التراث الأخلاقي في الفكر الشيعي..
مقاربة أولية
كتبه: الشيخ حسن البلوشي
العدد (43) السنة 19 - 1429هـ/ 2008م
التعليقات: 0
القراءات: 6037

توطئة

كانت نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين مخاضات يمكن اعتبارها الأصعب في تاريخ البشرية؛ وذلك لتقارب القارات والشعوب بين بعضها في الوقت الذي امتلك الإنسان أدوات عالية الضبط والتقييد بل والتدمير أيضاً، ولم يكتف، بل راحت الشعوب تتطاحن وتتناحر بشكل مفضع ومفجع لا بطعنة سهم أو بتر حسام بل بأسلحة أقل ما تعمل هو أن تذيب إنساناً في لحظات بل تذيب شعوباً غفيرة بدقائق، كما وتمكن الإنسان من السيطرة على الطبيعة بشكل مذهل فمن الذرة وشطرها، إلى تخوم أصلب الجبال، مروراً بالطبيعة الحيوانية والبشرية، كل هذه الأمور مجتمعة فرضت على الفكر البشري المسألة الأخلاقية فرضاً جعلت البعض يعدّ القرن العشرين قرن البحث في فلسفة الأخلاق بل لم يكن تطور العلوم الاجتماعية إلا استجابة لهذا الوضع. وبدخول النصف الثاني من القرن العشرين وبدايات الألفية الثالثة وما رافق ذلك من تطورات في كل المجالات العلمية والتكنولوجية والعسكرية ازداد إلحاح المسألة أكثر فأكثر.

وهنا بالتحديد اجتمع العالم في أطار دولي لتقنين القيم والفضائل والمبادئ لتكون حكماً ومرجعاً في إدارة الحياة، وأنيطت هذه المهمة بالأمم المتحدة ومنظمات أخرى أكثر ما عنت على المستوى النظري هو البحث عن فكر أخلاقي (قيمي) ناجع يمكن تأطير العالم فيه ومن خلاله.

وبالتالي فإن الشعوب كلها مطلوب منها المساهمة في هذا الجهد العالمي، على المستوى النظري على الأقل، وفي مقدمة هذه الإسهاماتِ الإسهاماتُ العلمية والفكرية.

كما وفي المستوى نفسه، وعلى صعيد الشعوب الإسلامية التي خرجت من الحرب العالمية الثانية منشقةً عن الدولة العثمانية أقطاراً أقطاراً ضمن تشكيل جديد في صيغة الدولة القطرية، راحت هذه الشعوب تبحث عن قيم التحديث والتقدم مع الأصالة، فهي تريد قيمها وهويتها وفي الوقت نفسه تريد تقدمها العمراني والصناعي والحضاري، فما هي قيم التمدن والتحديث؟ وكيف ننهض من واقعنا المتخلف؟ أين تكمن أخلاقيات الأصالة والمعاصرة؟ وهكذا دفعت هذه الأسئلة أمواجاً من الآراء والاجتهادات في جميع المستويات لتطوير البُنى والآليات، وتجديد الروح، وصولاً لأصول القيم المطبقة على عصرها نهضة وتقدماً. وهنا مرة أخرى بدا البحث عن فلسفة الأخلاق أمراً لا مناص منه، وبقعة لابد من غورها بكل جهد ممكن.

وبمراجعة سريعة لأدبيات تلك الفترة وحتى اليوم سنرى آفاق الحديث فيها إن لم يكن في صلب موضوع فلسفة الأخلاق فإنه يحوم حولها تمهيداً واستعداداً للوغول فيها، فنرى بحوث الأصالة والمعاصرة، والثابت والمتغير، وآليات القراءة والتجديد، وتطوير مناهج التفكير الديني وغيره، ومقاصد الشريعة وروح الدين، وفلسفة الدين والسياسة والقانون والاجتماع والتربية بل واللغة أيضاً.. وبالتالي فإن انجاز بحث تاريخي توصيفي يعيد اكتشاف جانب من هذا التراث يبدو مقدمة ضرورية للدراسات المعيارية في الموضوع.

وضمن نسيج النهضة في العالم العربي والإسلامي يعد التشيع أحد أركانها الأساسية؛ الذي كان له ولا يزال جهد مذكور على مختلف المستويات، وأهمّها المستوى الفكري - الثقافي - العلمي.

وفي مجال فلسفة الأخلاق وعموم البحث الأخلاقي يندر أو لا يكاد يذكر التراث الأخلاقي الشيعي ومساهماته عند تعداد أو تقييم أو تثمين الجهود الإسلامية في هذا الإطار، ويرجع ذلك أولاً إلى غيابه أو تغييبه عن الواقع الفكري للأمة، وثانياً قصور الرؤى في اكتشافه. وكل جهدنا في هذه الدراسة محاولة تقديم مقاربة أولية لاكتشاف هذا التراث والتعرف عليه من قرب.

التشيّع.. كيان متميّز

يعتبر التشيع على المستوى الثقافي - الاجتماعي كياناً متميزاً في الوسط الإسلامي؛ وذلك لما يتضمنه في أبعاده المتنوعة من خصائص تميّزه عن غيره، فرضتها المرجعية الفكرية التي يستند إليها، والظروف التاريخية التي واجهها، ونوعية الأطراف التي كانت تتنافس أو تتصارع معه في الواقع الخارجي... وغيرها.

والغفلة عن حقيقة هذا التميّز وواقعيته جعل ويجعل العديد من المتعاطين مع هذا الكيان يتعاطون معه بصورة خاطئة ويَصِلون في النهاية إلى انطباعات ونتائج خاطئة، مما يجعل كياناً مهمًّا في الحضارة الإسلامية يبقى مجهولاً. ولا يخفى على أحد ما لهذا الواقع من نتائج سلبية في العديد من المستويات الفكرية والاجتماعية والحضارية.

والذي يمكن القيام به هنا بما يخدم ويمهد لأصل الموضوع هو الإشارة إجمالاً إلى عدة جوانب من التميّز الذي يحظى بها التشيع، والذي نظنّ أنها الحد الأدنى من الوعي المطلوب للدخول في دراسة عن التشيع في أيّ من جوانبه.

مصادر الفكر:

أول ما يتميّز به التشيع من غيره من الفِرَق هو «مصادره الفكرية» التي يعتمد عليها في نظرته لمجمل الأمور الفكرية والتاريخية، فهو وإن كان يشترك مع عموم الفرق بمرجعية القرآن الكريم ومتواتر السنة النبوية إلا أنه في المقابل تميّز عنهم بمرجعية أهل البيت (عليهم السلام) التي أفاضت عليه من المعارف الشيء الكثير مما جعلته فعلاً يتميّز من غيره، فعلى مستوى التدوين الروائي الذي يُعدّ من أهم المصادر الذي يستقي منها المسلم معارفه نرى أن التشيع تميّز على مستوى الرواة، وكيفية قبوله للرواية من عدمه، وكمّية الروايات عدداً، وسعتها موضوعاً، وتواصلها تاريخاً، ناهيك عن نوعيتها على المستوى المعرفي - الفكري. كل ذلك انعكس على العقل الشيعي في رؤيته للقرآن الكريم، والعقل (نظرية المعرفة)، والتاريخ؛ سواءً منه ما قبل الإسلام كتاريخ الأنبياء أو التاريخ الإسلامي؛ وتحديداً سيرة النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) والقرون الثلاث الأول (القرن الأول والثاني إلى منتصف الثالث). وبكلمة مختصرة: رجوع التشيع لأهل البيت (عليهم السلام) كمرجعية فكرية مكَّنهم من صياغة فلسفة مختلفة للحياة تتميّز عن بقية فلسفات الفِرَق الأخرى.

المجتمع الشيعي:

كان لمجموع الظروف الذاتية والموضوعية التي حَفّت بالتشيع ككيان اجتماعي دخلٌ في تميّزه من غيره. فعلى المستوى الذاتي أدى تميّزهم في المرجعية الفكرية إلى صبغ واقعهم الاجتماعي بصبغة خاصة، وذلك للعلاقة الوثيقة بين الفكر والسلوك. فصارت للشيعة آدابهم وأعرافهم وسلوكاتهم الخاص تجاه عموم الحياة الاجتماعية.

أما على المستوى الموضوعي فقد كان لواقع الصراع الاجتماعي - السياسي الذي خاضه التشيع في وجه الكيان الرسمي للدولة أثره العميق في صياغة واقعه الاجتماعي. فبدأت في داخله ظاهرة الهجرات الجماعية إلى مناطق نائية عن مركز الثقل الرسمي، وفرض ذلك تواجداً شيعيًّا في مناطق معينة دون أخرى، كما انعكس على طبيعة الذين دخلوا في التشيع، وعلى أساليبهم في الحياة الاجتماعية في ظل ملاحقة دائمة من النظام الرسمي، وكذلك على نظام المؤسسة الدينية ومحورها... إلخ من الظواهر الاجتماعية التي تنشأ في هكذا ظروف، وقد تتبع ذلك بنسبة جيدة المؤرخ المعاصر رسول جعفريان في خصوص علاقة الشيعة بإيران في كتابه «الشيعة في إيران: دراسة تاريخية من البداية حتى القرن التاسع الهجري»[1]. وخلاصة الكلام: أن مجموع الظروف الذاتية والموضوعية جعلت من التشيع كياناً اجتماعيًّا متميّزاً ذا خصائص خاصة به.

إشكالية معرفة الآخر.. التشيع نموذجاً:

لا نجانب الصواب إذا قلنا: إن مسألة معرفة الآخر تعدّ من أعقد المسائل في تاريخ الفكر البشري على مستوى دراسات تاريخ الأفكار، والعلوم الاجتماعية، والأديان المقارنة، وذلك لأسباب عدة منها: كون الإنسان مركب معقد، ومناهج البحث تريد أسهل الطرق لمعرفته فتقع في الالتباس؛ ومنها: تداخل عوامل الصراع (أو ما يسمى اليوم بالأيدويولوجيا) في قراءة الآخر.. وغيرهما من عوامل.

وفي التاريخ الإسلامي وقع التشيع ضحية كبرى لسوء الفهم والتفاهم، عمداً أو من غير عمد، فنسبة المنسوب إليه من الصحة لا تتجاوز في أحسن الأحوال الأربعين في المائة من حقيقة واقعه، ولهذا الأمر أسبابه ومسبباته التاريخية، التي لا تهمنا الآن بصورة ملحّة.

وللأسف فإن سوء الفهم هذا انجر أيضاً إلى الباحثين خارج الإطار الإسلامي، من المستشرقين وغيرهم، الذين هم أيضاً وقعوا في منزلق «معرفة الآخر من قبل خصومه أو منافسيه»، وللأسف إن الدراسات الجادة والمنصفة في هذا المضمار قليلة جدًّا إلى درجة الندرة.

ناهيك عن محدودية المجالات التي اهتم بها الدارسون، فعلى الصعيد الإسلامي نرى أن الخلافات المذهبية هي التي تهيمن على اهتمام الدارسين الباحثين؛ فمن مسألة الإمامة والخلافة، ومروراً بمسائل صفات الإمام، وانتهاءً بتحريف القرآن، وما هو على هذا المنوال. أما المستشرقون فدراستهم للتشيع كانت متأخرة عن دراستهم للفكر السني، ولم يبدأ عندهم الاهتمام بالشيعة إلا في منتصف القرن الماضي، وكانت مجالات الاهتمام محدودة، وبعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران التي اتخذت من المذهب الشيعي مذهباً رسميًّا للدولة ازداد الاهتمام أكثر مما كان عليه، لكن تداخلَ هنا السياسي في الفكري، ووظفت دراسات المستشرقين واهتماماتهم في الأبعاد السياسية في الفكر الشيعي خدمة لمسارات سياسية لها مصلحة من هذه المعرفة، في حين غُفل عن الأبعاد الأخرى في الفكر الشيعي.

وبهذا عاش التشيع مظلوميته التي طالما نادى بهذا في مساره التاريخي، لكنها هذه المرة ليست مظلومية سياسية - اجتماعية بل «فكرية».

هذه النقاط الثلاثة تفرض على الباحث في الفكر الشيعي أن يحاول تجنب سلبياتها، مما يعني ضرورة الطموح للوصول إلى فهم حقيقي للتشيع «بذاته ولذاته»، وهذا يتطلب الآتي:

أولاً: التعرف إلى مصادر الفكر الشيعي عن كثب، ومن خلال الانغماس فيه، أو كما عبر عنه أركون في مناسبة معينة بـ«التموضع» داخل الفكر[2]، وهذه العملية ليست بالهينة، بل تتطلب إلمامة جيدة وخبرة متمرسة في تراث هذا الفكر بجوانبه المتعددة.

ثانياً: إذا كانت الدراسة معنية بجوانب ترتبط بالحياة الاجتماعية أو شيء له علاقة بالممارسة الاجتماعية التي يصعب اكتشافهما عن طريق النصوص المكتوبة أو تشكل النصوص المكتوبة فيه مؤشرات لا أكثر، هنا لابد من التأني أكثر، وتقليب المسألة على عدة وجوه، ومحاولة الاستعانة أكثر بآليات ترصد الظاهرة كما هي في الواقع لا كما يحلو للناقد والباحث تفسيرها، نقول هذا ونحن نتذكر الكثير من الدراسات التي حاولت تفسير مجموعة من الظواهر المرتبط بالفكر الشيعي وكيف أنها ذهبت في التفسير مذهباً بعيداً عن الواقع.

ثالثاً: تجنب التعرف على التشيع من خلال خصومه ومنافسيه بل لا بد من التعاطي أولاً وقبل كل شيء مع النصوص الأساسية لتراثه، وكلام علمائه، ولتكن مطالعة آراء الخصوم مرحلةً ثانية. حتى نتجنب الوقوع في تداخل السياسي في الفكري.

التأريخ للأخلاق في الفكر العربي الإسلامي

هنالك العديد من الدراسات والبحوث التي حاولت التأريخ للتراث الأخلاقي في الفكر العربي الإسلامي؛ إن على مستوى التحقيب والتصنيف أو على مستوى صناعة الرؤية والمنهج اللذيْن يُنطلق من خلالهما إلى دراسة هذا التراث.

ولا نعدو الحقيقة إذا قلنا: إن محاولات التأريخ للتراث الأخلاقي في الفكر العربي الإسلامي محاولاتٌ جديدة نمت في عصرنا الحاضر؛ أي في القرن العشرين، مع تنامي الاهتمام بتاريخ العلوم والأفكار. وذلك بعكس العديد من الحقول في التراث العربي الإسلامي التي بدأ فيها الحديث عن تاريخ الأفكار والمسائل التي تتناولها تلك الحقول في وقت مبكر من تاريخها؛ حيث إنها اهتمت بهذه النسبة أو تلك بموضوع «التأريخ» كعلم الفقه، وأصول الفقه، والكلام، والبلاغة، والنحو، والمنطق... إلخ، مما ساعد على إنضاج الرؤية والمنهجية والآليات التي تستخدم في عملية «التأريخ».

أما حقل الأخلاق فإنه لم يحظ بتلك الحظوة التي حظيت بها بقية الحقول، مما يعني أن المحاولات التي لا تزال مشغولةً بالموضوع محاولاتٌ ابتدائية فيها كل عناصر «الابتداء» السلبية والإيجابية، وما عَمَلُنا هذا إلا مساهمة في هذا الاتجاه، نحاول من خلال تقديم رؤية لمسألة «التأريخ» لهذا الحقل الحيوي، ولكن قبل ذلك لا بد من إطلالة إجمالية على هذه الدراسات التي ستكون بمثابة المدخل والتوطئة للرؤية المُقَدمة.

من الدراسات التي اهتمت بالموضوع دراسة الدكتور محمد يوسف موسى في كتابه «تاريخ الأخلاق»، وكذلك أحمد أمين في كتابه «الأخلاق» حيث أشار لمسألة التراث الأخلاقي في الفكر العربي الإسلامي، والملاحظ في هاتين الدراستين أنهما انطلقتا من منظور واحد وانتهتا إلى نتيجة مشتركة، هذه النتيجة هي: «كلما مر الزمن، ينمحي الطابع الفلسفي عن الدراسات الأخلاقية شيئاً فشيئاً كما رأينا، حتى تعود دينية بحتة لا أثر للطرافة والتفكير الفلسفي فيها، وظل هذا طوال تلكم الأزمان حتى ذلك العصر الذي نعيشه. وآية ذلك -فوق ما تقدم- الرسائل الكثيرة التي كتبها علماء الأزهر وغيرهم في الأعوام الأخيرة والتي لا تُعدّ في قليل أو كثير من الدراسات الأخلاقية الحقة»[3].

والواقع أن هذه النتيجة لن تكون بالنسبة لنا مفاجِئة، وذلك لأنها نتيجة منطقية عن المنظور الذي انطلقت منه الدراستان، هذا المنظور ينطلق في قراءته للتراث العربي الإسلامي من خلفية وتصنيف تنتمي إلى تراث آخر هو «التراث الأوروبي الغربي» القديم منه أو الحديث، إذ إنهما عندما انطلقا من تصنيف غربي للأخلاق يعتمد على فهرسة خاصة لمباحثه، بحيث تنتظم الأخلاق فرعاً عن الفلسفة أو تتويجاً لها، ثم حاولا البحث عن مثل هذا التصنيف في التراث الأخلاقي في الفكر العربي الإسلامي فلم تجداه، وهذه المشكلة (تقييم تراث على أساس تراث آخر) تتكرر في العديد من الميادين الفكرية اليوم في دراسات الكثير من الباحثين، وللأسف أنها تنتهي إلى أحكام إطلاقية إسقاطية مجحفة بحق التراث، نعم الدراسة المقارنة أمر مقبول ومطلوب، لكنها شيء وتقييم تراثٍ ما على أساس تراثٍ آخر شيء آخر.

وشاهد الاتكاء على خلفية الفكر الأوروبي الغربي هو «لم يعرف العرب في جاهليتهم فلاسفة دعوا إلى مذاهب معينة كالذي رأيناه عند اليونان من بيقور وزينون وأفلاطون وأرسطو، لأن البحث العلمي لا يكون إلا حيث تعظم المدنية، وإنما كان عند العرب حكماء وبعض الشعراء أمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر وحثوا على الفضائل وحذروا من الرذائل المتعارفة في عهدهم، كما ترى في حِكَم لقمان وأكثم بن صيفي وأشعار زهير بن أبي سلمى وحاتم الطائي».

ولأن الدين الإسلامي جاء برؤية تقول بخالقية الله -سبحانه- لكل العالم ومنها الإنسان، فقد «وضع له نظاماً يسير عليه وشرع له أموراً من صدق وعدل أمر باتباعه وجعل السعادة في الدنيا والنعيم في الآخرة جزاء من اتبعها. وجعل عكسها من كذب وظلم ورذائل نهى عنها وحذر من ارتكابها. وجعل الشقاء في الدنيا والعذاب في الآخرة عقوبة من ارتكبها»

ثم يضيف «قلّ من العرب -حتى بعد أن تحضّروا- من بَحث في الأخلاق بحثاً علميًّا. ذلك لأنهم قنعوا أن يأخذوا عن الدين ولم يشعروا بالحاجة إلى البحث العلمي في أساس الخير والشر، ولذلك كان الدين عماد الكثير ممن كتبوا في الأخلاق، كما ترى في كتاب «الإحياء» للغزالي و «أدب الدين والدنيا» للماوردي».

ثم يذكر الفارابي وإخوان الصفا وابن سينا باعتبارهم «درسوا الفلسفة اليونانية فكان فيما درسوا آراء اليونان في الأخلاق»، ثم أشار إلى مسكويه كونه «أكبر باحث عربي في الأخلاق» مشيراً إلى أنه في كتابه «تهذيب الأخلاق» حاول «أن يمزج فيه تعاليم أفلاطون وأرسطو وجالنيوس بتعاليم الإسلام (...) ولكن لم يسر كثير من علماء العرب على منواله، وحبذا لو كانوا توسعوا في نظرياته واستدركوا ما فاته، وأحلوا ما ثبت صحته من العلم الحديث محل ما يظهر بطلانه من القديم»[4].

أما الدكتور موسى فيقول: فبعد أن عرض لآراء مجموعة من الفلاسفة المسلمين في مجال الأخلاق؛ وهم الكندي والفارابي ومسكويه والغزالي وابن ماجه وابن طفيل وابن عربي، قال: «إن علم الأخلاق بصفته فرعاً من فروع الفلسفة رجع القهقرى بعد عصر الفلسفة الذهبي الذي انتهى بانحطاط الفلسفة في الأندلس، وصار الأمر فيه لا يعدو الإعادة والتكرار والبسط والاختصار لآراء المتقدمين وخاصة مسكويه والماوردي والغزالي. وآية ذلك أن يلقي الباحث نظرة على التآليف في الأخلاق في تلك الأيام وإلى هذا العصر الذي نعيش فيه»[5].

ومن الدراسات أيضاً دراسة الدكتور ماجد فخري، التي هي في الحقيقة على قصرها، حيث إنها ثلاثة صفحات وردت مقدمةً لمجموع نصوص جمعها ونشرها، إلا أنها أوسع أفقاً من غيرها، ذلك أن الملفت فيها هو اقترابه من طبيعة وخصائص الخطاب العربي الإسلامي في تناوله لمسائله الفكرية والتي من ضمنها حقل الأخلاق، فهو يميز بين «الأدب الخلقي» ككتابات ابن المقفع والعامري... إلخ، وبين «الفكر الخلقي» الكلامي والفقهي من جهة، والفلسفي من جهة أخرى. ومن خلال هذه النظرة اقترح تحقيباً معيناً اعتبره وصفاً لحركة التطور في الفكر الأخلاقي العربي، وهذا التحقيب يمر بأربعة مراحل هي:

الأولى: مرحلة معالجة المشاكل الأخلاقية عن طريق التدبر في النصوص الدينية، وهذه الفترة هي التي تبدأ من القرن الثاني للهجرة.

الثانية: مرحلة الاتصال بالفكر اليوناني الوافد على الحضارة الإسلامية، وما نجم عن هذا الاتصال من تفاعل فكري في حقل الأخلاق جعل للأفكار الرواقية والسقراطية مجالاً للتأثير، وهذه المرحلة تبدأ مع انطلاق القرن الثالث.

الثالثة: وهي المرحلة التي بدا فيها تأثير أرسطو وبعض شراحه في الفكر الأخلاقي العربي، ويمثل هذه المرحلة مسكويه -حسب رأيه-.

الرابعة: وهي التي دمج فيها الجانب الفلسفي بالجانب الديني والصوفي، وممثلو هذه المرحلة هم الغزالي والماوردي وابن حزم وفخر الدين الرازي[6].

والمهم في المسألة ليس التحقيب والتصنيف بقدر الرؤية التي انطلق منها الدكتور فخري، فأن يتحرر من هيمنة النموذج الغربي ويتفهم طريقة العلماء والمفكرين المسلمين وكيفية معالجتهم لشؤونهم الفكرية، وبالخصوص في حقل الأخلاق، بحيث يرى أن معالجات المتكلمين لمسائل مثل العدل الإلهي، وماهية البر وما اتصل بها من طاعات ومعاصٍ، فهذا ينبئ عن أفق واسع في الوعي، أنضج من سابقيه.

ومن الدراسات أيضاً دراسة للدكتور أحمد محمود صبحي قدمها في كتابه «الفلسفة الأخلاقية في الفكر الإسلامي: العقليون والذوقيون أو النظر والعمل»، والذي يمكن قوله: إن جوهر هذه الدراسة انطلقت من إشكالية تسالم المفكرون والمثقفون العرب وجلُّ المستشرقين فترة من الزمن عليها، وهي عدم وجود «فلسفة أخلاقية» في الفكر الإسلامي، وما قام به الدكتور صبحي هو تفنيد هذه الدعوى من خلال النظر إلى حقل الأخلاق والبحث الأخلاقي من أفق أوسع مما درج عليه الكثير في حكمهم على التراث الأخلاقي في الفكر الإسلامي. وما لاحظه هو أن كل الدراسات التي عُنيت بموضوع «الأخلاق» في الفكر الإسلامي كانت تنطلق في تقييمها من منظور التراث الغربي، وتحديداً اليوناني القديم متمثلاً في أرسطو وكتابه «الأخلاق»، مما حدا بها إلى القول بعدم وجود فلسفة أخلاقية في الفكر الإسلامي.

وهو في عمله هذا يستوحي تجربة الدكتور علي سامي النشار في حقل المنطق ونظرية المعرفة ومناهج البحث التي عالجها في كتابه «مناهج البحث لدى مفكري الإسلام» والتي انطلق فيها من مقاومة المسلمة ذائعة الصيت القائلة بعدم وجود منهج بحث علمي لدى مفكري الإسلامي إلا ما استَقوْه من أرسطو؛ فمن خلالها وبعد أن أثبت الدكتور النشار وجود «منطق إسلامي» يتساءل الدكتور صبحي: ما الذي يجعلنا نطمئن للمسلمة ذائعة الصيت عن التراث الأخلاقي في الفكر الإسلامي أنَّه هو الآخر عالة على الفكر اليوناني؟! أليست المقولة نفسها اشتهرت عن المنطق ثم لم تسلم أن تهاوت بجهود جدية من مفكري الإسلام؟!

من هنا راح ينظّر لمجال الأخلاق في الفكر الإسلامي متجاوزاً النظرات المحدود والقوالب الجاهزة التي أسقطعت على الفكر الإسلامي؛ فوجد أن للفكر الإسلامي روحه الخاصة وطريقته الذاتية في معالجة مشاكله الفكرية، ثم رأى في فكر المعتزلة والقضايا التي أثاروها مرتعاً خصباً لبحث العديد من المشاكل الأخلاقية، والأمر نفسه وجده عند الصوفية، لكن الفارق بينهما في كيفية المعالجة ومنهج البحث، حيث الفئة الأولى تنتمي إلى تيار «العقليين»، في حين أن الثانية تعبر عن تيار «الذوقيين». ومهما تكن نتائجه فإن المهم فيها هي سعة نظرته للموضوع بحيث تجعل الحكم على هذا الحقل في الفكر الإسلامي أقرب للموضوعية وأكثر وعياً للتراث[7].

وآخر دراسة تطالعنا في هذا السياق؛ سياق محاولات التأريخ للتراث الأخلاقي في الفكر العربي الإسلامي، دراسة الدكتور الجابري، التي تعتبر من أنضج الدراسات في دراسة التراث الأخلاقي، والتي تناولها في الجزء الرابع من سلسلة «نقد العقل العربي» تحت عنوان «العقل الأخلاقي العربي: دراسة تحليلية نقدية لنظم القيم في الثقافة العربية»[8]، وذلك لما قدمه من ضرورة الوعي بمواضع حقل الأخلاق في الفكر العربي الإسلامي، منتقداً التصورات السابقة المقتصرة على حدود معينة متجاهلة طبيعة الخطاب العربي الإسلامي، بل إنه زاد على غيره من الذين بحثوا في المسألة دعوى كون ظاهرة «الترسل» أول المجالات في التأليف الأخلاقي في التراث العربي الإسلامي! أيًّا كان الرأي في المسألة فإن المهم فيه كونه يقترب إلى المعالجة الموضوعية منه إلى الإسقاطات الجاهزة.

التأريخ للأخلاق في الفكر الشيعي.. مقاربة أولية

بعد هذا التطواف على بعض الدراسات التي حاولت التأريخ للتراث الأخلاقي في الفكر العربي الإسلامي، يمكننا تسجيل نقطتين مهمتين:

الأولى: أن التأريخ للأخلاق في الفكر العربي الإسلامي بات اليوم أكثر وعياً مما كان عليه سابقاً بفضل جهود العديد من المفكرين الذي قدموا رؤى أوسع أفقاً من سابقيهم، مما يجعلنا متفائلين بالدراسات والبحوث القادمة إذا استندت إلى هذا الوعي.

الثانية: أن جوهر مشكلة الدراسات السابقة قبل نمو ونضوج الوعي بالتراث الأخلاقي في الفكر العربي الإسلامي كانت تتلخص في بندين:

- إسقاط الخلفيات الفكرية المنتمية إلى تراثات ثقافية مغاير للتراث الإسلامي؛ مما انتهى بهذه الدراسات إلى اختزالات مجحفة ووعي محدود.

- محدودية المعطيات التي يستند إليها الباحثون في المجال الأخلاقي عند دراستهم له؛ مما جعل الكثير من أحكامهم تبدو قاصر ومستعجلة. ولا يهم ما إذا كانت محدودية المعطيات مستندة إلى تقصير وقلة خبرة ومحدودية ممارسة لنصوص التراث أم قصور راجع إلى تواري الكثير من النصوص في المجال الأخلاقي وراء أدراج خزانات المكتبات الحاوية لمخطوطاته، المهم أن هذه المحدودية كان لها الأثر السلبي في قراءة هذا الحقل من التراث.

لكن يبقى السؤال: ماذا عن التراث الأخلاقي في الفكر الشيعي خصوصاً؟ هل لقي من الإنصاف ما يليق به؟ هل هو بحاجة إلى رؤية منهجية مختلفة عن الرؤية المقدمة في عموم التراث الأخلاقي في الفكر الإسلامي؟

الواقع إن ما يلقاه هذا الفكر من عدم الإنصاف شيء كثير لا يتناسب وحجمه ودوره في عموم الفكر الإسلامي والواقع الحضاري للإسلام قديماً وحديثاً. إذ إنّ الدراسات التي تجاوزت بعض إشكاليات الإسقاط الأيديولوجي التي مني به الفكر الإسلامي لم تستوعب التراث الأخلاقي في الفكر الشيعي، فهي -وهذا هو الغالب- إما أنها لم تذكره على الإطلاق بل وتعاملت مع مَنْ يُحسبون على التشيع من فلاسفة ومفكرين وكأنهم لا علاقة لهم بالتشيع لا من قريب أو بعيد، وإما أنها وقعت في محذور الإسقاط الأيديولوجي لكن هذه المرّة أيديولوجيا التنازع المذهبي أو النظام الرسمي أو العنصرية العربية، ليوصف التراث الأخلاقي الشيعي -في حدود ما اطَلتْ عليه من بعض هذه الدراسات- بالأخلاق الباطنية أو بالغزو الثقافي الرامي إلى تقويض الدولة أو بالمجوسية الفارسية أو غيرها.

والذي نراه أن الضرورة «الأخلاقية!» قبل كل شيء تُملي علينا المساهمة في تقديم رؤية منهجية في التعاطي مع هذا التراث للوصول إلى أحكام أقرب إلى الموضوعية وأكثر وعياً للتراث.

وما نعتقده هو أن التراث الأخلاقي في الفكر الشيعي فعلاً بحاجة إلى رؤية أكثر تحديداً من العموميات المنهجية التي قُدمت سابقاً بل هذا ليس من مختصات الفكر الشيعي لذاته وإنما هو ضرورة منهجية لكل حقل متميّز في الفكر الإسلامي. وبعد الاستعانة بالله -عز وجل- سنحاول أن نقدم هذه الرؤية من خلال المقدمات والمحددات الآتية.

وحدة الفكر البشري واختلاف اللغة

يشترك البشر، أينما وجدوا ومهما كانت ألوانهم وألسنتهم، في هموم فكرية كبرى تؤرقهم وتحفزهم للبحث عن أجوبة مقنعة لها؛ سواء على المستوى المعنوي أم المادي/المعيشي. ويرجع ذلك لوجود قاسم مشترك بينهم على المستوى المعنوي لا يخلو مجتمع ما منه، كالبحث عن أصل الكون، والغاية منه، وكيفية العلاقة بين أفراد المجتمع، والسلطة، والقيم الكبرى كالحب، والإيمان، والعدالة، والحرية... وغيرها؛ نعم، في الجزيئات والتفاصيل تتدخل الظروف الموضوعية المحيطة بمجتمع ما لتنحو بالمناقشة الفكرية لمسألة ما إلى زوايا خاصة وكيفيات معينة؛ لكن ذلك لا يتنافي مع اشتراكهم في الاهتمام بأصل المسألة. فعلى سبيل المثال: أصل موضوع السلطة وأنها كيف يجب أن تدار ومن الذين يحق لهم الحكم دون غيرهم وكيف يصلون إلى السلطة؟! هذه الأسئلة تبدو مشتركة بين البشر، لكن ظروفاً موضوعية معينة تحفّ بالمجتمع اليوناني آنذاك -مثلاً- تنتهي بالتفكير إلى صيغة «الديمقراطية» أو «الحكم الاستقراطي»، وظروفاً موضوعيةً مغايرةً تحفّ بالمجتمع العربي الجاهلي تنتهي بالتفكير إلى صيغة «حكم الأشراف من القبائل»؛ في كل الأحوال تظل مسألة السلطة هي القضية المعنية لكن نمط المعالجة والصيغة النهائية تختلف لتداخل أمورٍ جزئيةٍ تخص هذا المجتمع أو ذاك.

كذلك الأمر في القضايا المادية/ المعيشية، حيث يشترك البشر في هموم مشتركة على هذا المستوى لكنهم يتفاوتون في الجزئيات والتفاصيل لتداخل أمور جزئية؛ فكل البشر يهتم بمسألة السكن، والغذاء، الملبس، والتجارة (الاقتصاد).. وغيرها من الأمور المعيشية.

هذا الوعي بوحدة الفكر البشري في أصوله العامة يجعل أفق الباحث أرحب وأوسع ليستوعب أطياف البشر بكل تنوعاتهم، لكن محدودية أفق الكثير من الناس، والتمسك بالعصبيات والعنصريات تقف حواجز أمام هذا الوعي. ومن أهم ما جاءت من أجله الديانات السماوية هو التأكيد على أخوية البشر، ومساواتهم، وتماثلهم، وقد كان لها الدور الكبير في تنمية الوعي بهذه القيمة والتنبيه إلى مخاطر النظرة العنصرية والعصبية للآخرين، ويدلل على ذلك مطالعة سريعة للتاريخ الحديث والمعاصر للحركات العنصرية وآثارها السلبية على عموم الحياة والحياة الفكرية بشكل خاص، حيث نجد «التحيز» السلبي في الفكر الغربي تجاه الثقافات الأخرى المغايرة له، وآية ذلك وعي الفكر الغربي نفسه بهذه الإشكالية ونمو حركات الفكر الإنساني في داخله ورغبتها العارمة في تقدير الإنسان بما هو إنسان، وتقدير كل منتجاته الفكرية والمادية، بل وحتى اليوم وفي ميدان فلسفة العلم تتصاعد النداءات إلى ضرورة التعامل مع البشر بالمساواة وتقديرهم جميعاً بما هم بشر دون النظر إليهم بصورة تحقيرية، بل حتى على مستوى التوصيف لم يعد اليوم من المقبول الحديث عن المجتمعات القديمة بمصطلح «المجتمع البدائي» أو «الفكر البدائي» لما لهذا التوصيف من ظلال سلبية.

من هذه النقطة توسع البحث في كيفية التوصل إلى فهم الفكر البشري المتنوع؟ هنا برزت مسألة «اللغة» تعبيراً عن عما يحمله البشر في داخله، وبذلت جهود حثيثة في مسألتين:

الأولى: توسعة مفهوم اللغة من دائرة الألفاظ إلى دائرة الرموز؛ أي ليست الألفاظ فقط هي الطريقة الوحيدة للتعبير بل كل ما له دلالة على التعبير يعتبر من اللغة كالرسوم والرموز... وغيرها.

الثانية: دراسة أنماط اللغات البشرية القديمة والحديثة لمعرفة أساليبها وطرقها التعبيرية للوصول إلى وعي أفضل بما تحمله في داخلها. من هنا لم تعد نصوص أرسطو بأفضل من «ملحمة جلجامش» على المستوى التعبيري -مثلاً-، فكل من النصين يحمل في داخله تفكيراً ما لمسائل مشتركة بين البشر لكن أسلوب التعبير يختلف.

والأمر نفسه فيما نحن فيه، فالفكر الشيعي كان كغيره يتناول عموم المشاكل الفكرية المشتركة بين البشر، لكن لغته التعبيرية وإن كانت في الغالب عربية إلا أن لها أسلوبها وطريقتها الخاصة في تناول ومعالج الموضوع، وهذا يجعلنا ننتقل إلى النقطة التالية عن خصوصية اللغة في الفكر الشيعي.

خصوصية اللغة في الفكر الشيعي

لمجموع عوامل ذاتية وموضوعية بات للتشيع شيء من الخصوصية في اللغة عند التعبير عن مضامينه الفكرية.

إذ على المستوى الذاتي فإن للتشيع مضمونه الخاص المغاير في معالجة العديد من الأمور الفكرية في مجالات المعارف العقدية والأخلاق والفقه على مستوى المراجع والمصادر والأصول، أيّ أهل البيت (عليهم السلام)، فهي من اللطافة والدقة والجِدة في المعالجات بحيث تفرض عليه لغة خاصة في المعالجة قد لا تتناسب في كثير من الأحيان مع المستوى الفكري السائد في البيئة الأولى لتلقى تلك المضامين. من هنا نجد كيف أن علماء أصول الفقه الشيعة بحثوا العديد من المواضيع في الدلالات للوصول إلى فهم الآليات التي من خلالها ألقى أهل البيت (عليهم السلام) مضامين معارفهم، نعم؛ لا ينكر أن العديد من تلك البحوث الدلالية مشترك بشري إلا أن فيها ثمة خصوصية للغة أهل البيت (عليهم السلام)، تتداخل في توجهها أصول اعتقادية لموقعهم في الحياة، ودروهم فيها، وعلاقتهم بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) صاحب الرسالة..« وغيرها. والأمر يزداد خصوصية عند الحديث عن مروياتهم (عليهم السلام) وكيفية فهمها، وآليات معالجة تعارضها، وتنظيم أصولها من فروعها، محكمها من متشابهها، ما كان منها قضية في واقعة وما كان منها قضية حقيقة دائمية... وغيرها.

هذه الخصوصية الذاتية في لغة المصادر والمراجع والأصول، أي في لغة أهل البيت (عليهم السلام)، انعكس على التراث المتلقي له، والساعي لفهمه، والمفسر له، بحيث سرى فيه من تلك الخصوصية شيء بهذه النسبة أو تلك، والفقيه من الباحثين هو الذي «يتصيد» تلك الآليات ويفقه مداها.

أما على المستوى الموضوعي؛ فإن ظروف الحياة الاجتماعية - السياسية التي مرّ بها أهل البيت (عليهم السلام)؛ أي المصادر والمراجع والأصول، من التنازع المذهبي، وفوضى الفرق الكلامية والفكرية، وزحام الحركات السياسية والاجتماعية، وملاحقة السلطة بكل عيونها لهم (عليهم السلام)، وما يرافق ذلك من تنافس وصراع اجتماعي - سياسي، وما فرضه موقعهم (عليهم السلام) كقادة للأمة بالتالي على بعض الخصوصيات في اللغة؛ كالتورية والتقية والإجمال والكناية والمجاز التلميح والترميز... وغيرها من الأساليب التي يتجنب فيها المتكلم الإفصاح المباشر عن مراداته. هذه الأساليب كان لها نصيب في خطابات المراجع والمصادر والأصول، وهو أيضاً انعكس على التراث المتلقي له، والساعي لفهمه، والمفسر له، بحيث سرى فيه من تلك الخصوصية شيء بهذه النسبة أو تلك.

ولم يتوقف الأمر عند حدود الأساليب التعبيرية بل -وهذا هو الأهم- انعكست المسألة على «مظان البحث»، أي أماكن بحث المعالجات الفكرية، مما أضفى خصوصية للفكر الشيعي في تحديد «مظان» بحث العديد من المسائل المشتركة بين بني البشر، فمسألة السلطة والحكومة مثلاً لكونها من المسائل الحساسة لم تعالج تحت عناوين فاقعة تلفت الأنظار بل ووريت تحت عناوين أخرى لا تورط المتكلم فيها بالجريمة السياسة فيأخذ إلى سراديب الظلام، وهكذا العديد من القضايا؛ خذّ على سبيل المثال أسلوب الإمام علي بن الحسين زين العابدين (عليه السلام) في طرح القضايا ومعالجتها، وكيف أنه استخدم الدعاء والمناجاة أسلوباً لتوصيل الأفكار. والجهد الملقى اليوم على الباحثين والمفكرين هو إنشاء معاجم موضوعية تردم هوة اللغة بين الماضي والحاضر وتحدد مظان البحث لمشكلات اليوم في التراث؛ لتحقيق تواصل أكثر فاعلية مع التراث.

وبعد الذي مرّ يمكننا الآن الانتقال إلى النقطة القادمة التي تحاول تحديد مظان البحث الأخلاقي في الفكر الشيعي، مع التنويه أن الحديث عن الأساليب التعبيرية ليس من اختصاص هذا البحث بل له أماكنه الخاصة المعنية به.

مظانّ البحث الأخلاقي في الفكر الشيعي

يقصد من «مظان البحث» المواضع التي تتواجد فيها بحوث مسألة ما. والسؤال هو: أين هي «مظان» البحث الأخلاقي في الفكر الشيعي؟

وهنا لابد من التفريق بين مستويين، هما:

- مستوى الأصول والمصادر والمراجع؛ والمقصود من هذا المستوى هم أهل البيت (عليهم السلام) وكلماتهم، وخطبهم، وأدعيتهم، وكل ما يتصل بهم في البعد الفكري مما يعتبر عند متبعيهم مرجعاً ومصدراً وأصلاً يرجعون إليه في استنباط الرؤى والأفكار.

- مستوى التراث المفسر والمتلقي والمتفاعل مع تلك الأصول والمصادر والمراجع؛ سواء حذا هذا التراث على مستوى الفهرسة حذوها أم انتخب لنفسه فهرسه أخرى ومظان أخرى.

هذا التمييز بين المستويين يمليه الواقع الاستقرائي أولاً، وكون المستوى الأول ذا أهمية اعتبارية تجعله في مستوى متقدم على الثاني.

مستوى الأصول والمراجع والمصادر

أما على المستوى الأول، فنحن هنا في الحقيقة نتحدث عن التراث الحديثي (=الروائي) الذي وصل إلينا، والذي يعتبر إطاراً مرجعيًّا في الفكر الشيعي؛ من خلاله يرجعون إلى روايات أئمتهم (عليهم السلام)، بعيداً عن طرق تصحيح الحديث من عدمه؛ التي تتفاوت فيه الاتجاهات، وإن كانت أبواب الأخلاقيات التي سنذكرها ليس من موارد التدقيق والتشديد بشروط عالية في قبول الحديث كما يعمل في بابي العقائد والفقه، بل هي من موارد القبول العام، وبعضها واقع تحت عنوان التسامح في أدلة السنن. هذا؛ مع العلم أن كتب الأحاديث مقسمة إلى أبواب موضوعيًّا؛ بحيث يحمل كل باب عنواناً معيناً، ككتاب الصلاة، والصوم، والعشرة... وغيرها.

وفي هذا الإطار فإن هنالك أبواباً ذات عناوين مباشرة بخصوص المسائل الأخلاقية؛ وهي تحديداً: كتاب العشرة، وكتاب المعاصي والكبائر، وكتاب المواعظ والحكم.

وهنالك أيضاً أبواب ليست ذات عناوين مباشرة إلا أنها «مظانٌ» للمسائل الأخلاقية مثل كتاب العقل والجهل، والعلم والجهل، وكتاب جهاد النفس، والإيمان والكفر. ويشهد لهذا كلام المرجع السيد محمد تقي المدرسي عند حديثه عن القيم في الدين، حيث يقول: «ومن هنا اتصلت القيم الأخلاقية السامية في السنّة الشريفة بكلمة العقل، حيث اعتبر له جنود من العلم والحلم والصبر والزهد»، ثم يكمل قائلاً: «بينما ارتبطت القيم في القرآن بكلمة الإيمان، إذ القرآن الكريم يُبيّن كافة أبعاد الحياة (وعياً وعملاً). بينما السنة -التي تفسر الكتاب- قد تفصل بين وعي الحقائق وبين التكيّف معها بهدف التبيان. على أن السنة قد تبيّن اتصال ذات القيم بالإيمان»[9] مشيراً إلى أهمية الرجوع إلى باب الإيمان والكفر من كتب الأحاديث لمعرفة تفصيل كلمة الإيمان في القرآن، وكتاب العقل والجهل لمعرفة القيم على لسان السنّة الشريفة.

وهنالك أيضاً وفي الإطار الحديثي نفسه بابٌ مهم وهو باب الدعاء والمناجاة، حيث كان هذا الباب مرفأً خصباً للمعارف الأخلاقية، وبالذات تلك المرتبطة بالعلاقة مع الله -سبحانه- أي ما يرتبط بقيم التقوى، وبتعبير الأدب الحديث «التجارب الروحية». هذا الأسلوب -التعبير عن القيم بالدعاء- كانت تمليه دوافع ذاتية مرتبط بكون أهل البيت (عليهم السلام) في قمة المعرفة بالله -سبحانه-، فهم يعبرون عما يخالج نفوسهم من تلك القيم تجاه رب العزة والجلال، ودوافع موضوعية فرضتها الحياة الاجتماعية آنذاك من ضرورة التورية والحديث بأسلوب غير مباشر في إشكالية المجتمع، وبالخصوص زمن الإمام علي?بن الحسين زين العابدين (عليه السلام)؛ الذي كان بحق منبع هذه الواحة الروحية، ويشهد له كتابه «الصحيفة السجادية» الواسعة التداول في الوسط الشيعي من زمن بعيد جدًّا حتى عُدَّت زبور آل محمد.

وهنا أيضاً وفي الإطار الحديثي نفسه بابٌ مهم وهو مراسيل وكتب الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) إلى عمّاله عند توليتهم مناطق معينة، حيث يرفق معهم كتباً تتحدث عن الصور المفترضة في قيادة المجتمع، والقيم التي يجب أن يكون عليها.

وهنالك أيضاً رسالة مشهورة للإمام علي بن الحسين زين العابدين (عليه السلام) في «الحقوق» هي الأخرى من النصوص التي تعتبر أحد مظان المسائل الأخلاقية في الفكر الشيعي.

في مقابل هذا التراث الحديثي العام اختص أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) بأن رُوي عنه العديد من الكلمات القصار في مختلف شؤون الحياة وبالذات في المسائل الأخلاقية، حتى قام أحد العلماء الشيعة وهو آية الله السيد هادي المدرسي بمحاولة جمعها تحت عنوان «موسوعة الإمام علي (عليه السلام) في الأخلاق»[10]، وبوبها إلى موضوعات المسائل الأخلاقية كالعفة، والحكمة، والشجاعة، والزهد، والورع... وغيرها.

مستوى التراث المفسر والمتلقي

أما على المستوى الثاني، فنحن هنا نتحدث عن التراث المتلقي والمفسر والمتفاعل مع المصادر والأصول والمراجع، وهذا التراث كانت له عدة مظان لبحث المسائل الأخلاقية، يمكن محاولة تعدادها كالآتي:

لعل من أولى الموارد التي بحثت فيها المسائل الأخلاقية هي ظاهرة الشروح والتعليقات على الأحاديث والأدعية والرسائل، فهنالك العديد من من الكتب والرسائل بل والموسوعات التي اهتمت بالشرح والتعليق على عموم الروايات بشكل عام، والروايات الأخلاقية بشكل خاص، ولم تكن هذه الشروح والتعليقات مجرد تفسير للكلمات المشكلة بمرادفاتها بل فيها من محاولات التنظير والمعالجة والتفسير والاستنباط ما يجعلها مظاناً حقيقية لبحث المسائل الأخلاقية، فمثلاً عندما جمع العلامة المجلسي[11] روايات العقل والعلم والجهل لم يكتفِ بعد هذا الجمع بمجرد تفسير بعض مشكلات المفردات بل حاول إيجاد رؤية عامة لتفسير هذه النصوص مقارنةً بآراء الآخرين من المذاهب والفِرَق، كذا في بقية الأبواب، وغيره أيضاً ممن قام بعملية الشرح والتعليق.

ونخص بالذكر هنا الشروح الواردة على نهج البلاغة[12] وبالخصوص في كلماته المعنية بالمسائل الأخلاقية، والشروح الواردة على الصحيفة السجادية[13]، وهي كثيرة جدًّا، خصوصاً عند ملاحظة اشتمال الصحيفة على دعاء «مكارم الأخلاق»[14] الذي كان محل اهتمام العلماء بصورة خاصة جدًّا.

وهنالك أيضاً في هذا الإطار التراثي بحوث في مسألة الإرادة والاختيار والجبر والتفويض وما يرتبط بها؛ مما له دخالة مباشرة في المسائل الأخلاقية؛ كمسألة قابلية النفس للتخلّق وتغيير الطباع... وغيرها.

وكذا مسألة مرتكب الكبيرة التي كانت نقطة مشتركة بين الفرق الإسلامية دار حولها العديد من البحوث التي ترتبط مباشرة بالمسألة الأخلاقية، وكان للفكر الشيعي مساهمته الخاصة فيها.

وكذلك البحوث المعنية بالعدل الإلهي، وخصوصاً بمسألة التحسين والتقبيح العقليين؛ التي تعتبر من أهم مبادئ الأخلاق، وثباتها من نسبيتها، ومصدر الفضيلة الأخلاقية، وهذه المسألة بحثت في علم الكلام[15] (العقائد) وأصول الفقه[16] بصورة مسهبة.

وكذلك بحوث مفاهيم الخير والشر؛ أصلهما ومصدرهما، وما يرتبط بهذا من بحوث.

وكذلك في حقل الفقه العديد من البحوث ذات الصلة بالمسائل الأخلاقية، منها: بحث النية[17]؛ الذي يُبحث عادة في أول باب الطهارة أو الصلاة، ويبحث في مبطلات العمل العبادي تحت عنوان الرياء، هنالك يدور الحديث في أنواع النية، ومسألة الإخلاص، والعبودية... وغيرها.

ومنها: بحوث باب جهاد النفس، حيث يستطرد كثير من العلماء في الحديث عن أصل النفس وقواها، وفضائلها، وكيفية التحلي بها[18].

ومنها: في المكاسب المحرمة، حيث يتطرق العلماء إلى بعض المحرمات الشرعية التي تنصب في باب الأخلاق كالغيبة والكذب، والنميمة[19]... وغيرها.

هذا؛ فضلاً عن النظر إلى الفقه على أنه التفصيل القانوني العملي لمفردات القيم الأخلاقية، فعلى هذه النظرة تكون أبواب الفقه وبالذات بداياتها التي تتحدث عن أصول الباب وقواعده بمثابة تنظير للمسائل الأخلاقية، كأصول المعاملات والعقود من نفي الغرر، والتراضي، والضمان، والوفاء بالعقود، وأكل المال بالحلال، وباب النكاح وما يرتبط فيه من العشرة بالمعروف، وغايات الحياة الجنسية، وعقود الإحسان كالقرض والهبة... وغيرها بما تتضمنه من قيم أخلاقية.

وهنالك أيضاً في هذا الإطار البحوث التي تتعلق بما يسمى بـ«الآداب والسنن» وما فيها من حديث عن مجموعة كبيرة من السلوكات المتعلقة بمواضع معنية من الحياة، كالأكل، والشرب، واللبس، والتزين... وغيرها.

وهنالك أيضاً من مظان البحث الأخلاقي في الفكر الشيعي تلك الكتب والمؤلفات التي تتحدث عن «السير والسلوك»[20]، والتي كتب فيها العديد من علماء الشيعة؛ ضمن اتجاهات متنوعة بعضها عرفانية مشوبة بالفكر الصوفي وأخرى أصيلة مستقاة من نصوص أهل البيت (عليهم السلام)؛ فالمهم أن هذا الحقل أو القسم من مظان البحث الأخلاقي.

هذا كله؛ ناهيك عن المؤلفات التي تناولت المسألة الأخلاقية بشكل مباشر بل وكانت معقودة للحديث عن علم الأخلاق؛ والتي منها كتب مسكويه، والنراقيين... وغيرهم.

وحاصل الموضوع: أن هنالك العديد من المواضع في الفكر الشيعي تعتبر «مظاناً» للبحث الأخلاقي تختلف في فهرستها مع الفهارس المتعارفة والمتداولة اليوم، وعلى الباحث أن يحاول البحث عن تلك المواضع لمعرفة مساهمات الفكر الشيعي هنالك. وما قمنا به هو مقاربة أولية لتلك المظان، وهنالك بلا شك العديد من المواضع غفلنا عنها، لكن المهم في المسألة توسع أفق البحث الأخلاقي لتتسع دائر المظان؛ لنقترب أكثر إلى معرفة الذات والآخر موضوعيًّا، ومساهماتهما في هذا الحقل.

أهم النصوص الأخلاقية في التراث الشيعي

هنالك على مستوى المصادر والأصول والمراجع نصوص عديدة جدًّا في مجال الأخلاق مذكورة في كتب الحديث والرواية نجدها في مظانها كما مرّ في البند السابق، لكن من تلك النصوص ما هو ذائع الصيت، مشهور بين الشيعة على المستوى العلمي والعملي؛ أي يتداوله الشيعة في مستوى عوامهم، كما اهتم بها علماء الشيعة على مستوى التفكير والتنظير والشرح والتعليق. نحاول في هذا البند إيراد بعضها أو مقاطع من بعضها، والإشارة إجمالاً إلى بعضها الآخر.

من تلك النصوص «دعاء مكارم الأخلاق» للإمام علي بن الحسين زين العابدين (عليه السلام)، وهو مذكور في الصحيفة السجادية، وكان محل اهتمام العديد من العلماء بالشرح، والتعليق، والتدريس في المحافل العلمية[21]، والذي منه: «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وآلِهِ، وبَلِّغْ بِإِيمَانِي أَكْمَلَ الْإِيمَانِ، واجْعَلْ يَقِينِي أَفْضَلَ الْيَقِينِ، وانْتَهِ بِنِيَّتِي إِلَى أَحْسَنِ النِّيَّاتِ، وبِعَمَلِي إِلَى أَحْسَنِ الْأَعْمَالِ. اللَّهُمَّ وَفِّرْ بِلُطْفِكَ نِيَّتِي، وصَحِّحْ بِمَا عِنْدَكَ يَقِينِي، واسْتَصْلِحْ بِقُدْرَتِكَ مَا فَسَدَ مِنِّي. اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وآلِهِ، واكْفِنِي مَا يَشْغَلُنِي الِاهْتِمَامُ بِهِ، واسْتَعْمِلْنِي بِمَا تَسْأَلُنِي غَداً عَنْهُ، واسْتَفْرِغْ أَيَّامِي فِيمَا خَلَقْتَنِي لَهُ، وأَغْنِنِي وأَوْسِعْ عَلَيَّ فِي رِزْقِكَ، ولَا تَفْتِنِّي بِالنَّظَرِ، وأَعِزَّنِي ولَا تَبْتَلِيَنِّي بِالْكِبْرِ، وعَبِّدْنِي لَكَ ولَا تُفْسِدْ عِبَادَتِي بِالْعُجْبِ، وأَجْرِ لِلنَّاسِ عَلَى يَدِيَ الْخَيْرَ ولَا تَمْحَقْهُ بِالْمَنِّ، وهَبْ لِي مَعَالِيَ الْأَخْلَاقِ، واعْصِمْنِي مِنَ الْفَخْرِ. اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وآلِهِ، ولَا تَرْفَعْنِي فِي النَّاسِ دَرَجَةً إِلَّا حَطَطْتَنِي عِنْدَ نَفْسِي مِثْلَهَا، ولَا تُحْدِثْ لِي عِزًّا ظَاهِراً إِلَّا أَحْدَثْتَ لِي ذِلَّةً بَاطِنَةً عِنْدَ نَفْسِي بِقَدَرِهَا».

ومنه أيضاً: « اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وآلِهِ، وحَلِّنِي بِحِلْيَةِ الصَّالِحِينَ، وأَلْبِسْنِي زِينَةَ الْمُتَّقِينَ، فِي بَسْطِ الْعَدْلِ، وكَظْمِ الغَيْظِ، وإِطْفَاءِ النَّائِرَةِ، وضَمِّ أَهْلِ الْفُرْقَةِ، وإِصْلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ، وإِفْشَاءِ الْعَارِفَةِ، وسَتْرِ الْعَائِبَةِ، ولِينِ الْعَرِيكَةِ، وخَفْضِ الْجَنَاحِ، وحُسْنِ السِّيرَةِ، وسُكُونِ الرِّيحِ، وطِيبِ الْمُخَالَقَةِ، والسَّبْقِ إِلَى الْفَضِيلَةِ، وإِيثَارِ التَّفَضُّلِ، وتَرْكِ التَّعْيِيرِ، والْإِفْضَالِ عَلَى غَيْرِ الْمُسْتَحِقِّ، والْقَوْلِ بِالْحَقِّ وإِنْ عَزَّ، واسْتِقْلَالِ الْخَيْرِ وإِنْ كَثُرَ مِنْ قَوْلِي وفِعْلِي، واسْتِكْثَارِ الشَّرِّ وإِنْ قَلَّ مِنْ قَوْلِي وفِعْلِي، وأَكْمِلْ ذَلِكَ لِي بِدَوَامِ الطَّاعَةِ، ولُزُومِ الْجَمَاعَةِ، ورَفْضِ أَهْلِ الْبِدَعِ، ومُسْتَعْمِلِ الرَّأْيِ الْمُخْتَرَعِ. اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وآلِهِ، واجْعَلْ أَوْسَعَ رِزْقِكَ عَلَيَّ إِذَا كَبِرْتُ، وأَقْوَى قُوَّتِكَ فِيَّ إِذَا نَصِبْتُ، ولَا تَبْتَلِيَنِّي بِالْكَسَلِ عَنْ عِبَادَتِكَ، ولَا الْعَمَى عَنْ سَبِيلِكَ، ولَا بِالتَّعَرُّضِ لِخِلَافِ مَحَبَّتِكَ، ولَا مُجَامَعَةِ مَنْ تَفَرَّقَ عَنْكَ، ولَا مُفَارَقَةِ مَنِ اجْتَمَعَ إِلَيْكَ»[22].

ومن تلك النصوص رسالة من الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) لولده الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام)، معروفة بـ«وصية الإمام علي (عليه السلام) لابنه الحسن (عليه السلام)»[23].

ومن النصوص المهمة حديث الإمام الصادق (عليه السلام) عن العقل وجنوده، والجهل وجنوده، والتي بيَّن فيها الإمام (عليه السلام) الفضائل المنبثقة من العقل، والرذائل الصادرة عن الجهل، فقد روى الكليني في الكافي عن «عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ حَدِيدٍ عَنْ سَمَاعَةَ بْنِ مِهْرَانَ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) وعِنْدَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ مَوَالِيهِ فَجَرَى ذِكْرُ الْعَقْلِ والْجَهْلِ فَقَالَ أَبُوعَبْدِ اللهِ (عليه السلام): اعْرِفُوا الْعَقْلَ وجُنْدَهُ والْجَهْلَ وجُنْدَهُ تَهْتَدُوا. قَالَ سَمَاعَةُ: فَقُلْتُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ لَا نَعْرِفُ إِلَّا مَا عَرَّفْتَنَا. فَقَالَ أَبُوعَبْدِ اللهِ (عليه السلام): إِنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ خَلَقَ الْعَقْلَ وهُو أَوَّلُ خَلْقٍ مِنَ الرُّوحَانِيِّينَ عَنْ يَمِينِ الْعَرْشِ مِنْ نُورِهِ، فَقَالَ لَهُ: أَدْبِرْ فَأَدْبَرَ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: أَقْبِلْ فَأَقْبَلَ، فَقَالَ اللهُ تَبَارَكَ وتَعَالَى: خَلَقْتُكَ خَلْقاً عَظِيماً وكَرَّمْتُكَ عَلَى جَمِيعِ خَلْقِي. قَالَ: ثُمَّ خَلَقَ الْجَهْلَ مِنَ الْبَحْرِ الْأُجَاجِ ظُلْمَانِيًّا فَقَالَ لَهُ: أَدْبِرْ فَأَدْبَرَ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: أَقْبِلْ فَلَمْ يُقْبِلْ فَقَالَ لَهُ: اسْتَكْبَرْتَ فَلَعَنَهُ، ثُمَّ جَعَلَ لِلْعَقْلِ خَمْسَةً وسَبْعِينَ جُنْداً فَلَمَّا رَأَى الْجَهْلُ مَا أَكْرَمَ اللهُ بِهِ الْعَقْلَ ومَا أَعْطَاهُ أَضْمَرَ لَهُ الْعَدَاوَةَ، فَقَالَ: الْجَهْلُ يَا رَبِّ هَذَا خَلْقٌ مِثْلِي خَلَقْتَهُ وكَرَّمْتَهُ وقَوَّيْتَهُ وأَنَا ضِدُّهُ ولَا قُوَّةَ لِي بِهِ فَأَعْطِنِي مِنَ الْجُنْدِ مِثْلَ مَا أَعْطَيْتَهُ، فَقَالَ: نَعَمْ فَإِنْ عَصَيْتَ بَعْدَ ذَلِكَ أَخْرَجْتُكَ وجُنْدَكَ مِنْ رَحْمَتِي. قَالَ: قَدْ رَضِيتُ. فَأَعْطَاهُ خَمْسَةً وسَبْعِينَ جُنْداً، فَكَانَ مِمَّا أَعْطَى الْعَقْلَ مِنَ الْخَمْسَةِ والسَّبْعِينَ الْجُنْدَ الْخَيْرُ وهُو وَزِيرُ الْعَقْلِ وجَعَلَ ضِدَّهُ الشَّرَّ وهُو وَزِيرُ الْجَهْلِ، والْإِيمَانُ وضِدَّهُ الْكُفْرَ، والتَّصْدِيقُ وضِدَّهُ الْجُحُودَ، والرَّجَاءُ وضِدَّهُ الْقُنُوطَ، والْعَدْلُ وضِدَّهُ الْجَوْرَ، والرِّضَا وضِدَّهُ السُّخْطَ، والشُّكْرُ وضِدَّهُ الْكُفْرَانَ، والطَّمَعُ وضِدَّهُ الْيَأْسَ، والتَّوَكُّلُ وضِدَّهُ الْحِرْصَ، والرَّأْفَةُ وضِدَّهَا الْقَسْوَةَ، والرَّحْمَةُ وضِدَّهَا الْغَضَبَ، والْعِلْمُ وضِدَّهُ الْجَهْلَ، والْفَهْمُ وضِدَّهُ الْحُمْقَ، والْعِفَّةُ وضِدَّهَا التَّهَتُّكَ، والزُّهْدُ وضِدَّهُ الرَّغْبَةَ، والرِّفْقُ وضِدَّهُ الْخُرْقَ، والرَّهْبَةُ وضِدَّهُ الْجُرْأَةَ، والتَّوَاضُعُ وضِدَّهُ الْكِبْرَ، والتُّؤَدَةُ وضِدَّهَا التَّسَرُّعَ، والْحِلْمُ وضِدَّهَا السَّفَهَ، والصَّمْتُ (...). لَا تَجْتَمِعُ هَذِهِ الْخِصَالُ كُلُّهَا مِنْ أَجْنَادِ الْعَقْلِ إِلَّا فِي نَبِيٍّ أَووَصِيِّ نَبِيٍّ أَو مُؤْمِنٍ قَدِ امْتَحَنَ اللهُ قَلْبَهُ لِلْإِيمَانِ، وأَمَّا سَائِرُ ذَلِكَ مِنْ مَوَالِينَا فَإِنَّ أَحَدَهُمْ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ فِيهِ بَعْضُ هَذِهِ الْجُنُودِ حَتَّى يَسْتَكْمِلَ ويَنْقَى مِنْ جُنُودِ الْجَهْلِ فَعِنْدَ ذَلِكَ يَكُونُ فِي الدَّرَجَةِ الْعُلْيَا مَعَ الْأَنْبِيَاءِ والْأَوْصِيَاءِ، وإِنَّمَا يُدْرَكُ ذَلِكَ بِمَعْرِفَةِ الْعَقْلِ وجُنُودِهِ وبِمُجَانَبَةِ الْجَهْلِ وجُنُودِهِ، وَفَّقَنَا اللهُ وإِيَّاكُمْ لِطَاعَتِهِ ومَرْضَاتِه»[24].

وهنالك أيضاً وصية للإمام الصادق (عليه السلام) لعنوان البصري[25] عندما طلب منه تعليمه، فذكر له الإمام (عليه السلام) شروط العلم والتعلم، ثم علمه تسعة أمور في مجال طلب العلم. وحديث للنبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) في صفات العاقل[26]... وغيرها كثير مما لا يسعنا الإحاطة به هنا.

إشارة إجمالية للمساهمات الأخلاقية في الفكر الشيعي

وهنالك على مستوى التراث المتلقي والمفسر والشارح العديد من الإسهامات في المجال الأخلاقي، نحاول هنا ذكر بعض أولئك الذين أسهموا في المجالات الأخلاقية من قدماء الشيعة وبعض المعاصرين، نقول هذا ونحن ندرك تماماً أن ما سنذكره بالنسبة لواقع الذين ساهموا لا شيء، فلا يزال هذا التراث الغني مخبوءاً في خزانات المكتبات.

وقد ذكر السيد حسن الصدر في كتاب «تأسيس الشيعة لعلوم الإسلام» عدداً من العلماء الشيعة الذين أسهموا في الفكر الأخلاقي، ولأن السيد لم يذكر معاييره في انتخاب هذا العالم أو ذلك، فإننا حاولنا التحري عن كل مَن ذكرهم، واعتمدنا في ذكرهم هنا على مَن كتب في موضوع الأخلاق بصورة مباشرة، دون من كان ذا خلق عظيم منهم، أو ورد في مؤلفاته عناوين لكتب توحي بصورة خفية أو غير مباشرة أن موضوعها الأخلاق. واعتمادنا على هذا المعيار لا لنفي تلك المعايير عن الدخول في إطار التراث الأخلاقي بل لأننا هنا في إطار إشارة إجمالية يُطلب فيها القدر المتيقن من النسبة لهذا النوع من التراث، مع التأكيد على أنّ العمل على جمع وإحصاء المؤلفين في التراث الأخلاقي لا بد فيه من معايير مغايرة لما هو مذكور هنا.

من الذين كتبوا في الأخلاق من علماء القرن الرابع الهجري علي بن أحمد الكوفي [... - 352هـ]، الذي كان عالماً في العديد من العلوم كالفقه، والأصول، والكلام. والمؤلفات التي ذكرت له تنم عن موسوعية في المعرفة كان يتمتع بها؛ كـ«الأنبياء»، و«مختصر الإمامة»، و«الرد على أرسطوطاليس»، و«معرفة وجوه الحكمة».

وله في خصوص الأخلاق كتابان؛ هما: الآداب، ومكارم الأخلاق، ولعل كتابه الآنف الذكر «معرفة وجوه الحكمة» يكون من ضمن ما ألفه في الأخلاق.

وقد عرّف السيد الصدر طريقته في كتاب «مكارم الأخلاق» أنه يذكر الأخلاق الحسنة والصفات الذميمة، ويبتدئ كل خصلة بالأخبار المروية عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل بيته (عليهم السلام)، ثم كلمات الحكماء، ويختم الحديث بذكر الأشعار التي عُنيت بها[27].

مسكويه الرازي [325 - 421هـ]، من علماء القرن الرابع والخامس الهجريين، المشهور في مجال فلسفة الأخلاق من بين الفلاسفة المسلمين حتى عدّ أكبر فيلسوف أخلاق بينهم، له العديد من المؤلفات في مجال الأخلاق بل تكاد تكون كل كتبه في هذا المجال، منها على سبيل المثال: «تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق»، و«ترتيب السعادات»، و«الفوز الأصغر»، «رسالة في العدل»، «الهوامل والشوامل»[28].

ابن الهبارية، محمد بن محمد بن صالح العباسي، نظام الدين، المعروف بابن الهبارية [414 - 504هـ]، من علماء القرن الخامس، كان شاعراً وأديباً، له كتاب «الصادح والباغم» ألفه على شكل كتاب «كليلة ودمنة»، كما أنّ له في الشعر الحسيني عدة أبيات ذكرت في ديوانه[29].

نصير الدين الطوسي [597 - 672هـ]، محمد بن محمد بن الحسن الطوسي، من علماء القرن السابع، له في الأخلاق كتاب «أخلاق ناصري» باللغة الفارسية، و«أوصاف الأشراف» بالفارسية أيضاً، و«آداب المتعلمين»[30].

الشهيد مطهري، العلامة الشيخ مرتضى مطهري، من أبرز العلماء والمفكرين الإسلاميين في التاريخ المعاصر، وله العديد من المساهمات الفكرية في شتى مجالات الفكر الإسلامي، وفي خصوص الأخلاق له كتاب «فلسفة الأخلاق»[31].

العلامة مظاهري، الشيخ حسين مظاهري، من العلماء الذي فرّغوا أنفسهم للبحث الأخلاقي، وله في هذا المجال العديد من الكتب، منها على سبيل المثال: «الأخلاق»[32]، و«الأخلاق البيتة»[33]، «جهاد النفس»[34]... وغيرها.

المرجع المدرسي، آية الله العظمى السيد محمد تقي المدرسي، من أبرز مراجع الدين الشيعة المعاصرين، له العديد من المساهمات الفكرية في شتى مجالات الفكر الإسلامي، من الفلسفة والعقليات، والفقه والأصول، التفسير والحديث، والثقافة الإسلامية، والقضايا الاجتماعية، وفي مجال الأخلاق له معالجة موسعة نسبيًّا في مجال فلسفة الأخلاق بحثها في موسوعته «التشريع الإسلامي؛ مناهجه ومقاصده»[35]، وكتاب «الأخلاق»[36].

نحو ببلوغرافيا للتراث الأخلاقي في الفكر الشيعي

بعد كل هذا التطواف في محاولة للملمة مظان البحث الأخلاقي في الفكر الشيعي، وذكر بعض نصوصه، والحديث عن بعض رجاله، نجد أنفسنا فعلاً قاصرين عن الحديث عن عُشْر هذا التراث فضلاً عن الحديث عن أطرافه وحدوده، ويرجع ذلك إلى قلة أو انعدام العمل الجاد لاكتشاف هذا التراث الأخلاقي، فحتى كتابة هذه السطور لم نظفر -بعد بحث حثيث- بأي من وسائل التعريف والإرشاد إلى مخازن المؤلفات المكتوبة في الأخلاق في الفكر الشيعي من المعاجم والببلوغرافيات والفهارس، بل وليس هنالك أي مركز دراسات أو هيئة أو لجنة معنية ومختصة بالبحوث الأخلاقية، سوى ما ذكر عن قسم الدراسات والبحوث الأخلاقية في مؤسسة الزهراء (عليها السلام) الثقافية الكائنة في قم؛ التي أُنشئت على يد العلامة حسين المظاهري، والتي لم نعرف من إصداراتها إلا كتاب «الأخلاق» للعلامة مظاهري.

وللتعرف على مدى المشكلة يمكننا تقديم مقاربة بسيطة، وهي أننا قمنا بجرد وإحصاء للكتب الأخلاقية المذكورة في موسوعة «الذريعة إلى تصانيف الشيعة»، والمشروع لا يزال في طور البناء والإعداد ليرى النور -إن شاء الله-، فوجدنا أن هنالك على أقل تقدير ما يقارب الثلاثمائة كتاب في مجال الأخلاق، نسبة المطبوع منها لا يتجاوز الـ8%، مما يعني أنه فقط في موسوعة الطهراني هنالك هذا الكم الهائل من نصوص التراث غير المحققة والمطبوعة، فما بالك بالذي لم يذكور في موسوعة الطهراني، خصوصاً إذا لاحظنا أن العديد من مخازن التراث الشيعي لا يزال في مناطق قديمة لا تصلها أيدي الباحثين، أو تحت سطوة دول ديكتاتورية تثلم العيون الناظرة إليها فضلاً عن من يريد الوصول إليها بيده، عدا الكثير مما سُرق وهرّب إلى مناطق أخرى في العالم ليكون في سوق المزاد العلني أو متاحف البرجوازيين وأصحاب رؤوس الأموال.

كل هذه الأمور تؤكد ضرورة بذل الجهد في إنشاء ببلوغرافيا للتراث الأخلاقي الشيعي ضمن رؤية منهجية ناضجة، ومعاجم موضوعية لمظان البحث الأخلاقي، ومعاجم اصطلاحية لحقل الأخلاق... وغيرها من آليات وأدوات البحث العلمي التي تجعلنا أكثر وعياً بأنفسنا وتراثنا، وبالتالي أكثر وعياً لحياتنا.

--------------------------------------------------------------------------------

[1] الشيعة في إيران: دراسة تاريخية من البداية حتى القرن التاسع الهجري، رسول جعفريان، ترجمة: علي هاشم الأسدي، مؤسسة الطبع التابعة للآستانة الرضوية المقدسة، ط1، مشهد - إيران، 1420هـ.

[2] أركون، الدكتور محمد، نزعة الأنسنة في الفكر العربي: جيل مسكويه والتوحيدي، ط2، 2006م، دار الساقي، بيروت - لبنان، ص252.

[3] تارخ الأخلاق، الدكتور محمد يوسف موسى، دار الكتاب العربي، القاهرة - مصر، 1953م، ص223 - 224.

[4] الأخلاق، أحمد أمين، لجنة الترجمة والتأليف والنشر، ط 7، القاهرة - مصر، 1957، ص135 - 137.

[5] تاريخ الأخلاق، مصدر ساق، ص221.

[6] الفكر الأخلاقي العربي، ماجد فخري، الأهلية للنشر والتوزيع، بيروت - لبنان، ط1، 1978م، ج1 ص14. نقلاً عن الجابري في كتابه «العقل الأخلاقي العربي».

[7] لمراجعة آراء الدكتور صبحي يمكن مراجعة كتابه: الفلسفة الأخلاقية في الفكر الإسلامي: العقليون والذوقيون أو النظر والعمل، د. أحمد محمود صبحي، دار المعارف، القاهرة - مصر، ط2، ص 9 - 38.

[8] العقل الأخلاقي العربي: دراسة تحليلية نقدية لنظم القيم في الثقافة العربية، سلسلة نقد العقل العربي، رقم: 4، د. محمد عابد الجابري، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت - لبنان، ط1، 2001م، ص7 - 28.

[9] التشريع الإسلامي؛ مناهجه ومقاصده، السيد محمد تقي المدرسي، انتشارات المدرسي، طهران - إيران، ط1، 1415هـ ج3، ص213.

[10] موسوعة الإمام علي (عليه السلام) في الأخلاق، السيد هادي المدرسي، دار الجيل، بيروت - لبنان، ط1، 1418هـ، 1998.

[11] شرح الكتب الروائية والحديثية والتعليق عليها ظاهرة واضحة في الوسط العلمي الديني، هنالك العديد من الموسوعات الحديثية التي كانت محل اهتمام وشرح وتعليق العلماء، منها: كتاب الكافي للعلامة الكليني، حيث شرح من قبل العلامة المجلسي تحت عنوان مرآة العقول، ومن قبل العلامة المازندراني أيضاً، كما نجد مصاديق هذه الظاهرة في كتب «الأربعون» يحث يطبق العلماء ما ورد عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من فضل من فقه وحفظ أربعين حديثاً، ومن يراجع على سبيل المثال كتاب

«الذريعة» للطهراني يجد الكمّ الهائل من الكتب تحت عنوان «الأربعون»، والتي تعكس هذه الظاهرة.

[12] من الجدير بالذكر أن «نهج البلاغة»؛ وهو الكتاب الذي جمعت فيه خطب، ومكاتيب، وكلمات الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام)، كان ولا يزال محل اهتمام العلماء بالشرح والتعليق، حتى قاربت الشروح الواردة عليه التسعة والثلاثين (39) شرحاً على أقل تقدير، وهذا يعكس عمق الاهتمام بهذا الكتاب.

[13] هناك العديد من الكتب التي شرحت وعلقت على الصحيفة السجادية، وقد ذكرت متناثرة في «الذريعة» في عدة موارد تحت الحروف «ت»، و«ح»، و«ش»، لكن للأسف أننا لم نعثر على كتاب مختص ببيان فهرسة أو معجم أو بيبلوغرافيا للشروح والتعليقات والدراسات التي عنت بهذه الصحيفة.

[14] فعلاً وقع هذا الدعاء محل اهتمام خاص من قبل العلماء، حتى ألفوا فيه كتباً مستقلة في الشرح والتعليق، قد ذكر بعضها العلامة الطهراني في «ذريعته»، لكن هي الأخرى -وللأسف- لم توثق بصورة علمية تسهل الوصول إليها بل ومعرفتها على وجه

الدقة.

[15] هنالك العديد من الرسائل والكتيبات والكتب المفردة خصيصاً لبحث مسألة التحسين والتقبيح العقليين، قد ذكر العلامة الطهراني في «الذريعة» العديد منها، ومن الكتب المعاصرة في هذا المجال والتي جمعت الأقوال وربطت المسألة ببحوثها في الكلام والأصول والأخلاق كتابٌ للعلامة الشيخ جعفر السبحاني: رسالة في التحسين والتقبيح العقليين، مكتبة التوحيد، قم - إيران، ط1، 1420هـ، 2000م.

[16] تبحث المسألة في علم أصول الفقه عادة في قسم «المستقلات العقلية»، ومن المعاصرين الذين أجادوا في بحث المسألة بصورة جامعة ومبسطة هو العلامة محمد رضا المظفر في كتابه: أصول الفقه.

[17] كنموذج يمكن مراجعة بحث النية للمرجع الديني آية الله العظمى السيد عبدالأعلى السبزواري في موسوعته الفقهية «مهذب الأحكام» ج6، ص118 - 171، مؤسسة المنار، قم - إيران، ط4، 1413هـ.

[18] كنموذج يمكن مراجعة بحث جهاد النفس للمرجع الديني آية الله العظمى السيد عبدالأعلى السبزواري في موسوعته الفقهية «مهذب الأحكام» ج15، 269 - 315، مؤسسة المنار، قم - إيران، ط4، 1416هـ.

[19] لعل أشهر من بسط البحث في هذه الأمور هو الشيخ الأعظم مرتضى الأنصاري، في كتابه الشهير: المكاسب، الذي كان ولا يزال مورد توارد أيدي العلماء في التعليق والشرح والنقد، كما أنه مدار العديد من الدروس العليا في الحوزة العلمية، وقد طبع الكتاب حديثاً طبعة محققة، تحقيق لجنة تحقيق تراث الشيخ الأعظم، مجمع الفكر الإسلامي، قم - طهران، ط8، 1424هـ.

[20] يعد هذا الميدان من ميادين علم الأخلاق في القسم العملي، وقد كتب العديد من العلماء في هذا الجانب تحديداً وبالاسم نفسه «السير والسلوك»، بين كتاب وكتيب ورسالة، وقد ذكر العلامة الطهراني ما يفوق الخمسين مصنفاً في هذا الحقل، يمكن مراجعة الذريعة في الحرف «س».

[21] يراجع في ذلك كتاب الذريعة إلى تصانيف الشيعة، باب الـ«ت» و«ح»و«ش».

[22] الصحيفة السجادية الكاملة، الدعاء العشرون (20).

[23] الرسالة مذكورة في كتاب: تحف العقول، الحسن بن علي الحراني (ابن شعبة الحراني)، مؤسسة النشر التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة، ط2، 1404هـ، ص88.

[24] الأصول من الكافي، محمد بن يعقوب الكليني، دار الكتب الإسلامية، طهران - إيران، ط5، ج1، ص20، باب العقل والجهل، الرواية: 14.

[25] بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار، العلامة الشيخ محمد باقر المجلسي، مؤسسة الوفاء، بيروت - لبنان، ط2، 1983م، 1403هـ، ج1، ص224، باب: آداب طلب العلم وأحكامه: الرواية 17.

[26] الرواية مذكورة في كتاب: تحف العقول، الحسن بن علي الحراني (ابن شعبة الحراني)، مؤسسة النشر التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة، ط2، 1404هـ، ص28.

[27] يراجع في هذا: تأسيس الشيعة لعلوم الإسلام، السيد حسن الصدر، انتشارات أعلمي، ص415. وموسوعة طبقات الفقهاء، اللجنة العلمية في مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)، بإشراف: الشيخ جعفر السبحاني، مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)، ط1، قم - إيران، 1418هـ، ص267.

[28] أركون، الدكتور محمد، نزعة الأنسنة في الفكر العربي: جيل مسكويه والتوحيدي، ط2، 2006م، دار الساقي، بيروت - لبنان، فصل مؤلفات مسكويه.

[29] تأسيس الشيعة لعلوم الإسلام، السيد حسن الصدر، انتشارات أعلمي، ص 416. والأعلام، خير الدين الزركلي، ج7، ص23، ط5، 1980م، دار العلم الملايين، بيروت - لبنان.

[30] الإسماعليون والمغول ونصير الدين الطوسي، السيد حسن الأمين، مركز الغدير للدراسات الإسلامية، ط2، 1417ه،1997م، بيروت - لبنان، ص20 - 40.

[31] فلسفة الأخلاق، الشيخ مرتضى مطهري، ترجمة: الشيخ وجيه المسبح، مؤسسة أم القرى للتحقيق والنشر، بيروت - لبنان، ط1، 1421هـ.

[32] الأخلاق، الشيخ حسين مظاهري، دار التعارف، بيروت - لبنان.

[33] الأخلاق البيتية، الشيخ حسين مظاهري، ترجمة وتحقيق: دار الهدى، دار المحجة ودار الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)، بيروت - لبنان، ط2، 1423هـ، 2002م.

[34] الأخلاق البيتية، الشيخ حسين مظاهري، ترجمة وتحقيق: دار الهدى، دار المحجة ودار الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)، بيروت - لبنان، ط1، 1413هـ، 1993م.

[35] التشريع الإسلامي؛ مناهجه ومقاصده، السيد محمد تقي المدرسي، انتشارات المدرسي، طهران - إيران، ط1، 1415هـ

ج3.

[36] الأخلاق عنوان التقدم ومنطلق الإيمان، السيد محمد تقي المدرسي، دار انتشارت محبان حسين (عليه السلام)، ط4،

2006.


ارسل لصديق