قيمة العدل وأزمات الأمة..
رؤية قرآنية
كتبه: الشيخ زكريا داوود
العدد (42) السنة 19 - 1429هـ/ 2008م
التعليقات: 0
القراءات: 2121

تعاني الأمة منذ أمد بعيد أزمات متكاثرة في كل مجالات الحياة، مما يشكِّل عائقاً أمام نهضة حقيقية لأمة أُمرت أن تكون شاهدةً على أمم العالم أجمع، ويكمن السبب في أزماتها ومشكلاتها الحضارية إلى تُقهقر قيم القرآن الكريم وبصائره من تفكيرها وسلوكها وتعاملها مع وقعها.

إن الأزمات التي تعانيها الأمة تتمظهر في اختلال عام أصاب كل شيء، ولعل نظرة لهذا الواقع بجميع مفرداته توضّح عمق الأزمة وتأثيرها في مسيرة الأمة، فبدءاً من النظم السياسية الحاكمة وإلى التعامل الفردي للإنسان مع قضاياه؛ نلحظ غياب قيم الاعتدال والرشد في إدارة الحياة.

إن النظم السياسية الحاكمة تفقد قيم وبصائر الوحي بشكل واضح، فعندما يسود الاستبداد والتعالي، وعندما تُكمَّم الأفواه، ويَفقد الإنسان في عالمنا القدرة على التعبير عن رأيه، عندما يُذل الإنسان لأنه يحمل عقيدة مخالفة لعقيدة السلطة، وعندما يَفقد القدرة على الاختيار الحقيقي لمن يمثله، وعندما تفقد السلطات استقلالها، فإن ذلك يعبر عن خلل في إدارة الأمة.

وفي الاقتصاد عندما تفقد الأمة قدرتها على الإنتاج الحقيقي المُغني لمسيرة النهضة، وعندما يزداد الأغنياء غنىً وثروة والفقراء فقراً وحاجة، وعندما يزداد نفوذ أصحاب الثروة وحاشية السلطان ليستولوا على أملاك الناس، وعندما تصبح الرشوة والمحسوبية هي قاعدة الترقّي في المناصب العامة، وعندما تزداد نسبة التضخم بسبب اختلال العرض والطلب، وارتفاع كلفة الإنتاج، وزيادة الفائض النقدي، واختلال التوازن بين الاستهلاك والاستثمار، وزيادة نفقات الدولة، فإن كل ذلك يبيِّن خللاً عميقاً أصاب القيم الحاكمة والموجهة للاقتصاد، ذلك الخلل هو فقدان الاعتدال في النظام الاقتصادي، سواء في بنيته الأساسية أو من خلال تطبيقات خاطئة.

ولو نظرنا إلى قيم المجتمع وأزماته فإننا قد لا نتعرف على هويته الدينية بسبب ما أصابه من تمزق وتفرُّق ومسخ، فلم تعد قيم الاعتدال هي الموجهة لمسيرته، فكثير من القيم التي نادى بها القرآن الكريم وحثّ عليها تلاشت من واقعه، فلم يعد التواصل قيمةً مقبولةً إلا بقدر ما يجر من النفع والمصلحة، ولم يعد العفو والتسامح سمةً التعامل مع من نختلف معه، بل أصبح التطرف والعنف ظاهرة تُنذر بتفجر اجتماعي كبير داخل الأمة، كما أن علاقة أطياف الأمة ببعضها تكاد تصل حد الاقتتال بدل التعارف والتعاون.. كل ذلك وغيره يبرز فقدان قيم الاعتدال من عقلية المجتمع، والتي هي أسس وأصول كل القيم الموجِّهة لمسيرة الأمة.

ولعل أخطر خلل تعاني منه الأمة يكمن في نظام قيمها الذي يوجه فكرها ويبني نظرتها الثقافية لكل مناشط الحياة، ويمكننا أن نتبيَّن الخلل في أمرين:

الأول: في غياب الكثير من قيم القرآن الكريم.

الثاني: في تشويه مفاهيم قيم قرآنية أخرى.

قيمة العدل من أبرز القيم القرآنية التي تفتقدها الأمة، كما أنها من أبرز القيم التي تعرضت للتشويه والمسخ، فالأمة التي وصفها القرآن الكريم بأنها أمة وسط، أي تحافظ على حالة الاعتدال والتوسط في الأمور بين الإفراط والتفريط لتتمكن من أداء وظيفتها تجاه الأمم، وهي الشهود والحاكمية؛ تراها اليوم تعيش خللاً بيِّناً في نظم قيمها التي أعطتها تلك المكانة فيما مضى.

عندما يتحدث القرآن الكريم عن قضايا الأمة في جميع مستوياتها نلحظ التركيز الكبير على أهمية الاعتدال، فالآيات التي تتحدث عن قضايا اجتماعية، أو اقتصادية، أو سياسية، في الحرب أو في السلم، في الحضر أو في السفر، تحث على الاعتدال في اتخاذ المواقف والقرارات، وفي الكثير من آيات القرآن دلالات مهمة إذ تجعل القيام لله، أي ممارسة قيادة الأمة والشهود الحضاري، ينطلق من قيم القسط والعدل حتى مع من نختلف معه في الرأي أو العقيدة، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللهَ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ.[1]

وتؤثر قيمة العدل في تكوين نظرة صائبة لكل الأمور، أي أن العدل يؤدى للهدى، لأن العدل في حقيقته مجانبة لأهواء النفس وشهواتها التي تأمر الإنسان بالميل في طرف على حساب طرف آخر، وذلك خروج عن الاستواء والاعتدال مما يؤدي بالإنسان إلى الظلم، وهنا يفقد الهداية ويتردى في الأزمات، قال تعالى: ﴿فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللهِ إِنَّ اللهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ.[2]

والهداية تعني أن يمتلك الإنسان بصيرة فيما يعترضه من أزمات الحياة، ليرسم من خلال تلك البصيرة منهجاً فكريًّا صائباً سديداً تنتظم به حياته الفردية والاجتماعية وغيرها، ولا يمكن أن تتحقق البصيرة للإنسان إلا بعد أن يجعل العدل أصلاً وقاعدة ترتكز عليها كل مناشطه، قال تعالى:

﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَظَلَمُواْ لَمْ يَكُنِ اللهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً[3].

﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ بِاللهِ وَاعْتَصَمُواْ بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِّنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا.[4]

والأمة التي تحتكم للعدل وترتكز حركتها النهضوية على قيم الاعتدال، فهي الأقدر بلا شك على التطور والإبداع وتحقيق السعادة لكل البشر، كما أنها الأقدر على مواجهة الأزمات والتحديات الحضارية، ولعل التنظير للعدل في دولة المهدي المنتظر (عجل الله فرجه الشريف) توضِّح عمق التأثير الذي يتركه الإمام (عليه السلام) في ممارساته العادلة على كل مناشط الحياة لتتحول دولة العدل إلى دولة الرفاة والسعادة، كما ترسم لنا ذلك الروايات التي تتعرض للحياة في دولته (عليه السلام) حيث يتصالح الذئب والضأن، وتسير المرأة مسيرة يوم دون أن تخاف أحداً بسبب الأمن والطمأنينة، وتُنزل السماء خيرها، وتُخرج الأرض كنوزها، كل ذلك دلالة على اعتدال الموازين التي تدار بها حياة الأمة.

وقد انعكست أهمية قيمة العدل وأصالته على العديد من أحكام الدين، ليصبح العدل أصلاً في إثبات بعض الفرائض كما في قضية إثبات الرؤية للهلال، حيث يشترط في الشاهد العدالة، وكذا في إثبات الحدود أو نفيها، أو جواز الاتِّباع أو عدمه، كما في اشتراط العدالة في المجتهد، وإمامة الجماعة، وهنا تختلف نظرة أهل البيت (عليهم السلام) عن بقية المذاهب التي لا تشترط في إمام الجماعة العدالة مما ينعكس على مسألة القيادة والسلطة وعلى مجمل مناشط الحياة.

ولعل من أسوأ أنواع الظلم التي تمارسها الأمة تجاه دينها هو البعد عن أهل البيت (عليهم السلام) الذين أمر الله ورسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) باتِّباعهم، لأنهم يمثلون الهداية والمعرفة والنجاة من الضلال والتيه في عالم تعددت فيه المذاهب والفلسفات والمعارف، ولا يمكن لهذه الأمة بناء معرفة إسلامية معاصرة ورؤى للمعارف المتجددة إلا من خلال النص الذي وردنا عن الأئمة المعصومين من أهل البيت (عليهم السلام).

ومن الضروري للأمة أن تتعرف على رموز أهل البيت (عليهم السلام)، لأن ذلك سوف يحدث نهضة حضارية كبرى في العقل المعرفي، ولعل من جرب التعرف على الأئمة من أهل البيت (عليهم السلام) رأى الفرق الكبير الذي حدث في نظرته للحياة وفلسفة وجوده وتعامله مع الأحداث المعاصرة؛ ليصبح عامل رقي وبناء ومؤسس لنهضة حضارية ترتكز على قيم أصيلة قادرة على تجاوز كل الأزمات التي تعانيها الأمة.

إن مفهوم وقيمة العدالة يمكن التعرف عليها بشكل مفصل ودقيق وعميق من خلال تراث الأئمة الطاهرين الذين اعتبرهم الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) عِدل القرآن، ولا يمكن لأي شخص أن يدَّعي اتِّباعه أهل البيت (عليهم السلام) في وقت لا يعرف من تراثهم وفقههم ومعارفهم أي شيء، لأن الاتِّباع الحقيقي هو في استحضار معارفهم ومقولاتهم في كل قضايانا المعاصرة، وبالأخص في رؤيتنا الدينية بكل مفاصلها من فقه وأحكام وعقيدة، وهنا أوجه هذه الدعوة لكل أبناء الأمة وبالأخص نخبها لقراءة الكتب الأربعة التي حوت رؤى وبصائر القرآن الكريم من خلال نافذة الأئمة من أهل البيت (عليهم السلام)، وليكن بعد ذلك الحكم على أتباعهم وشيعتهم الذين تحمَّلوا الآلام والمصاعب بسبب تمسكهم وإيمانهم بمن أمر الله ورسوله باتِّباعهم.

--------------------------------------------------------------------------------

[1] القرآن الكريم، سورة المائدة آية 8.

[2] القرآن الكريم، سورة القصص آية 50.

[3] القرآن الكريم، سورة النساء آية 168.

[4] القرآن الكريم، سورة النساء آية 175.

الشيخ زكريا داوود

ــ ‬عالم‭ ‬دين،‭ ‬باحث‭ ‬إسلامي‭.

ــ من‭ ‬مواليد ‭‬1388هـ،‭ ‬التحق‭ ‬بالمدارس‭ ‬الأكاديمية،‭ ‬حتى‭ ‬سن‭ ‬الخامسة‭ ‬عشرة،‭ ‬ثم‭ ‬هاجر‭ ‬إلى‭ ‬طهران‭ ‬سنة ‬1404هـ‭ ‬والتحق‭ ‬بحوزة‭ ‬الإمام‭ ‬القائم‭ ‬العلمية،‭ ‬وتتلمذ‭ ‬على‭ ‬ابرز‭ ‬أساتيذها‭ ‬آنذاك،‭ ‬نذكر‭ ‬منهم: * ‬سماحة‭ ‬العلامة‭ ‬الحجة‭ ‬الشيخ‭ ‬نمر‭ ‬النمر * سماحة‭ ‬العلامة‭ ‬الحجة‭ ‬السيد‭ ‬علي‭ ‬أصغر‭ ‬المدرسي .  * آية  الله السيد علي المددي. * الفقيه العارف آية الله السيد كاظم المدرسي.‬

ــ ‬في‭ ‬العام‭ ‬1410هـ‭ ‬سافر‭ ‬إلى‭ ‬مدينة‭ ‬الشام،‭ ‬السيدة‭ ‬زينب (عليها السلام)،‭ ‬وحضر‭ ‬أبحاث‭ ‬أصحاب‭ ‬السماحة‭ ‬آيات‭ ‬الله:  * ‬السيد‭ ‬إبراهيم‭ ‬الزنجاني.‬  * الشيخ‭ ‬المحمدي‭ ‬البامياني‭ ‬الأفغاني.‬ وفي‭ ‬أبحاث‭ ‬خارج‭ ‬الفقه‭ ‬حضر‭ ‬عند * ‬آية‭ ‬الله‭ ‬العظمى‭ ‬السيد‭ ‬محمد‭ ‬علي‭ ‬الطباطبائي.‬ * ‬آية‭ ‬الله‭ ‬السيد‭ ‬عباس‭ ‬المدرسي.‬

ــ  مستشار في ‬مجلة‭ ‬البصائر‭ ‬الدراساتية،‭ ‬التي‭ ‬تصدر‭ ‬عن‭ ‬مركز‭ ‬البحوث‭ ‬والدراسات‭ ‬الإسلامية‭ ‬في‭ ‬حوزة‭ ‬القائم‭ ‬العلمية‭.‬

ــ من‭ ‬مؤلفاته‭ ‬المطبوعة: * ‬برنامج‭ ‬بناء‭ ‬الشخصية‭ ‬الإسلامية. * ‬تأملات‭ ‬في‭ ‬الحديث‭ ‬عند‭ ‬الشيعة‭ ‬والسنة‭.

ــ كما‭ ‬أن‭ ‬له‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الدراسات‭ ‬الثقافية‭ ‬والفكرية‭ ‬المنشورة‭ ‬في‭ ‬مجلة‭ ‬البصائر‭ ‬الدراساتية،‭ ‬وما‭ ‬زال‭ ‬يواصل‭ ‬عطاه‭ ‬الفكري‭ ‬والثقافي‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬المجلة‭.‬

 1 2 3


ارسل لصديق