فهم النص.. بين الحاضر وهيمنة التراث (القسم الأول)
كتبه: أسرة التحرير
العدد (43) السنة 19 - 1429هـ/ 2008م
التعليقات: 0
القراءات: 2950

كلمة المنتدى

لا يزال الحديث عن (النص) وشؤونه المختلفة، منذ ما يربو على أربعة عقود، حديثًا حيويًّا وضروريًّا، وذلك لما يمثله النص من أهمية في الفكر الإسلامي وعند المسلمين، فهو كتابهم المنزل من الله -عزّ وجلّ- وكلام نبيهم (صلى الله عليه وآله وسلم)، وهدى أئمتهم المعصومين (عليهم السلام)، وباختصار هو أهم مصادر الثقافة والفكر والعلوم عند المسلمين.

وتزداد أهمية الحديث عن (النص) اليوم بتزايد اهتمام المسلمين بشؤون نهضتهم وتقدمهم في عالمهم المعاصر، واهتمام الآخرين بالمسلمين كمكوّن أساس وفاعل في المجتمع الدولي.

ويأتي الاهتمام بالقضايا المنهجية المتعلقة بالنص على رأس قائمة الاهتمامات المتداولة اليوم على أيدي المفكرين والعلماء والمثقفين؛ كمسألة فهم النص، ومنهجيات قراءته، وآليات التعاطي معه، وذلك لما تشكله هذه المسائل من دائرة تقاطع تتجاذبها مختلف التيارات والتوجهات سواء منها المؤمنة بالنص وضوابط فهمه كمرجعية معرفية فاعلة في الإبداع والنهضة الحضارية، أو المعادية للنص والتي تراه حجر العثرة الذي يقف أمام النهضة المرجوة، ناهيك عن المحفزات والضرورات الأخرى التي تؤكد الاهتمام به.

وقد خيّم على تداول المسألة في عالمنا الإسلامي الإرباك؛ فلم تُحرر مناطق النزاع بشكل منهجي، ولم تضبط الحوارات في المسألة بصورة علمية، بل ساد على أغلب الذي تناولوا المسألة (حوار الطرشان) والمنطلقات الانفعالية؛ فهنالك جدار سميك من الكلمات التي لا تُفهم الأطرافَ المتنازعةَ مراداتِ أصحابِها في قضاياهم، وهنالك الانفعال السلبي الذي يقف عائقاً حقيقيًّا وراء تفاهم المتخاصمين.

ومجلة البصائر إذ تدخل هذا الحقل فهي تدرك مدى الصعوبات التي تواجهها في خوض حوار في المسألة بروح منهجية وعلمية، ولكن الضرورة الحضارية، والمسؤولية الرسالية توجبان مواجهة هذه الصعوبات ومحاولة تذليلها.

ومن هذا المنطلق فإن مجلة البصائر تفتح باباً جديداً في المجلة تحت عنوان (منتدى البصائر) ليكون محوره على مدى عدة أعداد موضوع (فهم النص)، وتحاور فيه عدداً من المفكرين والعلماء من أهل الفضيلة والعلم ليدلوا بدلوهم في المسألة بما يخدم إنضاج وتطوير واقعنا الفكري والثقافي.

وقد حاورت المجلة في هذا العدد جمعاً من المفكرين والعلماء هم -هجائيًّا-:

الشيخ زكريا داوود:

كاتب وباحث إسلامي، السعودية، أستاذ الدراسات العليا في حوزة القائم العلمية، رئيس تحرير مجلة البصائر الدراساتية، شارك في العديد من المؤتمرات، نشر له العديد من البحوث الفكرية، ومن أبرز مؤلفاته:

- تأملات في الحديث عند السنة والشيعة 1995م.

الشيخ عبدالغني عباس:

كاتب وباحث إسلامي، السعودية، أستاذ الدراسات العليا في حوزة القائم العلمية، وحوزة القطيف العلمية، مشرف عام مؤسسة القرآن نور، شارك في العديد من المؤتمرات، نشر له العديد من البحوث الفكرية، ومن أبرز مؤلفاته:

- تطلع أمة.. قراءة في أفكار آية الله العظمى السيد محمد تقي المدرسي 1990م.

- القرآن والشريعة.. تأملات في فقه القرآن 2003م.

- فقه الشريعة والحياة.. تأملات في النص والواقع 2005م.

الشيخ مالك وهبي:

كاتب وباحث إسلامي، لبنان، أستاذ الدراسات العليا في الحوزة العلمية، شارك في العديد من المؤتمرات، نشر له العديد من البحوث الفكرية، ومن أبرز مؤلفاته:

- الولاية التكوينية بين النفي والإثبات 2004م.

- ظاهرة التكفير في الفكر الإسلامي 2007م.

- مقاصد الشرع بين الإفراط والتفريط 2007م.

السيد محمود الموسوي:

كاتب وباحث إسلامي، مملكة البحرين، من أسرة تحرير مجلة البصائر الدراساتية، ورئيس تحرير مجلة فقه الحياة، شارك في العديد من المؤتمرات، نشر له العديد من البحوث الفكرية، ومن أبرز مؤلفات:

- دراسات في مسارات المجتمع والحضارة 2007م.

- نهج الإصلاح.. قراءة في الخطاب الإصلاحي للإمام الحسين 2007م.

فهم النص.. بين الحاضر وهيمنة التراث

منتدى البصائر: عند كل تحول اجتماعي - حضاري في واقعنا الإسلامي يعود الحديث إلى موضوع فهم التراث والتراث الديني تحديداً والنص الديني بشكل أخص كأهم مقوم للحضارة الإسلامية، فبعد سقوط الخلافة العثمانية في عشرينات القرن الماضي تداول العلماء والمفكرون مسألة التجديد الديني، ومع إعلان دولة إسرائيل وبداية المواجهة مع المشروع الصهيوني وسلسلة الثورات العربية والإسلامية أيضاً تكرر الحديث مرة أخرى حول المسألة نفسها، وهذه الأيام وبعد سقوط النظام في العراق وبروز تيارات مختلفة على الساحة يتكرر الحديث اليوم مرة أخرى وبشكل ملحّ حول المسألة نفسها. ومن الملاحظ أن في كل محطة من تلك المحطات يميل الحديث حول التجديد الديني إلى قراءة أقرب للتيار الأقوى على الساحة، فمن الميل إلى الماركسية ومروراً بالقومية ووصولاً اليوم إلى الليبرالية. والسؤال: هل تُعدّ هذه الظاهرة أمراً طبيعيًّا أم أنها خلل في الواقع الفكري - الحضاري للمسلمين؟ وكيف يمكن ضبط أمواج هذه القراءات المتعددة للنص الديني؟ وهل يمكن الجمع بين الضبط الحازم لقراءة النص الديني وبين الإبداع الفكري الثقافي؟.

الشيخ زكريا داوود:

من طبع التحديات أنها تستنفر جهود الأمة الحية، وتستنهض كل طاقاتها في سبيل تحقيق القدرة على التصدي، والمحافظة على التوازن. وبقدر ما يكون التحول أو التحدي عميقا فإن ردة الفعل تكون بمقداره، وإذا ما نظرنا إلى محطات التحول التي مرت بها الأمة وإلى التحديات التي صاحبتها وطريقة تعامل الأمة مع تلك التحديات فإننا نرى خللاً بيِّناً في الشعور بالتحديات والتحولات وخللاً بيِّناً في طريقة التعاطي معها.

ويكمن ذلك الخلل في النظر إلى التحولات بفكر مستورد بعيد عن قيم الأمة ومبادئها، ولعل الرابط المشترك في تعامل الأمة مع جميع التحولات التي مرت بها هو فرض رؤى البشر البعيدة عن هدي الشريعة كأداة لفهم وحل المشكلات، فبدءاً من إدخال الفلسفة اليونانية في نهاية القرن الأول الهجري وإلى عصرنا الراهن التي فرضت فيه على الأمة نظريات ومناهج غربية متعددة.

لكن الأمة وفي نهاية تطبيق كل تجربة فكرية بشرية تصل إلى قناعة بأن الحل يكمن في التوجه إلى الوحي وبصائر الدين، وهنا تبدأ اليقظة الحقيقية في التعامل مع التحولات وما يصاحبها من تحديات متعددة، وفي هذه اللحظة الزمنية التي تتوجه فيها الأمة للنص تبرز إشكالية تعدد القراءات وتباينها، ويمكننا القول: إن التوجه للنص هو الأمر الطبيعي لأمة تأسست من خلال بصائر الوحي، لكن المهم في المسألة هو أن تنضبط القراءات من خلال منهج تأسست قواعده وأصوله انطلاقاً من النص ذاته، لأن فهم النص من خلال منهج مخالف له أو مبتنٍ على أسس مباينة لروحه ومقاصده أمر يبعد عن فهمه والوصول لغاياته.

وهذا الأمر بالذات ساهم بشكل مباشر ليس في تباين القراءات للنص فحسب بل في انحراف تلك القراءات عن روح النص ومقاصده. ويكمن الخطأ في تلك المناهج أنها تتعامل مع النص الديني باعتباره إنتاجاً بشريًّا يخضع للحالة الإنسانية في ضعفها وقوتها واستقامتها وانحرافها، كما أنها تتعامل مع النص بأدوات وآليات قاصرة لا يمكنها أن تتحسس روح النص ومقاصده، لأنها مبنية على خلفية فكرية وثقافية لا تؤمن بالوحي مصدراً للمعرفة الصحيحة.

إن ضبط القراءات للنص الديني يحتاج إلى أمور ثلاثة:

1- التعامل مع النص الديني باعتباره وحياً من الله المحيط والعالم بالوجود وما فيه.

2- التوجه لفهم النص من خلال الأدوات والآليات التي يحددها النص ذاته، وليس عبر مناهج مستوردة ومباينة لروحه ومقاصده.

3- عدم فرض الآراء والأفكار المسبقة على النص، والتوجه إليه بتجرد من المسبقات الفكرية والنظريات البشرية وبالأخص البعيدة عن سياق النص وروحه، أو المنبثقة من مرجعية فكرية مخالفة.

الشيخ عبد الغني عباس:

من باب المقدمة لا بد من القول أولاً: إن الانعطافات التي تمر بها المجتمعات والشعوب تجعلها تبحث عن خيارها الثقافي والأيديولوجي الأقرب لتلبية تطلعاتها والأسلم للحفاظ على مكتسباتها.

ومن هنا تحديداً تبدأ وظيفة المنظرين وأصحاب الفكر والرأي لتوجيه بوصلة المسار الصحيح لحركة المجتمع الثقافية، ولا شك لأننا وثيقوا الصلة بالدين الإسلامي فإننا نطرح الخيار الثقافي المنبعث من هذا الدين ضمن تصورات كلية، ولكن مع هذه الانعطافات قد لا تكفي هذه التصورات بعمومياتها وإطلاقاتها، وإنما لا بد من البحث في تفاصيل هذه الخيارات، سواء فيما يتصل بالأبعاد السياسية والاجتماعية والاقتصادية. ويبدو لي أننا كلما تمكنا من الحديث في التفاصيل برؤية وبصيرة قرآنية كُنَّا أكثر قدرة على الإبداع في نقاش الراهن.

وهنا ربما يوصلنا البحث إلى مسألة النسبية، بتصوير القراءات المتعددة للنص الديني. وفي اعتقادي إننا بالدرجة الأولى لا ينبغي أن ننظر بحساسية مفرطة تجاه القراءات الجديدة، لكن هذه القراءات المختلفة ليس من الصحيح أن تكون بلا أدلة أو لا أقل مؤيدات لغوية أو حالية أو حتى قرائن يمكن لها أن تكون منشأ للقراءات الجديدة، ذلك أنه كما حرر في علم أصول الفقه أن المرتبة لا تصل إلى الأصول العملية ما دامت هناك إمكانية للاستدلال بالأدلة الاجتهادية لا سيما منها اللفظية.

ولا شك أن هذا يحتاج إلى فن في القدرة على الاستدلال من الأدلة المختلفة، وهذا بعينه هو الضبط الذي نحتاجه في الإبداعات المختلفة، لذلك حينما نتحدث لا نتحدث عن خطأ النتائج فحسب، وإنما نتحدث عن خطأ المناهج المتبعة في الوصول إلى هذه النتائج.

الشيخ مالك وهبي:

يفترض أن يكون السؤال مختصًّا بالإسلاميين الصادقين لا يشمل الذين يتعمدون التدليس وتضليل المثقفين.

وهنا أقول: أظن أن هذه الظاهرة طبيعية من منظور علم النفس الإنساني، لكنها غير صحية من منظور إنساني صحي، ومنظور بنيوي فكري عقلي، فهي من المنظور الأول تعبير عن تأثر النفوس بما يحيط بها بسبب ضعفها إزاء الرائج وما يغلب على المجتمعات، ومن المنظور الثاني تعبير عن خلل روحي أو ثقافي على المستوى التأسيسي وعدم الاطلاع الوافي على ما بذله علماؤنا على المستوى العلمي عند بحثهم لمسألة النص الديني المقصود به حسب ما يفترض النص القرآني والنص النبوي بالنسبة إلى عموم المسلمين يضاف إليه نصوص أئمة أهل البيت (عليهم السلام) عند الإمامية، وكثير مما يطرح تحت عنوان التجديد ليس إلا سعياً لتطويع النص وفق الميول والرغبات لجعلها متلائمة مع ما يحيط بنا من ثقافات رائجة لاعتقادهم أن هذا يحسن من تقبل الآخرين للإسلام، ويجعله قريباً من ثقافة أهل العصر، ومواكباً لتطورات الزمن والحضارة، عبر استخدام مصطلحات جذابة لها منشأ إسلامي، مثل مصطلح التجديد أو المقاصد ونحوهما.

إلا أن هذا لا يعني أن كل ما يطرح تحت عنوان التجديد الديني هو نتيجة ضعف فكري أو روحي بل قد يكون مطلوباً في بعض الأحيان، لإحياء للمفاهيم والقيم الدينية، ذلك أن الدين قد تتراكم عليه نتيجة طول الزمان وكثرة الدس فيه ما يوجب تحريف الكثير من مفاهيمه وقيمه، فكان لا بد من إعادة قراءة النص الديني لا بهدف التجديد كهدف بحد ذاته، بل بهدف البحث الجاد عن المفاهيم الصحيحة والقيم المطلوبة وهذا لا يكون إلا من منطلقات تأسيسية تامة لا تجزئة فيها ولا طي لمراحل بحثية يتطلبها التأسيس، ولذا لا يصح الإحياء إلا من خلال مجموعة امتلكت الثقافة الشاملة للإسلام ونصوصه وتعمقت معرفتهم به، قد بذلوا جهدهم الصادق في معرفة الإسلام، وأدركوا الموارد التي تحتاج إلى إعادة قراءة النص الديني لفهمها وتثبيتها أو نفيها.

السيد محمود الموسوي:

الأمة الواعية هي التي ترتبط بقيمها ارتباطاً وثوقيًّا، فهي ترى في دينها الخلاص شرط اتباعه وتحويله إلى قيم فاعلة ومبادئ حاكمة في شتى المستويات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، أما حال الأمة السائد سواء قبل عدة قرون مروراً بالتحولات الحضارية التي عصفت بالأمة وإلى الآن، فهو بشكل إجمالي بعيد عن حمل الهم الديني بمستواه النظري والتطبيقي، وبغض النظر عن الأسباب التي يرجع أغلبها إلى الحالة السياسية الاستبدادية التي استولت على مواضع القرار، فإن التساؤلات التي تنشأ من هذا الوضع المتأزم وفي وضع تكون الأمة فيه بعيدة عن قيم دينها، هي في الحقيقة عبارة عن طلب للخلاص من الوضع السائد، وبحث عن بصيص أمل فيما يعتقدونه من دين تسالمت عليه العقول في أولياته.

فمن الطبيعي أن تنشأ مطالب للتجديد الديني في وضعٍ بتلك الصورة القاتمة، فهذا التساؤل إذا نظرنا إليه من هذه الزاوية سيعبر عن حالة البحث عن المنقذ، على أن يكون هذا المنقذ من صميم الدين، ولا شك أن الراسخ في العقلية السائدة نتيجة الهزائم المتعددة هو أن المفاهيم التي يمتلكونها لا توصلهم إلى حالة من النهوض، فبالتالي يتم اللجوء لطلب فهم جديد للدين.

إلا أن الأزمة الحقيقية تكمن في ماهية هذا الفهم الجديد، فلقد وجدنا العديد من القراءات التي تدعي وصلاً بالدين استجابة للاحتياجات الحضارية، إلا أن الكثير منها لم يكن إلا استيراداً لمفاهيم وقيم لا تمتّ إلى الدين بصلة، لهذا فإن ضبط عملية الفهم الجديد للدين، أمر مهم بل في غاية الأهمية.

والفهم الجديد هو في حقيقة الأمر ليس إلا استخراج رؤى الدين من ثوابته إلى متغيرات الزمان والمكان، من هنا نكتشف أول شرط لضبط عملية قراءة الدين وفهمه بفهم جديد، وهو أن تكون القراءة معتمدة على الثوابت من الدين ومعبرة عن روحه وعن مقاصده، فنسبة شيء إلى الدين تعني أن يكون الدين هو مصدرها ومنبعها، وإلا فإننا نحترز من تسمية أي اجتهاد لا يعبّر عن روح الدين ولا ينطلق من ثوابته.

ويمكن أن نحدد نوع الضمانات التي تضبط أي قراءة جديدة بنوعين أساسيين:

الأول: الضمانة الاعتقادية: وهي التي تعتمد على الأسس المتسالمة في العقيدة الإسلامية، كالإيمان بالله وبرسوله وبالأئمة، والإيمان بمصدرية القرآن الكريم والعترة الطاهرة، ملاحظة هذا الإيمان ووضعه في الاعتبار هو الحجر الأساس الذي لا يمكن التخلي عنه، وإلا فإن أي تأسيس سيكون على جرفٍ هارٍ، ينهار بصاحبه ويحرفه عن الاتجاه الصحيح.

الثاني: الضمانة المقاصدية: فالدين إنما جاء بمقاصد عامة وأساسية، تتوجه جميع التشريعات من أجل تحقيقها ودعم حضورها حضاريًّا، فأي محاولة لفهم الدين لا ينبغي أن تأتي استجابة لإرادة المجتمعات أو الرغبات الناتجة عن التحولات الحضارية تعبيراً عن الضغوطات من القوى المهيمنة، وإنما هي تأتي استجابة للتحديات التي يعيشها المجتمع من أجل إنقاذه من واقعه المتردي، ليصل إلى الأهداف والمقاصد التي يبشر بها الدين، كالسلام والأمن والعدالة والحرية كما يريدها الدين، لا كما يريدها البشر.

من خلال هاتين الضابطتين يمكن للإبداع أن يحلّق وللقدرة العلمية البشرية أن تنضج، فالإبداع الحقيقي يتصل بمدى مقدرة الإنسان على تحويل الأفكار إلى آليات وقواعد يمكنها أن تطبق في الخارج، فمجالات الإبداع متعددة مع فهم الضمانات، فقد يتمثّل الإبداع في القدرة على إيجاد التوازنات المتصلة بتمكين القيم في القوانين الشائكة، وقد يكون في إيجاد الأولويات، أو تبين حكم المتغيرات المتلاحقة زماناً ومكاناً.

منتدى البصائر: في مقابل ما يمكن وصفه بالقلق والاضطراب الحاصل لدى بعض الاتجاهات في قراءتها للنص الديني؛ ينتظر المؤمنون بالمؤسسة الدينية المعاصرة أن تساهم في بلورة رؤى وآليات جديدة في قراءة النص الديني، تحافظ فيه على الأصالة وتساهم في المقابل في عملية التطوير المعاصر. والسؤال: ما هو الإسهام الذي قدمه علماء ومفكرو المؤسسات الدينية العلمية على مستوى الرؤى والآليات في قراءة النص الديني؟.

الشيخ زكريا داوود:

لا زال النص الديني تكتنفه مناطق مجهولة لم تكتشف بعد، ولا زال يحمل زخماً فكريًّا متجدداً مع تجدد الزمان وتغير الواقع، ومع كثرة البحوث التي جعلت من النص محور البحث والتنقيب إلا أنها لم تستطع بعد الاستفادة من مخزونه المعرفي بشكل كامل؛ إذ لا زالت البحوث ولأسباب عديدة يكتنفها النقص والقدرة على تحقيق استفادة قصوى.

لكن يمكننا القول: إن مناهج قراءة النص الديني في الحوزات العلمية بلغت مستوىً متقدماً، والسبب هو تواصل التطوير والنظر في آليات وأدوات قراءة النص، وقد فرضت غيبة الإمام الحجة (عجل الله فرجه) في عام 260 للهجرة على العقل الشيعي ضرورة تحديث آليات فهم النص ومعرفه مكنوناته واستجلاء غوامضه، وقد مهّد الأئمة (عليهم السلام) لمرحلة غياب المفسر للنص من خلال حثّ الفقهاء على تطوير رؤاهم ومداركهم، فمقولة «عَلَيْنَا إِلْقَاءُ الأصُولِ وَعَلَيْكُمُ التَّفْرِيعُ»[1]، وممارسة الأئمة (عليهم السلام) لطرق الاستدلال مع أصحابهم وحثهم على بذل الجهد في فهم وإدراك مكونات النص، بل وتوضيح الأئمة (عليهم السلام) للعديد من أدوات قراءة النص الديني، كل ذلك ساهم خلق أمرين مهمين هما:

1- تأسيس قاعدة للبحث في مكنونات النص والحفاظ على مسيرة البحث من الانحراف من خلال توضيح قواعد وأدوات البحث وغاياته.

2- التأكيد على عدم تناهي المخزون المعرفي للنص وتجدده في الأزمنة المختلفة، حتى تكون البحوث في كل زمن تستهدف التجديد والتطوير وليس الجمود والبناء على أفهام السابقين، فكون النص متجدداً مع الزمان يفرض فهماً متجدداً مع النص، لا فهماً مستورداً من أزمنة ماضية.

هذه الأمور فرضت على العقل الشيعي تطوير وتحديث آليات وأدوات قراءة النص من خلال استجلاء المناطق غير المكتشفة من النص، وبهذه العقلية تطورت آليات قراءة النص الديني بشكل متواصل، وقد بدأت أول محاولة جريئة مع ابن الجنيد (؟ - 371هـ)[2] وابن أبي عقيل[3] عندما أدخلا العقل وأدواته في طرق وعي النص وفهمه، وبالرغم من أن ابن الجنيد تلقى نقداً لاذعاً من فقهاء معاصرين وتالين بسبب تبنيه أدوات بحث مرفوضة عند مدرسة أهل البيت (عليهم السلام)، إلا أن بحوثه قد أثارات إشكالات كثيرة أسهمت فيما بعد في تطوير البحوث الفقهية التي تعتمد النص محور البحث والدراسة.

وتواصلت الإسهامات البنّاءة مع الشيخ المفيد[4] الذي دوّن رؤيته لقراءة النص في كتابه الذي تحدّث فيه عن علم الأصول [التذكرة بأصول الفقه]، وجاء شيخ الطائفة الطوسي[5] الذي أوضح معالم مدرسة أهل البيت (عليهم السلام)، ومع مجيء العلامة الحلي[6] بدأ تيار التأصيل العقلي يفرض حضوره في الإنتاج المعرفي الذي يستهدف فتح فضاءات النص على العقل، وتجدد التطوير والتحديث لفهم النص مع الشهيدين[7]، وفي بداية القرن الثاني عشر برز تيار فكري آخر جعل من فهم النص ووعيه هدفه الأساس منتقداً بحوث التيار الأول الذي عرف بالمنهج الأصولي وأتباعه بالأصوليين، والتيار الناقد بالأخباري وأتباعه بالأخباريين.

وبلغت ذروة تطوير البحث في آليات قراءة النص مع الشيخ الأنصاري[8] الذي أسس مدرسة متقدمة، وأدخل آليات وأدوات جديدة تستهدف قراءة مستوعبة لمكونات النص.

وفي القرن العشرين ومع مجيء الميرزا مهدي الاصفهاني[9] بدأت تظهر معالم مدرسة ثالثة عرفت فيما بعد بمدرسة التفكيك، وبلغت ذروة التطوير والتحديث والتقدم من خلال أبحاث المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد تقي المدرسي الذي يعد الشخصية الأبرز في هذه المدرسة من خلال الوصول بالمدرسة لمرحلة التكامل المنهجي والمعرفي.

الشيخ عبد الغني عباس:

منذ ثلاثة عقود من الزمن وأكثر رأينا الكثير من الإسهامات المختلفة التي قدمها رواد وأتباع النص الديني، وكانت هذه الإسهامات في ظني عبارة عن حالة تفاعلية بين النص والواقع، إذ ربما تزداد المساحة بُعداً بين النص وبين الواقع من الناحية العملية، وليس من ذاتيات النص، ولكن كلما سعينا إلى تقريب وتفعيل النص وهيمنته على الواقع من خلال الحديث النصي عن المسائل الابتلائية سواء في الفكر والثقافة أو المجتمع والسياسة، حينها ترتفع حالة القلق وتشوش الرؤية وتتبلور التصورات الجديدة في نظرنا الموجودة في بطون النصوص حقيقة وواقعاً.

ولكن لا بد من عطف الحديث عن المناهج المتبعة في قراءة النصوص الدينية، إذ إن هناك العديد من المناهج التي اتبعها الفقهاء والمفسرون في قراءة النصوص النقلية، ولكن هذه المناهج ليست منحصرة، ولذا رأينا ميلاً لمنهج القواعد في حقبة زمنية، وميلاً إلى منهج المقاصد في أخرى، وتتحكم فيه نظرية القطع بالصدور تارة، وأخرى بكفاية الظن الصدوري، وما يمكن لنا تصوره هو أن الفقيه إذا تمكن من الوصول إلى النتائج المختلفة بأي من هذه المناهج التي يرى لها مستندات شرعية فهو كافٍ، حتى لا يحرم الفقيه نفسه من اتِّباع منهج معين للوصول إلى أفضل النتائج التي تنعكس تالياً على الفكر والفتوى.

ولو أننا تتبعنا المزيد من المصنفات خلال هذه العقود الثلاثة لرأينا استخدامات مختلفة لجملة من هذه المناهج، وهذا إن دلَّ على شيء فإنما يدل على اختلاف في الطرق الصناعية الموصلة إلى أفضل الطرق لقراءة النصوص الدينية بشرط عدم الخروج عن مألوف العرف في تناول هذه النصوص، وفي هذا تحديداً لو كانت لنا دراسات تفصيلية في المناهج التي يعتمدها الفقهاء والمفسرون لا سيما الحديثة منها حتى يمكننا التعرف على التطور في الوسائل والآليات في فهم النصوص.

الشيخ مالك وهبي:

قد أفاجئ الكثيرين لو قلت: إن تاريخ علمائنا المجتهدين ومن قاربهم في مستوياتهم العلمية حافل بالإسهامات، وأخص بالذكر منها المدرسة الأصولية. ولو أن المثقفين اهتموا بمراجعة ما قدمه علماؤنا لربما أمكنهم أن يثقوا أنهم لم يدعوا لهم شيئاً على مستوى المنهج والآليات والرؤى، ولئن أنكر بعضهم هذه الإسهامات فلربما كان ناظراً على غير علماء الإمامية، أو لربما كانت تنقصه الكفاءة المطلوبة لأن تلك المراجعة تتطلب متابعة علمية مخصوصة، فقد استطاع علماؤنا أن يحددوا بكل وضوح ودقة موقع العقل والنص، وقدموا منهجاً في كيفية قراءة النص الديني بلغ من القوة حدًّا لم يسهل إحداث أي تبديل فيه خاصة في القرنين الأخيرين، وإذا ما بان أي اختلاف بين علمائنا في قراءة نص ديني فليس مرده إلى اختلاف في المنهج، بل إلى الاختلاف في تطبيقه على مورده.

ومن هنا اكتسب علم أصول الفقه أهميته البالغة على هذا الصعيد إذ تؤسس فيه كل المباني التي نقتنع بضرورة تطبيقها حين معالجتنا للنصوص الدينية، ونفي المباني التي نقنع بعدم صحة تطبيقها، كل ذلك ببيانات علمية واضحة لا شعارات محضة. وفي الحقيقة فإنَّا لا نسمي المجتهد مجتهداً إلا إذا أعاد قراءة كل المباني وعالجها بالنقد ليقبل ما صح منها ويرفض ما لم يصح. وعلى سبيل المثال، اثبتوا أن النص الديني يجب أن يقرأ بشكل موضوعي، أي أن نجمع كل الروايات الصحيحة ذات الموضوع الواحد، ونعالجها دفعة واحدة مع ملاحظة الجمع بينها وفق طرق أثبتوها في علم الأصول، إن استقر التعارض بينها وفق قواعد أثبتوها أيضاً في ذلك العلم، وينظر إلى المعصومين (عليهم السلام) على أنهم شخص واحد لا يخطئ فيما يقول، وإن النص القرآني لا يمكن أن يباينه أي نص غير قرآني، ولو حصل ذلك كشف عن عدم صحة ذلك النص الآخر. وإن القرائن التي تواكب النص يجب أخذها بعين الاعتبار سواء كانت لفظية أو حالية فردية أو اجتماعية عامة، شرط أن تثبت قرينيتها وفق ضوابط تم إثباتها أيضاً في علم الأصول، نعم لم يقبلوا أن النص يخرج عن سيطرة قائله بحيث يفسر النص بدلالات لم تكن مقصودة لا للمتكلم ولا في زمانه.

السيد محمود الموسوي:

منذ السيد المرتضى[10] نهاية القرن الرابع وبداية القرن الخامس الهجري الذي دوّن كتابه في علم الأصول، وبعده الشيخ الطوسي، إلى ابن إدريس الحلي[11]، والعلامة الحلي وابنه فخر المحققين[12]، والشهيدين الأول والثاني، وغيرهم وصولاً إلى زماننا الحاضر، فإن التركيز على الأساس للبحث العلمي في مجال قراءة النص الديني منحصر في مباحث محدودة وقالب محدّد، وإن كان بعض تلك المباحث ذا أهمية، وهي آليات عملية لفهم النص، حيث قد تكونت بفعل تطور علم الأصول مجموعة من القواعد التي ساهمت في فهم النص، إلا أنها تبقى محبوسة في الشكل الذي رسمه الأقدمون لهذا العلم، فيعاد البحث في المحاور ذاتها والقواعد نفسها رفضاً وقوبلاً وسعةً وضيقاً.

مازال البحث عن آليات لفهم الدين يحتاج إلى تطوير، وهذا التطوير ينبغي أن يكون نابعاً من رؤية تتفوّق على محدودية المباحث الأصولية التقليدية، وعدم الاكتفاء بتداولها ردًّا وقبولاً.

لعل من أهم التطورات التي جاءت في مجال تطوير بحث قراءة النص الديني هو البحث القرآني الذي كان غائباً لفترة زمنية مديدة، حيث كان النظر باتجاه الرواية في المرحلة الأولى من عصر الغيبة ثم انتقل للنظر للمبحث العقلي والأصولي، وإن كان القرآن حاضراً بشكل عام في مباحث الأصول باعتباره نصًّا، فتدخل مباحث الألفاظ وغيرها ضمن اهتمامه، إلا أن خصوصية القرآن الكريم تحتاج إلى بحث مكثف يضع في اعتباره خصوصية الخطاب القرآني ومصدريته الأساسية في عملية التشريع.

التجربة الرائدة التي بدأها الميرزا مهدي الإصفهاني (1303- 1365) كانت تتسم بأنها حالة من التطوير خارج دائرة المباحث الأصولية، حيث وجَّه نقداً للكثير من المباحث، وعمل على إيجاد مفهوم للعقل يتماشى مع توصيفات القرآن الكريم له، وتوصيف أهل البيت للعقل، فحلّت بذلك عقدة وقعت بين الاتجاه الأخباري الذي رفض العقل في التشريع، وبين الاتجاه الأصولي الذي أعطاه صفات مغايرة لدوره في فهم النص وإدراك المعارف ومتغيرات الحياة، كما أنه بتقسيمه للأخبار والروايات إلى روايات فتوى وروايات أصول، أعطت جانب التشريع حيوية وبُعداً أوسع.

وفي عملية تطوير لمدرسة الأصفهاني جاءت تجربة المرجع الديني المعاصر السيد محمد تقي المدرسي، لتتوافق مع تلك المدرسة وتعمل على التطوير والإضافة خصوصاً في البحث القرآني الذي كان غائباً، ولقد كثّف هذا البحث في موسوعة التشريع الإسلامي المكونة من عشرة أجزاء، حيث عمل على تأسيس منظومة القيم التي تشكل الرؤى الأساس للدين واكتشاف حكمة التشريع للأحكام التي ينطلق منها لمعرفة أحكام الدين الأولية، مما يعني أن الكم الكبير من الأحكام الثانوية التي ملأت علم الفقه، تبدأ بالتلاشي، ولكن ماتزال هذه التجربة تحتاج إلى اكتشاف وبلورة على هيئة قواعد وآليات لتساهم بشكل عملي في عملية فهم النص الديني.

منتدى البصائر: مقولة الفصل بين الدين وبين المعرفة الدينية التي يتكثَّف حضورها من خلال توالد آليات القراءات الحداثية، ومن خلال الاختلاف الكائن بين الفقهاء والمذاهب - تطرح تساؤلات عدة؛ منها ما يتعلق بتحديد الدين ذاته، ومنها ما يتعلق بإلزامية أو شرعية المعرفة الدينية. والسؤال: هل يمكن تجاوز إشكالية الفصل لمعرفة الدين بصورة واقعية، وكيف يمكن مواءمة الاختلاف والشرعية، والاختلاف والصفة الإلزامية؟.

الشيخ زكريا داوود:

لكل دين نظام معرفي له صبغته الخاصة به، وتتمايز الرؤى الكونية للأديان من خلال اختلاف منطلقاتها، وتحدث ظاهرة اختلاف التفسير في كل دين بسبب عوامل عديدة أهمها:

1- تغاير الغايات من قراءة النص الديني.

2- اختلاف منطلقات المفسرين للنص.

3- تعدد واختلاف آليات وأدوات ومناهج قراءة النص.

4- قدرات المفسر للنص الفكرية والمعرفية وحجم استيعابه لمقاصده.

وتعد ظاهرة تعدد القراءات للنص أمراً طبيعيًّا ليس في الأديان السماوية فحسب بل حتى المذاهب الوضعية والنظريات الحديثة والقديمة، فالفلسفة اليونانية على سبيل المثال تحفل بتعدد كبير ومتناقض للآراء والأفكار والأصول العامة، ولا يمكن عدّ تكاثر القراءات في الأديان أو المذاهب الوضعية دليلاً على رفض الالتزام بقيم الدين وأحكامه.

من خلال هذه المقدمة يمكننا القول: إن ما يجعل البعض يرفض صفة الإلزام ليس اختلاف القراءات للدين، بل عدم القناعة بأهميتها لأن قراءته للدين صادرة من خلال آليات ومناهج مخالفة لروح القيم والمنطلقات الدينية في فهم الحياة وتعقيداتها.

ويمكننا أن نتجاوز إشكالية الفصل بين الدين والمعرفة الدينية عندما تتم قراءة الدين والنص الديني من خلال آلياته وأدواته التي يحددها هو، والأهم هو النظر إلى الدين باعتباره وحياً من الله الذي خلق البشر وهو الأعلم بحاجاتهم وما يصلحهم، وهو الذي جعل الأديان سبيل تحقيق تلك المصالح، ومن خلال الالتزام بقيم الدين تتحقق تلك المصالح في حياة البشر، ولا يمكن التفكير في تحقيق أي مصلحة عندما يتم نزع صفة الإلزام عن قيم الدين وأحكامه.

الشيخ عبد الغني عباس

لا شك في أن المعرفة الدينية البشرية ربما تكون مختلفة عن الدين السماوي النازل من الحق سبحانه وتعالى، ولكن هذا لا يستدعي القول بأننا كمكلفين لا يمكن لنا التوصل إلى معرفة نسبية قريبة من المراد الإلهي، ولعل البناء على مذهب المخطِّئة في الفقه والأصول يقتضي ذلك، والاختلاف بين مراتب الحكم الواقعي والظاهري أيضاً مشير إلى ذلك.

غير أن هذه الحالة من عدم الإلزامية ذات الصورة الواحدة، مع غياب المعصوم واردة. ولكن هذا لا يقتضي أن تكون ساحة المعرفة مفتوحة ضمن مساقات التفكير البشري المنفعل بالعديد من البيئة والشهوة والجهل المنطبع بها العقل البشري، لذلك لا بد من البحث هنا عن المزيد من الضمانات النصية والقواعدية بل والمقصدية أيضاً، ومع تفعيل هذه الضمانات المختلفة لا ضير آنئذ في أن تكون المعرفة الدينية قابلة للاختلاف.

ومن هنا فإن التفكير ينبغي أن يكون منصباً حول هذه المناهج الموصلة إلى هذه المعرفة مع المؤيدات الشرعية لها، ولهذا نلاحظ هذا الحراك المستمر والمتجدد في علم الأصول باعتباره موصلاً إلى النتيجة الفقهية، وهناك نقاط كثيرة مشتركة ومتقاطعة في هذه الآلية والطريقة بين الفقه وبين مختلف الأفكار والثقافات، وحبذا لو أمكن الاستفادة من هذا المنهج في المعرفة الدينية بمختلف تشعباتها، لأننا بهذا الكيفية سوف نتمكن من عدم الفصل بين المعارف والدين.

الشيخ مالك وهبي:

لا بد أن يكون المقصود بالدين هنا خصوص ما أتى به الأنبياء لا مطلق ما يكون طريقاً في الحياة. ثم نقول: إن العلاقة بين الدين والمعرفة الدينية شعبة من شعب العلاقة بين العلم والمعلوم، وبمقدار ما يتطابق العلم مع المعلوم بمقدار ما يكون العلم علماً وفيما عدا ذلك يكون جهلاً، ويكون ما نحسبه معرفة دينية هو جهل بالدين يسمى بالجهل المركب. فهناك إذن فرق بين الفكر والمعرفة يكمن في أن الأول يستوعب كل ما يطرح من قضايا بعيداً عن وصفي الصحة والبطلان، في حين أن المعرفة لا تكون معرفة بالشيء إلا إذا كانت معرفة صحيحة. ولا قيمة للبحث عن أي معرفة إن لم تكن هناك حقيقة واقعية نسعى للوصول إليها. والقول بنسبية المعرفة إن كان المراد به أن كل معرفة يحكم بصدقها بمقدار ما نعلم بمطابقتها للواقع، وبمقدار ما يملك كل منا من تصور للواقع، فهو قول صحيح، فإنه بوجه من وجوهه قول بإمكانية الخطأ فيما ندعيه من معرفة دينية، إلا أن هذا لا ينفي وجود معارف صادقة في واقع الأمر، كل ما علينا فعله هو التأكد من المعيار. وإن كان المراد أنه لا حقيقة وراء الذهن لنحكم بالمطابقة فهذا في الحقيقة هو إفراغ للبحث عن قيمته. ونحن نقول: إن المعرفة الدينية لا تكون إلا معرفة بالدين، وبالتالي لا يمكن إلا أن تكون المعرفة الصحيحة المنطبقة على الواقع، وإن الدين يمكن نيله ومعرفته وإذا اختلفنا فأحدنا أو كلانا على خطأ. نقر بأن الفهم الديني الحاصل لدى أي باحث أو مجتهد لا يكتسب أي قدسية لكن ما دمنا نقر بأن الإسلام له واقعية بمعزل عن أفهامنا ومعارفنا، وما دمنا نقر بثباته فأي معنى لواقعية وثبات لا يمكن الوصول إليهما. أما الاختلاف فهو نتيجة طبيعية لتعدد الأفهام بهدف الوصول إلى الحقيقة، والشرعية تتحقق إذا لم يكن ثمة تقصير في البحث عن منهجية صحيحة، لكن الشرعية لا تعني أكثر من براءة الذمة ولا تستلزم بالضرورة إصابة الواقع، إلا إذا انطلقت من المعصوم مباشرة.

السيد محمود الموسوي:

الإشكال الذي يؤخذ على أصحاب القراءات الحداثية بحجة التفريق بين الدين كماهية، وبين فهم الدين ومعرفة الإنسان النسبية، أنهم لم يستندوا إلى حجج وأدلة نابعة من الدين في تكوين رؤية لحل هذه الإشكالية، وإنما عمدوا إلى استنساخ الآليات الغربية التي أنتجتها المحاورات والمداولات في الغرب، فبعض نزع إلى أعماد الهرمونطيقا، أو الفهم على أساس التجربة الشخصية ليكون لكل شخص إسلامه الخاص، وهي الرؤية المبتنية على شرعية تعدد القراءات كيفما اتفق.

هنا يمكن أن نعترف بهذه الإشكالية من حيث المبدأ، أي من حيث وجودها واحتياجها إلى حلول تنهض بها، إلا أن أي حل يمكن أن يأتي فلا بد أن يكون ضمن الضوابط التي ذكرناها، وهي المرتبطة بالضابط العقدي، والضابط المقاصدي.

بالاعتماد على الضوابط الشرعية التي حددها الدين نفسه، وليس البشر من عندياتهم أو استيراداً من الغرب، تأتي بعد ذلك المعذّرية الشرعية في الاختلافات التي قد تحصل جرّاء الاجتهاد في معرفة النص الديني، لأن الانحراف أو الخطأ المعذور لن يكون انحرافاً عن العقيدة ولا عن مقاصد الدين وغاياته الكبرى، لأن تعدد القراءات وفقاً لمرادات الحداثة، إنما هي تعدد في الفهم حتى على المستوى الجذري، وهنا يقع التناقض، وتنتفي صفة الإلزام، وتتلاشى عملية التشريع والتقنين على المستوى الاجتماعي، التي بدورها تقوم بنسف صفة الحاكمية الاجتماعية والسياسية لقيم الدين، وهذه الخطوة تخدم غايات إبعاد الدين عن ساحة المجتمع.

منتدى البصائر: لكل أمة وحضارة سمات مختلفة عن الأخرى، لكننا يمكن أن نتلمس قاسماً مشتركاً بين جميع الحضارات وهي الاعتماد على النص المؤسس في مراحل الانتقال الحضاري وفي مراحل التأزم وتشابك وعي الأمة التاريخي بالمعاصر، لكن الأمة الأكثر تأثراً بالنص والأكثر عناية به هي أمتنا الإسلامية لكون النص يفرض هيمنة تامة في كل مفاصل وجودنا، في رأيكم ما هي ملامح المنهج الصحيح الذي من خلاله يمكننا أن نجعل النص الديني يسهم بشكل فاعل في توجيه مسار الأمة لتواكب الأمم المتحضرة، بل لتكون رائدة التحضر في عالمنا المعاصر حيث تنتظر الأمم منا مساهمة حقيقية تخرجها من أزماتها المتكاثرة؟.

الشيخ زكريا داوود:

النص يمثل مخزون القيم والمبادئ والرؤى الحضارية، وبقدر ما ترتبط الأمة بالنص في حياتها وسلوكها تكون قادرة على تنمية طاقاتها وتسييرها نحو الوجهة الصائبة، ولكي يتحقق هذا الارتباط لابد من تحقق أمور هي:

1- كشف مكنونات النص وفهم غاياته ومراداته.

2- استيعابه وتحديد القيم والأسس والأصول العامة للمعارف الدينية والأخلاقية.

3- تكوين المنظومة المعرفية من خلال تلك القيم والأصول.

4- تفعيل المنظومة المعرفية في حياة الأمة بكل نواحيها وبالأخص في بناء رؤى حضارية متكاملة ومستوعبة للواقع المتجدد والمتباين.

5- تجديد الفهم العام للقيم وتعزيزها في عقلية الأمة، لأن من طبع البشر حب الجديد والميل إليه، وبالأخص إذا كان يسهم في الإجابة عن أسئلة وإشكالات حائرة.

6- انعكاس المنظومة المعرفية بكل مكوناتها في سلوك الأمة كأفراد ومجتمعات.

من خلال هذه النقاط يمكن للنص أن يسهم بشكل كبير في تحريك واقع الأمة بعيداً عن الجمود والتبعية للآخر، ويمكنها كذلك أن تسهم في إيجاد الحلول للأزمات المتكاثرة في عالمنا المعاصر، ولعل أهم تلك الأزمات هو الضياع الروحي والضلال والتيه بعيداً عن غايات الخالق من الخلق.

الشيخ عبد الغني عباس:

الأمر كما ذكرتم من حيث أن مركز مجهوداتنا الاجتماعية وكذا حركتنا الثقافية هي دائرة مدار النص سلباً أو إيجاباً، لكن السؤال هو كيف يمكن لنا أن نجعل فاعلية النص ظاهرة العيان؟ هنا يمكن لنا أن نؤكد على ملاحظتين أساسيتين:

الأولى: أن النص ينبغي أن يكون مؤسساً وفاتحاً، إذ إنه بإمكان النص أن يكون أسيراً لمعالجات ابتلائية واقعية -على أهمية ذلك- لكن بالإضافة إلى ذلك هذا النص يمتلك آفاقاً مفتوحة كما أشرنا، ونحن بحاجة إلى أن نتصيد هذه الأفاق حتى تتفتق لعقولنا المزيد من الإبداعات والاستظهارات الفاتحة لساحات فكر جديدة، وهنا تأتي مسؤولية المنظِّرين والمختصين بالشأن الثقافي والفكري على نحو الخصوص، حتى لا ينشغل بالحاضر عن التفكير بهذه الأفاق، ولربما رأينا في كثير من الأحيان أبواباً فتحت بسبب تأملات في ظلال بعض الكلمات النصية، ولعل علم الفقه والتفسير من أكثر الشواهد على ذلك.

الثانية: إن الخشية كل الخشية من أن يصبح النص مطوَّعاً لإرادة الواقع، ومع أن المائز دقيق ورفيع إلى حد بعيد بين الطرفين، إلا أن التقوى هنا تؤثر أثرها في قصد عدم التطويع القسري أو اتِّباع الآلية الصناعية الموصلة إلى نتائج ربما تكون غير مناسبة، لذلك ومن أجل عدم الوقوع في هذا التطويع لا بد من الرجوع بكثير من الإمعان إلى علم الأصول وبالتحديد أبواب مباحث الألفاظ حتى نتعرف بدقة على الضوابط اللغوية التي تكون بعد ذلك منهجاً دقيقاً في فهم الألفاظ ودلالاتها وإشاراتها.

إننا لا نمانع في الحركة التفاعلية بين النص والواقع، ضمن سياق المنهج الذي نوصي بالرجوع إليه ضمن المباحث اللفظية، ولكن بالشروط ذاتها التي لا تسمح بالتحميل في المعاني والتكييف المبتذل وغير الصناعي، بهذه الكيفية يمكن لنا أن نجعل من النص مرتكزاً لحركتنا لا سيما الثقافية منها، فمن جهة نكون قد تمكنا من مغادرة الجمود الرتيب الذي قد يصاب به البعض في تناول النص الديني، ومن جهة أخرى نكون أيضاً قد جعلنا فاعلية خاصة لهذا النص، حتى تكون انطلاقتنا تالياً في سياق الاستئناس بالنص الديني، ولاشك أننا هنا سوف نتمتع بمرونة فائقة في التعاطي مع الحكم الشرعي المتولد من النص الديني، إذ إن هذا الحكم يمكن أن نفهم من لسان الدليل ثبوته في كل الأزمنة، وقد نفهم من الدليل على سبيل المثال أنه ناظر إلى حصة زمنية بعينها، وهنا لا بد من فهم العلاقة بين الاستهدافات الشرعية وبين النص الديني، حتى يكون بإمكاننا النظر إلى فاعلية النص ومرونته في الواقع.

الشيخ مالك وهبي:

إن كان المقصود من «أننا أمة النص» أنَّا لا نعير أي اهتمام للعقل فهذا غير صحيح، وإن كان المقصود أن النص يمثل محوراً جوهريًّا في التشريع الديني وتحديد المفاهيم الإسلامية فهذا صحيح، لكن العقل هو الذي يدلنا على قيمة النص في مجال المعرفة. والعقل ليس مقابلاً للنص بل هو قارئ النص، وهو الذي يؤسس أسس فهمه وأسس إثبات صحته وبطلانه، سواء من حيث السند أم من حيث المتن والمضمون، وله التقدم عليه في كل مورد يكون العقل جازماً بأمرٍ كان النص على خلافه إلا أن يكون النص قد بيَّن أمراً خفي على العقل ابتداء فأقر به أو بإمكانه تالياً. وبناء عليه فلا يمكننا الدخول إلى عالم النص من دون أن نكون مسلحين بسلاح العقل حتى بالنسبة للنص القرآني. وبعض الباحثين لم يتفهم اهتمام المسلمين عموماً والعلماء خصوصاً بالنص وتوهم عدم أمكان المصالحة بين المنهج العقلي والمناهج الأخرى بما فيها المنهج النقلي. والاتجاه العام لدى علماء الإمامية عملت على تأسيس المنهج تأسيساً عقليًّا جازماً، فكان منهجاً رئيساً تأخذ منه كل المناهج الأخرى شرعيتها المعرفية منه، بما فيها منهجية قراءة النص وفهمه. لكن علينا أن نعترف أن العثور على منهج صائب دائماً أمر في غاية الصعوبة إن لم نقل إنه مستحيل، ولذا مهما جهدنا للعثور على منهج معصوم في مجال المعرفة فلن نجده، وهو ما يقتضي منا الاعتراف بأنا إن كنا مقرين بوجود حقيقة جاء بها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وحاجتنا إلى معرفة تلك الحقيقة، فلا سبيل أمامنا إلا بوجود المعصوم.

قيمة البحث في علم المعرفة ومبادئها ومناهجها أنها تقودك إلى الحاجة لوجود معصوم يعرف الحقيقة الكاملة.

السيد محمود الموسوي:

الكلام في تأثير النص في واقع الحياة المعاصرة من أجل إحراز التقدّم، والمساهمة في عملية التنمية الحضارية للأمة، يحتاج إلى بعدين أساسيين، لابد أن يدخلا ضمن دائرة الاشتغال العلمي والاهتمام المجتمعي، وهما:

الجانب الأول: الاهتمام بتفعيل القيم في ساحة الحياة بكل تشعباتها، فالتفعيل يعني أن تكون القيم والمفاهيم والأحكام في أبعادها القانونية حاضرة في الساحة المجتمعية وداخلة ضمن حيّز التطبيق، لعل هذا الجانب يعتبر بعيداً عن اشتغال علوم قراءات النص الديني، إلا أنه اشتغال ينبغي أن يأخذ أهمية بمقدار أهمية فهم النص، فالقيم ما لم تطبّق فإنها تظل حبيسة التنظير، والمطلوب من النص أن يأخذ أثره في الحياة ولا يتكون الأثر إلا بالتجريب والتفعيل والإرادة الحقيقة للتطبيق.

وتواجه هذا المسار صعوبات شتّى أبرزها غياب الثقة في قيادة الدين للحياة، والخوف من الوقوع في تجارب تاريخية سابقة، استغلّت الدين ووظفت القيم في مصالح الحكام، كما أن نتاج أولئك الحكام أو الاستعمار جعلت التجربة الدينية في بعدها القانوني والاجتماعي الحيوي بعيدة عن ساحة الحياة.

الجانب الثاني: وهو متصل بالبحث العلمي، وهو الانتقال من البحث المفاهيمي إلى البحث الآلي والقانوني في فهم النص الديني، ليأخذ البحث مساره نحو تقعيد الكثير من العلوم.. فإن البحث الأصولي برغم بعض الملاحظات على مباحثه، إلا أنه في جهات عدة أخذ منحى التقعيد، وكذلك في علم الفقه بخصوص القواعد الفقهية، فتحول النظريات إلى قواعد عملية تطبيقية، يجعلها مواد منتجة للمعرفة الدينية.. فعلى سبيل المثال إننا في مجال علوم القرآن الكريم، لم نزل في بداية الطريق، فهنالك فارق كبير بين ما يراد لعلوم القرآن من منظور أهل البيت (عليهم السلام) وهي إنتاج المعرفة وفهم النص، وبين طريقة التداول الحالي، ففي الوقت الذي نرى أن أهل البيت (عليهم السلام) يطرحون علوم القرآن كمواد منتجة ومولّدة للمعرفة القرآنية، لا نجد في البحث القرآني تلك المباحث التي تخدم ذلك التطلع، حيث تبحث علوم القرآن خارج نطاق العلوم المختصة بفهم الدين والنص الديني، وهذه فجوة تحتاج إلى معالجة واهتمام يليق بمقام القرآن الكريم ومحوريته للرسالة.

عندئذ يمكن لمسار فهم النص من أن يساهم في بلورة شخصية الأمة بشكل أكثر فاعلية.

--------------------------------------------------------------------------------

[1] وسائل الشيعة: ج27، ص62.

[2] هو (أبو علي) محمد بن أحمد بن الجنيد الإسكافي (لم تذكر كتب التراجم والسير يوم ولادته، كما وقع الاختلاف عندهم في سنة وفاته، ولكن أشار أكثرهم إلى أنه توفى حدود 371هـ)، عالم فقيه، من أعلام فقهاء الأمامية في القرن الرابع الهجري. شارك في التكوين الأول للمدرسة العلمية البغدادية الكبرى، له مشاركته في علوم شتى، وفنون عديدة، فكان الفقيه المحدّث، والأصولي المتكلّم، وقد جمع إلى ذلك اطلاعه في الأدب واللغة والفهرسة والكتابة. له مصنفات في الفقه أبرزها: كتاب: تهذيب الشيعة لأحكام الشريعة يقع في عشرين مجلداً، كتاب: الأحمدي للفقه المحمدي (على قول النجاشي والعلامة الحلي)، أو المختصر الأحمدي في الفقه المحمدي (على قول الشيخ الطوسي)، وله كتب في أصول الفقه، منها: كتاب: إظهار ما ستره أهل العناد من الرواية عن أئمة العترة في أمر الاجتهاد، وله في الكلام مؤلفات عده نذكر منها: كتاب: التحرير والتقرير، وكتاب: خلاص المبتدئين من حيرة المجادلين، كتاب: تنبيه الساهي بالعلم الإلهي، وكتب أخرى كثيرة في علوم شتى. عرف عنه العمل بالقياس، لذا ترك بعض العلماء القريبين من عصره العمل بها، فيما أخذ بها البعض مع اعترافهم بعمله بالقياس، وهو ما عليه عامّة المتأخرين، إذ إن عمله في القياس في بعض المسائل التي لم يرد فيها نص خاص لا يسقط كافة مصنفاته عن الاعتبار.

[3] هو أبو محمد الحسن بن علي بن أبي عقيل العماني الحذّاء (؟ - 368هـ)، فقيه متكلم، من فقهاء الإمامية في القرن الرابع الهجري، له كتب في الفقه والكلام، منها: كتاب المستمسك بحبل آل الرسول (وهو كتاب مشهور عند الشيعة الإمامية) جمع في

فقهه بين التقيد التام بنص القرآن الكريم والحديث الشريف وبين تأصيل أصول الفقه وتنظيم فروعه.

[4] هو (أبوعبد الله) محمد بن محمد بن النعمان، المعروف بالشيخ المفيد (336 - 413هـ) من فقهاء الإمامية في القرن الخامس الهجري، قال عنه الشيخ النجاشي: «شيخنا وأستاذنا فضله أشهر من أن يوصف في الفقه والكلام والرواية والثقه والعلم..»، وقال عنه أبن النديم: «في عصرنا انتهت رئاسة متكلمي الشيعة إليه، مقدم في صناعة الكلام والفقه والآثار على مذهب أصحابه، دقيق الفطنة، ماضي الخاطر، شاهدته فرأيته بارعاً». أسس مدرسته العلمية في بغداد وتخرج منها جمهرة من أعلام فقهاء الإمامية مثل: الشريف الرضي (ت: 406هـ)، والشريف المرتضى (ت: 436هـ)، والشيخ الطوسي (ت: 460هـ)، وهو بحق ممن أصَّل أُصول مذهب أهل البيت (عليهم السلام) في الظروف القاهرة التي مرت بها الشيعة، ونتيجة لجهوده الحثيثة في نشر العلم والفضيلة. قال ابن حجر -في لسان الميزان- فيه: «يقال: إن له على كل إمام منّة». له مصنفات كثيرة، نذكر منها: كتاب الاختصاص، كتاب: الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد (طبع في مجلدين)، كتاب: النكت في مقدمات الأصول في علم الكلام، كتاب: التذكرة بأصول الفقه، وغيرها من الكتب الفقهية، والأصولية، والكلامية، والعقائدية.

[5] هو (أبو جعفر) محمد بن الحسن بن علي الطوسي (385 - 460هـ) من فقهاء الإمامية في القرن الخامس الهجري، من تلامذة الشيخ المفيد، عالم عارف بالأخبار والرجال والفقه، والأصول والكلام والأدب، صنف في كل فنون الإسلام، هذب العقائد والأصول والفروع، ولذلك عرف بشيخ الطائفة، هاجر إلى بغداد سنة (408هـ) لطلب العلم، ثم إلى النجف الأشرف سنة (448هـ) وبقي فيها مفيداً ومؤلفاً حتى وفاته، جعل له الخليفة العباسي القائم بأمر الله كرسي الكلام، له مصنفات كثيرة نذكر منها: كتاب: اختيار معرفة الرجال للكشي، كتاب: الاستبصار فيما اختلف فيه من الأخبار (وهو من الكتب الأربعة الحديثية عند الشيعة الإمامية)، كتاب: التبيان في تفسير القرآن طبع في عشرة أجزاء، كتاب: تمهيد الأصول في علم الكلام، وغيرها من الكتب الفقهية والأصولية والرجالية والكلامية والعقائدية.

[6] هو جمال الدين الحسن بن يوسف بن زين الدين علي بن المطهر الحلي (648-726هـ) من فقهاء الإمامية في القرن الثامن الهجري، فاضل عالم، علامة العلماء، محقق مدقق، فقيه محدّث، متكلم ماهر، لا نظير له في زمانه في الفنون والعلوم العقلية والنقلية وإليه انتهت رئاسة الإمامية في المعقول والمنقول، له مصنفات كثيرة، -وقيل أنها بلغت ألف عنوان-، نذكر منها: كتاب: الألفين في إمامة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، كتاب: الباب الحادي عشر، كتاب: تبصرة المتعلمين، كتاب: تحرير الأحكام الشرعية في الفقه، كتاب: تذكرة الفقهاء، خلاصة الأقوال، وهو كتاب رجالي لشتهر وعرف بـ(رجال العلامة الحلي)، إلى غيرها من الكتب التي قيل عنها: إنها بلغت ألف عنوان.

[7] الشهيد الأول: هو شمس الدين محمد بن جمال الدين مكي العاملي (734-786هـ) من فقهاء الإمامية في القرن الثامن الهجري، عالم فقيه، رحل إلى العراق (بغداد، والحلَّة) في طلب العلم من جبل عامل أوان بلوغه فكان فقيه زمانه ومرجعًا في الفقه للشيعة، ولذلك كتب إليه ملك خراسان (علي بن المؤيد) كتابًا يطلب من النزول إلى خراسان فلم يتمكن وألف له كتاب (اللمعة الدمشقية) كرسالة عملية للشيعة في خراسان، فكان -الكتاب- مدار بحث العلماء من التعليق والشرح والإيضاح، كما رحل إلى مكة المكرمة والمدينة المنورة، والقدس، ودمشق والحلَّة، فحضر عند أساتذته فدرس عليهم وأجازوه وروى عنهم. استشهد بقلعة من قلاع دمشق في التاسع من جمادى الأولى سنة 786هـ، حيث وشى به أعداء العقيدة واتهموه بانحلال العقيدة واعتقاد مذهب النصيرية واستحلال الخمر، فضربت عنقه، عرف واشتهر بـ(الشهيد الأول)، له مصنفات كثيرة نذكر منها: كتاب: الدروس الشرعية طبع في ثلاثة أجزاء، كتاب: اللمعة الدمشقية (طبعت مع شرح الشهيد الثاني بعنوان: الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية)، كتاب القواعد والفوائد في الفقه والأصول العربية، وكتاب: النفلية (في الفقه)... وغيرها.

الشهيد الثاني، هو: زين الدين بن نور الدين علي بن أحمد بن جمال الدين الشامي العاملي (911 - 965هـ)، من فقهاء الإمامية في القرن العاشر الهجري، ختم القرآن وعمره تسع سنين، وقرأ على والده العربية، قال فيه تلميذه ابن العودي في رسالته (بغية المريد في الكشف عن أحوال الشيخ زين الدين الشهيد): «بديع زمانه، ونادرة أوانه، وفريد عصره، وعزة دهره، الشيخ الإمام الفاضل والحبر العالم العامل، والنحرير المحقق الكامل، خلاصة الفضلاء المحققين، زبدة العلماء المدققين..»، وبلغ من فقه وعلمه أنه درّس الفقه في بعلبك على المذاهب الخمسة، وفيه يستعرض رأي كل مذهب من المذاهب، ويشفعه بما يستدل له، ثم يقارن فيما بينها، ولهذا فإنه أفتى كل فرقه بما يوافق مذهبها، قال المحدث الجزائري، في كتابه (الجواهر الغوالي في شرح عوالي اللآلي): «حكى لي عالم من أولاد شيخنا الشهيد الثاني طاب ثراه: أن بعض الناس كان يتهم الشيخ في زمن حياته بالتسنن، لأنه كان يُدّرس في بعلبك وغيرها من بلاد المخالفين على المذاهب الأربعة نهارًا، ويُدرّس على دين الإمامية ليلاً. وكان معرفته بفقه المذاهب الأربعة واطلاعه طاب ثراه على كتب أحاديثهم وفروعهم أعلى من معرفتهم بمذاهبهم». استشهد سنة 965هـ، وقد اختلف في قصة شهادته، نقل العلامة الشيخ عباس القمي في الكنى والألقاب ج2، قصصاً عدة عن شهادته. استشهد في قسطنطينية، بتهمة أنه رجل مبدع خارج على المذاهب الأربعة، وقيل: إنه بقي محبوساً في مكة المكرمة بالتهمة نفسها مدة شهر وعشرة أيام، ثم ساروا به على طريق البحر إلى قسطنطينية وقتلوه بها، وبقى مطروحاً ثلاثة أيام ثم ألقوا جسده الشريف في البحر، عرف واشتهر بـ(الشهيد الثاني)، له مصنفات كثيرة، منها: كتاب الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية (كتب بعضه بل أكثره في السجن، وهو من أشهر مؤلفاته)، كتاب: الرعاية في علم الدراية، كتاب: مسالك الإفهام في شرح شرائع الإسلام، كتاب: منية المريد في آداب المفيد والمستفيد... وغيرها.

[8] هو مرتضى بن محمد أمين الدزفولي الأنصاري (1214-1281هـ) من فقهاء الإمامية في القرن الثالث عشر الهجري، فقيه أصول متبحر، محقق ومدقق، أخذ مقدمات علومه من حوزة السيد محمد المجاهد في كربلاء، وحوزة أصفهان وكاشان في حوزة النراقي، وأجيز منه سنة 1244هـ، سافر إلى العراق سنة 1249هـ، مجاوراً النجف الأشرف، واختص بحوزة الشيخ علي كاشف الغطاء حتى وفاته سنة 1254هـ، وبعد وفاة كاشف الغطاء استقل بالتدريس فأسس صرحاً مشيّداً لعلم الأصول لم يسبقه أحد قبله، حتى قيل: «بأصوله نسخ الأصول الكربلائية، فصارت كسراب بقيعة، ونسج على منواله المتأخرون»، ألف في الأصول ثلاث رسائل: (القطع، الظن، الشك)، وهي محور الدراسة في الأصول منذ عصره حتى يومنا هذا، قيل: إنه لم يسمِ الرسائل الثلاث باسم خاص، فعرفت بـ(الرسائل)، ولقد أسماها تلميذه الآشتياني بـ(درر الفرائد)، كما أن له كتاب (المكاسب)، مع أنهما (الرسائل والمكاسب) لا يشكلان دورة فقهية منسقة، لكنهما تتبنى المباني التي لا يمكن بدونها الاستنباط في سائر أبواب الفقه، فكانا محور البحث والنقد والتعليق والشرح من قبل أساتذة الحوزات العلمية منذ عصره وحتى يومنا هذا، ولقد قال في هذه الظاهره تلميذه المحدث النوري: «قد عكف على كتبه ومؤلفاته وتحقيقاته كل من نشأ بعده من العلماء الإعلام والفقهاء الكرام». عرف عنه أنه كان على جانب عظيم من الورع وكثير الاحتياط في مقام الفتوى، فكان مما أخذ عليه ذلك صاحب الجواهر قائلاً له: «قلل من احتياطاتك، فإن الشريعة سمحة سهلة»، له منصفات عدة ولكن أشهرها الرسائل والمكاسب. وقد جمعت مؤلفاته في موسوعة حملت اسم (تراث الشيخ الأعظم) طبع منها 30 جزءاً تقريباً.

[9] هو الميرزا مهدي الأصفهاني الخراساني (1303 - 1365هـ) من فقهاء الإمامية في القرن الرابع عشر الهجري، عالم عارف فاضل، أخذ علومه ومعارف في أصفهان، والعراق، فحضر بحوث الفقيه السيد محمد كاظم اليزدي صاحب العروة، والآخوند ملا كاظم الخراساني صاحب الكفاية، والأصول عند العلامة الشيخ محمد حسين النائيني. وكان في زمانه مشتغلاً بعلوم الفلسفة المعروفة في الوسط الحوزوي، حتى بلغ أعلى مراتبها، وقال عنه تلميذه النمازي الشاهرودي في كتابه مستدرك سفينة البحار: ج9، ما حاصله: «لكنه لم يطمئن قلبه بنيل الحقائق، ولم تسكن نفسه بدرك الدقائق، فتبرأ من الفلسفة والعرفان، فهاجر إلى إيران ونزل في مشهد المشرفة، وشرع في تدريس معارف القرآن، وبصائر الوحي، فكان ساعياً مجداً في نشر العلوم والمعارف...»، فأسس مسلكه الخاص به والذي عرف فيما بعد في الوسط الحوزوي بـ (مدرسة الحديث والعقل)، ومنهجه قائم على فهم المعارف القرآنية فهمًا خالصًا نقيًّا، بعيداً عن عملية التأويل التي تصطبغ بها المذاهب والمدارس والنحل البشرية المختلفة، وبعيداً عن العلوم المتأثرة بفلسفة اليونان، كما يدعو في مسلكه المعارفي إلى فرز هذه المعارف (القرآن والسنة) وغربلتها في الفهم والمدارسة عن أدوات مستعارة غريبة عن الوحي الإلهي، حتى لا تفضي إلى تعسف في فهم النص وانتزاع مدلولات لا تقولها الألفاظ والنصوص الدينية. وإنما هي تأويلات تسوغها قراءة النص بأدوات غريبة عنه، كما أنه يرى أن لا جامع بين العلوم الإلهية والعلوم البشرية في شي، حتى في مدخلها وبابها... ولهذا أطلق الأستاذ والباحث الكبير الشيخ محمد رضا حكيمي، (صاحب موسوعة الحياة) على مدرسة الميرزا الأصفهاني مؤخراً بـ (مدرسة التفكيك) ولعل هذا المسمى هو أقرب إلى مباني الأصفهاني، من مسمى (الحديث والعقل)، كما أن للميرزا الأصفهاني مصنفات كثيرة تضمنت أفكاره ومساره المعارفي، أبرزها: كتاب معارف القرآن (مخطوط) وكتاب: أبواب الهدى (طبع مؤخراً ونشر عن مركز انتشارات منير الثقافية بمشهد المشرفة، يقع الكتاب في 733 صفحة مع مقدمة وتحقيق وتعليق حسين مفيد، ونسخة أخرى بتحقيق حسن جمشيدي 200 صفحة، عن بوستان كتاب بقم المقدسة)، وكتاب: مصباح الهدى (في الأصول، مخطوط)، وكتاب: القرآن والفرقان (مخطوط).. وغيرها من الكتاب التي ما زالت مخطوطة، تتناقلها الأيدي وبالذات عند طلبته وطلابهم ومريديه.

[10] هو: (أبو القاسم) السيد علي بن الحسين بن موسى بن محمد بن إبراهيم بن الإمام موسى الكاظم (355 - 436هـ) المعروف بـ(الشريف المرتضى)، من فقهاء الإمامية في القرن الخامس الهجري، قال عنه الرجالي الكبير العلامة النجاشي: «حاز من العلوم ما لم يدانيه فيه أحد في زمانه، وسمع من الحديث فأكثر، وكان متكلّماً شاعراً أديباً، عظيم المنزلة في العلم والدين والدنيا...»، وقال عنه ابن القفطي: «كانت إليه نقابة الطالبيين بمدينة السلام، وكان رئيس الإمامية في زمانه...». صنف كتباً كثيرة، ومن آثاره: أمالي السيد المرتضى، كتاب: إنقاذ البشر من الجبر والقدر، كتاب: تنزيه الأنبياء، وكتاب: الذريعة إلى أصول الشريعة... وغيرها.

[11] هو: (أبو عبدالله) محمد بن منصور بن أحمد بن إدريس الحلي (543 - 598هـ) من فقهاء الإمامية في القرن السادس الهجري، يعتبر من أحد أبرز فقهاء الشيعة في عصره، ورمزاً من رموز التطوير والنقد والاجتهاد في فقاهة القرن السادس، عرف بالشجاعة العلمية والثبات والرسوخ العقائدي، ومحركاً للعلم والمعرفة والإبداع، والنقد، عرف بجرأته في نقده لكثير من آراء شيخ الطائفة، قال في حقه ابن حجر في لسان الميزان: «فقيه الشيعة وعالمهم له تصانيف في فقه الإمامية ولم يكن للشيعة في وقته مثله»، كما عرف في الوسط الحوزوي رفضه للقول بحجية الخبر الواحد، وبالرغم من أن هناك من العلماء من سبقه إلى هذا القول إلاّ أنه أنكر عليه كثير من العلماء ذلك، حتى قال العلامة البحراني مدافعاً عنه: «إن فضل الرجل وعلوّ منزلته في هذه الطائفة مما لا ينكر، وغلطه، في مسألة من مسائل الفن لا يستلزم الطن عليه»، ولقد ذهب السيد الجلالي في كتابه فهرس التراث إلى القول: إن كتاب (مستطرفات السرائر) جاء دفعاً لهذه الشبهة. له مصنفات كثيرة، أشهرها: السرائر الحاوي لتحرير الفتاوي، وكتاب: المنتخب في تفسير القرآن، وكتاب: أجوبة مسائل فقهية، وغيرها الكثير.

[12] هو: (أبو طالب) محمد بن الحسن بن يوسف بن زين الدين علي بن المطهر الحلي (682-771هـ) المعروف بـ(فخر المحققين)، من فقهاء الإمامية في القرن الثامن الهجري، اشتغل على والده (العلامة الحلي) بالفقه والأصول، بل قرأ أكثر تصانيفه، عرف بكرم الأخلاق، وفصاحة لسانه، كما عرف عنه ذهنيته الوقادة والنقدية كأبيه العلامة الحلي، له مصنفات كثيرة نذكر منها: كتاب: إيضاح الفوائد في شرح مشكلات القواعد طبع في أربعة أجزاء، كتاب: الرسالة الفخرية في معرفة النية (مطبوع)... وغيرهما.


ارسل لصديق