كلام عن الدين والحداثة
كتبه: السيد جعفر العلوي
العدد (43) السنة 19 - 1429هـ/ 2008م
التعليقات: 0
القراءات: 9454

تمهيد

لماذا يكون بعض الناس فقراء، ولماذا تكون بعض البلاد فقيرة أو متخلفة؟.. جدل كبير بين حصر الأسباب في الأسباب الداخلية من الكسل ومنظومة القيم غير الملائمة للتنمية وافتقاد الرساميل الكبيرة والتنظيم... أم هو نتاج قرون من الاستعمار والاستغلال وصراع القوى الكبرى؟[1]...، أسئلة وإجابات مختلفة تختزل جوهر وغايات المشتغلين بـ«الحداثة».

في الثورة الصناعية الأوروبية حيث بدأت الكنيسة والإقطاع التقليدي بالتضاؤل لصالح رجال الأعمال، وأخذت المزارع الصغيرة تلتحق بالكبيرة لانعدام القدرة على المنافسة. هذه الثورة الصناعية التي آذنت بولادة الحداثة كانت مريرة، حيث تحول المزارعون الذين خسروا أراضيهم إلى عاطلين أو عمّال مستأجرين في المصانع الكبيرة وبأجور زهيدة وظروف عمل قاسية، وكان الربح الوفير لمالك المصنع. وهكذا توالد الفقر أيضاً في الرأسمالية، وربما أسهم الاستعمار في تخفيف التناقض الطبقي في المجتمعات الأوروبية بتخليق طبقة عمالية رخيصة في البلاد المُستَعمرَة. وهكذا ارتبط التقدم بالاستعمار خالقاً أبشع الصور، كما أن العصر الحديث الرقمي وما بعد الحداثة التقليدية ارتبط بالهيمنة الأمريكية وحروبها العالمية المتنقلة وبالأزمات العالمية الخانقة الاقتصادية والبيئية.

بعد الحرب العالمية الثانية خرجت الولايات المتحدة القوة الوحيدة والسالمة من آثار الحرب المباشرة السلبية، وكان إيجاد الأسواق الجديدة ومكافحة المد الشيوعي قد آذن بمشروع مارشال لتسترد أوروبا عافيتها، وبخطط تنموية في البلدان الآسيوية وغيرها لتقليل مشاكل الفقر لئلا تجتذبهم الشيوعية.

وكان مساق الأبحاث التنموية في الخمسينات والستينات يتركز في عاملين[2]؛ الأول وفرة الرأسمال الكافي لإنشاء الشركات الكبيرة القادرة على استخدام التكنولوجيا الحديثة، وبالتالي منافسة الشركات العالمية (وهو ما يبرر الاقتراض كضرورة للتنمية لديهم)، والقادرة على إفراد قسم من الأرباح في تطوير الإنتاج والأبحاث المحققة لذلك. والعامل الثاني البنية الثقافية الملائمة للتحديث.

وتدريجيًّا بدأ العامل الثاني في الحظوة والتقدير؛ من أن نمط تفكير رجال الأعمال و«أخلاقيات العمل الاقتصادي» هي أساس في استحداث العمل وتطويره، كما أن السكن في المدينة وما يستتبعه من تقليص للعلاقات العصبية والسماح بتقسيم العمل اعتماداً على الكفاءة ووفرة التعليم الحديث.

وتالياً دخل العنصر السياسي (المشاركة والحرية) في حساب منظري التنمية لتبرير فشلها في العالم الثالث.

إن الفقر الفعلي كان مبرراً للاستدانة ولفتح الأسواق أمام طوفان الشركات الكبيرة، كما أن تبديل البنى الثقافية كان مبرراً لمحاكاة الغرب المتقدم حتى في مرذول عاداته وثقافاته، وكان الإعلام الحر المتكفل بتخليط أنماط ثقافية جديدة غير متجانسة. وبقي العنصر السياسي هو الأقل حظوة لأسباب واضحة.

وهكذا وجد العالم الثالث نفسه في خضم فقر مُضاعف ببركة الديون ووأد إمكانية المنافسة، وفي خضم تدمير البنى الاجتماعية لصالح خلق مجتمع الاستهلاك في بعض البلاد، أو مجتمعات الصفيح واليد العاملة الرخيصة في مجتمعات أخرى.

إذن «التبعية» والعقلية الاستعمارية هي أحد أعمدة التخلف. العلاقة المفترضة أن يكون العالم الثالث مصدراً للمواد الخام والغرب منتجاً ومصنعاً ضمن تضاؤل قيمة المواد الخام وارتفاع المواد المُصنعة، وأن يكون العالم الثالث سوقاً استهلاكيًّا أو سوقاً عماليًّا. وتتمظهر قوة الغرب الصناعي في المعرفة (التقنية) ووفرة الرأسمال (ديون وشركات كبيرة).. ومن هنا يرى كثيرون أن النظام الرأسمالي في جوهره ليس تنافسيًّا وإنما احتكاري ضمن منطق الصراع الدارويني؛ فالخروج من الفقر بالرأسمالية لا يزيد المجتمعات إلا فقراً ومديونية.

وفي نهاية القرن الماضي مع طفرة تقنية الاتصال والرقميات أصبحت مقولة: إن الطريق المختصر للحداثة والتقدم والقوة هو عبر التحضر والصناعة غير رائجة لصالح أن القوة في ثنائية «المؤسسات المصرفية العملاقة» و«المعلوماتية».

نعم «العولمة» قللت من ثنائية العالم وقاربت من تماهي الثقافات إلا أن النظام الاقتصادي الجديد خلق نظماً ومشاكل جديدة. فالتجارة العالمية المملوكة لنخبة محدودة أضحت تتحكم بمصائر الدول، فإذا بدولة غنية تضحى في ليلة وضحاها فقيرة، لكن الجديد في الأمر أن تلك الشركات الكبيرة رغبة في الثراء اتخذت أساليب تضر بالمواطن الغربي؛ حيث اعتمدت العمالة الرخيصة المهاجرة، ولجأت لإنشاء مصانعها في الدول الفقيرة، مما يُعمم مشكلة التناقض الطبقي في كافة البلاد.

وفي غمرة ثقافة الاستهلاك كان تدمير البيئة عنوان الرأسمالية والحداثة، ويصح لنا أن نعتبر الحداثة الغربية مجداً إنسانيًّا بقدر ما يعتبر أحد الإهرامات مجداً حين يغض النظر عن الثمن الباهض.

وبعد؛ فإن امتزاج «الحداثة» بغولي الاستعمار واقتصاد الإفقار العام لصالح رفاه النخبة، وما رافق ذلك من اصطدام مع ثقافات المجتمعات يجعل من الحديث عن «الحداثة» مشوشاً حيناً واستفزازيًّا حيناً وإشكاليًّا أيضاً.

وفي (عالمنا العربي والمسلم) -في خضم صدمة الحداثة منذ احتلال نابليون مصر حتى يومنا- تماوج الحديث في «الحداثة» وفي مفردات تتوالد في محيطها على غرار «التنوير، التجديد، المعاصرة، التنمية، التقدم، التخلف»؛ وأصبحت مفردات تستدعي الجدل وافتراق المسارات بين رؤية تمثل القطيعة مع الدين كمرجعية فكرية، وأخرى تنطلق من الدين.

وسيكون الحديث في مجالين؛ الأول في محاولة فهم الحداثة والآخر في استكشاف مفارقات «كلامية/ فلسفية» بين الدين والحداثة.

وبدءاً سنكتفي بمحاولة تحديد عام للحداثة، أما الدين (الإسلام) فيكفي أن نشير إلى التمييز الثلاثي بين الدين (القرآن والسنة الثابتة)، والتراث (الاجتهاد البشري في الفهم والتطبيق المستند للشروط العلمية)، والتحريف (الآراء غير الملتزمة بالشروط العلمية).

ونتكئ في تحديد الدين على مستويين من المعرفة؛ الأولى: المعرفة العرفية المتاحة للإنسان العادي العارف باللغة العربية، تماماً كما أُتيح لإنسان عصر النزول الفهم سواء من أسلم منهم أم لا. وهذه المعرفة تؤسس لواضحات الدين (وهي محكمة وضرورة). والثانية: واضحات المجتمع العلمي (علماء الدين بمختلف مشاربهم ومذاهبهم) الثابتة بالأدلة العلمية اليقينية لا بمعنى مشهورات المتدينين/ العامة.

أولاً: في مفهوم الحداثة

من خلال الولادة التاريخية لـ«الحداثة» فهي نمط تفكير أكثر منه مفهوم. وربما يكون التعبير بالمفهوم لمحاولة الفهم والإمساك به. فهي أشبه بأخلاق التغير وتقاليد البحث عن الجديد، والجديد دائماً مؤقت يزول لصالح مستجد حديث.

ولنلاحظ أنه تعبير نُشير به إلى تلك البلاد المتقدمة (الغربية) اقتصاديًّا وتكنولوجيًّا وسياسيًّا. وهي بلاد أنتجت تقدمها على أنقاض القديم حيث رفضت تقاليد الكنيسة وتجاوزت الفلسفات المرافقة وأساليب الإنتاج والتوزيع المعهودة ليتكون المجتمع الصناعي. وهذا النقض للقديم لا يقف عند حد، فتراكم المعرفة وتطور الحياة الاقتصادية والاجتماعية يصاحبها تضاؤل كفاءة أساليب معهودة، وإشكاليات مستجدة تتطلب إبداعاً، فالتغير هو القاعدة الذهبية. وتسارع التغير له نتائجه من القلق المعرفي وتباين الأجيال وعدم استقرار قواعد اجتماعية تحدد ما ينبغي وما لا ينبغي..، وفي غمرة قيمة المرء ما يُنتج أو ما يملك يصبح الإنسان مجرد قيمة سوقية يُعبر عنها بالأرقام.. وهنا تتوالد الفلسفات العدمية نتيجة الإحباط من الفلسفة المادية.

1- في أسس الحداثة:

يشير مصطلح الحداثة إلى مرحلة تاريخية طويلة نسبيًّا، بدأت إرهاصاتها في أوروبا منذ أواخر القرن السادس عشر، وتميزت في القرن السابع عشر بسلسلة من التغيُّرات الكبيرة والعميقة الثقافية والاجتماعية والاقتصادية، وشملت بشكل متداخل ومتفاعل عمليًّا مجالات البحث والمعرفة العلميين والتطبيق التكنولوجي وأشكال ومؤسسات الحكم السياسية والمدنية والتشريعية والقانون والمعاملات التجارية، وذلك في إطار عمليات بناء الدول القومية وتزايد سلطاتها مع تزايد مساحات الحرية والمسؤولية الفردية أيضاً.

وفي هذا السياق تكفي الإشارة إلى المحطات الفلسفية الأساسية في الفكر الغربي الحديث، التي هي فكر بيكون وديكارت اللذين دشَّنا -على اختلاف مشربيهما- نظريًّا عصر الحداثة.

فقد سبق الصناعة والرأسمالية تبدل في المعرفة حيث أصبح الإنسان مركز الاهتمام، وأصبحت وظيفة العلم خدمة الإنسان. إن جعل التدين مقابل العلم وفي مصاف «الخرافة/ السحر» كان عنوان العلموية آنئذ؛ حيث تُوِّجْت بوضعية أوجست كونت وقسمته الثلاثية.

كما أن سقوط الإمبراطوريات القديمة وتبدل القيمة من الموروث الإقطاعي إلى الإنتاج الصناعي مهَّد لقيام الدولة القومية الخاضعة لإرادة الأمة في شرعيتها وفي نُظُمها، ونشأت المواطنة (المساوة في الحقوق والمحاسبة).

أي أن الحداثة قامت على (تاريخانية) تعني أولاً: معقولية التحوّل، وثانياً: أفضى التفاعل بين مجموعة العوامل المعرفية والاقتصادية والاجتماعية إلى حدوث تحولات اجتماعية عميقة. ومن دلالات التاريخانية أن الاستيراد السطحي لا يصنع الحداثة[3].

لقد شكّل عصر الأنوار قاعدة التفكير والتي يشير لمميزاتها الكثير من الباحثين بالآتي:

1ـ العقلانية:

مسلمتان أساسيتان توضح أبعاد «العقلانية»؛ الأولى إخضاع الخارج وجميع مؤسسات المجتمع البشري وفاعليته إلى العقلانية، والثانية استقلال العقل ونزع الوصاية عنه. فالواقع الخارجي عقلاني (مترابط بنظم السببية القريبة والغاية) يمكن فهمه واستثمار معرفته لخدمة الإنسان. و«التعقلية» للكون و«عقلنة» أنماط الحياة هو سبيل التحديث. و«العقلنة» لها حساب كمي برجماتي يُقاس واقعيًّا. فالبحث المستمر في المعايير التي تقاس بها صحة الاستراتيجيات التي تصوغها الجماعات أو تسعى إلى صياغتها من أجل إحراز التقدم هو من علائم العقلنة الأساسية.

والأكثر أهمية من «معقولية وعقلنة» الخارج الطبيعي هو الفعل الإنساني الاجتماعي والتاريخي بحيث يكون التقدم والتخلف والفقر والغنى و... عمليات قابلة للفهم والمعالجة.

من هنا تدين الحداثة إلى الدور الفاعل للمنشأة الرأسمالية والإدارة البيروقراطية كمؤسستين عقلانيتين، عقلنت أولاهما العملية الاقتصادية، وعقلنت الثانية نظام تسيير المجتمع. فالعقلنة اتخذت طابعاً مؤسسيًّا منظماً في الاقتصاد والإدارة.

والعقل هنا مادي سجين التجربة والخبرة الحسية فقط، فتصبح القضايا الغيبية والكلية خارجة عن نطاق هذا العقل المادي.

2- التطورية:

الأشياء لها نسب ولها حفدة؛ فهي وليدة ما سبق، وحدوثها إرهاص لما يليها. وكما أن القاعدة الذهبية هي التغير فإن الوجه الآخر للتغير هو «التقدمية» مما يسمح بطرد التشاؤمية وطرد تقديس السلف و «خير القرون»، فالتقدم حصيلة تراكم التغيرات، ومهما شاب بعضها من نواقص فإن مجملها ارتقائي في عموم المجتمعات.

وتسمح المقولة بأمرين؛ الأول تأسيس معيار للتقدم والتخلف، والثاني تبرير السعي نحو التقدم والتغيير.

وواضح أن التقدم والرفاه الماديين (من الصناعة إلى التقانة) هو سمة الحداثة الغربية، كما أن ركيزتهما العلم والاقتصاد واستثمار الطبيعة.

إن مشروع الحداثة الغربي ارتبط وثيقاً بالاقتصاد، ومن خلال تطور أدوات الإنتاج والتوزيع والرفاه تتبدل أنماط المجتمعات، بل ويُخطط لنظم اجتماعية بهدف تحقيق اقتصاد متطور.

ويمكن هضم فكرة التقدمية كحصيلة تراكمية في الشق المادي، بيد أن الشق الإنساني يبقى محل تساؤل عن تقدمية عمرانية تأسست على الاستعمار. إننا نفهم من خلال قصص الأنبياء أن بعثهم كان يتزامن كثيراً مع الانسدادات الحضارية (الإنسانية) التي تتغشى المدنيات البشرية، وكثيراً ما يستبد بالبشر ما أُترفوا فيه.

إن إشكالية «التقدمية» هي عينها في «التقليدية/ السلفية» من زاوية أخرى، لافتقاد المعيارية الموضوعية والثابتة. ومن هنا نرى التنافس الهوسي على نقد/ التشكيك في كافة المسلمات في أدبيات الحداثة، فالعتاقة الزمنية كافية لوصف الرداءة ومضادة روح العصر.

ومن خلال سيادة العقل وفرضية التقدمية الجبرية نتفهم حتمية النقد وشموليته المولِّد للفوضى المعرفية العبثية.

وهذا حديث يتسم بالإيجابية والعمومية نوعاً ما؛ وإذا ما أردنا أن نغوص قليلاً في (التطورية) فينبغي أن نتحدث بصورة أخرى.

فضمن الرؤية «التاريخانية» وربط اقتراب المعرفة من الصواب بتاريخيتها يكون تقسيم التاريخ إلى «قديم، وسيط، حديث»، حيث تكون أوروبا حاضر الزمن وخلاصة التطور، وتكون أوروبا متمايزة عن حضارات الإسلام، والشرق الأدنى. وهذان «التمايز والتطور» وجدا ردفاً مؤازراً في الدروينية والنزعات العرقية. فـ«الاصطفاء الطبيعي» أصبح تفسيراً للتطور والتقدم في كافة المجالات ضمن تفسير «البقاء للأصلح» بـ«الأقوى».

والنزعة «العرقية» لتفسير التاريخ والتطور سادت في أوروبا وانعكست على الأبحاث الحيوية البشرية والاجتماعية. حيث ترى «العرقية» أن للأعراق البشرية «الأبيض، الأصفر، الأسود» قيماً ذاتية وخصوصية ينبغي ألَّا تُفسد بالاختلاط مع الأعراق الأخرى. ويصنفون الأعراق إلى بدائية لا تحمل «جينات التقدم» وأخرى تحملها. وهكذا يكون العرق الأبيض أرقاها، وهو أصناف أعلاها الآري،.. وهكذا ينبغي أن نفهم التقدم الأوروبي والتخلف المشرقي قدراً حتميًّا.

إننا نفهم التقدمية في ظل سعي بشري ضمن هدي الله، وحين يفارق البشر الصراط السوي يرتكسوا في جاهلية وفساد «إنساني» مهما علا عمرانهم المادي، والإنسان لثنائية «الفجور والتقوى» عرضة للتسافل بالرغم من الخلقة القويمة التي جبله الله عليها فلا يستغني عن التذكرة أبداً.

ولا نفهم من عقلانية البشر ضمن ثنائية «الفجور والتقوى» حتمية التقدمية، كما لا نرى العمران المادي معياراً للتقدمية، فهو حينها تقدماً أعرجاً يرتد ليدمر الاجتماع البشري في إنسانيته.

3- مركزية الإنسان:

الإنسان كغاية للمعرفة والسعي، وكفاعلية منتجة في التاريخ والمجتمع والطبيعة، وكمرجعية للممارسة النظرية والسلوك الأخلاقي والسياسي. وتداعياتها:

أ- الحرية، كأرضية تعيّن شرعية السلطة، وتؤكد حق الإنسان في تقرير شؤونه المدنية، دون إكراه أو قيد، والتعبير القانوني السياسي للحرية الديمقراطية، والحرية هنا عنوان حقوق الإنسان. نعم هذه الحرية ستكون محكومة بإطار القوة غير الغاشمة (الإعلام)، وإطار إكراهات القيمة (السوق).

ب- العلمانية، ويمكن تشخيصها في أمرين: الأول: فصل السلطة السياسية عن المؤسسة الدينية. الثاني: المواطنة هي أساس العلاقة بين الدولة والمواطن.

ومركزية الإنسان المتضمنة لتمجيد العقل البشري الذي يُسيطر على الطبيعة ويتخذ الخيارات الملائمة لمصالحه اقتضى بصورة منطقية ضمن التاريخ الأوروبي وسيادة الكنيسة إنتاج العلمانية. ومن خلال قراءة أدبيات الحداثة نلاحظ نمطين من العلمانية؛ الأول يفصل بصورة شاملة بين الدين والنظام المدني، فالمزيد من العقلانية ستكون على حساب الدين حتى ينحصر في الحياة لشخصية غير المماسة مع الآخر. فالحداثة تتطلب تطهيراً للوعي من أوهام الدين والإله. والثاني مع أنه يفصل الدين عن السلطة فإنه يُبقي للدين الإطار الأخلاقي والثقافي «والمُهذَّب بالحداثة» الموجِّه للسياسي.

وهذا الأنموذج هو مسلك الحداثويين الجدد (ما بعد الحداثة) لتناقض الأول صريحاً مع الدين. ويتطلب الثاني إعادة قراءة للدين تُخلِّصه من النزعات السلطوية للتحفظ عليه في الإطار الأخلاقي.

ت- الفردية؛ تفترض عقلانية الإنسان الساعي لمنفعته الشخصية. لكن سعيه هذا يفضي إلى مصلحة المجموع. وكلما زالت العوائق أمام نشاط كل فرد كان ذلك أجلب للخير العام. ومن الملائم اختبار هذه المقولة في إطار متابعتها في أمرين:

الأول؛ الحرية الفردية والحقوق. ويبدو أن مذهب أكثر فلاسفة الحرية في تحديد جوهر الحرية في استقلال الفرد (الفردية)، لذا يتفق فلاسفة الغرب ومفكروه على أن (الفكرة الليبرالية) هي فلسفة الحرية، وأن (النزعة الفردية) هي مادة الحرية الحقيقية.

و(الحرية) ضد (القيد)، وهكذا يكون تحديد الحقوق الفردية وكفالتها جوهر الحرية، وبذلك تكون وظيفة السلط الكفالة لا الحظر.

المبدأ الفردي والحرية يقفان في تعارض مع المبدأ الجماعي ومع أولية السلطة. فالسلطة شر لا بد منه وبعنوان الاضطرار للميتة فتقدر بقدرها. وواضح أن أساس نفي السلطة والمرجعية المتجاوزة والمقيدة للإنسان يتجاوز السياسية لمطلق المرجعيات المتجاوزة كالدينية.

الثاني؛ الفردية والقيمة السوقية. وترتبط فكرة الحقوق الفردية بالسوق «الرأسمالية»؛ ويمكن ملاحظة هذا في:

:: السوق هو روح المجتمعات الغربية المحركة في مرحلة ما بعد الثورة الصناعية، حيث حطمت الحواجز الإقطاعية، وأدخلت الجميع في نسيج القيمة وماكنة السوق. فالقيمة لا تتبع الانتماء لفئة رجال الدين، أو الحسب «النبالة الأوروبية» وإنما هو المال الذي يدور ويكون منتجاً وقابلاً للتداول في السوق.

:: فكرة الرأسمال الفردي (البشري) حيث إن الفرد يحسّن من قدراته الإبداعية بوصفها مساوقة للقدرات الإنتاجية القابلة للقياس، وينبغي أن يظلَّ حرًّا في أن يفعل ذلك بالطريقة التي يراها ملائمة، «التطور بوصفه حرية»، وعلى هذا فإنّ للحقوق الفردية غاية اقتصادية تتمثّل في تمكين كلّ فرد من أن يصل إلى الحدّ الأمثل بقدرته على تقديم مساهمة فريدة -قد تصل للإبداع- لا يستطيع الآخرون أن يقدموها.

وهنا يسوغ أن نسجل الملاحظة الآتية: أنه إذا استطاع السوق تقويض القيم الاجتماعية التقليدية (النبالة/ الحسب - رجال الدين - الإقطاع...) فهو عاجز عن خلق فرص متساوية فعليًّا، حيث إن المال هو وسيلة استثمار الفرص متوفر عند فئة محدودة ثم تستثمره لحصره فيها.

فـ(الفردانية) هنا لا تُرصف في إطار الفردية إلا وتكون عملاً لا جماعيًّا. فـ«الفردية» مساوقة تماما لـ«الأنا وإهمال الغير»، أي أن ثمة معنيان نلحظهما بوضوح؛ الأول «الاعتماد على الذات» وهو فاتح للإبداع والتطوير..، والثاني «المصلحة الذاتية هي دوافع السلوك الإرادي».

وإعلاء الفردية والإيمان بأن للفرد حقوقاً طبيعية مستقلة عن السلطة/ الجماعة، يضع الليبرالية/ الحداثة أمام مأزق تطبيق حقوق (الفرد) مقابل (الجماعة)، نعم يتكاثر التنظير بأن «الفرد» لا يتنافى مع «المواطن» بيد أن أحد حقائق المواطنة هو الانتماء للجماعة «الدولة» مما يفرض نوع حجر على الفرد.

والكلام ذاته في الاقتصاد؛ فالتجربة التاريخية لا تثبت توافقاً تلقائيًّا بين المصالح الفردية وبين الخير العام. فالأغنياء يستفيدون أكثر من غيرهم من الحرية الليبرالية. والتنافس الليبرالي يفضي إلى الاحتكار الذي يتعارض مع الروح الليبرالية.

وربما يصح أن نجعل «مركزية» الإنسان مساوقة لـ«فرديته»، فنستطيع أن نلحظ أن الإيمان الديني مرتبط بالتفكير الشخصي، فالإصلاح اللوثري الديني قام على تعزيز سيادة الذات والتحرر من هيمنة التراث والمؤسسة الدينية. وأيضاً معيارية الحق والأخلاقية مرتبطة بصورة أساسية بالإرادة الذاتية الاختيارية والتحرر من السلطة الفوقية.. وهكذا يمكن أن تفهم «الفردية» كمعلم أساس للحداثة.

2- في ماهية ما بعد الحداثة:

ما بعد الحداثة (post-modernisme) تسمى في بعض الأدبيات بما بعد البنيوية، بحكم أنها وريثتها الفكرية والفلسفية، وتنعت أيضاً بالتفكيكية، وإن كان هناك في الحقيقة فارق بينهما، في الشمول والتوظيف؛ فما بعد الحداثة هي الرؤية الفلسفية الشاملة، في حين أن التفكيكية هي الأسلوب الإجرائي المستعمل في بعض جوانب الفلسفة المابعد حداثية. والمرافق هو (العولمة)، والمجتمع الرقمي. وحتى نتعرف على أبعاد المابعد الحداثة نسرد الآتي:

أ- بدايات ما بعد الحداثة:

يصعب ظاهراً تحديد نشأة مصطلح «ما بعد الحداثة»، إلا أنّ الدراسات تشير إلى أنه كان محور اهتمام جملة من المحققين منذ عقود من الزمن، «ومن هؤلاء مايكل كولر في مقال له عام 1976 تحت عنوان POSTMODERNISM أشار فيه إلى استخدام المصطلح واشتقاقاته عند فيديريكو دي أونيس عام 1934، وعند عالم الأنثروبولوجيا دادلي فيتيس عام 1942، وعند أرنولد توينبي المؤرخ الشهير الذي يرجع استخدام هذا المصطلح عنده إلى عام 1947 حسب رأي كولر، وهناك أيضاً تشارلز أولسون (فيما بين عامي 1950 و 1958) وإيرفنج هاو (1959)، وصولاً إلى المتأخرين من أمثال هاري ليفين (1969) وليزلي فيدلر (1965) وأميتاي إنزيوني (1986) وإيهاب حسن في مقاله «عما بعد الحداثة» عام 1971 ورالف كوهين في «التاريخ الأدبي الجديد» عام 1971.

وبعد أن ينتهي مايكل كولر من هذا الاستعراض لمصطلح ما بعد الحداثة يقول: إنه من الواضح عدم وجود اتفاق على ما يمكن اعتباره «بعد حديث». ويرجع ذلك لأسباب كثيرة منها المعنى المزدوج لمفهوم الفترة «الحديثة». فلفظ الحديث -كما يقول كولر- يمكن اعتباره مرادفاً لكلمة DIE NEUZEIT الألمانية التي تعني حرفيًّا «العصر الجديد» رغم أنها تترجم عادة «الفترة الحديثة» THE MODERN PERIOD أو العصور الحديثة MODERN TIMES، وهذا التعبير من وجهة نظر كولر يشير إلى الفترة الممتدة منذ عصر النهضة الأوروبية، أي منذ حوالي عام 1500م، ومع هذا يخلص كولر إلى أن ما بعد الحداثة لم تبدأ في التشكُّل إلا في السبعينات، أي منذ عقدين من الزمان ومن ثم فإنه يسمي الفترة من عام 1945 حتى عام 1970 باسم الحداثة المتأخرة. وهذا التقسيم يعد أكثر التقسيمات مصداقية عند كثير من مفكري ما بعد الحداثة؛ إذ يرون أن الحداثة تبدأ من منتصف القرن التاسع عشر تقريباً وتستمر حتى العقود الأولى من هذا القرن أو حتى منتصفه، وبعضهم يعود ببداية الحداثة إلى القرن الثامن عشر، وهو المسمى في أوروبا «عصر التنوير» وتستمر حتى نهاية الحرب العالمية الثانية لكي تعقبها فترة الحداثة المتأخرة. ويحدد تشارلز جنكس في مؤلف له عن (ما بعد الحداثة) أزمنة الحديث في الفترة من عام 1930 حتى عام 1960، والحديث المتأخر خلال عقد الستينات، أما ما بعد الحديث فيتداخل مع المرحلة السابقة إذ يبدأ من الستينات ويستمر حتى الآن...[4].

ب- العلاقة بين الحداثة وما بعد الحداثة:

و«يرغب الكثيرون في قراءة الفكر ما بعد الحداثي كانعكاس لما يحصل من تحوُّلات اجتماعية واقتصادية ونفسية في المجتمعات الغربية، وهم بذلك يعودون بظاهرة ما بعد الحداثة إلى نقطتين رئيستين؛ أولاهما التأكيد على خصوصية الظاهرة بحكم نشأتها في المجتمعات الغربية وعدم خضوع المجتمعات الأخرى لتحولات من نوع مماثل مما يجنبها أو يبعدها عن الجدل الدائر حول ما بعد الحداثة، أما النقطة الأخرى فهي الإصرار على الربط الميكانيكي بين الفكر ما بعد الحداثي وتحوُّلات المجتمع الغربي، بحيث تصبح كلّ أفكار ما بعد الحداثيين إفرازاً طبيعيًّا لما عاشه الغرب من تناقض في الأيديولوجية الحداثية لاسيما في علاقات المركز بالهامش وما نشأ عنها من علاقات الاستغلال وفقدان للمساواة وسيطرة للنخبة وفرض هيمنة التغريب على مجتمعات العالم الثالث... وقد جرى توصيف هذا المجتمع بالعديد من المصطلحات التي تصف هذا المجتمع انطلاقاً من منظورها السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي فأحياناً يطلق عليه (المجتمع ما بعد الصناعي) كما أطلق عليه عالم الاجتماع الفرنسي آلان توران، وأحياناً أخرى (المجتمع المعلوماتي) أو (المجتمع الاستهلاكي) بحسب تغبير فردريك جيمسون.

إنّ كلّ هذه التوصيفات تقوم على محاولة إنشاء صلة رمزية بين ثقافة ما بعد الحداثة وظرف اجتماعي معين، فهي تربط بين ولادة (مجتمع ما بعد صناعي) وبين (ثقافة ما بعد الحداثة)...»[5].

ويمكن أن نشير إلى مسألتين:

الأولى؛ أن الأصول الفكرية والفلسفية لـ(ما بعد الحداثة) أو ما بعد المجتمع الصناعي تعود إلى ما قبل عصر الصناعة، أي ما قبل الحداثة! فهذا مؤشر على أن الحداثة وما بعدها وما قبلها تعايشت كل منها جنباً إلى جنب في الوجدان الإنساني، وتصارعت في العقل -بل وفي الواقع- البشريين. فإذا كان إرهاصات الحداثة بدأت مع (بيكون)، فإن إرهاصات الحداثة بدأت مع (كانت).

من هنا إن الاتجاه السائد يرى فيما بعد الحداثة امتداداً وتزاوجاً مع الحداثة، أي أن ما تم إعلانه بوصفه (ما بعد حداثة) لا يشكل بالضرورة قطيعة مع الحداثة، بل هو صيرورة منطقية للحداثة.

الثانية؛ إن فشل الحداثة في مقاربة أحلام الإنسانية خلق ردة وإحباطاً إزائها، لا سيما أن «العلمية» شعار الحداثة كان مدخلاً لتقويض تلك الأحلام.

فقد أثبتت البحوث العلمية ضآلة ما يعرفه العقل البشري بالنسبة لما لا يعرفه. وبالتالي محدودية عقل الإنسان، فاهتزت النظرة إلى قدرة العقل الذي هو مصدر المعرفة المطلق لدى الحداثة.

والأسوأ من ذلك أن العلم تسبب في شقاء البشرية خصوصاً في توظيفه لصالح سيطرة الغرب على العالم.

إن القرن العشرين عصر الحروب الكونية الكبرى كان توظيفاً بشريًّا «حداثويًّا» لمنجزات العلم، كما أن الاستعمار هو أحد منجزات الحداثة التي استثمرت التقدم العلمي. مما خلق إحباطاً وتشاؤماً تجاه الحداثة ومن «التقدمية/ التطورية» التي هي إحدى سمات الحداثة وإغراءاتها.

ت- مفارقات ما بعد الحداثة

وتيسيراً لمتابعة العلاقة بين الحداثة ووليدها يمكن أن نتوقف عند الآتي:

1- النسبية جوهر ما بعد الحداثة:

يمكن الإمساك بمفارقة بين الحداثة وما بعدها تتلخص في مفارقة (العقلانية الصارمة، والنسبية)[6].

ويمكن تلخيص عقلانية الحداثة في «عقلانية» الخارج وإمكانية «المعرفة الموضوعية». كما يمكن تجلِّي «مادية» عقلانية الحداثة في نفي «الغيب» من العلمية والعقلانية، وفي اختزال الإنسان في اعتباره مادة «بيولوجية» قابلة للدرس التجريبي.

في حين أننا نجد بواكير «اللا عقلانية» في ما بعد الحداثة في نسبية كانت في الفصل بين الشيء لذاته والشيء كما ندركه.

وقد حملت الحداثة بذور اللا عقلانية؛ فـ«ثمة تناقضاً أساسيًّا في النسق الفلسفي العقلاني، كشفه بعض المفكرين الماديين فراحوا يتهمون النسق بعدم الاتساق مع نفسه، وطرحوا العديد من الأسئلة، من بينها ما يلي: أليس العقل الإنساني -والذي به تتحقق ذاتية الإنسان- هو الدماغ، وهذا الأخير إن هو إلا مجموعة من الخلايا المادية، شأنه شأن كل ما هو مادي؟! لماذا تنسب للعقل إذن المقدرة على تجاوز الأجزاء وإدراك الكليات والإفلات من قبضة الصيرورة؟ أليس هو جزء من المادة المتغيرة... وإذا كان العقل كذلك، فالذات الإنسانية ليس لها وجود مستقل عن العالم المادي، ولا يمكنها تجاوزه»[7].

وإشكالية تباين الذات والذاتي يفتح الباب لإشكالية أنه ليس من الممكن الفصل بين الملاحِظ والشيء الملاحَظ، فالحقيقة إنما هي تصورنا أو إدراكنا للحقيقة في سياق ذاتي واجتماعي محدد.

وحيث إن إمكانية إدراك المطابقة «كما عدمها»[8] لا يمكن إلا بأن يقف الإنسان خارج نفسه ويقارن بين ما في ذهنه وما في الواقع الخارجي، فليس لدينا طريقة للتأكد، فلا نمتلك إلا الشك.

ومن ثم نرى أن أرباب ما بعد الحداثة يقررون أن الناس يرون الشيء نفسه بطريقة مختلفة.

وبعبارة أخرى؛ ومن خلال جملة من النزعات النسبوية الاجتماعية والفلسفية تبلورت جملة من الدعاوى بين مخض تلك التيارات من جملتها أنه ليس هناك حقيقة مطلقة، أي حقيقة صادقة في ذاتها، بل إن الحقائق يصنعها المجتمع بجوانبه الثقافية المتعددة لأفراده. فليس هناك «حقيقة» يجب أن يقر بها الجميع، وليس هناك حق مطلق، وما يقال عن قدرة العقل على «اكتشاف» الحقيقة إنما هو وهم. فالحقيقة لا تكتشف، لأنه ليس ثم حقيقة أصلاً، وإنما الحقيقة «تخلق» من رحم النسق الثقافي الذي يعيشه الإنسان، فالإنسان أسير ثقافته، وهي التي تحدد له «حقائقه» و «ما ينبغي وما لا ينبغي».

وعلى هذا يتوصل إلى جملة أمور؛ منها خطيئة تعميم الحقيقة من إطار ثقافي إلى آخر، وتأسيس «التعددية»، فنسبية الحقيقة تقتضي قبول التفسيرات المتعددة وتعدد الحقيقة.

وسنجد هذه المفارقة (بين الحداثة ووليدها) تنعكس على الموقف من الدين. ففي حين أن الحداثة تنظر إلى الدين على أنه أمر غير علمي، حيث إنه قائم على افتراض وجود كائنات غيبية (ميتافيزيقية) لا تدخل تحت ما يمكن للعقل التحقق منه بالحواس وإدخاله تحت نطاق التجربة. فهو إذن خرافة. بمعنى أنه مناقض للعلم، وإن كان بعضهم يرى أنه لا بأس من أن يتخذ الإنسان تلك الخرافة ديناً ويؤمن بها.

وأما ما بعد الحداثة (في بعض تجلياتها) في المستوى النظري فإنها تقر بصحة جميع الأديان. لا من حيث الاعتراف بالوحي أو بوجود الإله، بل من حيث إنها جميعاً بُنى ثقافية، ولا أحد يملك أن يحكم عليها بأنها خطأ، إذ ليس لدى أحد معيار مطلق يمكن أن يقاس به الدين الحق من الباطل. وعلى هذا تتسم (نظريًّا) بعدم المعاداة للأديان، وتدعو للتعايش بين الأديان.

ب- موت الإنسان مآل ما بعد الحداثة:

عبارة الأنسنة التي جُعِلت في ترجمات أدبيات الحداثة تعريباً للمصطلح الفرنسي HUMANISME. وهي في أدبيات الحداثة مقابل النزعة الإنسانية المؤسسة على الإيمان بالله، حيث يرون أن التأسيس الديني للأنسنة يجعلها رهن الطاعة وبالتالي هي غير ذات قيمة من دون الالتزام، في حين يؤسسون الأنسنة على شرعية ذاتية للإنسان بوصفه إنساناً فقط.

ويعود تيار[9] «الإنسانوية» إلى عصور النهضة الأوروبية وقد هيمن هذا التيار على الأدب والفنون والقيم الاجتماعية والفردية لذلك العصر في سياق الصراع بين الكنيسة مع التيار الجديد التنويري.

واتسمت الشريحة المثقفة في عصر النهضة المسماة بـ«الإنسانويين» بدراسة الثقافة القديمة اليونانية والرومانية الوثنية، في سعي هؤلاء لإحياء التراث الأفلاطوني في الفلسفة في محاولة منهم للتصدي لأرسطو الذي تبنته الكنيسة وشيّدت على أساسه كل علومها اللاهوتية.

وجوهر النزعة الإنسانوية هو أن الإنسان هو معيار كل شيء وأن كل امرئ مقياس نفسه، في سياق «فردية» عالية مؤسَّسة على التحرر من الدين.

إن الإنسانوية تمرد على الإله لصالح الإنسان في فهم الكون والمجتمع، وإعادة بناء العالم معرفيًّا من زاوية الرؤية الجديدة التي يحتل فيها الإنسان نقطة المركز.

إن المذهب الإنساني يرى أن على الإنسان الفرد أن يصنع معاييره الخاصة للخطأ والصواب. والإنسان بعد ذلك هو سيد نفسه وسيد الطبيعة.

لقد بدأت الفردية تظهر أولاً كمبدأ أخلاقي، ثم أصبحت مبدأً اجتماعيًّا وصارت في المحصلة مبدأً وجوديًّا (أنطولوجيًّا) يرى في الفرد صورة الواقع الأكثر جوهرية وقيمة عليا في الوجود، أي أنها ترفض وجود أي مستوى أعلى من مستوى الوجود الفردي.

لكن الحداثة كانت تحمل بذور تقويض الإنسان ذاته. وذلك أن النزعة الإنسانية تتطلب هوية إنسانية تتسم أصولها بالثبات والاشتراك لتأسيس التفريع على هذه الهوية من السيادة والحقوق وما شاكل، ويتربع على عرش الهوية الإنسانية ثلاثية «العقل، الإرادة، الطبيعة الأخلاقية الجمالية»، ومع هدم الثلاثية لا معنى لهذا الإنسان.

ويمكن البدء بالداروينية[10] التي جعلت الإنسان حيواناً متميزاً ليس إلا، وإذا أمكن تجاوز هذه الإشكالية بالتسليم للفارق النوعي والجوهري بين الإنسان والحيوان وبالإقرار بثبات نسبي للهوية «يطاول ويزيد عن تاريخ البشرية المعروف» فإن تداعيات الداروينية الأخلاقية الاجتماعية تُخرِج الإنسان إلى «ذئبية» يعززها نظام السوق الذي يقيّم الإنسان بما ينتج.

ومن جهة أخرى فإن النزعة المادية العلمية اختزلت الإنسان في البيولوجيا، ومن ثم تتوالى تداعيات تلغي كافة الأبعاد الإنسانية الفارقة له عن الحيوان.

وحيث قبل الناس التفسير البيولوجي البحت لسلوك الإنسان بدؤوا بتقليل المساحة الفارقة بين الإنسان والحيوان. وغدت الصفات التي كان يظن أنها خاصة بالإنسان تعتبر بشكل واسع عامة في فصيلة الأحياء. وصار من الباحثين من يزعم أن الفرق بين دماغ الإنسان ودماغ الحيوان إنما هو فقط الحجم.

ومتابعة كثير من الباحثين ذوي النزعة الحتمية في الأحياء[11] وعلم النفس تكشف عن سلب ثنائية «الوعي والإرادة» من الإنسان. يقول كرين برينتون: «ولقد كان إسهام فرويد في مجال نزعه معاداة العقل المعاصر إسهاماً عظيماً للغاية. وإن أعماله بالإضافة إلى أعمال بافلوف وكثيرين غيرهما من علماء النفس وعلماء وظائف الأعضاء. تؤكد تأكيداً شديداً عل اتساق الأفعال البشرية التي لا تشارك فيها أبداً، أو تشارك فيها بقدر ضئيل أداة الفكر التقليدية - العقل عند أرسطو والقياس المسيحي والعقل عند لوك والموسوعيين بل وحاسة الاستنتاج عند نيومان. وأصبح العقل في نظر أعداء التفكير العقلي نتاج الاستجابات التلقائية سواء طبيعية أو شرطية، ونتائج كل أنواع الدوافع اللا شعورية والحوافز وليدة التقاليد والعادات الاجتماعية بل والأسس اللاهوتية والميتافيزيقية الناجمة عن التهذيب في مرحلة باكرة من العمر والجانب اللا أشراطي في أسلوب الفرد في الاستجابة للحاجة، إلى اتخاذ القرار. ويرى المؤمن بنزعة العداء للعقل أن الفكر الاستدلالي الواقعي عند الفرد بالقياس إلى الجزء الباقي من حياته يكاد يكون أقل من الجزء الصغير المرئي من جبل الثلج فوق سطح الماء بالقياس إلى الحجم الكلي لجبل الثلج»[12].

فما كان يعتبره الناس فيما مضى خياراً أخلاقيًّا فهو الآن ينسب إلى أسباب بيولوجية أو بيئية.

ونهاية المطاف فالمشترك البشري هو بيولوجي، أما الوعي هو استجابة لتفاعل كيمياء الجسد مع البيئة وبالتالي الإرادة كذلك. ومن هنا لا يسوغ الحديث عن مشترك إنساني في العقل والطبيعة الأخلاق.

وتجدر الإشارة إلى أننا هنا لا نود التهوين من إنجازات الحداثة الأخلاقية فلسفيًّا بالقياس لما تمردت عليه، كما أن النزعة الإنسانية لم تتلاشَ تماماً في ما بعد الحداثة ولكن أصابها ضمور وأصبح معنى الإنسان محل التساؤل والتشكيك.

وثمة خطر محدق بالحقيقة الإنسانية يتجلى في صيرورة ارتهان الهندسة الوراثية إلى نظام السوق بعيداً عن الإرادة الأخلاقية.

ت- العولمة وتقويض الدولة القومية:

الرأسمالية لم تعد بحاجة للجيوش لتفتح الأسوق عنوة أو تنهب الثروات!. ففي مجتمع الرقميات فإنَّا نلحظ أولاً اختراقاً للحقب والأطر الثقافية لتشكيل معرفة مشتركة وتواصل أفضل، لكن بجانب فضيلة تحطيم السجون الثقافية وتخليق تواصل معرفي أفضل بين البشر نشهد فوضى معرفية تربك التفكير السوي، كما أن تجسير العلاقات الثقافية أصبح تنميط للعالم وأمركة للهويات، فهو استعمار ما بعد الحداثة، ناعم الملمس لكنه ينفذ عميقاً في خلق تبعية اقتصادية بترويج ثقافة الاستهلاك والتحكم في الأذواق وتلقين الناس ما ينبغي أن يفعلوه وما لا ينبغي في كل شيء عبر ثقافة الصورة وحجب العقول.

إن تحالف الشركات الكبيرة والمصرفيات الرقمية العالمية تجاوز الثقافي إلى الاقتصادي بتقليص نفوذ الدولة القومية في التحكم بالتنمية والاقتصاد، وإلى السياسي عبر التحكم بالرأي العام.

3- ملاحظات في المفهوم:

الملاحظة الأولى:

توجد تعريفات كثيرة لمفهوم الحداثة بعد التسليم بتضمنها نزعة التغيير و«التطورية التقدمية» في الأفكار والمناهج والسلوك. وهو تغيير ميدانه المجتمع البشري. وربما يناسب البعض التعبير بـ«الوعي بالانفصال» عن الماضي و«الوعي بالارتباط» بالحاضر لا «تمجيده» حتى يتأتى «الترحيب بالمستقبل». والحق أن هذه مقاربة طموحة تجعل من الإنسان الحداثي في غاية الندرة لما تتطلبه من وعي متميز يجعله متحرراً قادراً على العبور بيسر دون أن يكون قلقاً متوجساً محبطاً، وفي الوقت ذاته حاضراً مشاركاً وفاعلاً. إن كل خطوة وعي بالحاضر هي انشداد للمستقبل، وهي تحرر من السوق ومن السواد الأعظم...

وإذا أردنا الخروج من متاهات الاختلاف وبروحية إيجابية إزاء «الحداثة» بُغية الإنصاف والانتفاع فيمكن الصيرورة إلى أن القدر المتيقن أن الحداثة:

1- ترتكز على أن الإنسان هو مركز الكون وسيده، مما يعني استغناءه بالعقل عن الإله. والحقيقة: أما هي بمنهج حسي لا يؤمن بالغيب، أو لا يؤمن بالحقيقة المطلقة.

2- والحداثة بتجاوز حيثية الحقبة الزمنية الأوروبية التي شهدت ولادة الحضارة المادية الحديثة والفلسفات الموَلّدة لها، ومع الحدِّ من غلوائية وإطلاقية التغيير -إلى الإمساك ببعض جوهرها الإيجابي تتضمن معنى «المعاصرة»، وبعبارة؛ هي قيم المشاركة والفاعلية- التي تسمح بمواجهة إيجابية لتحديات الزمان (المعاصرة) فالمعاصرة نتيجتها.

ومن خلال «المعاصرة، القيم» هي أشبه بالمشترك الإنساني أو البشري الذي يضم جهد الحضارات جميعها في بلورتها.

3- والتحديث (العمران، التمدن) هو الثمرة المرجوة من الحداثة. والتحديث مجموع العمليات التنموية (وليس مجرد شكليات المدنية الغربية) وتراكمها يصنع التقدم.

الملاحظة الثانية:

وعلى ذلك يصح السؤال عن مسألتين: الأولى إمكانية التفكيك بين الرؤية الفلسفية التي تتكئ عليها قيم الحداثة، والثانية عن إمكانية استخدام مصطلح (الحداثة) بعيداً عن تلك الرؤية الفلسفية.

وفي السؤال الثاني الأمر يسير، ومع ذلك يفضل البعض استعمال عبارة (التجديد) للهرب من تداعيات مصطلح (الحداثة)، ويقيدها في الفكر الديني[13].

ومن هنا قد نتسامح في التعبير عن الحداثة وما بعد الحداثة لملاحظة معنى «المعاصرة، قيم المشاركة والفاعلية» حيث يكون لكل زمان حداثته. وبالتالي هنا لا نعني بالحداثة -حين نتسامح ونستعملها- بروح الحضارة الحديثة بكلها وكليلها، وواضح أن التقدم العمراني لا يُخفي وحشيتها، والروح التي أنتجت التقدم أنتجت الوحشية، فإذن نمارس تفكيكاً بين القيم النبيلة والعقلانية والقيم المنتجة للوحشية الحديثة والعبثية.

والتجديد المطلوب؛ جهد فكري تأسيسي يرمي إلى إعادة بناء المنظومة الإسلامية من داخلها حتى تتجاوز كل أشكال التعارض بينها (الذي اصطنعه التحريف) وبين القيم الإنسانية الموحِّدة لجميع البشر. وفي الحقيقة إبراز حقيقة الرسالة أهدافها وقيمها الأساس وروحها الرسالية، وحينها اصطدامها سيكون مع التحريف والاستبداد قبل الغرب، وإنما تصطدم بالغرب لأنه يكرس التحريف ويدعم الاستبداد رعاية لمصالحه.

ولا يخفى أن الحساسية تجاه الحداثة (الغربية) وليد منظومتها الفلسفية التي تتكئ عليها، وناتج إفرازها للاستعمار ووحشيتها.

وفي السؤال الأول يمكن رصد ثلاثة مسارات: الأول في الرؤية الفلسفية، والثاني في قيم (الحداثة) المشاركة والفاعلية والإيجابية، والثالث في برمجة مسارات التنمية والتقدم. والأخير خارج عن الاهتمام. ودعوانا أن الدين قادر على أن يحقق للإنسان الكرامة والرفاه ويواكب مشاكل عصره، بل إن الدين هو القادر على تعزيز قيم (الحداثة) وبعيداً عن الرؤية الفلسفية المادية التي نتباين معها.

4- في الحداثة المشرقية

شغلت «الحداثة» الباحثين والمفكرين المشرقيين بمختلف اتجاهاتهم ومواطنهم، وانقسمت المواقف إلى ثلاثية متفق على كمها وعلى خطوطها العريضة وتختلف تفاصيلها. فيرى برناد لويس[14] تقسيماً شائعاً لدى الحداثيين مفاده أنه نشأ في الشرق الأوسط مواقف أولها «السوق»؛ أي مسلك الإسلاميين الذين ينتقون من السوق ما يلائمهم. والثاني «التزاوج» بين الحضارات لتتلاقح أفضل العناصر. والثالث «التقمص»؛ حيث إن خلاصة الحضارة هي الأنموذج الغربي فينبغي أن نسلك مسالكهم في كل شيء حتى في المطعم والمشرب.

وبملاحظة اشتغال الحداثة العربية سنجد أن ثمة موضوعات مشتركة يمكن تلمسها بسهولة نذكر أربع منها:

ألف: ضرورة الحداثة. ويمكن اختزال تلك الضرورة في كلمة جامعة «التنمية»، وبعبارة الخروج من آسار التخلف بغية تحقيق حياة كريمة للإنسان مادية ومعنوية. وهذه الضرورة انفجرت ضمن صدمة الاستعمار.

باء: في معنى أن نكون حداثيين. وسنجد ثلاثة عناوين أساسية تشكل مساق جملة من الآراء هي «العقلانية» و«المعاصرة» و«النقد» للذات والغير، على اختلاف في التفصيل أو أرضية هذه العناوين. وعل سبيل المثال فإن العقلانية أصبحت تضاهي «ما بعد الحداثة» النسبوية والتي تتجلى في نسق التاريخانية ونسق تعدد القراءات المفتوحة.

تاء: في الموقف من التراث. وهو محك اختبار المذاهب، فالعقلانية قد تصل عند بعضهم إلى القطيعة مع التراث بصورة كلية. حيث إن الحداثة الغربية حققت ذاتها بتجاوز التراث.. وبعبارة إن الحضارة الحديثة تفرض سيطرتها على العالم ومن جملته «نحن»، وهي حضارة أخطبوطية شمولية تتجاوز التقانة لتطلبها أنماطاً ثقافية تتكيف معها، وهي أنماط ثقافية تتباين بحدة مع المنظومة الفكرية والأخلاقية السائدة، مما يتطلب مراجعة لأسباب التقدم تمتد لنقد منظوماتنا المعرفية واستكشاف سر التقدم الغربي. وبما أن التباين بين المنظومتين جوهري في مركزية «الإله» أم «الإنسان»، فإن الاصطدام مع «التراث» يتجاوز التفكيك التقليدي بين الدين والتراث البشري الذي هو ضرورة نقدية إسلامية. من هنا نرى كثيراً من التفكيك الحداثي للتراث هو في الحقيقة مصوَّب نحو الدين تحت قناع التراث جمعاً بين التجاوز والمداراة.

ثاء: في فشل الحداثة. خيبات مشاريع الحداثة العربية التي قادتها الدولة السياسية الحديثة شكّل إحباطاً وولَّد مراجعات. ونلاحظ أجوبة متعددة تتآزر في تفسير الفشل[15]، من جملتها:

1- إشكالية الدولة الحديثة. حيث إن الدولة جاءت من خارج رحم المجتمعات على مطية الاستعمار فقد تجاوزت مجتمعاتها وهدمت مؤسساتها التقليدية لصالح الدولة واستبدادها مما سمح بالفساد السياسي والاقتصادي وتكريس التبعية للخارج، وأفشل مشاريع التنمية العرجاء أساساً التي اختزلت الحداثة في التحديث العمراني والشكلي وأهملت الإنسان. إن مركزية الإنسان في الحداثة لم تتخذ مفاعيل ولو في الحدود الدُّنيا في الدولة الحديثة العربية؛ أي المشاركة السياسية.

2- إشكالية الاغتراب؛ مما خلق اصطداماً اجتماعيًّا نفسيًّا وثقافيًّا مع مفردات التحديث والتنمية الحداثوية. هذا الاصطدام شكّل حاجزاً عن الانتفاع والنقد الإيجابي في كثير من الأحايين.

3- إشكالية النخبة؛ فتنوّع مسارب جملة من الحداثويين وتنقلهم بين المدارس الفكرية وارتباطهم بماكنة الدولة العربية أو ماكنة الحضارة الغربية جعلهم بمعزل عن هموم مجتمعاتهم الفعلية؛ فهم بطرق أوروبا أعرف من أحياء المدن التي يسكنونها.

وهذه العزلة الفكرية والنفسية بل واللغوية والاجتماعية أوقعت جملة من المثقفين في وهم أن تبدلات الجماعة الثقافية وتناميها معرفيًّا هو حقيقة الحداثة أو شرطها الكافي. بيد أن الواقع غير ذلك؛ فالتغير الاجتماعي له شروطه ومسالكه.

ومن الملائم التوقف قليلاً عند تيار «التزاوج». فقد تراجع تيار «التقمص» والذي تحالف مع الدولة الحديثة في تأسيسها غالباً تحت وطأة فشل الدولة الحديثة في تحقيق الحداثة والاصطدام مع المجتمعات المسلمة، واضطر للمراجعة أو للمجاملة.

ومساق التفاعل الحضاري المتسم بالنقدية هو سمة لقسم كبير من المشتغلين بالحداثة ضمن إطار الهروب من الاغتراب الزماني (مقابل الماضوية/ السلفية) والاغتراب المكاني (مقابل التقمص والالتحاق). ويمكن التقاط بعض المؤشرات:

:: تتسم العقلانية بتقليص دائرة الغيبيات في حدها الأدنى «الذي لا يتنكر للوحي النبوي» تغليباً للعلمية الحسية والشهود على النزعة الغيبية/ الخرافية، بالتالي ما يدل على ما هو خارج المعقولية العلموية هو خارج السياق ينبغي تجاوزه بتأويله أو حذفه. ومن جهة أخرى تتسم بـ«نسبوية معرفية» تسمح بتقويض سلطة امتلاك الحقيقة وتسمح بتعدد الفهوم للدين، كما تسمح بتحقيق معاصرة على أساس الاستبدال لجملة من الدين بمبرر الزمنية/ التاريخانية.

:: تحديد الديني في دور الإرشاد فيما يحتاجه الإنسان ومع تطور المعرفة والتجربة تتقلص دائرة الاحتياج للدين. وسنجد تداعيات هذه المقولة في:

- تحديد التراث يتسع أحياناً للسنة ضمن مقولة «تاريخانية» السنة إلا في نطاق ضيق يشكل ضرورات الدين العبادية. فانطلاقا من فكرتي «التقدمية/ التاريخانية» مقابل معيارية الماضي السلفية فإن التراث ليس بذي قيمة تذكر.

- التأكيد على القرآن الكريم مرجعية وحيدة لكن ضمن آليات فهم العقلانية المعاصرة. فمن خلال «التاريخانية» يتداول الكلام في ثنائية «الثابت والمتحول» أو الثابت المتحول، ويجري الحديث عن «القشور واللباب»، وفي هذه السياق يجري التأكيد على القيم المنسجمة مع العقلانية المعاصرة في إطارها الديني بديلاً عن التدين التقليدي.

- فصل الديني عن السياسي وإبقاء الدين ثقافةً اجتماعيةً أخلاقيةً موجهةً من خلال التدين الشخصي، وبالتالي في سياق التأكيد على اللبرلة والعلمنة تأسيساً للديمقراطية يجري تهميش بل وتقويض المرجعية الدينية.

ثانياً: الحداثة والدين

التفاعل ولو كرهاً كما سبب الصدمة أحدث سلسلة من ردود الفعل أو آثار اليقظة والوعي كبداية لإدراك الواقع.

وتبلور تدريجيًّا التصنيف الثلاثي الشائع في الموقف من الغرب: السلبية، الانبهار، النقد الإيجابي (الانفتاح الرشيد)[16].

وفيما يعنيه (الانفتاح الرشيد) هو التأصيل بمعنى تمييز الدين عن تراث البشر، ومن ثم الانفتاح بروح النقد الإيجابي المستهدف التمييز بين الغث والسمين، والاستفادة من التجربة البشرية الأكثر تقدماً حيث تناسب واقعنا[17].

والحديث سيتابع مسألتين «مفارقات الرؤية الفلسفية» و«تأسيس قيم الفاعلية والمشاركة» في سياقات متداخلة.

أولاً: الدين وصناعة القيم:

نمهد للحديث في مسائل:

الأولى: الإنسان كائن ثقافي؛ منفرد بالثقافة لانفراده بالوعي والإرادة، وتتحكم بسلوكياته وموازنة حاجياته ودوافعه وأهدافه رؤاه المعرفية. وبالرغم من أن تطورات الحياة خاضعة للسنن فهي لا تقودها الحتميات. نعم الظواهر الاجتماعية تخضع للسنن، لكن السنن واسعة متعددة متداخلة تفسح مجالاً رحباً للفاعلية الإرادية.

إذن؛ الاهتمام بالثقافة هو إيمان بمحورية الإنسان وفاعليته.. فالثقافة امتياز ومشترك بشري. فالحديث عن التغيير هو حديث عن البرنامج الثقافي الذي يخلق الإنسان الحضاري.

الثانية: الأخلاق لها ظاهر متماس مع الآخر وآخر باطن يخلق ذلك الظاهر؛ فهي في مفهومها الظاهر تعني الصدق، والوفاء، والإصلاح بين الناس، وتجنّب سائر الصفات الرذيلة، في حين تعني في مفهومها الباطن الخلفيات الروحية للأخلاق الفاضلة؛ فالصدق -مثلاً- نابع من الاستقامة في النفس، والإصلاح ناتج عن رؤية صافية إلى الحياة، والوفاء منبثق من شجاعة نفسية لدى الإنسان. أما الكذب والنميمة والتهمة والغيبة، فإنّ هذه الصفات السلبية نابعة من انحرافات نفسية، وتشوّش واضطراب في الرؤية، وفقدان البصيرة في الحياة.

ومن خلال المسألتين نتلمس فاعلية الثقافة في ضبط إيقاع الفعل البشري وتوجيهه، حيث إن الرؤى الفلسفية التي تشكل الثقافة لمعتنقيها هي البناء التحتي الذي يصوغ «شاكلة» الشخصية وبالتالي تتحدد سلوكياتها.

الثالثة: وللأخلاق مفهوم واسع «حضاري» وآخر ضيق «تقليدي»، فالأخلاقيات الحضارية تتجاوز التقليدية -«النهي عن مثل الغيبة والنميمة والبهتان، والأمر بمثل الزهد والصدق» مع أهميتها- إلى أخلاق مرتبطة بالعمل والتقدم (الجد والاجتهاد والحيوية والطموح والتطلع والإتقان والاهتمام بالزمن).

ومن خلال هذه المسائل الثلاث يتضح لدينا أمران؛ أولهما قابلية أن يكون الدين مؤسِّساً لقيم الفاعلية، والثاني أن سبر هذه القابلية تكمن في مراجعة للرؤية الفلسفية للحياة التي يؤسِّسها دين ما أو ثقافة ما. ويجدر التوقف مع عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر الذي تناول هذا الأمر وكان لنظراته تأثير ملحوظ في فهم الحداثة والتنظير لها.

البروتستانتية وأخلاق الرأسمالية:

البُنى الاجتماعية الاقتصادية هي التي تحدد الثقافة في التحليل الماركسي، وهي تتغير بتغير الواقع المادي. والمعادلة مقلوبة برأي ماكس فيبر بأطروحته القائمة على أن القيم الثقافية هي التي تحدِّد نوع ومستوى النشاط الاقتصادي.

فيرى فيبر[18] أن الرأسمالية وإن كانت هي التي خلقت الثروة واقتصاد السوق فقد كان ذلك بفضل القيم الثقافية التي خلقتها البروتستانتية. وهي القيم نفسها التي أسست العقلانية الاقتصادية والحداثة الديمقراطية. وما كان للرأسمالية وللديمقراطية -عندهم- أن تكونا ممكنتين من دون أن تتأسسا على قيم ثقافية لا توجد خارج الثقافة الغربية.

لقد صاغ فيبر سؤالاً رئيساً: كيف أدت بعض العقائد الدينية إلى ظهور عقلية اقتصادية؟

ويمكن أن نشير لبعض نظراته في الآتي:

الفعل الاجتماعي (السلوك: الفعل أو الامتناع عنه) هو الموضوع الأساسي لعلم الاجتماع عند ماكس فيبر، والفعل يصبح اجتماعيًّا عندما يرتبط المعنى الذاتي المعطي لهذا الفعل بواسطة الفرد بسلوك الأفراد الآخرين ويكون موجهاً نحو سلوكهم.

فالسلوك الاجتماعي أو الظواهر الاجتماعية تفهم على مستويين، المستوى الأول أن نفهم الفعل الاجتماعي على مستوى المعنى للأفراد أنفسهم، أما المستوى الثاني فهو أن نفهم هذا الفعل الاجتماعي على المستوى الجمعي بين جماعات الأفراد.

وفهم الفعل البشري يتصل بفهم دوافع الفرد ونواياه واهتماماته والمعاني الذاتية التي يعطيها لأفعاله والتي لم تكمن خلف سلوكه، وبالطريقة نفسها لابد من النظر إلى النوايا والدوافع والأسباب والاهتمامات التي تكمن وراء سلوك الجماعة التي يعتبر الفرد عضواً فيها. أي أنه لابد من فهم الفعل الاجتماعي على المستوى الجمعي ومن وجهة نظر الفرد كعضو في جماعة.

ونظراً لتحديده لعلم الاجتماع بوصفه علماً عاماً وشاملاً للفعل الاجتماعي فإن هذا اقتضاه أن يبذل جهداً في تصنيف الأفعال وتنميطها، أي فهم المعنى الذي يخلعه الإنسان على سلوكه، وهذا المعنى الذاتي بالطبع هو المعيار الذي على أساسه يمكن تصنيف الأفعال الإنسانية توطئة لفهم بناء السلوك.

وحدد أربعة أنماط للفعل الاجتماعي وفقاً لمساره واتجاهه على النحو التالي:

1- الفعل العقلي ذو غايات محددة ووسائل واضحة، إذ إن الفاعل يضع في اعتباره الغاية والوسيلة التي يقوم بتقويمها تقويماً عقليًّا، فالقائد هو الذي يختار أفضل الخطط التي تحقق له النصر.

2- الفعل العقلي هو الذي توجهه قيمة مطلقة: فيكون الفرد واعياً بالقيم (أخلاقية، جمالية، دينية) المطلقة التي تحكم الفعل، فيكون الفرد مدفوعاً لتحقيق مطالب غير مشروطة وخالياً من أية مطامح خاصة.

3- الفعل العاطفي: وهو سلوك صادر عن حالات شعورية خاصة يعيشها الفاعل.

4- الفعل التقليدي: وهو سلوك تمليه العادات والتقاليد والمعتقدات السائدة.

ودلوفاً إلى علم الاجتماع الديني عند فيبر؛ فالدراسة -المناهضة للفكر الماركسي- تقع تحت عنوان الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية، المقارنة للأديان الكبرى والعلاقة بين الظروف الاجتماعية والاقتصادية من جهة والاتجاهات الدينية من جهة أخرى.

إن نقطة الانطلاق في دراسات فيبر عن علم الاجتماع الديني هو فهم اتجاه تصور الفاعل للوجود بأكمله، لسبر مدى تأثير التصورات الدينية عن العالم والوجود في السلوك الاقتصادي لكافة المجتمعات. ويبدو أن ماكس فيبر في دراسته لتأثير الأخلاق البروتستانتية على الرأسمالية كان يريد أن يؤكد قضيتين هما:

1- أن سلوك الأفراد (يشمل الاقتصادي) يُفهم في إطار تصورهم العام للوجود (مثل المعتقدات الدينية).

2- أن التصورات الدينية هي بالفعل إحدى محددات السلوك الاقتصادي ومن ثم فهي تعد من أسباب تغير هذا السلوك.

على أن فيبر لم يعالج الجوانب المختلفة للدين بوصفه ظاهرة اجتماعية بل اكتفى بدراسة الأخلاقيات الاقتصادية للدين ويقصد منها ما يؤكد عليه الدين من قيم اقتصادية.

ويرى فيبر أن الرأسمالية الحديثة تمثل في حقيقة الأمر ظاهرة فريدة تنحصر خصائصها الأساسية فيما يلي:

1- المشروع الاقتصادي القائم على التنظيم العقلي الذي تتم إدارته وفقاً لمبادئ علمية والثروات الخاصة والإنتاج من أجل السوق، والإنتاج للجماهير وعن طريقهم، والإنتاج من أجل المال.

2- عقلانية القانون كإطار تجريدي لضبط العلاقات وإدارة الدولة بواسطة بيروقراطية عصرية هي سمة الدولة الحديثة التي تميزها عن الدول في الأمم الأخرى.

2- مبدأ الفردانية[19] في العقيدة البروتستانتية امتد ليشمل التربية وعلاقة الفرد بالمجتمع والسلوك الاقتصادي وأساس بناء الدولة حيث إن التقرب من الله يكون بالعمل الدنيوي المتقن (المهنية) والمنتج للثروة بخلاف النظرة المسيحية التقليدية.

وبخلاف التفسير الاقتصادي لانتشار البروتستانتية لـ«وليام كوبيت»[20] القاضي بأن تضخم ثروة الكنيسة جعلها عرضة لمطامع الملوك والأمراء حيث إنهم من خلال الاستيلاء على ثروات الكنائس يستطيعون الوفاء بديونهم للمصارف - فإن ماكس فيبر يضيف عاملاً داخليًّا في البروتستانتية. فقيم الحياة التي بشّرت بها لم يتلقفها الجائعون، وإنما صاغت الناس لتجعلهم أكثر ملاءمة لجمع المال، وصنعت منهم الطبقة المتوسطة. ويمكن ملاحظة أخلاقيتين حيويتين؛ الأولى تمجيد العمل، والثانية التقشف والادخار.

فالعمل هو دين للإله على الإنسان، والنجاح في العمل في الوقت الذي هو مدعاة لرضا الرب هو دال على توفيقه، كما أن تجنب الإسراف وزيادة الدخل على الإنفاق الذي يسمح بتكوين رأس المال الذي يدخل في دورة إنتاجية جديدة يفتح أبواب الجنان.

مقاربة نقدية:

هذه العقلانية الحديثة -يرى فيبر- اختصت بها حضارة الغرب، فالعلم بمعناه الحديث غربي الأصل والتطور، وأيضاً القانون الوضعي. كما أرسى الغرب الحديث دعائم الدولة العصرية بدستورها المكتوب وقوانينها المجردة، دولة تديرها بيروقراطية بمعناها الحديث.

إن دراسة ماكس فيبر للحضارات الشرقية إنما قام بها ليثبت أنه ولا واحدة منها عرفت العقلانية الحديثة -أو الحداثة العقلانية- التي أسست الرأسمالية والديمقراطية والعلم بمناهجه الحديثة المؤسَّسة على التجربة العلمية والصياغة الرياضية.

فقد درس الحضارات اليهودية والصينية (الكونفوشيوسية) والهندية (الهندوكية والبوذية)، ولم يهتم إلا عرضاً بالإسلام وبالحضارة اليابانية. وقد أوصلته دراسته الواسعة هذه إلى نتيجة واحدة. وهي أنه ولا واحدة من هذه الحضارات قد تضمنت فيما يمكن أن تكون خلّاقة للعقلانية الاقتصادية التي أسست الرأسمالية.

ويكفي أن نسبر تلازم «البرتستانتية/ الأوروبية» والرأسمالية لاستكشاف المبالغة، وإذا ابتعدنا عن التمثيل بالحضارة الإسلامية فإننا نجد أن البروتستانتية أوروبيًّا لم تستفرد بالرأسمالية والحداثة فقد شاركتها الكاثوليكية، ومن جهة أخرى نجد في تجربة اليابان الميجية[21] التي تتجاوز دلالاتها من تفكيك الخاصية الأوروبية إلى الكشف عن حداثة في مناخ قيمي مختلف. ومن ذلك قيمة الجماعة مقابل الفردية الأوروبية، والحكم الشمولي مقابل الديمقراطية الأوروبية.

وحيث إن الغرض هنا هو النظرة الإيجابية بغرض الانتفاع فنتوقف عند بعض الملاحظات:

أولاً أصالة الإنسان:

إن قلب المعادلة الماركسية هو حق، ومضامين الآيات القرآنية في هذا واضحة، مثل ﴿كَلاَّ إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى?(6) أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى[22]. والعبرة المستفادة أن التغيير الثقافي هو مدخل أساس للتنمية، ويُغني التخطيط لذلك المجتمعات أن تمر بتجارب مجتمعات أخرى قاسية حتى تحدث التبدلات، فالدراسة للتجارب تقي البشرية مخاص الألم وتجارب الخطأ وتختصر الطريق. ومن ثم الخاصية الأوروبية إنما يُغض الطرف عنها كصيرورة تاريخية، ويمكن للآخرين تجاوزها.

ثانياً: الخلط بين الدين والتحريف:

إن النتائج التي توصَّل إليها (ماكس فيبر) صحيحة من جهة، وخاطئة من جهة أخرى. إن عدم التمييز بين الدين والتحريف جعله ينسب آثام التخلف للدين نفسه. ولنلاحظ:

أ- لا ريب في أن هناك بعض المعوِّقات في بعض الديانات، ولكننا عندما نعود إلى جذور هذه الديانات نجد أنها في الأغلب نقية من تلك المعوقات، وأن الأفكار المنحرفة تحوَّلت إلى جزءٍ من تلك الديانات بفعل مرور الزمن، وهذه الظاهرة لا تقتصر على الديانات؛ بل تنسحب أيضاً على المذاهب الفلسفية التي يعتقد بها البعض.

ب- إننا إذا راجعنا أخلاقيات الاجتهاد والسعي والتحرُّك والحيوية والتعاون والتنظيم والعقلانية.. في الدين سنجد بوضوح أن الإشكالية في التحريف ليس إلا.

فهل يعزز الفاعلية إلا تحريم اللهو وتقديس العمل وجعله من درجات الجهاد.

وكذلك الحال في تحريم الإسلام اللهو والباطل الذي يمتص طاقات الإنسان ويهدرها. فهل يعزز الإنتاجية إلا محاربة الإسراف وتكريس الزهد. وهل يعزز روح التقدم إلا الرسالية والتوكل[23].

ثالثاً: الانفتاح الناقد وتعرية التحريف:

ويتأسس «النقد/ التمييز» على أساس أصالة العقل التي تتجاوز البنى الثقافية للبيئة، فيستطيع الانسان من داخل أرحام تلك الثقافات المتحجرة أن يتجاوزها، وهكذا يتوالد المصلحون في المجتمعات. كما أن شروط الاستصلاح الداخلية «في الدين» تسمح بذلك. وبعبارات موجزة:

:: سلامة النص الدين «القرآن الكريم»، مع جملة وافرة من السنة الشريفة القطعية عند المسلمين جميعاً وبشروط المجتمع العلمي الشامل لتنوع المذاهب.

:: كفاية العقل الفطري (المشترك البشري) واللغة العربية لتكوين البناء الأساس للمعرفة الدينية. والذي هو منطلق المتواليات المعرفية في المجتمع العلمي.

نعم؛ تبقى شروط متعلقة بالجماعة، ومن أهم ذلك: التدافع العلمي/ الاجتهاد، والانفتاح/ المعاصرة.

وواضح أن الاستفادة من التجربة البشرية والتفاعل معها لا يضير حين يتم تمييز الدين، ويتم الانفتاح بعقلانية نقدية.

ونفي الضير ليس لأن الدين ترك بحسب الحكمة الإلهية مساحة للفاعلية الإنسانية فحسب، بل لأن لدينا ملء الثقة بهذا الدين، وإنما يكشف الانفتاح قصورنا البشري وتقصيرنا مما يضطرنا لديمومة المراجعة والنقد. ولا يخفى أن التهاون في النقد سيراكم تدريجيًّا أكواماً من الفهم المجانب للدين أو أقلاً الضيق، بل يمكن الصيرورة إلى إن من عوامل نفي التحريف هو الانفتاح حيث يكشف العيوب ويبلور الأسئلة الحيوية في عصر ما من خلال المقارنة ومن خلال النجاح والفشل في التعاطي مع المستجدات.

ولا ريب في أن إمكانية التحريف والضلالة في الدين من محطات الابتلاء والفتن التي يختبر الرب البشر فيها.

وهذا ما يهدينا إلى الآتي:

أ- النقد والتمييز بين الدين والتراث والتحريف:

والتأصيل بالدين، والتراث اجتهاد بشري يُنظر إليه بإيجابية دون تقديس وإنما كتجربة بشرية، أما التحريف فهو وإن كان مشمولاً بالتعريف المتداول للتراث إلا أن الفارق المنهجي بين التأصيل والتحريف هو متوفر في التراث، فما كان منه يعتمد الشروط العلمية فنتعامل معه تعاملاً إيجابيًّا، أما غيره فينبغي نفيه دون أي اعتبار.

إن التفكيك بين الرؤية الفلسفية والقيم في الحداثة ناهيك عن البرامج التنموية والتحديثية، ليس لحصر الانفتاح، مع أن التباين في الرؤية الفلسفية أشد، وهو الأقل في التنموية (تباين يرتبط بالشروط الاجتماعية والتاريخية أكثر منه بالدين).

وفي سجال الحداثة والتراث أصبح واضحا ضرورة التمييز بين الدين والتراث؛ حيث أن الفهم (المخلوط) للدين أنتج الكثير من إلإشكاليات والتي كانت نتيجة تراكم التحريف التاريخي المتواصل، الذي تتطلب مواجهته شجاعة وعلمية.

لكن ثمة فارق بين موقفين، أولهما يؤمن بالانفتاح والتعاطي مع الحداثة انطلاقاً من إيمانه العميق بهذا الدين، مبتنياً على مقولة: إن افتراض الخطأ والقصور في الدين يعني رفضه لا تعديله وتكييفه. إذ إن التعامل في الدين إنما يصح مع مقولة النقص في الدين وبشريته، وهو بخلاف المقولات الدينية كما هو واضح.

والموقف الثاني الآخذ بالتكييف إما مداراة للمحيط الاجتماعي، وإما بنوع من الصوفية الجديدة (الدين الإنساني) في ثوب ما بعد الحداثة ونسبية المعرفة.

أقول: من الخطأ بل من العجائب التمييز بين تحريف -وإن بحسن نية- واستعارة ثقافات البشر قديماً فارسية وإغريقية أو حديثاً، فينبغي النظر لكل أنماط (التفاعل الثقافي) بمعيار واحد. ويتضح جدًّا أن من أسباب تخلف المسلمين، والنفرة من الدين هو هذه الإضافات في الدين التي تراكمت عبر العصور وتمظهرت في تيارات فلسفية أو صوفية وحتى قشرية حشوية.

ب- مبدأ الشك، واحتكار المعرفة:

على ضوء ورود التحريف يكون مبدأ (الشك) منهاجاً في التعامل مع التراث والمعارف المنتسبة إلى الدين، وذم التقليد وتعطيل العقل الوارد في القرآن ليس حكراً على عرب الجاهلية.

نعم هذا يفتح السؤال عن إطلاق الحرية لقارئي النص في تفسيره دون الاحتكام إلى اللغة التي جاء بها والسنة الشارحة للقرآن، هو الحل لدى الحداثيين للتعصب والجمود.

عقدة (المقدس) ومرجعية (السلطة) وهيمنتها من عوامل القلق المؤرقة للحداثة. فكسر احتكار رجال الدين هو من مفاتح الحداثة لمشاكلة إرهاصات الحداثة الغربية واصطدامها مع الكنيسة.

وفي الحقيقة إن الإزاحة تمت في المستوى السياسي شكلاً مع أفول الخلافة العثمانية ومضموناً مع بواكير الدولة الأموية، وكان لزاماً إنهاء الاحترام الاجتماعي، وإنها الاحتكار والامتياز. ويترتب على ذلك السماح بالتفسير من غير رجال الدين، وإنهاء شرعية محاربة رجال الدين للقراءات التحريفية في غالبها.

واستطراداً فإنه يمكن إحدى تداعيات الحركة البرتستانتية التي تشكل جاذبية ومسبب للانتشار هو تقويضها للمرجعية الكنسية[24] من خلال التمرد على «وسيط التقرب» للرب روحيًّا وفكريًّا من خلال العلاقة المباشرة بالكتاب المقدس من خلال إتاحته (الترجمة) باللغات القومية وبالتالي إزاحة السلطة الروحية والفكرية لرجل الدين. وحيث إن الكتاب أي كتاب إنما ينطق عنه الرجال، فالسماح بحرية التفسير والفهم يشكل الروح الجديدة المنسجمة مع الحداثة العلمانية وإن كانت البروتستانتية لم تبتغِ هذه الإطاحة الكلية للكنيسة.

والمحصلة؛ إن الفرق واضح بين الشك المنهجي الذي يبتغي البناء على أساس الإيمان العقلاني بالدين، وبين شك يستهدف إزاحة الدين عن الحياة العامة.

ثانيا: أول الدين معرفته:

الرؤية الفلسفية في الوجود:

يجري جدل في أوروبا والولايات المتحدة بشأن نظرية «الخالق، التصميم الذكي» في مناهج التعليم. حيث إن نظرية الخلق من قبل خالق واحد -بنظرهم- تهدد حقوق الإنسان في الإبداع، وتتعارض مع العلم الحديث، وتشكل خطورة مع تدريس مفهوم الخالق الواحد بالمناهج التعليمية المختلفة والمنتشرة في دول العالم.

ويمكن اعتبار معالجة أوجست كونت هي الرواية الرسمية للحداثة الأوروبية. فمفهوم العلم عند أوجست كونت يندرج ضمن تصور معرفي عام، يمرحل النمو العقلي البشري في ثلاث: التفكير الغيبي الديني (التفسير الماورائي)، التفكير الفلسفي (نزوع للعلمية لكنه رهين الماوراء)، التفكير العلمي الذي يشكل دراسة للظواهر والعلاقات اعتماداً على التجريبية الحسية.

وبحسب كونت فإن الدين آخذ في التلاشي مع سيادة التفكير العلمي في تفسير الكون. وكان التوقع أن ازدياد المساحة المستكشفة علميًّا تأخذ من مكانة الإله الديني، وهنا تبرز نظرية التطور لدارون كضربة قاصمة للتفكير الديني، فقد أنهت الحاجة لفرضية الإله الخالق في تفسيرها لانبثاق الحياة، وربما هذه نقطة القوة التي تستعين (الدارونية) بها لستر عوراتها المنهجية.

وواضح أن أمنية أوجست كونت تصطدم بحقيقة أن الاعتقاد الديني أمر لصيق بالإنسان، كما أنها تختلف مع الواقع التاريخي، وأن ثمة خلط بين مجال العلم والدين -الفلسفة، فالعلم يبحث في انتظام علاقات الأشياء في الكون، والبحث الفلسفي يتناول الكون برمته، والبحث الغائي دائماً هو خارج البحث العلمي المتعارف.

ويمكن أن نعنون للحداثة بـ«الإنسان المتمرد»، حيث اشتهرت فلسفة نيتشه بمقولة «موت الله»[25]، في فترة كان الدين المسيحي ما زال يحتفظ بنوع هيمنة على الحياة الفردية.

فبحسب نيتشه؛ نحن ملزمون على إعلان موت الله لخلق إله جديد. يدَّعي نيتشه انه لا يمكن أن يكون هناك منظومة من القوانين الإلهية المفروضة علينا، ولا يوجد نظرية أخلاقية مطلقة لكل أفراد البشر. وبعد موت الله، كل فرد ملزم بأن يخلق لنفسه منظومة أخلاقية خاصة به. وبهذا يحصل على قيمته بقدراته الذاتية.

لقد شكلت فكرة موت الله لدى نيتشه انعطافاً كاملاً وجديداً في الثقافة الغربية إذ يعتبر موت الله تأسيساً لميلاد ثقافة جديدة. بالتالي إنجاز تدمير للثقافة القديمة التي كانت تتأسس على فكرة لله.

لكن لكي نفهم هذا التدمير يجب أن نبحث عن دلالة موت الله لدى نيتشه.

إن مكانة الله في الحضارة الغربية إبان القرن 19 -وبعد قرن فلاسفة الأنوار الذي بدَّد ظلامية القرون الوسطى، وبعد الثورة الفرنسية التي انتزعت السلطة السياسية من السيد الأعلى صاحب الحق الإلهي، ومع ميلاد العلم الوضعي والفعالية الصناعية والثورات السياسية- بدأت تضيق تدريجيًّا حتى نصل إلى «موت الله»، إن موت الله في الجوهر هو موت الثنائية، وزوال الإيمان بحقيقة أخرى مفارقة للعالم الحسي.

إن نيتشه يسعى إلى استبدال نمط الثقافة الثنائية التي يكون فيها وجود الإنسان هامشيًّا بنمط وجود يكون فيه الإنسان فاعلاً ومبدعاً. فإعلان «موت الله» بحسب نيتشه بمثابة إعادة الاعتبار للإنسان عبر عودته إلى ذاته، وينبغي تعليق القيم الأخلاقية في موضع آخر (غير الله) الذي هو الإنسان.

وهنا يتضح لدينا «أساس المفارقة»، وهو كامن في الرؤية الفلسفية للعالم والوجود ذات خطين أساسين؛ «الواحدية» المادية أو المثالية، و «ثنائية» الخالق والمخلوق. ومن المهم أن نلتفت إن الفلسفات «الواحدية» هي بين خيارين الانتصار للإنسان كما في الفلسفات المادية أو الانتصار للإله كما في الفلسفات الروحية، بينما الإشكالية في الثنائية غير متصورة إلا مع التحريف.

والحداثة وما بعدها المجتمعة في إطار (الواحدية المادية) مع اختلاف النظر للعالم «الخارج/ الكون» من عقلانية مترابطة إلى تفكيك العقلانية اقتراباً من الفوضوية - تختلف تماماً وفي أساس الرؤية الفلسفية، أي في تفسير الوجود.

إذن الفارق بين الحداثة ووليدها مع المتدينين يكمن في (موت الإله أو حضوره). أي بين إلوهية الإنسان وبين عبودية الله. ومن ثم الحداثة الغربية لا يمكن أن تجتمع مع الدين.

في معنى الإيمان والمعرفة:

في الحقيقة واقع الحداثيين وغالب البشر لا يختلف عمَّن تحدث عنهم القرآن بأنهم لا ينكرون أصل وجود الخالق. ومن ثَمَّ الحديث حين يشير لنفي (الإله) فإنه مساوق لنفي العبودية. وتحديداً للحديث لنتأمل النص: «اللَّهُمَّ عَرِّفْنِي نَفْسَكَ فَإِنَّكَ إِنْ لَمْ تُعَرِّفْنِي نَفْسَكَ لَمْ أَعْرِفْ نَبِيَّكَ، اللَّهُمَّ عَرِّفْنِي رَسُولَكَ فَإِنَّكَ إِنْ لَمْ تُعَرِّفْنِي رَسُولَكَ لَمْ أَعْرِفْ حُجَّتَكَ، اللَّهُمَّ عَرِّفْنِي حُجَّتَكَ فَإِنَّكَ إِنْ لَمْ تُعَرِّفْنِي حُجَّتَكَ ضَلَلْتُ عَنْ دِينِي»[26]. سنرى أن التعريف هنا تعني فيما تعنيه:

:: المعرفة بمعنى الاعتراف. فالنتيجة المنطقية للمعرفة هي الإذعان بمفاد العلم وترتيب الأثر، ومساق الحديث يوضح ذلك.

:: المعرفة المستلزمة للربوبية والمالكية، والمستلزمة للحكمة المقتضية لبعث الرسل، وبعبارة: المعرفة بمضامين آيات آل عمران: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَآ مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ?(191) رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ?(192) رَّبَّنَا إِنَّنَآ سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُواْ بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأبْرَارِ.

فإذن؛ الجهل بمضامين آيات آل عمران «اقتضاء الخالقية للعبادة، الحكمة من الخلق واقتضائها بعث الرسل، واقتضاء الحكمة الجزاء» أو عدم الاعتراف -وإن جامع المعرفة- هما بمعنى نفي الألوهية.

:: إشكالية «الإلحاد» في أسمائه تعالى: ﴿وَلِلهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُواْ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَآئِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ[27].

لقد خلق الله الإنسان في أحسن تقويم، وزوده بكل وسائل الهدى، ولكن حيث ترك الانتفاع بها فإنه يتسافل لدرك الحيوانية بل أضل سبيلاً.

ولله سبحانه الأسماء الحسنى، وكل اسم من أسمائه يشير إلى قوة فاعلة في الحياة، أو سنة جارية فيها، ودعاء الله بأسمائه الحسنى يكرس روح الحقيقة في البشر، أما من يلحد في أسماء الله فإنه يحجب عن نفسه قسماً من حقائق الخلق فيضلون الحقيقة.

إن الله رحيم ورحمته مؤطرة بحكمته البالغة، فالهدى الذي هو عنوان رحمته يتطلب اهتداء واستجابة. ومن «الإلحاد» الزعم بأن الله واسع الرحمة وأنه لذلك لا يعذّب أحداً لأن رحمته تأبى ذلك، أو يزعمون أنه لو زل أحد فإنه قد سقط نهائيًّا وسوف يعاقبه الله لأنه شديد العقاب، ولا يرجى له الخير أبداً، في حين أن الصحيح أن الله واسع الرحمة وأنه شديد العقاب كلٌّ في محله وحسب الحكمة الإلهية، التي تربط العواقب بالسعي البشري.

الحكمة إطار الخلق والسنن:

العبودية كدح نحو التكامل:

«العبادة غاية خلق الإنسان»[28] جوهر الفلسفة الدينية؛ ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ?(56) مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ?(57) إِنَّ اللهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ.

فالخلقُ يعني المالكية الإلهية، كما يعني حقيقة الفقر إلى الغني (الخالق). فالإنسان خلقه الله ليتكامل ويبلوه في ذلك. ومن هنا كرّمه الله بالعقل والحرية وجعل الحياة جهاد مستمر.

والعبادة هي وسيلة التكامل، ذلك لأن عبادة الله تعالى، تعني التسليم بواقعية الخلق والسنن القائمة، وتعني التقرب إليه تعالى. إن حقيقة القرب ليست مادية فهو تعالى ليس ماديًّا أو شيئاً يشبه خلقه، فإذن؛ نفقه التقرب إليه بحقيقة العبادة (الدعاء): ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ[29].

إن لله الأسماء الحسنى وإنما ندعو الله بها، وأسماء الله سبحانه هي أسمى معاني الكمال والجمال وهي معاني الكمال، التي لو تجلّت في الإنسان لابتُعث مكاناً محموداً، إنها العلم، القدرة، الرحمة، السلام، الأمن، الهيمنة، العزة، الجبر (التالف)، الصنع، الجمال، العزة والحكمة. أليست هذه معاني الكمال التي ينشدها الإنسان؟ أوَليست هذه هي وسائل التقرب من الله؟ فالعالم أقرب إلى ربّه من الجاهل ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ[30]، والمؤمن المقتدر خير من الضعيف ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ[31]، والرحمة أم الفضائل ﴿رُحَمَاء بَيْنَهُمْ[32]، والسلام أنشودة الخير ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً[33]، والأمن وسيلة التقدم ﴿الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ[34]، والهيمنة عنوان المجد ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ[35]، والعزة جلباب المؤمن ﴿وَلِلهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ[36].

عبودية الله تحرير الإنسان:

بلا ريب إن الثقافات الحداثية اهتمت كثيراً بتحرير الإنسان سياسيًّا، وربما انصب اهتمام ما بعد الحداثة في تحريره من العقلانية وتداعياتها في النظام والمجتمع والثقافة. وبعيداً عن الجدل في صوابية ذاك التحرر أو خطئه، فإن السؤال الأهم من أين يبدأ التحرر عند الإنسان، أو كيف يصبح حرًّا!

أ- في المستوى الفردي؛ تتلمس أكثر الإجابات في تحرير الوعي، وخلق التفكير العقلاني القادر على المعرفة الواقعية، ومن ثم القدرة على التقييم والاختيار. والسؤال كيف يتحرر الوعي!

ورؤيتنا في أن ثنائي (الزهد، التوكل) المدخل الصحيح لذلك، فبالزهد يتحرر من الأطماع والشهوات، وبالتوكل يتغلب على عوامل الخوف والقلق. من هنا العبودية لله هي التحرر الحقيقي والعميق داخل النفس لينمو العقل، ومن ثم يتحرر الإنسان من الجبت والطاغوت.

ب- في المستوى القانوني فالتأسيس الفلسفي للحرية هو الاشتراك الإنساني في الهوية والمخلوقية مما يعني السواسية في الحقوق والواجبات.

العبادة والاستجابة للهداية:

لقد خلق الله الكائنات ليفيض عليها من رحمته، وأمر البشر أن يعبدوه ليستغنوا بعبادته عن عبادة غيره، ومن أبعاد الرحمة الهدى الذي يكمل سائر النعم.

ومن الضروري مقاربة جملة من الأسئلة تدور في إطارين؛ إطار «الحكمة والرحمة» وعلاقتهما بالهداية وهو ما يُبحث كلاميًّا في خانة «العدل الإلهي»، وإطار وظيفة الهداية وفاعليتها وشروطها.

ومن الخطأ منهجيًّا تناول الإشكالية الموجهة إلى «الهدى» -بأن الحقيقة ثابتة ومعيارية تفصل بين الناس «الحق والباطل»، وما نراه من مجانبة البشر غالباً للحق فيحرمون من السعادة الدنيوية والأخروية- بعيداً عن إطار جملة من المفاهيم، وبالخصوص «المالكية الإلهية، الحكمة»، وعلى هذا المنوال يكون الفهم بأن نظام العقوبات في قانون هو من الرحمة ما دام عادلاً. وتفصيل السجال يمكن مراجعته في البحوث بالعدل الإلهي.

والخلاصة؛ الله هو الغني الحميد، وخلقه للخلق تكريم للمخلوق، وإنما أراد به الرحمة. ومظاهر الرحمة وافرة لكن مظهر الرحمة الأساس هو في «الهداية» للمخلوق الحر والمسؤول. وبعبارة: إن سبيل الرحمة مفتوح لكن ضمن حكمة الابتلاء والمساءلة، فمن اتبع الهدى تناله الرحمة.

والبصائر والهدى تحقق السعادة، فالبصائر تشكل هدىً بالاتباع والاستضاءة، وحينها تتحقق الرحمة. إذن، فالبصائر والهدى والرحمة آثار للوحي.

لكن نود التوقف عند بعض الملاحظات المتصلة بالحديث:

1- في مضمون الهداية:

إن تحديد «الخير والشر، الهدى والضلالة، الفساد والصلاح» مسألة تختلف فيها المدارس الفكرية. ويبدو أن الفارق الأساس هو في مصدر التحديد (الوحي، الخبرة البشرية)، وفي سعة الخير والشر والسعادة والشقاوة الكمي (الدنيا، الآخرة)، والنوعي (السعادة المادية، المادية والمعنوية).

فالسؤال؛ أين تقف حدود الدين كمرجعية معرفية في تحديد «الهداية» و«الضلالة»؟

مع تنامي العلم وتصاعد الاهتمام بالعلوم الإنسانية والاجتماعية؛ التي تحاول دراسة الإنسان وتقديم المعالجات لمشاكله اليومية على المستويين الفردي والاجتماعي، بدأت تطرح نتائجُ هذه العلوم باعتبارها مرجعية تفسيرية مزاحمة بل ومعارضة لمرجعية الدين، وكلما تناما العلم أكثر ازداد السؤال إلحاحاً، هذا في الإطار المسيحي الغربي. أما على المستوى الإسلامي فلم يكن السؤال ملحاً إلا بعد دخول العالم الإسلامي في بوتقة الحضارة الحديثة؛ التي يعتبر العلم فيها السمة البارزة.

ولنلاحظ جيداً أن افتراض أن كشوفات العلوم البشرية أثبتت -بعد خبرتها المتراكمة- سدّ حاجات الإنسان في كل المجالات سينفي الحاجة إلى الدين من الأساس، هذا أولاً، وسيكذب النبي ثانياً، أي نبي، لأن نبوته متقومة بسدّ حاجة الإنسان حيث لا مَسَدّّ لها، والعلم؛ الذي هو المرجعية الأولى، أثبت عدم الحاجة إطلاقاً.

2- في حدود الهداية:

إن البيّنة من عند الله سبحانه، والرسول والأئمة هم السبيل القويم الذي هدى الله له المؤمنين، والله سبحانه هو الذي يهدي إلى السبيل القويم؛ فإما أن يكون الإنسان شاكراً فيتبعه، وإما أن يكون كفوراً. وبعبارة: إن الهداية متقومة بعنصرين: الأول البيان والتقريب (اللطف)، وهذا تكفل به الله عبر نعمة العقل والرسل. والثاني الاستجابة والاستضاءة، والمعني به الإنسان. نعم الله يُقَرِّب الناس للهداية دون إلزام تكويني. وبملاحظة «الحرية، الهداية» يتضح لدينا:

:: أن ثمة حقًّا وباطلاً، فالحرية لا تستلزم صوابية اختيار الإنسان، ولإبعاد الإنسان عن الضلالة بُعث الأنبياء.

:: الحجة الإلهية (البينة)، واضحة تامة تقطع العذر. لكن الوضوح لا ينفي أمرين؛ الأول الاختيار، الثاني الاختيار هو عملية ابتلاء.

4- الهداية والرحمة:

وبالتالي فإن وسيلة الرحمة الاستجابة، ومن ثم ينتفع البشر بقدر استجابتهم:

:: الناس في المستوى العمليّ والواقع الخارجي يعتصمون بقدر استعصامهم بالدين؛ فيحققون على المستوى الجمعي هداية عامة، وعلى المستوى الفردي يحقق كل فرد منهم مفهوم الإنسان «العادل»؛ وهو الذي لا يتورط بكبائر الذنوب ولا يصر على صغائرها. ولو شاء الناس الكفر وهو ما يحدث كثيراً لحرموا أنفسهم من الرحمة.

:: الهداية هذه تجعل الأمة في تعاملها مع الفتن (تقلبات الزمان) مستلهمة للرشد الربّاني بعيدة عن السفه، وهذا بقدر صبرها على الاستعصام.

:: إن الدين ليس كتلة بسيطة غير قابلة للتجزئة (يؤمنون ببعض ويكفرون ببعض)، وهو قابل للتحريف (مع سلامة أصوله أي القرآن والسنة)، والرحمة إنما تكون بالتمسك بمجموع الدين، ومن هنا فالتطبيق الشكلي والمجتزأ من قبل المسلمين للدين هو سبب حرمانهم من الرحمة[37].

ثالثا: في المعرفة

في عقلانية الدين:

1- التعرف على العقل:

الإنسان منذ طفولته يجد في نفسه القدرة على المعرفة وذلك عندما يتصل بالمحيط[38]، وهنا تبدأ تجاربه المعرفية وتنمو، ويثق بها. وعملية «المقارنة» بين حالي الوعي والجنون أو عدم الانتباه تؤكد التعرف على قوة العقل، ومن ثم تتوافر الثقة الذاتية (الوجدانية) بهذا النور في ذاته ولو ضمنيًّا، ومن ثمَّ هو يعتمد عليه. وتتطور معرفتنا بالعقل من خلال «العبور من المكشوف إلى الكاشف»، وبتكرار عملية العبور هذه يزداد وعي العقل لذاته ويقظته، وتشتد ثقته بقدراته. إن تجارب البشر في معرفة العقل إنما تكشف عن آثار وفاعلية العقل، وهي تكشف بعض الأبعاد.

والتعويل في الخطاب الديني على «الفطرة، التذكرة، والموهبة، وعقل الطبع،..» يُدلل على ما سبق، كما أن سبر اللغة والرواية يكشف عن:

:: ثنائية «العلم، التوجيه» كوظيفة للعقل.

:: أهمية «العاقل»، بإحلال العقل الريادة في ترشيد السلوك. ومن ثم مخالفة إرشاد العقل هو نوع جنون يُضاف للجنون العرفي (فقدان التمييز) المسقط للتكليف وجنون الأمراض النفسية والذي هو أحد المعذرات في المدارس المادية.

2- العقل والعلم:

ثمة إنسان، وثمة خارج (العالم)، والصلة بينهما هو العلم. فلو افترضنا انعدام العلم، لم يستطع الإنسان معرفة أن ثمة خارج أم لا شيء وراء وجوده الشخصي.

والإنسان ليس ذاتي العلم (لوضوح أنه كان جاهلاً فيتعلم)، لذا هو بحاجة إلى وسائل توفر له المعرفة. وبعبارة إذا استثنينا «الفطريات، والمدركات الحسية المباشرة» فإن المعارف الأخرى ليست كذلك، فهي بحاجة إلى منهج يمتاز بالقدرة على توفير المعرفة للإنسان في موضوع البحث (كما أن الرواية التاريخية تتجاوز فاصل الزمن وتوصل المعرفة لعصرنا عن الماضي الذي لم نعايشه)، وهي في التعبير القرآني (السلطان، البرهان..). وحين نفتقد المنهج إنما نفتقد المعرفة، وهنا يتوقف العقل عن الحكم ريثما تنفتح آفاق المعرفة. ومن هنا يتضح أن درجة الثقة بالمعارف تتبع حكماً قيمة المنهج العلمية العقلائية. وهنا يتراءى بوضوح أن توسط المناهج البشرية بين الوحي والبشر يجعل المعرفة الدينية بحكم الواسطة خاضعة حكماً لمعاييرها.

3- عقلانية الخارج:

إن جوهر الإيمان بالعقل يرتكز على التسليم بقدرته على العلم والتسليم بالواقع الخارجي الخاضع لقوانين موضوعية. ونوجز هنا:

أ- الإنسان يتمتع بميزتين الأولى الحرية والإرادة بمعنى عدم الاعتراف بالحتم على الإنسان (سواء العامل الاقتصادي - الجنسي - الجغرافي - العرقي - الاجتماعي) فهو قادر على الفعل بنفسه.

ب- الكون مسرح لفاعلية الإنسان لمصلحة الإنسان دون إفساد.

ت- انتظام الكون وترابطه هو قابليته لأن يكون معقولاً. والنظر الديني يؤسس للسننية في مستويات متعددة، منها ما يحكم الطبيعة وحركة الأشياء وتصنف في العلوم الطبيعية، والثانية تحكم الحياة البشرية (العلوم الإنسانية) مع التأكيد على حرية الإنسان في ضمن هذه القوانين، والثالث قوانين تختص بالفعل الإلهي مما يتصل بعالم الغيب كقوانين التدخل الإلهي (التقوى والصبر) والصدقة تدفع البلاء.

إن جوهر التمييز بين «الرشد والسفه، والعلمية والخرافية» يكمن في موازنة «الغيب والشهود». فالعلم يعتمد (السننية، السببية)، وغائية الانتفاع بالطبيعة عبر استكشاف سننها، وأن سبيل الاستكشاف هو المناهج العلمية (العقلائية). والفارق بين (العلمية والخرافية) - بعد التوافق على رغبة الانتفاع - هو في فهم (طبيعة السنن) الذي ينعكس على طبيعة التسخير. فبين سببية واقعية أوضح صورها هو العلاقات بين الأشياء المادية وبين العلاقة الغامضة وغير المنتظمة (لا سننية وغير مستقرة) بين مراسم السحر والتأثير في البشر، ومن ثم التسخير يتم عبر أحد طريقين السحر أو العلم.

وموجز القول: إن الفارق بين (البدائية والمدنية) وبين (العلمية والخرافية) يتجلى في «العقلانية»، التي يمكن تحديدها في انتظام العلاقات وفق السببية الواقعية، وفي إمكان المعرفة العلمية المنضبطة. وثمة مساحة للبس يشتبه الحال فيها على بسطاء التفكير، في التصنيف الثنائي؛ فهو ليس مقابلة بين العقلانية المادية (الجاحدة بالغيب) والخرافية (الجاحدة بالشهود)،وإنما هما أيضاً متباينان مع النمط الثالث (التفكير السنني).

4- العقل بين نظريتين:

(ما العقل)؟؛ سؤال يستثير مجموعة أسئلة. عن ماهية العقل؛ فهل هو مجموع الأفكار والمشاعر أم ذاتاً عليا مستقلة تتضمن هذه الأفكار. وافتراض أن العقل ذاتاً مستقلة يكون السؤال: هل هو مادة الأجسام الطبيعية نفسها أم مادة أخرى؟. واختزالاً؛ ثمة نظريتان في تفسير العقل وعلاقته بالطبيعة البشرية:

أولاً: التفسير غير المادي للعقل «الحقيقة النورية»:

العقل هو حقيقة جوهرية، فللعقل طبيعة مفردة، قاعدتها الأساسية للتأثير في الإنسان هو الدماغ البشري، لكنه يمتلك وجوداً مستقلاً. فهو خلق من النور مغاير للحقيقة الإنسانية المُشار إليها بـ(أنا). إذ هو غير الروح، ولما نجده في أنفسنا من فقدان ووجدان العقل. وأيضاً فإن تعبير الروايات بالخلق للعقل مستقلاً عن الروح، وهي الأخرى مخلوقة مستقلة عن العقل يؤكد هذا بوضوح.

ثانياً: التفسير المادي للعقل:

تفسره بالتفاعلات الكيماوية والكهربية. فالعقل وظيفته إحداث التوازن بين فعاليات قوى الإنسان الداخلية (أي الموازنة بين حاجات الإنسان وشهواته وتنظيمها). أي الدور المرسوم للدماغ. وهذا منحى النظريات العلمية الحديثة، فهي تعتبر العقل ظاهرة تتعلق بعلم النفس. ويؤكدون مدعاهم بـ«التحكم في السلوك البشري من خلال التحكم بالدماغ، وقد أمكن تقسيم المخ إلى ثلاثة أقسام (المخيخ، جذع المخ، المخ الجديد)، وأمكن تحديد مناطق تتحكم باللغة، والانفعالات، والمزاج والقدرات. ويمكن عد العقاقير (المنبهة والمخدرة والمهلوسة) من وسائل التحكم السائد، ومن جهة أخرى فإن الغدد الصم وما تفرزه (هرمونات) تؤثر في النمو العقلي كما البدني».

ولنلاحظ؛ كيف يتحقق التوازن: الحاجة إلى الطعام قد يتحسس بها الفرد فعلاً، ويندفع نحوها عملاً، فهو -آنئذ- حنين شهوة، ويعلم أن طريق إشباعها عبر شرائع تنظم مسألة الحصول على الطعام وثم وجود التزام عملي بهذه الشرائع، والتي منها مثلاً التغاضي الفعلي عن طعام الآخرين، فإذا أمسكت نفسك عنها فإنك مدفوع بالشهوة (التخلص من الألم) هروباً من العواقب الوخيمة للسرقة، تماماً كالسلوك الحيواني.

وهكذا يمكن تفهم تكيف العقل مع البيئة الاجتماعية والمادية. فثمة تأثير للمجتمع والجماعة والحشد على مواقف الإنسان واتجاهاته من خلال توازن المصالح. كما أن الإنسان (والعقل) في نظرات أخرى هو وليد الحتميات الوراثية.

ويمكن أن نسجل الملاحظتين الآتيتين:

ألف: أن الترابط بين الروح والجسد، و(العقل والدماغ) ليس محل إنكار عند أحد. كما أن التكيف مع (المجتمع والبيئة) ليس محل إنكار. والمعرفة البشرية تزداد عمقاً كل يوم، ولا ريب أن البحوث العلمية الحديثة أجدر بهذه البحوث من التأملات الفلسفية حين تبتعد عن العلمية، بيد أن الخلاف في استقلالية العقل عن النفس.

باء: أن ملتقى المقررين لمادية النشاط العقلي حيث يكون انفعالاً ماديًّا، والمؤمنين بالحتميات على تهميش الإنسان. إذ إن حقيقة تميز الإنسان هو الوعي والمعرفة العلمية. وبعبارة نفصلها في:

1- إمكان المعرفة الموضوعية المتحررة من الذاتية والتجارب الشخصية: إن الذاتية (حال تبعية العقل للنفس) تجعل المعرفة تابعة للتفاعلات الكيميائية لكل شخص وأهوائه النفسية، فلن تكون معرفة علمية. وتجعل المعرفة شأناً شخصيًّا غير قابل للمشاركة، كما هو حال العواطف[39].

2- التأسيس للمسؤولية القانونية والأخلاقية: لإمكان وعي الإنسان بتصرفاته وخياراته. وسلب الوعي هو سلب للإرادة، حيث إن الإرادة تتولد من الوعي بالخيارات والتمييز بينها. وحين يكون الوعي رهن الكيمياء والبيئة مما يجعل سلوكه خارج الاختيار فيرفع مسؤوليته عنه.

3- العقل مهيمن على حاجيات النفس: وظيفة التوازن، قائمة أولاً على (اكتساب اللذة واجتناب الألم) فعلى ذلك لو أمن الإنسان الألم لم يمتنع عن السرقة، وهذا واضح في الابتعاد عن الصحة (فكثيراً ما يجتنب السرقة لدوافع أخلاقية وليس اجتناباً للضرر). وثانياً كون العقل جزء النفس ووظيفته التنظيم فإنه لن يكبح الشهوات بصورة كلية، في حين أننا نرى البشر يقدمون على الانتحار، ويضربون عن الطعام، ويمتنعون عن الشهوات بصورة كلية. وهذا الكبح لا يتعلق بالتوازن والتنظيم بل الإلغاء.

إن مخالفة شهوات النفس هو الدليل الفطري الوجداني على استقلال الإرادة والوعي عن النفس، حيث يتأتى للإنسان تجاوز النفس.

4- إن مسار الأبحاث العلمية[40] يؤكد حقيقة العقل المستقلة: فبعد تجاوز مسيرة العلم الحديث التطرف المادي في القرن التاسع عشر بدأ النزوع في البحث العلمي إلى التفسير غير المادي. فالأبحاث العلمية توصلت لتحديد مناطق الكثير من العمليات الذهنية في الدماغ. من هنا يمكن من خلال ملامسة المنطقة الخاصة بالنطق في الدماغ يتحقق فقدان مؤقت للقدرة على الكلام (حبسه) عند الإنسان، ونظراً لانعدام الإحساس في الدماغ فالمريض لا يدرك أنه مصاب بالحبسة إلا عندما يحاول أن يتكلم أو يفهم الكلام فيعجز عن ذلك. ولو عرض لهذا الإنسان (المحتبس النطق) صورة فراشة وطلب منه التعرف عليها لظل المريض صامتاً مع أنه يعرف الصورة ويرغب في التعبير عن معرفته لكنه عاجز.

وهذا يعنى أن آلية الكلام ليست متماثلة مع العقل، وإن كانت الكلمات موجهة منه، فالكلمات هي أدوات تعبير عن الأفكار، ولكنها ليست الأفكار ذاتها.

وبتعبير بعض العلماء: لو شبهنا الدماغ بالحاسوب (الكمبيوتر) فإن العقل هو المبرمج وهو الذي يفهم والمدير الذي يتخذ القرارات.

فالمحصلة؛ ليس التفاعل الكيميائي الكهربي هو الذي يحدث العمليات العقلية، وإنما العقل هو من يفعل ذلك في الدماغ. نعم ما زال النزوع العلمي متأرجحاً بين الإذعان لحقيقة تتجاوز المادة، والتريث (التردد) بسبب الخلفية الفلسفية الحسية.

5- حرص الفلاسفة المسلمون وأمثالهم في الأديان الأخرى، على تأكيد (روحانية) العقل وتجرده، لمخالفة حقيقة الإدراك للتفسير المادي البسيط، وتفصياً من إشكالات التفسير المادي العاجزة.

وتُساق أدلة مختلفة للبرهنة على تجرد النفس والعقل، ويمكن ملاحظة التالي:

- أن أدلة روحانية النفس هي أدلة تجرد العقل بناءً على وحدتهما، أما على المغايرة فليسا سواء، إلا أن يُدَّعى الأولوية.

- إن مسار الأدلة متشابه: وهو أن المفهوم المادي لا يفسر مجموعة من الظواهر التي لا ريب فيها. ومن هنا بعد تجاوز مسيرة العلم الحديث التطرف المادي في القرن التاسع عشر بدأ النزوع في البحث العلمي إلى التفسير غير المادي. نعم هذا النزوع متأرجح بين الإذعان لحقيقة تتجاوز المادة، والتريث (التردد) بسبب الخلفية الفلسفية الحسية.

- يبدو أن «إدراك الأنا ووعي الذات» يصح دليلاً للأمرين؛ فمن جهة إن (الأنا) القابعة خلف مجموع أجزاء الإنسان المُشار إليها وخصوصاً مع وعي وحدتها في المتغيرات المارة بالإنسان هي دليل على مغايرتها للمُشار إليه المادي، ومن جهة إن (الوعي) بالذات ليس إدراكاً حسيًّا كما هو واضح[41]. ويقر الكثير[42] بأن (وعي الذات) ما زال لغزاً ضمن التفسير المادي.

- لا تقتصر إشكالية التفسير المادي على عجزه عن التفسير لمثل (وعي الذات، البديهيات، الإبداع، الذاكرة في خصوص تنظيمها للمعلومات واسترجاعها إياها بعد عروض النسيان)، بل إنه تترتب إشكاليات ملخصها فقدان الثقة بموضوعية الإدراك بوصفه انفعالاً ماديًّا أو نفسيًّا (التفسير المادي).

5- المعرفة بين العقل والإحساس:

الإحساس هو المصدر الأساس للمعرفة البشرية المتعارفة، والإشكالية على النزعة الحسية تكمن في مسألة حصر مصادر المعرفة بالحواس المادية، وينبغي لفت النظر إلى أن هذه الأوحدية تتنكر للعقل كما نعرفه، لكنها لا تلغيه تماماً، أي لا تلغي القدرة على تمثل الحواس. ومسار سجال العقليين بـ«الإحساس لا يفسر الفطريات»، و«الاحتياج إلى العقل وأحكامه الفطرية» في تأسيس العلم، وغير ذلك كـ«منبع الثقة بالحس والتجربة»[43].

وينبغي الالتفات إلى أن أخطاء الحواس هي أعظم ما يتوسل به التشكيكيون لنفي مقدرة الإنسان للوصول لمعرفة صحيحة. فهم يقولون: إن كل معلومات الإنسان قد حصل عليها عن طريق الإحساس، والإحساس ليس دليلاً على كون المحسوس واقعيًّا لأن كل أحد يعرف أن الحواس قد تصوّر لنا الأشياء -أحياناً- بشكل مختلف (مثل الماء البارد والحار في المريض)، وبالتالي لا نمتلك معرفة أمينة عن الواقع.

ويبدو أن التأكيد على القصور في الحواس له غرضان أساسيان:

الأول: من اتجاهات تسعى لنفي إمكانية المعرفة، فما دام الإحساس يُخطئ، وهو مصدر المعارف، فإذن لا نستطيع الثقة بالمعارف، فالتفاحة الحمراء التي أراها من يضمن لي أنها حمراء، أو حتى أنها موجودة.

الثاني: اتجاهات تسعى لإثبات أهمية العقل، وأن الإحساس من دون العقل غير مأمون الخطأ.

ومع أن الاتجاه الثاني نوافقه في النتيجة، إلا أننا نلاحظ أن التشديد على أخطاء الحواس هو خلل منهجي. ذلك أن التأكيد على الأخطاء يصب في خانة الاتجاه الأول. وأيضاً هو اعتماد منهجية تختلف مع السلوك الطبيعي للإنسان.

وبعبارة لنلاحظ أمثلتهم:

أ- اعتماد الظواهر الشاذة والمرضية، فالمريض يختلف في شعوره بالخارج عن السوي، والضغط على العين يعكس صور مهتزة ومختلفة عن الواقع... وهكذا، في حين أن الإنسان الطبيعي لا يعتمد الشذوذ.

ب- اعتماد فصل معطيات الحواس عن بعضها، فيذكرون أن العصا المستقيمة حين يُغمس جزء منها في الماء تظهر للعين أنها منكسرة. وظاهرة السراب، والبرج الذي نراه مستديراً في حين أنه مربع... وهكذا.

ت- تكليف الحواس بما هو غير وظيفتها، فهي نواقل، إما تمثل الإدراك فهو وظيفة العقل. ولنقف قليلاً هنا:

أولاً: القدرة الطبيعية للإحساس والإنسان العرفي: لنلاحظ أن لدينا ثلاث درجات من الرؤية الحسية للأشياء (الخشنة العرفية - الميكروسكوبية - التلسكوبية)، وهذا مجرد مثال، ومثله في السمع، وفي صلابة الأشياء و... لكن لنتساءل عن «الماء الذي نشرب كيف نراه بغير الرؤية الطبيعية/ مفهوم الستر، مع اختراق الصلابة الظاهرة والنفاذ عبر الفراغ/ الجمال في المحسسوسات المادية كيف نراها مع وضوح صور خلايا الجلد مثلا!..» سنجد أن المقدرة الطبيعية متوافقة مع نظام الخلقة البشري لكي تتيح له العيش بيسر. أما الصورة الأكثر عمقاً التي لا يصل لها الحس بمقدرته الطبيعية فهذه وظيفة العلم المتسلح بأدوات تتغلب على قصور الحواس.

ثانياً: المقارنة وسيلة العقل للتغلب على قصور الحواس، وذلك عبر تكاملية «الإحساس المشترك»، ومحك «المعارف السابقة» الواضحة.

6- التعبد بالدين وأزمة المعقولية:

إن التعبد (التسليم) لا يتنافى من العقلانية، حيث إن الثقة بالعليم الحكيم يجعل ذلك نظير رجوع غير العالم إلى العالم، كما أن تأسيس (الطاعة/ الخضوع) على المالكية الواقعية لله بالبرهان العقلي يخرجها عن منافاة العقل إلى الكشف عن كونها حقيقة التعقل.

وبشأن تفصيل الاستجابة أي الالتزام بالشريعة الإلهية فيمكن الإشارة إلى: أن الثقة بالحكيم تؤسس للإيمان بالغائية، دون استلزام العقلانية الإحاطة التفصيلية نظير الرجوع للمختص، إن شرط السماع والاستناد ناشئ من حق المولوية ويبرره اللطف الإلهي بالعباد حيث تكفل تعالى بالهداية. بيد أن «السماع» عن المعصوم (عليه السلام) لا يلغي العقل الوظيفي (الفقاهة والاستنباط)، والسماع إنما هو في الوصايا لا في أصول المعارف العقائدية.

كما أن الوحي لا يكون بديلاً عن العقل، حيث هو «تذكرة» فيستثير دفائنه. أما معيارية العقل في المعارف العقائدية لا معنى لها في الفهم وإنما في القبول. واعتماد معيارية العقل في الوصايا يساوق الابتداع، ومن حق الإنسان أن لا يؤمن حيث لا إكراه وليس له أن يتقوّل على الله.

النسبية المعرفية:

تعتبر النسبية من المذاهب الفلسفية القائلة بوجود الحقيقة وامكان المعرفة البشرية، ولكن هذه المعرفة ليست حقيقة خالصة من الشوائب الذاتية، فهي مزيج من الناحية الموضوعية للشيء، والناحية الذاتية للعارف.

المدخل لفهم النسبية متعدد لكن يمكن إيجاز القول في بعض الزوايا:

أ - البيولوجيا ومادية الإنسان كما سبقت الإشارة.

ب- علم اجتماع المعرفة.

إن علم اجتماع المعرفة هو علم اجتماعي/ فلسفي، ومن هنا يعتبر البعض[44] أن ماركس واحد من مؤسسي سوسيولوجيا المعرفة.

وعلم اجتماع المعرفة يسعى للكشف عن القوانين السوسيولوجية التي تحكم علاقة الوعي بالواقع بصورة عامة، وبالواقع الاجتماعي تحديداً.

إن الموضوع الأساس لعلم اجتماع المعرفة هو دراسة الأصول الاجتماعية للأفكار، والكشف عن كيفية ارتباط هذه الأفكار ببنية المجتمع.

ويقرر إميل دوركهايم دور المجتمع في صياغة الفرد، ودور الوعي الاجتماعي في صياغة الوعي الفردي: «إن الغالبية الكبرى من آرائنا وميولنا ليست من صنعنا، وإنما تأتينا من الخارج»[45].

ت- صدمة الفيزياء الحديثة.

الصدمة كانت في مسارين: نفسية يتهاوى معها غرور القرن التاسع عشر، وفلسفية كتداعيات للمعطيات العلمية الحديثة.

فتطور الفيزياء الحديثة[46] في حقل الذرة خصوصاً كانت له تداعيات فلسفية تتعلق بطبيعة التصور التقليدي للمادة «من الصلابة إلى سيولة الموج/ الهيولى»، وانهيار الحتمية في مبدأ اللا يقين «هيزنبرغ» في تحديد مكان الإلكترون مهما علمنا بسرعته واتجاهها، وفي إقحام دور «الملاحظ/ العالم» في معرفة الخارج، وتأثير أدواتنا كذلك في حجم المعرفة. والأكثر من ذلك تبدل نظرتنا للعالم من التعويل على المعرفة التي تنقلها الحواس «ولو المزودة بتقنية تُضاعف فاعليتها» إلى أن معرفتنا «نسق رياضي» نركبه نحن.

ث- الأرضية الفلسفية.

ويمكن ملاحظة أن النزعة «التشكيكية، المثالية» قديمة، فثمة مدارس يونانية تبشر بهذه النزعة، وكذلك العصر الحديث، وإذا أعرضنا عن مثالية باركلي، ونسبية كانت فيمكن التوقف عند تداعيات التطورات العلمية (خصوصاً الفيزيائية) على المناهج، وتحديداً «الاستقراء».

مع أن الاستقراء في بداية العصر الحديث هو المنهج العلمي المعتمد منذ أن أعاد الاعتبار إليه بيكون، إلا أنه تعرض للنقد الشديد[47] بدءاً بديفيد هيوم الذي صوّبه نحو مبدأي العلية والاطراد.

وتابعه كارل بوبر الذي كان نقده أكثر تأثيراً وفي أكثر من جانب. ومن ذلك «التشكيك بشأن تبرير الاعتقاد». ولنلاحظ أنّ المعارف البشرية العامّة لا تبلغ درجة اليقين مهما توفرت الدلائل عليها. فالتعميم على أساس الاستقراء نوع تخمين أو عادة نفسية. فإذن؛ المعرفة العامّة احتمالية وليست يقينية، وتزداد درجة احتمال الثقة تبعاً لزيادة التجارب.

فالسؤال هل يمكن استنتاج حالات أو نتائج متكررة قامت على تلك الخبرة؟ وتأتي إجابة هيوم عن هذا السؤال بالنفي، ويسايره بوبر في هذا. والمهم هنا أن لا ضمان منطقي لأن يكون توقعنا للحالة المماثلة الآتية غداً أن تكون نضير اليوم.

وفي عرض المشكلة السيكولوجية للاستقراء يطرح سؤال هيوم:

لماذا يتوقع المرء أو يعتقد أن الحالات التي لم تحدث بعد سوف تتطابق مع الحالات السابقة؟

وكان جواب هيوم هو «العادة» أي نزعة نفسية، ويرفض بوبر ويركز على تحليل فكرة الاعتقاد لإظهار تهافتها. فـ«التكرار» عادة حيوانية وطفولية ليس لها تبرير علمي بحسب بوبر.

ومحصلة القول: إن من خصائص المعرفة الحديثة:

أولاً: المعرفة هي تنبؤ، والحكم هو تنبؤ معتمد، ولا توجد معارف مطلقة الصحة.

ثانياً: المعرفة نسبية وهي تابعة للعارف (إن كان فرداً أو جماعة) ومرتبطة به، لذلك لا توجد معارف مطلقة العمومية.

ثالثاً: المعرفة تابعة لخصائص وقدرات الحواس البشرية وخصائصها، وقدرات وخصائص العقل البشري، وترتبط المعرفة بزمان ومكان وقدرات وخصائص الإنسان العارف، الذي هو مرجع هذه المعارف. لذلك تختلف المعارف باختلاف الأشخاص واختلاف الأزمان.

إذن؛ مثل التساؤل التقليدي؛ هل يمكن للإنسان أن يعرف، ستكون إجابته متراوحة بين:

أ- النسبية المطلقة التي تتلبس جملة متنوعة من الصيغ، وتنكر فكرة الحقيقة الواحدة لكنها تحاول التعامل مع كل رؤية خاصة وكأنها صادقة رغم ذلك. إنها شكل من أشكال النسبية التي تتخلى عن فكرة وحدانية الحقيقة برمتها وتكيف نفسها للتعامل مع الحقيقة بوصفها مسألة نسبية متصلة بالمجتمع والثقافة المعنيين.

ب- النسبية العقلانية القائلة بوجود حقيقة، لكن قدرة أي مجتمع على امتلاكها بصورة نهائية غير متاحة.

ويبدو أن منطق «التعقل» في التعامل مع معطيات المناهج العلمية هو «البرغماتية»، فالمعرفة الصحيحة ما يثبت نجاعته عند استعماله، وإن كان أسلحة تدمير شامل، هي صحيحة مادامت فعّالة وافية بالغرض، وخذ نجاحات الزراعات المهجنة، وأعمال الوراثة الاستنساخية، كل هذا مقبول، شرط أن يؤكد فائدته، والمعرفة هي ما يفيد في الاستعمال الاستهلاكي المباشر، وليس ما يتجاوز ذلك، لذا تتناول الفلسفات والآراء القديمة والحديثة بالسخرية على السواء، لكونها أحلام لا أكثر...

ولنا أن نكتفي بما سبق في مساجلة واستكشاف قيمة النسبية على اختلاف مشاربها وبالإحالة للأبحاث الكلامية، ونتوقف عند توضيحين:

الأول: تكمن جملة من الإشكاليات المعرفية هنا في لبس في فهم العقل، وفي خلط بين العقل والمعرفة. ففي الأول نرى الاتجاهات المادية في تفسير الوعي حتى يكون تفاعلاً كيماويًّا كهربيًّا آليًّا يفتقد الموضوعية، وهكذا الحال في اعتبار العقل مرآة هاضمة للبيئة المعرفية (علم اجتماع المعرفة) يتمثلها ولا يتجاوزها.. وملخص القول: إن مراجعة حقيقة العقل تبدد الكثير من الأوهام.

وفي الثاني؛ حيث إن تجربة الصواب والخطأ وتعذر الوصول أحياناً يجعل البعض يعتقد بأن المعرفة دائما نسبية.. والتفكيك بين المعرفة والعقل خطوة أساس لتوجيه النقد لركام الجهل والنأي به عن العقل، ثم أن يكون الحديث في قيمة المناهج العلمية وكفاءتها ليس إلا. والواقع أن الغرور البشري مع محدودية الأدوات المعرفية المتاحة توقع البشر في سيل من الأخطاء، وبدلاً من التنبه لعيوب مناهج المعرفة يرتد المتفلسفون على العقل، في حين أن شأن العلماء أن يدققوا في المناهج.

كما أن بداية المعرفة هي الثقة بنور العقل ولو ضمنيًّا. ولنتساءل عن نقد الشك الذي مارسه ديكارت والنقد الذي مارسه كانت وهكذا تأملات الفلاسفة التي ظاهرها نقد العقل.. لنتساءل بماذا كانوا «يتأملون، يشكون، ينتقدون،..»!.

الثاني: إن الثقة العقلائية وابتناء البحث العلمي على الثقة فعلاً -بغض النظر عن المدارس الفلسفية- دالٌ على قدرة العقل الإنساني على المعرفة الواقعية في الجملة، ونوضح بالتالي:

1- أن المعارف تتنوع في الوضوح والظن بحسب المناهج وأدوات المعرفة وتراكم المعرفة، أي نقر بالنسبية المنهجية. وهذه من مسلمات البحث الأصولي. لكنها نسبية تقر بإمكان الوصول إلى اليقين مع توافر المنهج المناسب، كما تؤمن بـ«ظنية/ نظرية» بعض المعارف بحسب المنهج الموصل لها (الأمارات العقلائية)، فتكون على طاولة الاجتهاد بين المسلمين.

2- إن المدرسة الإمامية تتبنى مقولة «التخطئة»، فلله حكم مشترك بين الجاهل والعالم في كل واقعة يصيبه المجتهد أو يُخطئه، وحكم الله لا يتبع ظن المجتهد.. ويكون الجاهل بالحكم معذوراً في المخالفة باتباع الأمارة، ولو انكشف مخالفتها للواقع فينبغي أن يتدارك لعدم الإجزاء إلا أن يقوم دليل خاص في مورد بكفاية ما سبق[48].

3ـ أن «الظنية» -العقلائية- لا تسقط قيمة المعرفة، نعم ليست كاليقين لكنها تمتلك خاصية «المنجزية» أي يخلق الدافع للالتزام بمضمونه، و«المعذرية» فيعتذر به العبد مع الالتزام به فيما لو كان مجانباً للصواب بأنه اتبع الأمارة العقلائية المشروعة. وهو مسلك عقلائي جارٍ في كافة العلوم.

في نسبية المعرفة الدينية:

وتتشكل منابعها من نسبويات مختلفة، ويمكن اختزال أهمها في ثلاثة مسارب: تاريخانية جوهرها نوع تزاوج «ماركسي/ علم اجتماع المعرفة» تتنوع مدياته وآفاقه قليلاً، وآخر منبثق من فلسفة العلم/ المناهج، لا سيما من النقد للاستقراء وتحول اليقين إلى احتمال رياضي راجح، وثالث يتأسس على الألسنيات الحديثة المتمثل في التأويلية وأصالة القارئ. وهي مسارب متفاعلة متآزرة، وبالتالي لا يمكن إغفال المدارس المادية في تفسير الفعل البشري والوعي في تكريس الأطر «السجون» الثقافية التي تشكل وعي الإنسان القارئ.

إن أهمية مسرب الألسنية في خلق النسبية أن المعرفة الدينية متولدة من خطاب «لغة/نص»، وبالتالي فإن زلزلة الثقة بالمعرفة المتولدة من اللغة هو الضربة القاصمة للمعرفة الدينية تماماً كما أن «الباطنية الصوفية» هي كذلك.

ونلاحظ أن مسالك «القراءة المفتوحة» تتخذ استراتيجيات منها[49]:

1- التناص؛ حيث إن النص تحول من نص محدد مكتمل مكتفٍ بذاته (بقدر ما) إلى مفتوح، إذ هو وليد بيئة ثقافية تؤطر مبدعه، فلا مناص من انفتاح دلالاته على نصوص تلك البيئة الثقافية التي شهدت ولادته. والتسوية بين الخطاب الديني والنص البشري بحكم الاشتراك في اللغة البشرية وإغفال العنصر الإلهي يسمح بشراكة الحكم.

2- اضطراب الدلالة؛ حيث إن الخطاب الديني يتجاوز الحواريات العرفية المُحيلة على الخارج الحسي القريب، فهو نص غني بالدلالة والمعاني الكنائية والإحالات البعيدة مما يجعله قابلاً لأكثر من تفسير، خصوصاً مع تطور الدلالات والمعارف البشرية التي تؤثر في الدلالة وفي كلٍّ من المؤلف والقارئ، وتباين البيئات الثقافية بين والولادة والقراءة.

3- أصالة القارئ؛ بناء على أن اللغة غير قادرة أن تكون وسيطاً وافيًّا وموضوعيًّا لنقل المعنى. ففي أي نص جانبان: جانب موضوعي يشير إلى اللغة، وهو المشترك الذي يجعل عملية الفهم ممكنة، وجانب ذاتي يشير إلى فكر المؤلف ويتجلى في استخدامه الخاص للغة والذي يتفرد به ويكون إبداعه الخاص. والتحدي هنا مزدوج:

:: فهم المؤلف الذي يسمح لنا بالغوص في كلامه لنفهمه بوضوح.

:: تحرر القارئ من ذاتياته وأفقه التاريخي الراهن ليفهم النص فهماً موضوعيًّا تاريخيًّا (سياق المؤلف)، حالًّا نفسه محل المؤلف في محاولة فهمه.

وتبلورت نظرية موت المؤلف واستحالة البحث في مراده.. فيتحرر النص من مؤلفه لحظة إبداعه، أما أفق المعنى فهو يتخلق مع كل قراءة متجاوزاً القارئ الأول المعني المباشر بالخطاب من قبل المؤلف. فالقراءة لا تتحرر من (القبليات) السياق الثقافي.

وهكذا سنرى أن المعرفة الدينية تتوالد من القارئ من خلال شبكة معارفه وتمنياته دون أن يكون لنا أن نفهم ما يُريد الرب الذي بعث الأنبياء وأنزل الكتاب، فهو متعذر فيكون بعث الأنبياء وكل ما رافق ذلك عبثاً لا معنى له، وهكذا يكون المسلكان «الديني/ التأويلي» متباينان جدًّا بل هو التناقض الصريح. فمن الواضح أن إطلاقية النسبية هي هدم للفصل بين الحق والباطل وهي رجوع إلى ديانة صوفية عالمية تتقبل كل معارف البشر دون أن تتسع للدين الإلهي.

نعم؛ ينبغي أن نتوقف في إشارات للتنبيه والتذكرة ليس إلا:

1- شاءت حكمة الرب أن يجعل سبيل المعرفة الدينية «اللسان» ضمن إطار الظهور «العلمي/ العرفي العقلائي»، وهو منهج رصين لا يتناوله قدح. وقد جانب اللغة الرمزية فليس ثمة مبرر للباطنية الصوفية، وقد أحال في غير الحسيات القريبة على «الفطرة/التذكرة» وعلى «الرسول المعلم» وعلى «تكاملية البيان» بإرجاع المتشابه للمحكم، فهو يصدّق بعضه.

2- إن إمكانية تجاوز الحقب الثقافية الاجتماعية الفاصلة بين القارئ والنص تتأسس -بعد التأسيس لأصالة العقل- على التجربة المشتركة بين الآحاد من البشر، فالآخر بالرغم من «غيريته، وفرادته» فهو ينتمي للجماعة المشتركة في الثقافة، أو للبشرية المتجانسة في طبائعها، أما النص الديني فيتكئ أيضاً على ثنائية «التذكرة/ التعليم» أي العقل الفطري وتعليم الرسول لكي يُقرِّب الأفهام إلى رحابة المعارف الدينية خصوصاً المتعلقة بالغيب.

3- وشاءت الحكمة الإلهية أن تجعل النص الديني يحمل مستويات من الدلالة. فالخطاب الديني خاطب العالم وغيره، المعاصر لزمن النزول والتالي، بخطاب واحد له مستوى يعتمد اللغة والقبليات الفطرية العقلائية المشتركة بين البشر، وذلك يسمح بفهم جملة الدين من قِبَل الجميع، وهذا المقدار يؤسس لضرورات الدين التي لا تقليد (اتباع العالم) فيها، وإنما يُدركها كل قارئ للنص. وهي تشكل ضوابط لما بعدها التي تتطلب فهماً متسلحاً بأدوات المجتمع العلمي. والمستويات المتطلبة للأدوات العلمية كما لا يخفى هي على نوعين؛ الأول ما يشكّل واضحات في المجتمع العلمي وعليه جماع المسلمين، والثاني محل اجتهاد واختلاف.

وواضح أن إطلاقية النسبية تطيح بالمستويات الثلاثة دونما فرق منهجي، نعم النسبية المتكئة على المنهج وإمكاناته من الاقتراب من الحقيقة واليقين ينبغي أن تُراعي ذلك.

4- بين المتغيرات وتعدد القراءة؛ إن التطور والتغيير الذي يطال الحياة البشرية وما يتماس معها لهو دليل كافٍ على تعدد التطبيقات لهذا الدين، وأن خلوده وخاتميته وربانيته ليعني أنه يتسع للتطور البشري لابتنائه على السنن الناظمة للاجتماع البشري الثابتة. وهذا الاستيعاب يعتمد على الفهم العميق للنص «التأويل» وعلى فهم الخارج بصورة علمية.

نعم؛ قد يكون لموضوع ما أكثر من مقاربة باعتبار تزاحم الحقوق وتشابك القيم فيه كما في الآية: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (78) فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلّاً آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ[50].

في معنى الخاتمة

أزمة الحضارة الغربية تتمثل في عجزها عن تحقيق الحرية والأمن والعدالة، وأولئك هدف الإنسان الرئيسي عبر التاريخ.

ولدت الحداثة الغربية كأمل جديد للإنسان الغربي، إلا أن الحروب والفقر والاستعمار قوّض الشعور بالأمن فضلاً عن العدالة، وأفضت التكنولوجية إلى هيمنة الأنساق الكبرى «الإعلام، الشركات المتعددة الجنسيات» على الإنسان، وعاد إلى القطيع مجدداً.

ومن خلال نسبية المعرفة الإنسانية وعجز العلم أن يكون بديلاً للدين، وتهميش القيم الأخلاقية لصالح قيم السوق أصبح الاجتماع البشري ذئبيًّا.

ومن خلال البرجماتية ونمط الاستهلاك وعقلية أن الإنسان سيد مطلق على الكون والتطور التقني أصبح خطراً جديًّا على البيئة.

وحقيقة الأزمة أكبر من أن يستوعبها نمو في المراكز الهامشية والتخفيف من غلواء مركزية الغرب، وأكبر من اجتراح حلول جزئية تخفف قليلاً من وطأة ظلامية الحداثة الأوروبية جنة الشيطان الدنيوية، فالاعتقاد أن البشر شارفوا على حالة الانسداد الحضاري.

وبالتالي يسوغ التساؤل عن أية حداثة يدعوننا إليها!.. فحاضر الحداثة الذي نصطلي شقاء جنته والذي يقوض كل ما هو إنساني يفقدها إغراءاتها التي عفا عليها الزمن، وربما نُجاري نيتشه في توصيفها بـ«البرابرة الحداثيون».

في المعنى الإنساني:

ثمة تساؤل مشروع عن تحقق معنى الإنسان في ظل التفسير المادي للكون!. ولنتأمل قليلاً في هذا المعنى من خلال «التواصل والاشتراك» و«العقل». فالبشر إنما يتواصلون ضمن تبانٍ وتواضع على منظومات معرفية وأخلاقية، وهي بدورها تتطلب مرجعية تتأسس عليها وتضفي عليها الشرعية.

إن وسيلة التواصل التي نعيشها هي تخليق إكراهي صنعته تقدمية الغرب، أداتها العولمة، ومضمونها السيطرة على الكون ولو بإفساده لصالح الإنسان الأبيض، أو نخبة من الأثرياء. وبالتالي لا يماري أحد في افتقاد التواصلية المُعاشة للمعاني الإنسانية حيث يكون معيار ما ينبغي وما لا ينبغي هو المصالح الذاتية، وحيث يكون الإنسان سجين شهواته وبالتالي هو سجين الأطر الثقافية الكبرى وقيمها التي تخلقها الإعلاميات المرتبطة بالسوق والشركات المتعددة الجنسيات.

وبالتالي التساؤل عن إمكانية تواصلية إنسانية دون تثبيت لمعنى الإنسان، والذي يُحيل لتساؤل عن تثبيت المعنى دون مرجعية متجاوزة.

إن مفتاح المعنى والمرجعية والتجاوز كذلك يبدأ في معنى «العقل». ويصح القول: إن الحداثة شكّلت فاصلاً بين مقولتين؛ الأولى وجود حقيقة مستقلة للعقل وكيانيه، متجاوزة للمعرفة الحسية تتمثل في قبليات بديهية تشكل العقل الفطري. والثانية هي وظيفة ونشاط قائم على استخلاص منظومة مبادئ في حقبة ثقافية ما ومعارفها العلمية. وينبغي هنا أن نستحضر مقولات من قبيل «علم اجتماع المعرفة، التطورية الداروينية، والبنى المعرفية،..» لنتفهم هذا العقل الذي يتلخص في الفهم وينزاح عن المرجعية، ويكون الفهم هو هضم للمعرفة في حقبة ما، وتتحول وظيفته إلى «آلية/ أداتية، تكييفانية عملانية» دون أن يكون له اهتمام بمضمون الغايات التي تحققها إجراءاته ووسائله. فهو عقل بارد وعملي غير معني بالمضمون الأخلاقي وإنما هو برغماتي، وبالتالي ليس من شأنه تقرير ما ينبغي وما لا ينبغي من حيث المضامين الأخلاقية وإنما يقررها من حيث نجاعة الوسائل وكفاءتها.

وربما يكون هذا العقل محايداً فلا يأبى الانفتاح على بُنى ثقافية مختلفة من حيث هو عقل، لكن العاقل «الإنسان» لماذا ينفتح ويتواصل إنسانيًّا!.

ولنا أن نتابع تداعيات هذ العقل المنصاع للبنى المعرفية حين تختلف فنتساءل كيف له أن يتفهمها وهو مؤطر ببنية مختلفة!. وبالتالي تتضح ضرورة وجود «معنى» للعقل غير أن يكون أداتيًّا ومنفعلاً بالأطر الثقافية، وهذا المعنى المتجاوز «العقل الإنساني المشترك/ الطبع» هو وسيلة العبور في حقب ثقافية مختلفة ويتيح الفهم والقدرة على التحرر ومن ثم النقد.

وواضح أننا في غنى عن التساؤل عن مبرر المضمون الأخلاقي فهو ساقط حكماً. فإننا مع تجاوز المدارس الضيقة التي تفسر الأخلاق نفسيًّا ذاتيًّا ضمن ثنائية «اللذة، الألم» على اختلاف تمظهراتها الفرويدية أو البافلوفية،.. فإن المدارس الاجتماعية حيث تفسر الأخلاق بسلوك متكيف مع بنية المجتمع فإنها تعجز عن خلق تواصلية إنسانية مع الغير أي مجتمعات أخرى مختلفة. وهنا كما العقل الفطري (أداة المعرفة) المتجاوز والقادر على العبور والتواصل قابل في الوقت ذاته لتشكيل عقل ثاني «مكوَّن/ التجربة»، وهو (أي عقل التجربة) لا يشكل سجناً حتميًّا وإنما تحديًّا معرفيًّا - فإن العقل الفطري يؤسس للقيم الأخلاقية المتجاوزة (للحقب الزمنية والبنى الاجتماعية) التي تحقق المعنى الإنساني.

ومن الطبيعي ألَّا نُغمض العين عن إنجازات الحداثة الإنسانية لاسيما في تكريس ثقافة حقوق الإنسان، بيد أن الحديث عن نسق التفسير المادي وتداعياته.

الحوار مع الحداثة:

إن التعاطي مع الآخر في الرؤية الدينية ينطلق من مبدأ (التعارف/ الاعتراف)، وترتصف بجانبه مفردات «التدافع، والجدل، والتعاون». وظاهرة الجدل (الحوار) مما تحفل به الآيات القرآنية. كما لم تغفل الآيات عن هدفية الحوار (البحث عن الحق أولاً، الإقناع والبيان ثانياً)، وأدب الحوار العلمي (الشك المنهجي، الاستماع، البرهان) والأدب الأخلاقي... وهكذا.

والسؤال الذي تفترضه ما بعد الحداثة عن إمكانية إقامة حوار من خلال ثنائية الصواب والخطأ، حيث تفترض أن تخطئة الآخرين تمنع الحوار المثمر. ونتوقف عند الآتي:

1- التعددية المعرفية:

تتلازم «التعددية المعرفية» في ما بعد الحداثة مع مفهوم نسبية الحقيقة أو نسبية المعرفة.

ويكون جواب التساؤل عن مسوغ الحوار ابتناءً على النسبية هو إمكانية توفر اليقين الذاتي (الشخصي)/ المعرفة الموثوقة التي تجتمع مع مفارقة الواقع، وإنما هو مؤدى تضافر الأدلة مما يخلق الاطمئنان في نفس الباحث. أما مع نفي اليقين/ الثقة فلا مسوغ للحوار أصلاً.

نعم العاقل المنصف مهما كان هدفه ومهما كان مقتنعاً فإن الباب يظل مفتوحاً للتفكير والمراجعة حين تستجد المعطيات لديه. ولا فرق في ذلك بين الحداثي والمتدين، والهالة القدسية تتحول إلى تعصب مع الجهل عند المتدين والحداثي على حدٍّ سواء.

وإمكانية حوار المختلفين تتأسس على تجاوز حتميات الأطر/ السجون الثقافية، والتي هي أحد مبررات النسبية المعرفية. وإنما تتأسس إمكانية الحوار على وحدة النوع البشري (الإنسان العاقل) حيث تكون الأطر اللاحقة ممكنة التجاوز، وعلى قدرة العقل على المعرفة.

وهنا نرى بوضوح أن الرؤية الفلسفية المعرفية للدين تسمح بالحوار، في حين أن ما بعد الحداثة تهدمه من حيث تود تشييد دعائمه.

2- التعددية السياسية:

بلى؛ من التوحيد تنبثق القيم الأساسية للدين التي هي عبارة عن الإيمان بالله عز وجل بمعناه الأوسع. وواجب العبودية الذاتية لله يقتضي أن يقوم العباد بأعبائها بإرادة حرة واعية، وبالتالي فإن أساس (الأمة) هو الدين والعقيدة في مقابل العصبية، لكن في الوقت ذاته فـ«العبودية» كما تؤسس مصدر الشرعية الواقعي فإنها تنوطه بالاختيار. فالدولة الحقة هي التي تنبثق من إرادة الأمة.

فإذن؛ الشورى فرع التوحيد وقيمه خاضعة لمبادئه (بالتعريف العام)؛ وهو ما يميزها عن الديمقراطية التي لا تحكمها مرجعية عُليا خارجية. فالنتيجة المنطقية التي لا مراء فيها أن الدين ينفي (عبر الأمة وقناعاتها) التعددية خارج الدين.

ولا يشكّل هذا التأسيس تنافياً مع المعنى الإنساني واقعاً؛ تأسيساً على حقانية التوحيد، وأيضاً لـ:

:: إن شرعية النظام تنبثق من هوية المجتمع، فإذا كان المجتمع تعدديًّا فإن ذلك يقتضي المشاركة من الجميع دون استبداد. فالمجتمع يقرر هوية نظامه السياسي.

:: إن إحدى التوالي المفترضة لمنطق ثنائية (الصواب والخطأ) إهدار الحقوق من قبل من يرى نفسه محقًّا والآخر مخطئاً. وهذا الافتراض صنيعة دول الجور التي تعاقبت على المسلمين، وصنيعة الخوارج ومن ورثهم، وهو افتراض لا يتأسس على هذا الدين، وخصوصاً أن شظاياه موجهة للداخل المسلم.

إن التفكيك بين التخطئة واحترام الحقوق سنجده واضحاً في تجربة الحكم عند الإمام علي (عليه السلام).

ومحصلة القول نوجزها في كلمات ثلاث:

الأولى: أن الحداثة بمعنى «الإحيائية/ المعاصرة..» ونفي التحريف عن الدين، وبمعنى «كرامة الإنسان»، وبمعنى استهداف «التنمية» مما لا جدال فيه، بل وهي ضرورة. وإنما السجال في الحداثة بما هي منظومة معرفية وأخلاقية تتباين مع الدين الإلهي الحنيف.

الثانية: أن التقدم/ النهضة ليس قدراً لازماً لديانة ما أو عرق بشري ما أو حقبة تاريخية، وإنما هو سعي بشري وسنن وشروط موضوعية لم يرهنها الرب حتى للمسلمين. نعم نعتقد أن التقدمية المؤسسة على الدين الحنيف تحفظ للاجتماع البشري إنسانيته. وبالتالي لا نتطلع للتاريخ كأنموذج (حتى تاريخ المسلمين) فهو أمة خلت على أحسن تقدير، كما لا نتطلع لأوروبا فلها تجربتها المؤسسة على منظومة متباينة. نعم الانفتاح العقلاني/ النقدي ضرورة، وهو على حد سواء مع التاريخ في تجارب الأمم بما فيهم المسلمين والحاضر في متطلباته وتحدياته.

الثالثة: أن استهداف فلسفة ما خير الإنسان ومصلحة الاجتماع البشري يقتضي أن تتأسس الفاعلية والتدافع مع الآخر على أسس تضمن سلامة الاجتماع البشري وكرامة الإنسان.

--------------------------------------------------------------------------------

[1] من الحداثة إلى العولمة؛ «ج. تيمونز روبيرتس» و «أيمي هايت»، عالم المعرفة 309. مقدمة الجزء الأول.

[2] يذكرون عوامل ستة:

1ـ ديمقراطية الحكم.

2ـ رأسمالية الاقتصاد.

3ـ المصانع.

4ـ التعليم العام والإلزامي.

5ـ القوة العسكرية.

6ـ تحرير الوعي من الأطر الجمعية (الفردية).

وواضح أن قيم «الجماعة» لم تنهدم في اليابان وهي من الدول المتقدمة.

[3] راجع: معالم على طريق تحديث الفكر العربي، معن زيادة، عالم المعرفة. فلسفة الحداثة، فتحي التركي، رشيدة التركي، مركز

الإنماء العربي.

[4] ينظر: «الخطاب والقارئ: نظريات التلقي وتحليل الخطاب وما بعد الحداثة»، حامد أبو أحمد - كتاب الرياض - العدد 30 -

يونيو 1996 - ص192.

[5] عن «صدى الحداثة»، لرضوان جودت زيادة، ص64 - 65.

[6] لذا الحداثة تعتمد البنيوية التي تتضمن الإيمان بالنسق كنتيجة طبيعية للعقلانية، في حين تعتمد ما بعد الحداثة التفكيكية. فهما (البنيوية والتفكيكية) وإن اتفقتا على (موت المؤلف) والسماح بتعدد القراءات، إلا أنهما تختلفان في مركزية النص الذي تعتمده

البنيوية وتلغيه التفكيكية مما يسمح بحرية أكبر للقارئ في خلق الأفهام والمعاني.

[7] (الحداثة وما بعد الحداثة) سلسلة حوارات لقرن جديد: عبدالوهاب المسيري ، ص 19، دار الفكر سوريا.

[8] من الغريب أن يتأتى لمن يقرر التباين بين الذات والذاتي مباينة الإدراك للواقع. لذا ليس لكانت أن يجزم بالمباينة.

[9] راجع؛ تشكيل العقل الحديث؛ كرين برينتون. عالم المعرفة 82. الفصل الأول.

[10] راجع؛ علم الأحياء والأيديولوجيا والطبيعة البشرية، عالم المعرفة 148، الفصل الثالث. قارن؛ تأثير داروين في الفكر الحديث:

أرينست ماير. مجلة العلوم، النسخة العربية لمجلة «ساينتفك» نوفمبر 2006، العدد 16.

[11] راجع؛ علم الأحياء والأيديولوجيا والطبيعة البشرية. ستيفن روز وآخرون. عالم المعرفة 148.

[12] كرين برينتون. تشكيل العقل الحديث عالم المعرفة 82 - 1984 م ص335 - 341.

[13] التجديد آلية منهجية لتحقيق المعاصرة، تعتمد على مرجعية، هي بالنسبة لنا الإسلام، بمعنى:1- تنقية الدين بفصله عن التراث البشري، وتجسير العلاقة معه بلا واسطة من خارجه، ثم الانفتاح على الخارج بهديه. فهو إطلالة على العصر

والتحرر من الغربة التاريخية والاستلاب للغرب.

2- إن مفهوم التجديد يتضمن صلاحية الدين، كما تتكئ الصلاحية على حقيقة أنه ثمة سنن دائمة بالصيرورة

التاريخية.

فهذه الصيرورة لن تبدل حقيقة الإنسان، ولن تنسف سنن التاريخ والاجتماع وتحيل الحراك فيهما إلى فوضى عبثية. وهذا الثبات في السنن المستقرة للوعد الإلهي هو المؤسس للعقلانية والمؤسس للعلم في حقل الإنسان، والمؤسس للقيم الإنسانية

وحقوق الإنسان.

[14] الغرب والشرق الأوسط؛ مجلة «المنتدى» مراكش العدد 12، 2004.

[15] راجع؛ برهان غليون: المحنة العربية، الدولة ضد الأمة، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1993.

[16] راجع؛ العلمانية، الشيخ محمد مهدي شمس الدين «ره»، القسم الأول.

[17] راجع؛ مقدمتي كتاب المنطق الإسلامي والفكر الإسلامي، السيد محمد تقي المدرسي «دام ظله».

[18] راجع: ماكس فيبر والتاريخ، تأليف: كاترين كوليوتيلين، تيلين. ترجمة وتحقيق: جورج كتورة. المؤسسة الجامعية للدراسات

والنشر 1994.

إبراهيم البدري «جدلية الحوار حول أطروحة ماكس فيبر الأخلاق البروتستانتية وروح النظام الرأسمالي»، مجلة العلوم

الاجتماعية، جامعة الكويت، 381، العدد الأول (ربيع 1990).

[19] فبروتستانتية كالفان ترى مسألة تقدير الأزلي لمصير كل إنسان: فقد قدّر الله بقدره القديم من سيكونون أشقياء ومن هم

الأصفياء، فتعلق رجاء الفرد البروتستانتي بأن يكون من أصفيائه بفضل العمل الدؤوب المتقن والمنتج للثروة.

[20] تشكيل العقل الحديث، الفصل الثاني.

[21] راجع؛ نهضة اليابان، أنطوان بطرس. شركة المطبوعات للتوزيع والنشر، بيروت. 1996.

[22] سور العلق، الآية 6 - 7.

[23] راجع: سلسلة المجتمع الاسلامي: القيادة الإسلامي، كيف نبني حضارتنا، قيم التقدم. السيد محمد تقي المدرسي دام ظله. أيضاً؛

الثقافة الرسالية، أحمد ناصر.

[24] تشكيل العقل الحديث، الفصل الثالث.

[25] حول النزعة العدمية في الفلسفة الألمانية/ النيهلستية في الفلـسفة الألمانية (من شتيرنر إلى نيتشه). محمد النجار.

http://www.ankawa.com/forum/index.php?topic=12485.0

[26] الكافي، ج1، ص337.

[27] سورة الأعراف، الآية 180.

[28] راجع التشريع الإسلامي، ج3، ب2، ف8.

[29] سورة غافر، الآية 60.

[30] سورة فاطر، الآية 28.

[31] سورة الأنفال، الآية 60.

[32] سورة الفتح، الآية 29.

[33] سورة البقرة، الآية 208.

[34] سورة الأنعام، الآية 82.

[35] سورة الحج، الآية 65.

[36] سورة المنافقون، الآية 8.

[37] راجع، حسن البلوشي: أهل البيت العصمة من الضلالة. مجلة البصائر الدراساتية، العدد 37، خريف 1426هـ/2005م.

[38] راجع؛ الفكر الإسلامي، السيد المدرسي، القسم الأول: البحث الأول عن: المعرفة بين الإسلام والتصورات البشرية.

[39] راجع؛ فلسفتنا. نظرية المعرفة، خصوصاً: المثالية الفيزيولوجية ص 140، النسبية الذاتية ص 153.

[40] يمكن التوسع بمراجعة:

1- العلم في منظوره الجديد. لمؤلفيه: روبرت م. اغروس، جورج ن. ستانسيو. عالم المعرفة عدد 134.

2- الإنسان وعلم النفس، د: عبد الستار إبراهيم. عالم المعرفة. العدد 86.

3- عقول المستقبل، جون ج. تايلور. عالم المعرفة. العدد 92.

[41] العلامة السيد محمد حسين الطباطبائي. أسس الفلسفة والمذهب الواقعي، تعليق الشهيد مرتضى مطهري. دار التعارف بيروت

ط1، 1981م. المقالة الثالثة. ص: 148.

[42] مثل مؤلفو كتاب «عقول المستقبل». ص: 215. مصدر سابق. وأيضاً اعتماد كتاب (العلم في منظور جديد) على الوعي والإرادة

في التفسير المتجاوز للمادة. مصدر سابق.

[43] راجع؛ الفكر الإسلامي، مصدر سابق.

[44] بوتومور وربل: سوسيولوجيا ماركس وفلسفته الاجتماعية؛ دمشق 1972.

[45] إميل دوركهايم: قواعد المنهج في علم الإجتماع ، القاهرة 1961، ص54.

[46] راجع: محمود فهمي زيدان؛ من نظرات العلم المعاصر، دار النهضة العربية بيروت 1982.

[47] د. يمنى الخولي، فلسفة كارل بوبر. الهيئة العامة المصرية للكتاب 1989. الفصل الأول ص66 وما بعدها.

[48] راجع: الأصول العامة للفقه المقارن، العلامة السيد محمد تقي الحكيم. دار الأندلس بيروت 1979. ص615،625.

[49] راجع: ناظم عودة خضر: الأصول المعرفية لنظرية التلقي، دار الشروق، ط1، 1997، ص 97 - 98. و«من النص إلى النص

المترابط» مجلة عالم الفكر العربي 2003، عدد 2، ص77.

[50] سورة الأنبياء، الآية 78 - 79.


ارسل لصديق