتها ومحاورها، وإنما اتخذت مسارات استنباطية واجتهادية أضفت تأسيسات توسعية في منظومة الأفكار الحياتية، ولو أنها اختزلت أدواتها وآلياتها اقتصاراً على تلك الأبعاد لباتت معاقة عن التطور والتجديد ومواكبة الواقع بمستحدثاته ومجرياته الطارئة، غير أنها تميزت بقدرتها على التعايش دون تخلخل عناصرها وركائزها، وإذا كان ثمة خشية وخطر على الموروث والهوية فإنما هو لغياب الوعي والرؤية المشوهة.

ولا غرو أن الكثير من التوترات والحساسيات السائدة بين المجتمعات قد يكون منشؤها غياب أدوات الوعي وعناصره الفاعلة، فكلما تضاءل وضمر هذا الحس بعد الكشف عن ماهية الحقائق وبصائرها، فالقراءات المبتورة والاستنتاجات المرتجلة ليست قيما راسخة تفضي إلى تسليم مطلق لتغلق كافة المنافذ المفتوحة في مكونات الفكر والثقافة الإسلامية، وإذا كنا ننأى عن تقميص العصمة لغير أصحابها المؤسسين لأحكام الشريعة، فكيف نسوِّغ للأفكار أن تحمل لوناً استبداديًّا قهريًّا لقسر الآخرين عليها، وما هي إلا تأملات واستنتاجات في فضاء مفتوح، من المتاح أن تتوالد فيه الأفكار والرؤى حسب التصور والأدوات المستخدمة، دون أن يشكِّل ذلك إعاقة على طبيعتها وإشعاعاتها، ليتداول الجميع مرئياتها بحرية مطلقة.

ومن المثير للدهشة والاستغراب أنه مع تقدم آليات الوعي السياسي والفكري والثقافي في الوطن العربي والإسلامي، إضافة إلى توافر وسائل المعرفة بشتى معالمها ومفاهيمها، إلا أن واقعنا لا زال غير قادر على الانعتاق من آثار التبعية والاستغلال، بل ربما تفاقمت الأمور وتضخمت بشكل أكبر، ففي الوقت الذي تنجز فيه قوى الاستكبار العالمي جل تصوراتها وأهدافها، وتتوسع في أدواتها ومشاريعها لتعزيز نفوذها، وحفظ مصالحها ومكانتها، لا زال النقاش يدور في أوساط منتدياتنا الفكرية والثقافية والاجتماعية البحث عن سبل التعايش والالتقاء، ولقد مرت بنا قرون متعاقبة دون تحقيق نتيجة مرضية، تجتمع عليها كافة النخب والشرائح الاجتماعية والوطنية، ورغم المساعي الحثيثة للتقريب بين وجهات النظر بين المذاهب والتوجهات، وما يؤسس من رؤى وأفكار لإذابة الجليد الحائل بين الأطياف المختلفة، إلا أن الوضع السائد لم يندفع لردم الفجوة وإزالة الهوة، بل السلوك العام يكرس الحالة بما يتخذ من منحى التعبئة على التحريض المذهبي الطائفي والاجتماعي السياسي، وهكذا دواليك.

حقائق تتحدى الهواجس:

منذ النشأة الأولى لحركة الدعوة والرسالة كان التصور السائد الذي ينشده المسلم ويتطلع إلى تحقيقه برغبة وطموح، هو تطبيق شريعة الدين وإرساء تعاليمه ومبادئه في أرجاء المعمورة، ولقد كانت جاهزية ذلك التجمع بما لديه من نواقص ومثالب تأخذ مساراً تصاعديًّا نحو تطوير حركته ونشاطه لتحقيق المكاسب والإنجازات المتقدمة، ورغم الفوارق اللونية والعرقية التي تصدر عنها، إلا أن تلك التركيبة وجدت في قيم الرسالة ومعارفها الحضارية، الحضن الدافئ الذي يجمعها ويؤسس لها أرقى منظومة القيم والمبادئ التي تطلق مساعيها في رحاب الحياة، وبمثابة المظلة التي ترعى الجهود وتحفظها من التلف والتلاشي.

إن ذلك المنهج الناصع هو الذي استأثر بفكر وثقافة الإنسان المسلم فشحذ إمكاناته وقدراته لإنماء حركة الواقع وبناء المستقبل الأفضل، فأسس أقوى منظومة معرفية تقهر الجهل والتخلف، والدعة والكسل، حينذاك استطاع ذلك النسيج المجتمعي بما يحتضن من قيم ومبادئ مرموقة أن يسطِّر أبلغ مفردات النهضة الإنسانية في الوجود، ويجسِّد مقاصدها ومعالمها باحترافية متناسقة، فأضحى آنذاك نسيجاً اجتماعيًّا مشتركاً، يؤازر بعضه بعضاً، وينضوي تحت مظلة الدعوة والرسالة، ورغم أنها أمة ناشئة لديها من النواقص والمثالب إلا أن ذلك لم يزعزع وحدة البناء أو يوهن منزلته ومكانته، بل كان تماسكه يشتد ويكبر كلما تقدمت مراحله، وهو الباعث لينجز بما يحتضن من مبادئ وقيم الانتصارات المتتالية.

انطلاقاً من ذلك فإننا لكي نحقق خطوات ملموسة نتجاوز بها بؤر الخلاف الداخلي ينبغي أن ننأى عن سياسة التعتيم والتشويه المغرضة، وإزالة السدود الممانعة عن السياحة المعرفية في رياض أفكار بعضنا البعض، والاستفادة من التراث المشترك، مع التأكيد على شجب الإهانة والتجريح غير اللائق التي قد يتخذها بعض الأفراد من الأطياف المختلفة، ومن الضرورة بمكان أن نضع أفكارنا ومناهجنا ونتاجنا المشترك للمزاولة والدراسة، فإذا كنا تواقين للانفتاح على ثقافة الآخرين ونتاجهم الفكري والمهني، فإننا أمام تراث حقيقي لا يسوغ أن نجرفه في أنفاق مظلمة لموقف أو توجيه خاطئ.

ومن الجدير بالذكر أن هذه الدعوة ليست للاقتناص وتتبع المثالب والعثرات، لنجهز على خصائص ومكونات بعضنا البعض بما يتاح ويتوافر من وسائل وأدوات غير خلّاقة، لتُسعِّر أوار الاحتراب الداخلي فتقوِّض الجهود الحسنة، وتستنزف القدرات والإمكانات فيما يورثها الخسائر والانتكاسات المتوالية، إنما لتتلاقى الرؤى والمفاهيم فتستنتج المعارف والأفكار المشتركة التي توطد اللحمة وتشيد جسور العلاقة بين كافة التوجهات، وكما قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): «أعلم الناس من جمع علم الناس إلى علمه»[3].

إن المسؤولية الملقاة على عاتق المهتمين بحراك الدعوة من النخبويين وكافة الشرائح الاجتماعية، هي أخطر مما كانت عليه في خضم أحقاب مضت، وما يساورها من أخطار وخطوب تفوق جلّ التصورات، ولذا فإنها بحاجة إلى مبادرات خيِّرة تقوم على التوفيق بين الأطياف والتوجهات عبر المنابر الإعلامية المتاحة، وما يتوافر في الساحة من وسائل وآليات تخدم هذا الاتجاه.

تصحيح مفاهيم الدعوة:

في ظل التوترات والحساسيات المفرطة التي تغص بها أرجاء منطقتنا العربية والإسلامية وما يواكبها من أحداث مأساوية تتوالى على مقدراتها المادية والمعنوية، التي لم تشهد لها مثيلاً منذ أمد بعيد، يستدعي التريث قليلاً للبحث عن الدواعي والأسباب التي أوصلت الواقع للارتهان لتلك المنعطفات القاسية والحرجة، التي ظلت ولا زالت ترزح تحت أسوار الهيمنة الاستكبارية، ولا غرو أنها تداعيات أتت نتيجةً طبيعةً للتراكمات المتكلسة، التي لا تقتصر على نسج بؤر الخلاف والقطيعة فحسب، إنما ما هو أبعد من ذلك، بحيث ساغ لبعض الأطياف انتهاك الحقوق الأخوية على حسابات طائفية، ونزعات مذهبية وعرقية، وهو ليس بحاجة إلى سوق البراهين والذرائع، غير أن العوامل المساعدة للتعبئة لاستشراء تلك الظواهر المرضية هو ما يصاغ من خطاب دعوي يقوم على إثارة الإحن السياسية والدينية بين الأطياف المتنوعة على حد سواء، وقد استخدمت كافة الوسائل لتفخيخ الأجواء بعبوات ناسفة لكل محطات الالتقاء والانسجام ضمن محاور توافقية، وصد كافة الحلول المؤدية إلى تحقيق تلك النتائج وما تستدعيه رهانات الواقع.

وبقدر ما جاء من التأكيد على تكريس مشروع الدعوة من قبل المشرِّع لحركة الرسالة، لتتحول الوظيفة إلى حالة صحية تشترك بمنظومتها كافة النخب والشرائح المسؤولة والحريصة على وضع الأمة، فإنه في الوقت ذاته أسس ليوقد نهضة حضارية متفتحة، تقوم ركائزها الخلّاقة على التجديد والتصحيح لمعالم الطريق، فتتعايش المجتمعات بحرية وكرامة لتتحقق مكونات الشراكة الحقيقية، إلا أن ثمة توجهات اتخذت مسارات متغايرة لا تمت لعقيدة الدين وفكره وثقافته بصلة، فمنذ نشأتها اتبعت وسائل الاحتراب الدامية، وكرَّست خطابها الدعوي لغرس بذور الشقاق والنزاع، دون مراعاة للمصالح وما ينبغي الالتفات له من رهانات ومستلزمات بالغة الأهمية، وكأن حضارة الدين وإنسانيته ليست لها من المقاصد إلا إشباع هذه النوازع القائمة على المقت والعدوانية، التي تفتقد البصيرة الثاقبة لاستنباط التصور الحضاري الخلّاق في تكوين النسيج الاجتماعي الوطني، ضمن معايير رؤى ومفاهيم خصبة، وما يتجلى من مشاهد مأساوية في عصرنا الحاضر، حيث أضحت هذه الفئات تتجاوز كافة الخطوط وتنتهك الحقوق الشرعية والإنسانية بمزاعم واهية، لا تستند إلى أصل أو فرع يشرع مقاصدها ومنطلقاتها الخاطئة.

وإذا كان الخطاب الجهادي مقدس بما يحتضن من مضامين ورؤى مشروعة، تسترد من خلاله الحقوق والخصائص المقهورة في منظومة القهر والاستبداد، فإن ذلك لم يرد ليعبئ الشعوب المسلمة ضد بعضها لتقحم في فوضى خلّاقة، لتكون بمثابة عتاد في خطوط المواجهة، تتقاذفها أنظمة وأجهزة مغرضة لا تبتغي إلا الدمار والهلاك لهذه الفئات المضللة، لتجهز على المكتسبات والإنجازات الحضارية للأمة، إنما ليبقى المشروع الجهادي الحالة اليقظة التي تزود الأمة والمجتمع بالطاقة الدفاعية والحصانة المنيعة من الأخطار التي تهدد الأمن والاستقرار لحاضرها ومستقبلها.

وفي ظل الفشل الذريع الذي مُنيت به بعض الأنظمة الحاكمة في الوطن العربي والإسلامي، وما كانت تعتنق من أفكار قومية أو مذهبية ليس لديها المقدرة على تعزيز مكونات الوحدة الوطنية، وما نتج عنها من تصدعات وانهيارات تكاد تُغرق الواقع بالانقسامات المتعددة، وهو الأمر الذي تخشاه وتحذر منه نخب وشرائح سياسية ودينية، الذي بدت ملامحه تتشكل في خارطة العالم العربي والإسلامي، من أجل ذلك نحن بأمس الحاجة إلى ابتكار خطاب متجدد ملم بالرهانات والمخاطر المحدقة، يجذر دعائم النسيج الاجتماعي والوطني، وينأى عن خيارات هيمنة الحزب المتفرد بشؤون مقدرات المجتمع ومصائره، الذي أغرق شعوب المنطقة برمتها في الأزمات الخانقة، ولعل التداعيات المتراكمة تتطلب المبادرة بأسرع ما يكون لتهيئة المناخ الملائم لاحتضان التنوعات المختلفة، لتتآلف وتشترك في المساهمة الاجتماعية الوطنية.

وإذا كانت الظروف الراهنة بحاجة إلى تجارب مستحدثة لانتخاب المكونات الناجحة في إنماء نسيج اجتماعي متجانس متعاضد مع بعضه البعض، فإن ثمة تجارب سائدة تثبت أن المخرج الوحيد من رحم الأزمات الخانقة إنما يتم عن طريق التعايش وتعزيز وسائل الحوار، والمشاركة الفعلية في الحقوق والواجبات، دون الإقصاء لطائفة أو توجه في عملية الإسهام الاجتماعي والوطني، وهو المقترح الأبرز للخروج من قمقم التيه والضياع.

خاتمة:

من خلال المفردات النصية لحركة الدعوة ومساراتها الخلّاقة يتضح مدى حرصها الكبير لمد جسور العلاقة بين شرائح ونخب النسيج الاجتماعي والوطني، ووضع الأسس والمعايير الملائمة لتوثيق دعائم الرابطة العضوية، ومهما كان الخلاف النظري السائد يتخذ مسارات وتوجهات متنوعة ومتشعبة في حواضن الأمة، إلا أنه لا يسوغ بحال من الأحوال إنشاء السدود الممانعة عن التعاطي والانسجام وانتعاش وسائل الحوار بين النسيج الاجتماعي والوطني المشترك، وهذه التصورات والرؤى ليست وليدة الداعي المأزوم، إنما نابعة عن المصدر الأصيل المتبع.

ثم إزاء المكونات التراكمية وبمقتضيات التجارب الحافلة بالمجريات والأحداث المريرة، التي تكاد أن تنتشر وتتوسع لتغرق مساحات شاسعة من الوطن العربي والإسلامي، لتقذف بخيرة طاقاته وقدراته لانتهاج السلوك الصدامي الدامي، فضلاً عن هواجس التوتر والانفعال القلق، إن كل ذلك يستدعي الإنصات إلى الآخر، وقراءة مرئياته ومنطلقاته للوصول إلى مقاصد مشتركة، دون اللجوء إلى القسر والقهر الذي لا يحل المشكل، ولا يبتكر مناخاً وفكراً للتآلف والتعاضد، بل سيضاعف من جرعات الاحتقان وتكلُّس دواعي النزاع والقطيعة، لتتزعزع روابط العلاقة بين كافة الأطياف المختلفة، ولن يسعفنا الهروب من صياغة رؤية توفيقية مشتركة تحتضن النسيج الاجتماعي المشترك لتجنب تأسيس دعائم بؤر النزاع والاحتراب.

--------------------------------------------------------------------------------

[1] الأنفال: 46.

[2] الحجرات: 10.

[3] المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، ج74، ص112، مؤسسة أهل البيت، 1410هـ - 1989م.


ارسل لصديق