إنقاذ الطفولة البريئة مسؤولية كونية
كتبه: آية الله السيد هادي المدرسي
العدد (43) السنة 19 - 1429هـ/ 2008م
التعليقات: 0
القراءات: 2255

كما أن المرض يصيب العضو الضعيف في الجسم قبل غيره من الأعضاء.. وكما أن الفرد الضعيف يعاني من بين أفراد المجتمع أكثر من غيره كلما ألمت به كارثة، كذلك فإن المأساة على مستوى البشرية تظهر أكثر ما تظهر لدى الأطفال.

من المفروض أن تكون فترة الطفولة هي الفترة السعيدة في حياة الإنسان، حيث إنها بعيدة عن القلق وصعوبات العمل اليدوي. وإذا أخذنا بعين الاعتبار أن فترة الطفولة لا تتكرر في الحياة، نعرف قيمة هذه الفترة بالنسبة إلى الطفل. وفضاعة الكارثة التي تحلّ به عندما يحرم من السعادة فيها. خاصة وأن جيل اليوم من الأطفال والشباب هو الأكثر عدداً في التاريخ، حيث يوجد حاليًّا قرابة مليار من سكان هذا الكوكب (أي سدس البشرية جمعاء) تتراوح أعمارهم ما بين العاشرة والتاسعة عشرة. وأغلبهم يواجهون عقبات ليست بالعابرة، ليس فقط في الدول الفقيرة فحسب، بل وفي الدول الغنية أيضاً.

تقول بعض الإحصائيات: يشكو في الولايات المتحدة الأمريكية طفل واحد من ثمانية أطفال من الجوع.

أما في البرازيل فيموت طفل في كل سبعين ثانية بسبب الجوع.

وفي العالم يموت كل عام خمسة عشر مليون ونصف المليون من الأطفال بسبب الجوع، أو الأمراض التي سببها الجوع.

وتقول إحصائيات أخرى: أن خمسة وثلاثين ألف طفل يموتون كل يوم -ومعظمهم بالطبع من العالم الثالث- بسبب أمراض يمكن تفاديها بسهولة، أو يمكن شفاؤها بسهولة، أو بسبب سوء التغذية.. وأن 60% من الوفيات تعزى فعلاً إلى أمراض ثلاثة هي: التهاب الرئة، والإسهال، والحصبة، كما أن نقص الفيتامين A يهدّد بالموت والأمراض الخطيرة عشرة ملايين طفل في العالم، وهذا النقص يحمل العمى إلى حوالي مائتين وخمسين ألف طفل سنويًّا. ويحد من مقاومة الجسم للإسهالات التي تقتل 2.2 مليون طفل سنويًّا.

وفي تقرير لمنظمة الصحة العالمية نشر عام 1998 جاء فيه أن 11 مليون طفل دون الخامسة، يموتون سنويًّا في العالم نتيجة أمراض يمكن علاجها بسهولة.

وأشار التقرير إلى أن خطر وفاة الطفل دون الخامسة، يزداد خمس مرات بين الشعوب الفقيرة.

وأضاف: «أما في أفريقيا فإن 7.5 بالمائة من الرضع لا يبلغون الشهر الواحد، أي يموتون قبل إكمالهم ثلاثين يوماً، وفي بعض الدول الأفريقية هناك طفل، من أصل خمسة أطفال، يموت قبل بلوغه سن الخامسة».

ويقول رئيس جمعية الدفاع عن الأطفال الخيرية: إن هناك ثمانية ملايين طفل يعيشون وضعاً سيئاً للغاية. وجاء في التقرير الذي نشرته الجمعية نفسها أيضاً أن ستمائة مليون طفل في العالم يعانون من سوء التغذية.

والأطفال المصابون بسوء التغذية يعانون غالباً من فقدان طاقات عقلية ثمينة، وتعاودهم الأمراض كثيراً، وحتى لو كتب لهم البقاء فيصابون بإعاقات عقلية أو جسدية دائمة.

هذا بالإضافة إلى أن مليار وثلاثمائة مليون طفل في العالم يعيشون تحت مستوى الفقر.

وأن خمسة عشر مليون طفل مصابون بالأمراض النفسية.

وأن خمسة عشر مليون آخرين أصيبوا بعاهات بدنية بسبب الحروب التي وقعت في العالم، خلال السنوات العشر الأخيرة.

وأن أكثر من مليون من أطفال العراق ماتوا خلال الأعوام الثمانية الماضية بسبب الحصار الاقتصادي على هذا البلد.

وتكشف الإحصائيات التي تصدرها المنظمات الدولية عن أن وضع الأطفال في العالم -بشكل عام- ليس مأساويًّا فحسب، بل إنه يصل إلى مستوى الكارثة. ففي تقرير أصدرته (منظمة الأمم المتحدة للطفولة) المعروفة بـاسم (اليونسيف) والذي صدر في عام 1996م يظهر أن هناك في العالم 250 مليون طفل تتراوح أعمارهم ما بين العاشرة والرابعة عشرة يعملون في أسواق العمل، وأن هذا الرقم قد يرتفع إلى 350 مليون طفل إذا أدخلنا مجالات العمل التي لم يتم حصرها، والبلدان التي لم يشملها المسح، مثل الصين والبلدان الصناعية: مائة وأربعون مليون منهم من الأولاد، ومائة وعشرة ملايين منهم من الفتيات، وأن 41 في المائة من هؤلاء الأطفال العاملين من الأفارقة، و21 في المائة منهم من الدول الآسيوية (باستثناء اليابان) فيما 17 بالمائة منهم من أمريكا اللاتينية، ودول البحر الكاريبي.

ويقفز الرقم مرة أخرى ليصل إلى 400 مليون طفل إذا أخذنا بعين الاعتبار الأطفال الذين يجلبون الماء إلى أسرهم، أو الذين يقومون بأعمال منزلية رئيسية. وتقول المنظمة الدولية: إن هذه الأرقام ليست نهائية، بل وأطلقت على ما انتهت إليه من حصر ممكن للمشكلة بعبارة «أرقام باهتة».

وقد يقول قائل: إن الأطفال إذن يعملون. وهل في ذلك عيب؟

الحقيقة إن فترة الطفولة هي فترة اللعب والتعلم والتدرّب في حياة الإنسان، وقد أكدت الديانات السماوية، وكذلك أكدت الدراسات الطبية والنفسية، على ضرورة أن يلعب الطفل لا أن يعمل، وفي الحديث المعروف: «دعه يلعب سبعاً، وعلّمه سبعاً، واصحبه سبعاً»، وهذا يعني أنه إلى أن يصبح عمر الطفل واحداً وعشرين عاماً فليس من واجبه أن يعمل، فله سبع سنوات للعب، وسبع سنوات للتعلم، وسبع سنوات لمصاحبة الأب، ثم يدخل مجال العمل.

لكنّ الأطفال اليوم لا يحصلون على حقوقهم في اللعب، كما لا يحصلون على حقوقهم في التعلم والمصاحبة، حيث يضطرون لخوض سوق العمل.. ومع ذلك فإن وضعهم يختلف من مجتمع إلى آخر.

يقول تقرير الأمم المتحدة: إن أطفال (لوكسمبورغ) الأوروبية يعملون في المجازر والمسالخ، وأطفال (ساحل العاج) يعملون في التعدين، وأطفال (المكسيك) يعملون في صناعة الأحماض، وأطفال (تايلند) يعملون في النوادي الليلية، وأطفال (الهند) يعملون ابتداء من سن الرابعة عشرة في كل ما هو خطر وشاق، بما في ذلك صناعة المتفجرات والزجاج التي تنتج أساور في (روز آباد) الشهيرة، ومن أجلها يعمل خمسون ألف طفل يمثلون 25% من العمالة المتوفرة لهذه الصناعة، ويقفون أمام أفران الزجاج التي تتراوح حرارتها ما بين 1500 إلى 1800 ْ درجة مئوية، في مقابل ما يعادل 40 سنتاً من الأجر في اليوم!

وإذا كان العالم يعرف أطفال الكمبيوتر الذين يلعبون بأصابعهم الرقيقة على جهاز غالي الثمن، عظيم الفائدة يستخدم آخر ما أنتجه العصر من تقنيات، كما هو شأن الأطفال في الغرب، فإن العالم أيضاً يعرف في الوقت نفسه أطفالاً يبيعون الأحطاب ويعملون في الأفران، والفتيات منهم يعملن في البغاء، وآخرون يحملون السلاح ويتم استخدامهم جنوداً في الحروب.

وبالرغم من أن الطفل يجب ألَّا يشمله القانون فإننا نجد أنه يتم استغلاله، خلافاً لكل القوانين والأعراف.

وقد يسأل سائل: ما هو العمر الذي يحسب فيه الطفل طفلاً، ويكون من المفترض ألَّا يعمل فيه؟

والجواب: إن الأمر يختلف من مكان لمكان، ففي بلدان مثل مصر، والسنغال، وبنين؛ يهبط سن العمل إلى اثني عشر عاماً، بينما في الولايات المتحدة وكندا فإن سن العمل هو سبعة عشر إلى ثمانية عشر عاماً، وإذا أخذنا بعين الاعتبار أن هناك مائة وخمسين مليون طفل لا يملكون مدرسة لكي يتعلموا فيها، نعرف كم هو مأساوي وضع الطفولة، حيث إن ما يقارب من 500 مليون طفل يعيشون وضعاً كارثيًّا!

وتسجل اليونسيف أيضاً أن 47% من الأطفال في أفريقيا جنوبي الصحراء لا يذهبون إلى المدرسة الابتدائية. وأن 34% من أطفال جنوب آسيا لا يذهبون إليها أيضاً. وأن نسبة المتخلفين عن التعليم الابتدائي في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا هي 16% ممن هم في سن المرحلة الابتدائية، في حين يهبط الرقم إلى 6% في شرق آسيا والباسفيك. ويتخلف الأطفال عن المدرسة لكي يعملوا، إما كخدم في المنازل أو عمالاً في المناجم، أو يكونوا وقوداً للحروب.

ويقول تقرير صادر عن الأمم المتحدة: إن نحو ثلاثمائة ألف طفل يخدمون كمقاتلين في الحروب، وإن نحو مليوني طفل قتلوا في صراعات مسلحة منذ العام 1987.

وأضاف التقرير «من سيراليون إلى طاجيكستان، ومن ليبيريا إلى كمبوديا، ومن السودان إلى كوسوفو، ومن سريلانكا إلى أفغانستان، هناك ملايين الأطفال الذين يجري حرمانهم من طفولتهم، ويحيون حياة في منتهى القسوة».

ومضى التقرير قائلاً: «أصبح هناك اتجاه يبعث على الانزعاج في السنوات القليلة الماضية، وهو مشاركة الأطفال بشكل مباشر أو غير مباشر في الصراعات المسلحة. والتقديرات تشير إلى أن نحو ثلاثمائة ألف طفل -دون سن الثامنة عشرة- يخدمون كمحاربين في القوات المسلحة الحكومية، وجماعات المعارضة المسلحة في الصراعات الدائرة حاليًّا في مختلف أنحاء العالم».

وقال التقرير: «بشكل عام فإن التقديرات تشير إلى أن مليوني طفل قتلوا في صراعات مسلحة منذ عام 1987م، في حين أصيب ثلاثة أمثال هذا العدد بجروح بالغة، أو إعاقات دائمة».

وفي بعض المناطق فإن الطفل يصبح أجيراً لدى الطرف الذي يقرض العائلة، بمعنى أن نوع علاقة العمل بالنسبة للطفل، يحددها الأطراف الثلاثة: صاحب العمل، والسمسار، وأسرة الطفل. وكثيراً ما تبدأ هذه العلاقة بقرض تحتاج إليه الأسرة من صاحب العمل فتودع الطفل لديه وفاء للدّين، يحدث ذلك كما يقول تقرير (اليونسيف) في البرازيل وموريتانيا وغيرهما، ويصنع نوعاً من العمالة المكيدة التي لا تتوفر فيها حرية الإرادة، بل إنها تقترب من نظام العبودية، حيث يهب الإنسان نفسه للغير مقابل مبلغ معلوم تسلمته الأسرة في البداية، في شكل قرض أو ثمن مال لا يتم رده، كما لا يتم رد الطفل الذي يتحول إلى رهينة.

وفي مناطق أخرى الوضع أفضل ولكنه يأخذ شكلاً تكاد تنتفي فيه حرية المستغل في أن يختار مكان، ونوعية العمل، فهو خاضع للاستغلال الجنسي في بعض الأحيان، وخاضع للاستغلال الصنمي في معظم الأحيان، ويتعرض الطفل لما يؤثر في نموه العقلي والبدني -كما يقول تقرير المنظمة الدولية هذه-.

ومن العبودية للعمل، إلى العبودية الجنسية فهناك -حسب تقارير دولية- أكثر من مليون طفلة يمارسن (الدعارة) في العالم، ثلثاهن في آسيا، في حين أن الآخرين منهن يتوزعن ما بين أمريكا اللاتينية وأوربا الشرقية.

ومن مشاكل العمالة، والمشاركة في الحروب إلى قصر العمر..

إن العالم يعتبر معدل وفيات الأطفال تحت سن الخامسة عشر مؤشراً لتأخر مستوى الحياة، وفي هذا المجال تسجل الأرقام أن معدل وفيات الأطفال في النيجر وفق إحصائيات عام 1995م هو 320 في الألف، بينما يهبط هذا المعدل إلى 55 في الألف في السويد، وأيضاً فإن العمر المتوقع عند الولادة للطفل يهبط إلى 48 سنة في أنجولا، ويرتفع إلى 80 عاماً في اليابان.

وتمتد المؤشرات لتشمل الفروق في متطلبات الحياة مثل الحصول على المياه النقية، والتمتع بمرافق صحية، وتسجل أرقام الأطفال الذين يعانون من الهزال نسبة مرتفعة في البلاد التي دخلها منخفض مثل ملاوي التي تكون فيها النسبة 55% من الأطفال، في مقابل 24% من الأطفال في بلد مثل تركيا، وفي بعض البلدان فإن هناك تجنيداً إجباريًّا للأطفال، وفي بعضها الآخر يتحمل الأطفال عقوبة الخدمة في معسكرات الاعتقال، بحجة ارتكابهم مخالفات حرب.

وبالرغم من الجهود الدولية إلا أن الظروف المعيشية تمنع الأطفال من الحصول على حصتهم من التعليم، والرعاية الصحية، والغذاء وما شابه ذلك.

هذا بالنسبة إلى الأطفال المعترف بوجودهم.. أما الأطفال الذين لم يعترف بوجودهم فوضعهم مزرٍ للغاية، وعدد هؤلاء بالملايين.

فقد ذكر صندوق الأمم المتحدة للطفولة (اليونسيف) في تقريره للعام 1998 عن «تقدم الأمم» أن أربعين مليون طفل، أي حوالي واحد من كل ثلاثة، يولدون سنويًّا من دون أن تعلن ولادتهم، وذلك بسبب عدم وجود دوائر للشؤون المدنية في المناطق التي يولدون فيها، أو بسبب صعوبات إدارية مازالت قائمة في عدد من الدول.

ومن دون وجود قانوني، لا يمكن تلقيح الطفل أو معالجته في مركز صحي، أو إرساله إلى المدرسة. ولا يمكنه أيضاً الحصول على جواز سفر أو إثبات جنسيته أو التصويت أو الزواج. والمراهقون الذين لا يحملون أية أوراق شخصية أكثر ضعفاً من الآخرين في مواجهة المهربين.

ويقدر عدد الولادات في العالم بمائة وأربعين مليوناً سنويًّا، وصعوبات التسجيل حقيقية عندما تحصل الولادة خارج المستشفى، في المناطق الريفية البعيدة، وهذا ما ينطبق على أكثر من نصف الولادات في أفريقيا وفي جنوبي آسيا. كما ينطبق على السكان الرحل، أو المهجرين مثل الغجر و الأقليات العرقية واللاجئين.

ويضاف إلى ذلك ما يجري في حوالي خمسين دولة في العالم من الرسوم المفروضة عند تسجيل الطفل، والأمية والجهل أو خوف السكان المحرومين وحتى رفض بعض الأقليات العرقية التي ترى في تسجيل الولادات وسيلة للتحكم بها.

وقد تكون العقبات سياسية أيضاً، ففي جنوب أفريقيا لم يسجل 13 في المائة من السكان السود في العام 1993م، في إطار إجراء موروث عن نظام الفصل العنصري يهدف إلى جعل السود أقلية.

وفي الصين فإن القانون الذي لا يسمح بأكثر من طفل للزوجين يدفع الأهل إلى عدم تسجيل طفلهم الثاني أو الثالث، ولهذا السبب فإن تسعة ملايين طفل يعيشون سرًّا في بلادهم بسبب تجاوز (الحصص المحددة).

وفي بعض الدول، عندما تتوافر أجهزة السجل المدني، تنقصها الوسائل وتعجز عن حفظ السجلات.

ولم تتمكن كل من أفغانستان وإريتريا وأثيوبيا وكمبوديا من فرض قانون على الناس يلزم استخراج شهادة ولادة، في حين تسعى السلطة الفلسطينية حاليًّا إلى إقامة نظامها الخاص.

وأشارت منظمة اليونسيف إلى أن 23.5% مليون ولادة جديدة تبقى غير معلنة في آسيا (جنوب شرق القارة ومنطقة المحيط الهادئ) ومليون ومائتي ألف في وسط آسيا، وتسعة ملايين وستمائة ألف في الدول الواقعة جنوب الصحراء في أفريقيا، ومليون وتسعمائة ألف في الوطن العربي، ومليون ومائة ألف في القارة الأمريكية ومائتي ألف في أوروبا.

وفي سيراليون يتم الإعلان عن أقل من عشرة في المائة من الولادات، في حين تبلغ هذه النسبة الثلث في زيمبابوي، وفي بوليفيا يملك نصف السكان فقط شهادة ولادة. حسبما ورد في التقرير.

ولا تفسر الصعوبات الاقتصادية كل شيء، لأن أكثر من تسعين في المائة من الولادات في دول مثل أذربيجان وأرمينيا وسيريلانكا وطاجيكستان يتم تسجيلها مع أنها لا تعد دولاً غنية الآن.

ومن الغريب أن وضع الأطفال ليس مزرياً في الدول الفقيرة فقط، وإنما أيضاً في الدول الغنية مثل الولايات المتحدة الأمريكية، فقد ذكرت وكالات الأنباء احتمال أن يصدر قانون جديد في الولايات المتحدة يتيح للمستشفيات الاحتفاظ بالمواليد الجدد، الذين لا تستطيع أمهاتهم تسديد فواتير ولادتهم بالمستشفى، فالمجلس التشريعي بولاية (آلينوى) يعمل سرًّا منذ سنوات على إصدار قانون يتيح لمديري المستشفيات اتخاذ إجراءات عنيفة ضد من يسمونهم بالأمهات المتهربات من دفع ديونهن، ويدَّعي أعضاء المجلس هذا أن كثيراً من الأمهات يأتين المستشفيات، طلباً لخدمات أكبر أطباء الولادة في أرقى المستشفيات، ويضعن مواليدهن بها، ثم بعد ذلك يدّعين الفقر عندما تطالبهن المستشفيات بتسديد مصاريف الولادة، ونتيجة لذلك فإن المستشفيات بالولاية تتعرض لمشاكل مالية ضخمة.

وهذا يعني أن هناك مشروع قرار يطالب باحتجاز الطفل الرضيع، مما يعني أن الطفل يتحمل عقاباً على ما ارتكبته أمّه -إن كانت هنالك جريمة قد ارتكبتها الأم-، وهكذا يتحمل الطفل في أرقى الدول مسؤولية مصاريف الولادة لأنه يولد!.. وهذا المشروع ينص على أن الأم التي لا تستطيع أن تؤدي الأموال المطلوبة، فإن المستشفى سيحتفظ بالطفل لمدة تسعين يوماً، وإذا لم تستطع الأم خلال تلك الفترة التوصل إلى ترتيب معين مع إدارة الحسابات بالمستشفى، فإن الطفل يعرض للتبني.

وواضح أن هذا المشروع يستهدف بصورة مباشرة الفقراء والمعوزين، لأن الأمهات الغنيات ومن لديهن تأمين صحي لا يحتجن إلى مثل ذلك. والأغرب من هذا التشريع هو تبريراته، حيث إن أحد أعضاء المجلس التشريعي في الولاية يقول: «لو نظرت إلى القانون بصورة مجردة بعيداً عن العاطفة، تجد أن القانون معقول جدًّا، فشركات الأموال تسترد ملكية السيارات التي لم تسدد أقساطها، والبنوك تحرم على الراهن إذا ما تأخر في سداد ما عليه باسترجاع الشيء المرهون، فلماذا تكون النساء الحوامل فوق القانون؟»

ومعنى ذلك أن الطفل يعامل كما تعامل السيارة وآلة جهاز التسجيل، أو جهاز الميكرويف أو أي شيء آخر. وقد قال أحد المسؤولين في جمعية حماية المستهلك: إن مثل هذا القانون إذا شرّع، فسوف يحرم مئات الأسر سنويًّا من أطفالهن، في حين أنه سيُثرى مديرو المستشفيات من عمليات التبني، كما أن شركات التأمين سوف تستفيد، لأن مزيداً من العائلات ستقدم على شراء تأمين صحي خوفاً من فقدان أطفالهم، والتخوف الذي يبديه الناس في هذه الولاية هو أنه لو أُجيز هذا المشروع في ولاية (ألينوى) فمن المؤكد أنه سينتشر إلى كل الولايات في الاتحاد الأمريكي.

من خلال هذين التقريرين لمنظمة (اليونسيف) وهذا التشريع الذي يتبناه أعضاء المجلس التشريعي في ولاية (ألينوى) نعرف كم هو كارثي وضع الأطفال في العالم. والغريب أن هذا يجري في دول تحكمها الديمقراطية وحرية الرأي والإعلام الحر، فكيف في بلاد أخرى لا يملك الطفل من يدافع عنه، وتجد أسرته نفسها مضطرة إلى أن تدافع بقوة عن الطفل لكيلا يضيع في سوق النخاسة، أو في سوق العمل، أو في سوق الدعارة. حقًّا إن المسؤولية كبيرة والوضع ينذر بالخطر.


ارسل لصديق