المسلمون في بورما..
المأساة والواقع والتطلعات
كتبه: الشيخ زكريا داوود
العدد (43) السنة 19 - 1429هـ/ 2008م
التعليقات: 0
القراءات: 4491

بسبب تلبيته للحاجات الروحية والمعنوية، واحتوائه على القيم والمبادئ والقوانين المنظمة لحياة الإنسان، وقدرته على التكيف في كل العصور؛ اجتذب الإسلام أفئدة المجتمعات والشعوب في كل بقاع الأرض، ليصبح الدين الوحيد الذي يدخل القلوب دون إكراه أو إغراء. ويمثل المسلمون اليوم الدين الأول الذي يتعبد به الناس في عالمنا المعاصر، حيت يقدر عدد المسلمين بمليار وأربعمائة مليون نسمة من ستة مليارات هي العدد الكلي لسكان العالم المعاصر.

انطلق الإسلام من جزيرة العرب من مكة المكرمة وآمن بالرسول محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) في بادئ الأمر رجل وامرأة، الرجل هو علي بن أبي طالب (عليه السلام) والمرأة خديجة بنت خويلد زوجة الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)، والتي أصبحت من سيدات نساء الجنة، وليكون علي هو الخليفة بعد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) والذي وصّى الأمة باتِّباعه.

وقد مثَّل علي بن أبي طالب (عليه السلام) خط الرسالة في جميع أبعادها، ومن خلال الإيمان به وبالتعاليم التي أرساها الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، والتي تحث الأمة على الاقتداء به؛ نشأ التشيع والحب للرسول وأهل بيته عليه وعليهم السلام. وهكذا أصبح المسلمون اليوم يتشكلون من نهجين أحدهما آمن بعلي وأبنائه خلفاءَ للرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، ونهج آخر رأى في علي وأبنائه مجرد أهل وذرية لها احترامها وتقديرها.

وعند بحثنا عن واقع المسلمين اليوم نرى أن النهجين يتجاوران في كل بقاع الأرض، ويشكل الأتباع أخوّة إسلامية متحابة رغم الاختلاف المذهبي بينهما، ولعل النظر إلى واقع مسلمي شرق أسيا كماليزيا وأندونيسيا والصين وبورما يُظهر هذه الحقيقة بشكل جلي، حيث ينقسم المسلمون في هذه الدول إلى أتباع مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) وأهل السنة، لكن الملمح البارز في حياتهم هو تأسيس العيش المشترك على قاعدة الاحترام المتبادل وتفهم حالة الاختلاف في الرأي.

لكن من المهم جدًّا القيام بتجديد الوعي المعاصر للمسلمين في تلك البلدان وبالأخص أنهم يعيشون معاناة تفرضها عليهم سياسات القهر والاستبداد من قبل حكومات ديكتاتورية كحكومة بورما التي تمارس سياسة التطهير الديني بحق خمسة ملايين مسلم هم مجموع المسلمين في تلك البلاد.

تقع دولة بورما (ميانمار حاليًّا) في الجنوب الشرقي لقارة آسيا، ويحدها من الشمال الصين والهند، ومن الجنوب خليج البنغال وتايلاند، ومن الشرق الصين ولاووس وتايلاند، ومن الغرب خليج البنغال والهند وبنغلاديش، (ويقع إقليم أراكان الذي يتركز فيه المسلمون في الجنوب الغربي لبورما على ساحل خليج البنغال والشريط الحدودي مع بنغلاديش).

وتقدر مساحتها بأكثر من 261.000 ميل مربع، وتقدر مساحة إقليم أراكان قرابة 20.000 ميل مربع، ويفصله عن بورما حد طبيعي هو سلسلة جبال (أراكان يوما) الممتدة من جبال الهملايا.

ويبلغ عدد سكان بورما أكثر من 50 مليون نسمة، وتقدر نسبة المسلمين بـ 15% من مجموع السكان نصفُهم في إقليم أراكان -ذي الأغلبية المسلمة- حيث تصل نسبة المسلمين فيه إلى أكثر من 70% والباقون من البوذيين الماغ وطوائف أخرى.

ويتكون اتحاد بورما من عرقيات كثيرة جدًّا تصل إلى أكثر من 140 عرقية، وأهمها من حيث الكثرة (البورمان) وهم الطائفة الحاكمة - وشان وكشين وكارين وشين وكايا وركهاين - الماغ - والمسلمون ويعرفون بالروهينغا، وهم الطائفة الثانية بعد البورمان، ويصل عددهم إلى قرابة 5 ملايين نسمة[1].

وكلمة «روهينغا» مأخوذة من «روهانغ» -اسم أراكان القديم- وتطلق على المسلمين المواطنين الأصليين في أراكان، وهم ينحدرون من الأصول العربية والمور والأتراك والفرس والمنغول والباتان والبنغاليين، ومعظمهم يشبهون أهل القارة الهندية شكلاً ولونًا ولا يزالون متمسكين بالعقيدة الإسلامية رغم الأحداث المريرة والانتهاكات الصارخة التي جرت ضدهم خلال القرون العشرة الماضية[2].

ويبلغ عدد الشيعة في وبورما أكثر من 300.000 نسمة ينحدرون من أصول هندية وبنغالية وبورمية وإيرانية، ويتركز أغلبهم في العاصمة رانغون، ويعيشون مع إخوانهم من أهل السنة حالة وئام ومحبة وتعاون، وما يقع من ظلم وتعسف وقهر من قبل السلطة العسكرية تجاه المسلمين فهو لا يفرق بينهم على أساس المذهب، بل يتشارك الجميع في حالات السراء والضراء.

وللشيعة في رانغون مسجد كبير يعتبر من أكبر مساجد العاصمة وهو مقسّم إلى أقسام ثلاثة: مسجد للنساء ومسجد للرجال وقسم ثالث مخصص للاحتفالات الحسينية وأكثرهم يسكنون حول المسجد، وللمسجد مخازن موقوفة عليه متصلة به، وإضافة إلى هذا المسجد فإنّ للشيعة سبع حسينيات، وفيهم اليوم رجال يعتبرون من أبرز رجال مجتمع رانغون ولهم مكانتهم الكبرى فيه، ولهم جمعيتان: الهيئة العباسية، وجمعية الخوجا الاثني عشرية.

وعدا العاصمة رانغون فإنّ الشيعة موجودون في مدينة ماندلا. وهم علاوه على كونهم من أصل بورمي فإن فيهم كذلك كسكان العاصمة مهاجرين من الهند وإيران. ولهم في ماندلا مسجد وحسينية، وللمسجد بيوت موقوفة عليه. كما أنّهم موجودون في عدة قرى متفرقة.

تاريخ المسلمين في بورما

تختلف الروايات التي تتحدث عن بدء دخول الإسلام في بورما، لكن المتفق عليه أن انتشار الإسلام في تلك البلاد كان نتيجة الاحتكاك بين التجار العرب والفرس المسلمين بالسكان الأصليين، وحسب تلك الروايات فإن دخول الإسلام كان في القرن السابع الميلادي وبالتحديد في فترة حكم الخليفة هارون العباسي، فقد تميزت هذه الفترة رغم الاستبداد والقهر الذي مارسه الحكم العباسي تجاه الأمة وبالأخص تجاه أتباع مدرسة أهل البيت (عليهم السلام)، بالتمدد الجغرافي للخلافة الإسلامية.

يقول الشيخ دين محمد أبو البشر -رئيس منظمة تضامن الروهينغا-: إن الإسلام دخل في بورما عن طريق أراكان في القرن الأول الهجري، بواسطة التجار العرب وعلى رأسهم الصحابي الجليل وقاص بن مالك (رضي الله عنه)، ومجموعة من التابعين وأتباعهم. حيث كان العرب يمارسون مهنة التجارة، ولأجلها يسافرون إلى أقاصي البلاد ودانيها، وفي أحد الأيام انكسرت سفينتهم أثناء سفرهم للتجارة في وسط خليج البنغال على مقربة من ساحل أراكان، فاضطروا إلى اللجوء إلى جزيرة رحمبي بأراكان، وبعد ذلك توطنوا في أراكان وتزوجوا من بنات السكان المحليين.

وحيث إنهم وعوا قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «بلغوا عني ولو آية»، وقوله: «فليبلغ الشاهد الغائب»، بدؤوا بممارسة الأعمال الدعوية بين السكان المحليين، بالحكمة والموعظة الحسنة، فبدأ الناس يدخلون في دين الله أفواجاً، ثم تردد عليها الدعاة من مختلف مناطق العالم، وازداد عدد المسلمين يومًا فيومًا، إلى أن استطاع المسلمون تأسيس دولة إسلامية في أراكان منذ عام 1430م، بيد سليمان شاه. واستمرت الحكومة الإسلامية فيها أكثر من ثلاثة قرون ونصف إلى أن هجم عليها البوذيون عام 1784م.

ولتأسيس أول دولة حكمها المسلمون رواية حيث كانت أراكان مملكة يحكمها ملك بوذي ذب بينه وبين ملك بورما خلاف أدى إلى نزاع تطور في وقت قصير إلى حرب أدت إلى انتصار الملك البورمي ومن ثم إلى احتلال أراكان، فهرب حاكمها هو وأسرته إلى ملك البنغال المسلم السلطان ناصر الدين شاه عام 1406م، وظل ما يقارب 24 سنة في ضيافة الملك البنغالي، حتى تمكن الإسلام من نفسه فاعتنقه، واختار لنفسه اسم سليمان شاه.

بعدها طلب من ملك البنغال المسلم أن يساعده على استرجاع مملكته، فأمده بجيش مجهز بشكل كبير، فزحف على أراكان وأخرج الملك البوذي وأسس أول دولة إسلامية في بورما، وامتدت هذه الدولة لثلاث مائة وخمسين عاماً حكم فيها 48 ملكاً، وأصبحت مملكة أراكان مركز إشعاع حضاري إذ تطورت الحياة بفضل تنامي الحركة العلمية والمعرفية وأصبحت تجتذب إليها طلاب العلم والمعرفة، كما ازدهر الاقتصاد بسبب تنامي حركة التجارة بينها وبين العديد من الممالك المجاورة، واستمر المسلمون في حكم أراكان حتى عام 1784م، إذ تعرضت الدولة لغزو بورمي هدفه القضاء على الوجود الإسلامي في بورما، وما إن سيطروا على البلاد الإسلامية حتى بدؤوا حرب إبادة لكل ما هو إسلامي، بدءاً من المسلمين أنفسهم، وحتى المساجد والمدارس الإسلامية التي تدرس فيها معارف الإسلام وتعاليمه.

وفي عام 1824م احتلت بريطانيا بورما وأنهت الحكم البورمي، لكن معاناة مسلمي بورما لم تنتهِ إذ شكلت السياسة البريطانية وجهاً آخر لممارسات الحكم البورمي، إذ سعت وبسياسة استئصالية إلى إضعاف المسلمين الذين رفضوا الاحتلال البريطاني عبر مقاومته، وكان من نتيجة ذلك تقوية البوذيين في أراكان وبورما بشكل عام، وهو الأمر الذي سوف ينعكس مأساة جديدة بعد عام 1948م وهو العام الذي استقلت فيه بورما كدولة تحت سلطة البورميين البوذيين.

المسلمون بعد الاستقلال.. الواقع والتطلعات

قبل أن تبدأ بريطانيا الجلاء من بورما بدأت تتضح معالم المرحلة المقبلة لمسلمي بورما، وبالتحديد عام 1942م، عندما تعرض المسلمون إلى مذبحة راح ضحيتها أكثر من مائة ألف مسلم، وشرّد أكثر من خمسمائة ألف مسلم خارج بورما، بل أصبح المسلمون البورميون مشردين في الكثير من بلدان العالم، ففي بنجلادش يوجد أكثر من مليون نسمة يعيشون في مخيمات ليس بها أدنى مستلزمات العيش الإنساني الكريم، وكذلك في تايلند والهند والمملكة العربية السعودية.

في عام 1948م منحت بريطانيا الاستقلال لبورما شريطة أن تُمنح لكل العرقيات الاستقلال عنها بعد 10 سنوات إذا رغبت في ذلك، ولكن ما أن حصل البورمان على الاستقلال حتى نقضوا عهودهم، ونكثوا على أعقابهم؛ إذ استمروا في احتلال أراكان دون رغبة سكانها من المسلمين الروهينغا والبوذيين الماغ أيضًا، وسعت وعبر العديد من الإجراءات إلى فرض قيود تسهل عليها السيطرة التامة على الأقليات التي تختلف ثقافيًّا ودينيًّا بل وسياسيًّا معها، الأمر الذي جعل جزءاً من الرهبان البوذيين يعترضون على تلك الأساليب القمعية التي أرادت أن تفرض لوناً محدداً على المسلمين الروهينغا وكذلك الماغ البوذيين.

وتواصلت سياسة الاستئصال منذ الاستقلال عام 1948م، لتشتد وتتعمق وتصبح أكثر شراسة منذ عام 1962م وهي السنة التي سيطر فيها الجيش على السلطة السياسية، ويمكننا أن نلخص ملامح سياسة العسكر تجاه المسلمين فيما يلي:

1- فرض البوذية على المسلمين وطمس هويتهم الدينية:

وقد تمثلت هذه السياسة من خلال إجبار المسلمين على اعتناق البوذية وهو الأمر الذي حدث بالفعل حيث أرتد ما يقارب خمسين ألف عن دينهم منذ سيطرة العسكر على مقاليد السلطة، كما سعت السلطة إلى تغيير ديمغرافي أستهدف جعل أراكان إقليماً بوذياً وذلك من خلال تهجير المسلمين من قراهم وأملاكهم وإعطاءها للبورميين البوذيين، وقامت كذلك بتغيير طابع أراكان من خلال طمس المعالم الإسلامية التاريخية عبر هدم المساجد والمدارس الدينية التي تدرس فيها علوم القرآن والحديث.

2- التطهير الديني والعرقي:

منذ أن سيطر العسكر على الحكم في بورما عام 1962م من خلال انقلاب قاده الجنرال نيوين بدأت موجة منظمة من التنكيل والاضطهاد ضد مسلمي بورما تمثلت في القتل الجماعي من خلال حرق القرى والأرياف ذات الغالبية المسلمة، كما هجرت مئات الآلاف من شعب الروهينغا، ومارست حرباً اقتصادية من خلال مصادره أراضيهم ومزارعهم، بل وقررت جعلهم غرباء في وطنهم من خلال سحب جنسيتهم البورمية ووصفهم بأنهم مهاجرين غرباء.

وبهذا الادعاء قام العسكر بأربع موجات من الطرد والتهجير المنظم للمسلمين خارج وطنهم وهي:

1- عام 1962م وبعد السيطرة على الحكم مباشرة قامت السلطة بطرد أكثر من 300.000 مواطن مسلم من قراهم ومنازلهم ومزارعهم ليتم تهجيرهم بشكل قسري إلى بنغلاديش ليعيشوا على حدود البلدين في العراء.

2- عام 1978م هُجّر وطُرد أكثر من 500.000 مسلم في ظروف غاية في القسوة والوحشية الأمر الذي أدي إلى وفاة ما يقارب 40.000 بين طفل وامرأة وشيخ مسن وذلك حسب إحصائية غوث اللاجئين التابعة للأمم المتحدة.

3- عام 1988م ومن خلال الادعاء بتطوير وبناء قرى نموذجية للسكان البوذيين هَجَّر العسكر ما يقارب 150.000 مسلم من منازلهم وقراهم لتُسلَّم للبوذيين الموالين للسلطة العسكرية.

4- عام 1991م وبعد إلغاء نتائج الانتخابات العامة التي جرت في بورما وفوز كاسح للمعارضة البورمية تحت قيادة الحزب الوطني المعارض (nld)، تم طرد ما يقارب نصف مليون مسلم خارج البلاد، لأنهم شاركوا ودعموا الحزب في تلك الانتخابات.

ومن الإجراءات التعسفية التي تمارسها السلطة العسكرية تجاه المسلمين البورميين والتي تهدف إلى الضغط عليهم كي يتركوا البلاد أو يرتدوا عن دينهم ويندمجوا في البوذية ما يلي:

* العمل القسري لدى الجيش أثناء التنقلات أو بناء الثكنات العسكرية.

* حرمان أبناء المسلمين من حق التعليم أو مواصلته.

* حرمانهم من الوظائف الحكومية مهما كانت مؤهلاتهم العلمية.

* منعهم من السفر إلى الخارج حتى لأداء فريضة الحج إلا إلى بنغلاديش ولمدة يسيرة، ويعتبر السفر إلى عاصمة الدولة رانغون أو أية مدينة أخرى جريمة يعاقب عليها، وكذا عاصمة الإقليم والميناء الوحيد فيه مدينة أكياب، بل يمنع التنقل من قرية إلى أخرى إلا بعد الحصول على تصريح.

* عدم السماح لهم باستضافة أحد في بيوتهم ولو كانوا أشقاء أو أقارب إلا بإذن مسبق، وأما المبيت فيمنع منعاً باتاً، ويعتبر جريمة كبرى ربما يعاقب بهدم منزله أو اعتقاله أو طرده من البلاد هو وأسرته.

* تقييد ورفع سن الزواج للفتيات المسلمات لسن 25 عاماً، ومنع عقود النكاح إلا بعد إجراءات كثيرة وأخذ إذن مسبق من السلطة ومنع الزواج مرة أخرى للمطلق أو الأرمل إلا بعد مرور سنة، ومن يخالف الإجراءات يعرض نفسه للسجن أو الطرد خارج البلاد.

* فرض عقوبات اقتصادية شديدة الظلم، كالضرائب الباهظة في كل شيء والغرامات المالية ومنع بيع المحاصيل الزراعية التي تمثل الدخل الوحيد للكثير من المسلمين البورميين لكون غالبيتهم من المزارعين إلا للسلطة العسكرية التي تشتريها بأسعار زهيدة لتجعلهم فقراء[3].

الأمة ومواجهة التحديات المعاصرة

التحديات تشكل حافزاً مهمًّا لتطوير القدرات وصنع مستقبل أفضل، ويحدد منهج المواجهة النتيجة التي يمكن أن يحققها الإنسان، وبقدر ما تكون المواجهة ذات أطر وآليات محددة فإن تحقيق أفضل النتائج أمر ممكن بل أمر أكيد، وفي الغالب يكون تقدم الإنسان وتطوره نتيجة قدرته على مواجهة التحديات بروح متفائلة ومصرة على النجاح.

وهذا كما ينطبق على الأشخاص فهو ينطبق على الأمم، فبقدر ما تكون الأمة واعية لما تواجهه من التحديات وتملك منهجاً وبصيرة في معالجة قضاياها، وتملك إرادة وفاعلية حضارية في سبل المواجهة فإن المحن والتحديات لا تلبث أن تنجلي من حياتها، بل تكون تلك التحديات عاملاً رئيساً في صنع حياة أفضل وأكثر تقدماً.

إن قضية الشعب المسلم في بورما تحتاج إلى جهود الأمة ككل، وهي مسؤولية إنسانية قبل أن تفرضها قوانين الأديان، فالإسلام كدين يؤكد على أهمية نصرة المستضعفين في الأرض، ويدعونا إلى التكافل مع الشعب المسلم في بورما سواءً من الناحية المعنوية أو المادية أو السياسية، قال تعالى:

﴿وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا[4].

من المهم جدًّا أن تواجه الأمة هذا التحدي الذي يقع على شريحة واسعة من أبنائها، الذين يعيشون حالة من الكبت والإرهاب، ولا يمكننا أن نحقق ذلك من خلال مواقف ارتجالية، بل لابد أن تكون المواجهة عبر منهج علمي تتكامل فيه جميع أطر المواجهة سواء الأطر السياسية أو الحقوقية أو الإعلامية أو البحث عن قنوات الضغط، فمن المهم جدًّا أن تمارس الأمة مسؤوليتها تجاه نصرة المظلوم لأن التخاذل يشجع الآخرين على التعدي على الأمة وسلب حقوقها.

وفي القضية البورمية لابد أولاً أن تعرف الأمة عمق المأساة وتتلمس حاجات المسلمين هناك وأن تسعى بكل الطرق لمد يد العون للشعب المسلم المغلوب على أمره.

إن تكافل الأمة يعطيها المنعة والحصانة والعزة أمام التحديات الخارجية التي تتمثل في الطغاة والمستكبرين، أو التحديات الداخلية التي تتمثل أولاً في الجهل والتخلف والبعد عن قيم الدين، وفي النظم المستبدة التي تحكم الأمة بالقهر والطغيان وسلب الحقوق، وبالتأكيد إن المساهمة في حل المشكلة البورمية سوف ينعكس على قضايا الأمة المتأزمة بشكل إيجابي وفعَّال.

--------------------------------------------------------------------------------

[1] موقع إلكتروني http://www.almotamar.net/15707.htm.

[2] موقع إلكتروني: http://www.islamweb.net/ver2/archive/readArt.php?lang=A&id=43940

[3] رجع الموقع الإلكتروني: http://www.almotamar.net/15707.htm.

[4] القرآن الكريم، سورة النساء آية 75.

الشيخ زكريا داوود

ــ ‬عالم‭ ‬دين،‭ ‬باحث‭ ‬إسلامي‭.

ــ من‭ ‬مواليد ‭‬1388هـ،‭ ‬التحق‭ ‬بالمدارس‭ ‬الأكاديمية،‭ ‬حتى‭ ‬سن‭ ‬الخامسة‭ ‬عشرة،‭ ‬ثم‭ ‬هاجر‭ ‬إلى‭ ‬طهران‭ ‬سنة ‬1404هـ‭ ‬والتحق‭ ‬بحوزة‭ ‬الإمام‭ ‬القائم‭ ‬العلمية،‭ ‬وتتلمذ‭ ‬على‭ ‬ابرز‭ ‬أساتيذها‭ ‬آنذاك،‭ ‬نذكر‭ ‬منهم: * ‬سماحة‭ ‬العلامة‭ ‬الحجة‭ ‬الشيخ‭ ‬نمر‭ ‬النمر * سماحة‭ ‬العلامة‭ ‬الحجة‭ ‬السيد‭ ‬علي‭ ‬أصغر‭ ‬المدرسي .  * آية  الله السيد علي المددي. * الفقيه العارف آية الله السيد كاظم المدرسي.‬

ــ ‬في‭ ‬العام‭ ‬1410هـ‭ ‬سافر‭ ‬إلى‭ ‬مدينة‭ ‬الشام،‭ ‬السيدة‭ ‬زينب (عليها السلام)،‭ ‬وحضر‭ ‬أبحاث‭ ‬أصحاب‭ ‬السماحة‭ ‬آيات‭ ‬الله:  * ‬السيد‭ ‬إبراهيم‭ ‬الزنجاني.‬  * الشيخ‭ ‬المحمدي‭ ‬البامياني‭ ‬الأفغاني.‬ وفي‭ ‬أبحاث‭ ‬خارج‭ ‬الفقه‭ ‬حضر‭ ‬عند * ‬آية‭ ‬الله‭ ‬العظمى‭ ‬السيد‭ ‬محمد‭ ‬علي‭ ‬الطباطبائي.‬ * ‬آية‭ ‬الله‭ ‬السيد‭ ‬عباس‭ ‬المدرسي.‬

ــ  مستشار في ‬مجلة‭ ‬البصائر‭ ‬الدراساتية،‭ ‬التي‭ ‬تصدر‭ ‬عن‭ ‬مركز‭ ‬البحوث‭ ‬والدراسات‭ ‬الإسلامية‭ ‬في‭ ‬حوزة‭ ‬القائم‭ ‬العلمية‭.‬

ــ من‭ ‬مؤلفاته‭ ‬المطبوعة: * ‬برنامج‭ ‬بناء‭ ‬الشخصية‭ ‬الإسلامية. * ‬تأملات‭ ‬في‭ ‬الحديث‭ ‬عند‭ ‬الشيعة‭ ‬والسنة‭.

ــ كما‭ ‬أن‭ ‬له‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الدراسات‭ ‬الثقافية‭ ‬والفكرية‭ ‬المنشورة‭ ‬في‭ ‬مجلة‭ ‬البصائر‭ ‬الدراساتية،‭ ‬وما‭ ‬زال‭ ‬يواصل‭ ‬عطاه‭ ‬الفكري‭ ‬والثقافي‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬المجلة‭.‬

 1 2 3 4 5 6 7


ارسل لصديق