نسبية المعرفة الدينية والمنهج التكاملي في تفسير القرآن
كتبه: الشيخ الأسعد بن علي
العدد (42) السنة 19 - 1429هـ/ 2008م
التعليقات: 0
القراءات: 4097

المقدمة

لا يمثل «القرآن الكريم» المصدر الأساس للدين الإسلامي وأهم مقدساته بل هو إلى جانب ذلك محور المعرفة الدينية في العالم الإسلامي وأسُّ ثقافته وجوهر رصيده الحضاري.

فتاريخيًّا: أخرج هذا الكتاب في تجربته الحضارية الأولى الأمة من غياهب الجهل والقصور والظلمات، وصنع مجتمعاً فريداً يبشِّر برسالة عالمية تحمل راية الهدى والخلاص.

لقد أسس هذا الكتاب بدءاً بـ«اقرأ» لمنهج حضاري جديد قاد العالم بأسره إلى أفق جديد من التقدم والرقي المعنوي والمادي.

ومن جهة ثانية مثّل «القرآن» منبع العلوم والمعارف الإسلامية التي شادت هذه الحضارة بنيانها عليها، فكل العلوم الدينية تقريباً انبثقت من القرآن الكريم: فالتفسير وعلوم القرآن مركزها القرآن كما هو واضح، والفقه والكلام، تحوم حول القرآن والحديث. وهذا الأخير جاء أساساً لتفصيل القرآن وشرح مجمله وبيان مبهماته.

وبالنسبة للعلوم الطبيعية والإنسانية، حرَّض القرآن العقل المسلم على التأمل والسير الحثيث للكشف عن قوانين الطبيعة وقوانين التاريخ والمجتمع.

﴿قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ[1].

﴿قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلُ[2].

ولكن الأمة هجرت قرآنها وعنوان مجدها، فتأزَّمت علاقتها بذاتها وهويتها، وسعت تلهث باحثة عن بديل حضاري تستعيره من الشرق تارة ومن الغرب أخرى، لتتعمق أزمتها أكثر فأكثر.

ويوماً بعد آخر تتيقن قطاعات واسعة من الأمة أن قدرها في التقدم نحو القرآن وآفاقه المعرفية والحضارية (وهنا أعبر بالتقدم خوفاً من دلالة العودة التي تختزن كل إيحاءات الماضوية والنكوص إلى الوراء).

يوماً بعد آخر تترسخ القناعة أن هناك معادلة تحكم علاقة الأمة بكتابها مفادها: أن «أمة القرآن تنهض وتؤدي رسالتها كلما تصالحت مع الكتاب وفهمته ولكنها تضعف وتستقيل حضاريًّا كلما هجرت الكتاب أو أساءت فهمه».

أكدت التجربة التاريخية، وأكدت الطبيعة البيانية لمعجزة النبي الخاتم محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) أن حضارتنا حضارة «نص» قامت على قاعدة ذلك النص ولا يمكن أن تُبعث من جديد وتسود مرة ثانية في عالمية جديدة إلا من خلال قراءة جديدة، فعليها مرة ثانية «أن تقرأ باسم ربها» وتقرأ وربها الأكرم الذي علم بالقلم.

ومن دون اندماج الأمة في سياق قراءة جديدة، لا نتوقع للأمة موقعاً متميزاً في خارطة القوى المهيمنة على العالم.

سيبقى عنوان حضارتنا ونهضاتها قراءات متجددة للنص الديني المنطوي على كل حقائق الكون والتاريخ والإنسان، المتضمن لأسرار الوجود والحياة وما بعد الحياة.

لقد أكَّدت التحولات السياسية الأخيرة، أن المحاولات المتواضعة لملامسة القرآن من جديد، واندفاع الجماهير من جديد نحو كتابها.. منحت إشعاعات وإضاءات مهمة ساهمت في صنع واقع جديد تحل فيه تجربة الدولة الإسلامية في إيران، وحركة المقاومة في لبنان وفلسطين والعراق، موقعاً متقدماً تنافح فيه عن المشروع الحضاري الإسلامي وتتصدى من خلاله لمحاولات التهميش والإلغاء.

إن قبولنا بضرورة القراءة الجديدة يقودنا إلى التسليم بضرورة المنهج، منهج إيجابي فعَّال يحول دون «إساءة فهم الدين» الذي كان عاملاً أساسيًّا لتخلف الأمة قروناً طويلة.

لقد تحول تراث الآباء إلى «مقدس» ومناهجهم إلى «ثوابت» لا يمكن تخطيها عند الكثيرين مما عمَّق جراحات التخلف والجمود.

فأضحت أفهام الماضين وقراءة السلف للنص هي «الدين» أو الصيغة النهائية للمعرفة الدينية.

وغدت المعرفة الدينية، قوالب جاهزة نستدعيها من أعماق التاريخ ومن ثنايا الماضي، كلما شئنا ذلك!!.

المنهج هو الذي يحلِّق بالوعي الديني إلى أفق أسمى ومدارات جديدة في علاقتنا بالنص للتخلص من هيمنة الشروح والحواشي، ولتجدد القراءة عبر استجابة متكررة في سياقاتها الخاصة، مكاناً وزماناً وشخوصاً: لأمر ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ ليتنزل القرآن من جديد في إطار آخر...

وتأسيس المنهج يحتاج إلى عدة فكرية (نتحدث عنها في تفاصيل الدراسة)، كما يحتاج إلى عدة معنوية، أهمها التعالي عن المواقف المحافظة المتشنجة التي ترمي بالزندقة والهرطقة والانحراف كل محاولة لتخطي سلطة المفسرين أو سلطة التراث عموماً.

ولكن كيف نتخطى إطلاقية النصوص الثانية؟ كيف نمهد لتأسيس منهج جديد يراعي نسبية المعارف الدينية من جهة، ويقر بالمصدر الإلهي للنص الديني القطعي؟.

كيف نؤسس هذا المنهج الذي يُعطي للنص الديني تألقه وتجدده في الزمان والمكان؟.

هذه هي الإشكالية المحورية التي تحاول هذه الدراسة المختصرة أن تجيب فيها على قاعدة المطالب التالية:

- أولاً: حقيقة القرآن

- ثانياً: فهم القرآن والعوامل المؤثرة فيه.

- ثالثاً: نسبية المعرفة الدينية لا تعني فوضوية التفسير: المنهج المقترح.

- رابعاً: آفاق الرؤية الجديدة.

أولاً: حقيقة القرآن وموقعه الوجودي:

قد يبدو البحث في حقيقة القرآن أمراً مستغرباً: فهل خفي أمره حتى نحتاج إلى تعريف القرآن الكريم؟ متى شابت هوية القرآن شائبة حتى نضطر إلى بيان حقيقته؟!

ولكن الذي يقتضي ذلك قصر العديد من الأفهام للإحاطة بحقيقة القرآن الكريم وما ترتب على ذلك من التسليم بمناهج تفسيرية لا تنسجم مع روح القرآن.

فهل يفهم القرآن من لا يعرفه حق المعرفة؟

بعض الباحثين ينظر إلى القرآن بوصفه نصًّا أدبيًّا! ومن الطبيعي جدًّا ألَّا يرى مانعاً من تطبيق مناهج النقد والتحليل الأدبي!!

والذي ينظر للقرآن حلقةً من حلقات التراث الديني للمسلمين سيسجن نفسه في دائرة تاريخية النص القرآني، وسيلغي من اعتباره البعد الغيبي، ويخضعه بالتالي لآليات وأدوات البحث نفسها التي يعتمد عليها في فهم النصوص الدينية التاريخية، وسينطلق في رؤيته للقرآن من مقاربته إياه بوصفه أحد الكتب المادية المقدسة، دون تدقيق وتمييز بين القرآن وسائر الكتب الأخرى عموماً والعهدين خصوصاً. هذه الرؤية ستقود صاحبها لتطبيق الهرمنيوطيقا الغربية لفهم القرآن.

هكذا نلاحظ كيف أن عدم امتلاك رؤية دقيقة للقرآن، وتشخيص دقيق لحقيقة النص القرآني؛ يقود إلى مناهج غير ملائمة في التفسير.

وبالتالي: يمكن أن نؤسس للقاعدة التالية:

لفهم القرآن لا بد من منهج ملائم لروحه، وللوصول للمنهج المناسب لا بد من معرفة حقيقة القرآن.

وفي هذا الاتجاه ندَّعي أن أفضل طريقة لمعرفة القرآن اعتماد القرآن الذي يُعرّف عن نفسه.

ولنتبع آيات الكتاب التي تتحدث عن القرآن الكريم: في طبيعته وهويته وفي دوره ورسالته.

- في القرآن تسميات عديدة لكتاب الله وتوصيفات كثيرة نستقرئ الآيات المعنية لنحدد هذه التسميات وهذه الأوصاف، لعل ذلك يساعدنا على معرفة هوية الكتاب وحقيقة القرآن وجوهره:

* من التسميات: الكتاب

- ﴿الم (1) ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ[3].

- ﴿وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِّنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُم بِهِ[4].

- ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ[5].

- ﴿وَلَقَدْ جِئْنَاهُم بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ[6].

- ﴿الَر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ[7].

- ﴿الَرَ تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُّبِينٍ[8].

- ﴿وَمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُواْ[9].

- ﴿مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا[10].

- ﴿وَهَذَا كِتَابٌ مُّصَدِّقٌ لِّسَانًا عَرَبِيًّا[11].

- ﴿وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ[12].

في هذه الآيات يسمى القرآن نفسه بالكتاب، ويسمي نفسه بالهدى، النزول بالحق، الموعظة، المبارك، الرحمة، يخرج الناس من الظلمات إلى النور، كتاب مبين، يُبيِّن ما اختلف الناس فيه، يحيط ويحصي كل صغيرة وكبيرة، مصدق، يقوم الناس بالقسط.

* آيات حول القرآن الكريم أوردت تسمية القرآن وأسندت له أوصاف أخرى منها:

- ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ[13].

- ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ[14].

- ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ[15].

- ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ[16].

- ﴿مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى[17].

- ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ[18].

- ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (77) فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ[19].

- ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ (21) فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ[20].

- ﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ[21].

- ﴿قُرآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ[22].

* آيات القرآن وصفته بالهداية والقوامة والشفاء ونفي الشقاء وحددت جملة من الأهداف «العقل، العلم، التقوى»:

«لعلهم يعلمون، لعلهم يتقون، لعلكم تعقلون»

وتحدثنا آيات القرآن عن مقام غيبي للقرآن:

- ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ (21) فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ[23].

- ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (77) فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ[24].

التوصيفات السابقة ترجع إلى عالم الهداية والتشريع، وهناك آيات تتحدث عن أبعاد وآثار حسية للقرآن ولو كانت في سياقات كنائية مجازية:

- ﴿لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللهِ[25].

- ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَل للهِ الأَمْرُ جَمِيعًا أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُواْ أَن لَّوْ يَشَاء اللهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا وَلاَ يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُواْ تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُواْ قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِّن دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللهِ إِنَّ اللهَ لاَ يُخْلِفُ الْمِيعَادَ[26].

من العناوين القرآنية التي سمى القرآن لها نفسه الفرقان، ومن الآيات في هذا المعنى:

- ﴿هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ[27].

- ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا[28].

من الأسماء القرآنية للقرآن: الذكر:

- ﴿قَدْ أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا[29].

- ﴿وَمَا هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ[30].

- ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ[31].

- ﴿وَمَن يُعْرِضْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا[32].

- ﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاء مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِن لَّدُنَّا ذِكْرًا[33].

* تسمية التذكرة:

- ﴿مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى (2) إِلاَّ تَذْكِرَةً لِّمَن يَخْشَى [34].

- ﴿وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ[35].

هذه العناوين المتنوعة والمختلفة، وهذه الأوصاف الكثيرة مما ذكرنا ومما لم نذكر كالنزول و(الإنزال) و(المجيد)، و(العلي)، (لساناً عربيًّا)، (مبين)، (في لوح محفوظ)، (في كتاب مكنون).

هذه الأوصاف: يمكن تقسيمها إلى عدة أقسام:

- توصيفات وأسماء تؤشر على البعد الروحي والمعنوي والتربوي للقرآن، وآثاره في التاريخ والناس، (القرآن، الكتاب، الذكر، تذكرة، مبين، لساناً عربيًّا).

- توصيفات ترتبط بالبعد المتعالي للقرآن الكريم: قرآن مجيد في لوح محفوظ، إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون. أي تحدد الموقع الوجودي للقرآن وأنه ليس نصًّا أو لفظاً فقط.

- توصيفات ثالثة: الآثار التكوينية للقرآن الكريم:

﴿لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا[36].

﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ[37].

﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ[38].

﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُم مَّاء غَدَقًا[39].

أما من جهة المضمون فكما نستفيد من إشارات القرآن الكريم لرسالة القرآن يمكن أن نعتمد على تحليل مضمونه.

ففي الآيات السابقة نجد عدة أغراض: منها «إخراج الناس من الظلمات إلى النور» «هداية الناس» «ليقوم الناس بالقسط» «لعلهم يعقلون، لعلهم يعلمون».

العنوان العام الذي يشمل كل العناوين الفرعية: هو إخراج الناس من الظلمات إلى النور: كتاب أنزلنا عليك لتخرج الناس من كل أنواع الظلمات المعنوية والاجتماعية إلى نور الحق والمعرفة والعدل.

«وهكذا يبين القرآن هدفه وهو تحطيم قيود الجهل والضلال والفساد الأخلاقي والاجتماعي وفي كلمة واحدة القضاء على الظلمات والهداية نحو العدل والخير والنور».

ومحاور القرآن كما حاول أن يحصيها السيد الطباطبائي ثلاثة أقسام أساسية:

أولاً: أصول العقائد الإسلامية من أنواعها أصول الدين الثلاثة، وهي التوحيد والنبوة والمعاد والعقائد المتنوعة منها: مثل اللوح والقلم والقسط والقدر والملائكة والعرش والكرسي وخلق السماء والأرض ونظائرها.

ثانياً: الأخلاق الفاضلة.

ثالثاً: الأحكام الشرعية والقوانين العملية التي بيَّن القرآن كلياتها وكلَّف النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) ببيان تفاصيلها.

لكن الشهيد المطهري فصَّل أكثر هذه المحاور فذكر 25 محوراً منها:

- الله ذاته، صفاته، توحيده، صفاته الثبوتية، صفاته السلبية، المعاد، الملائكة، الأنبياء، التحريض على الحث على الإيمان، خلق السماوات والأرض.. وسائر الكائنات الطبيعية، الدعوة إلى عبادة الله الأحد والإخلاص، ذكر نعم الله في هذا العالم، النعم الخالدة في الآخرة للصالحين والعذابات في الآخرة للمسيئين.

- التاريخ والقصص باعتبارها مخبراً للإنسان يوضح صدق الأنبياء وعواقب الصالحين وعاقبة المكذبين، التقوى والصلاح وتزكية النفس.

- الانتباه للنفس الأمارة بالسوء والوساوس والتهويلات النفسية.

- الأخلاق الحسنة الفردية كالشجاعة والصبر والعدالة...

- الأخلاق الاجتماعية كالاتحاد والتواصي بالحق والتعاون.

- الأحكام كالصلاة والحج الجهاد والهبة وحقوق الزوجين.

- الحوادث والوقائع في دور بعثة الرسول خلال ثلاث وعشرين سنة.

- خصائص الرسول الكريم وأحواله وصفاته.

- وصف عام لثلاث فئات في جميع العصور: المؤمنين، الكافرين، المنافقين.

- وصف الأصناف الثلاثة في عصر البعثة.

- المخلوقات اللامرئية غير الملائكة: الجن والشياطين.

- تسبيح موجودات العالم وتحميدها ونوع من الوعي في باطن جميع الموجودات بالنسبة لخالقها ومبدعها.

- وصف القرآن نفسه حوالي خمسين وصفاً.

- العالم وسنن العالم.

- تأييد الكتب السماوية السابقة لا سيما التوراة والإنجيل وتصحيح أغلاط الكتابين وتحريفهما.

هذه المحاولة التحليلية لمضمون القرآن تساعد على اختيار وتنقيح المنهج الملائم وهي تفرض عليه قراءة نقدية لمناهج التفسير كلها وإلى أي مدى انسجمت مع هذا الكتاب ومضامينه المتنوعة.

كما تؤكد هذه المراجعة التحليلية كيف تصطدم المدارس الحداثوية مع المقاربة الأولية لحقيقة القرآن، فالمنهج لا بد أن يتماهى مع موضوع البحث فكيف ندرس كتاباً يغطي كل هذه الأبعاد من جهة مضامنية ويتحرك في أكثر من أفق: لساني، تشريعي، تكويني، بمنهج أدبي أو هرمنيوطيقي، أو تفكيكي... إلخ.

كيف نستند إلى هذه المناهج مع كتاب يقدم نفسه كتاب الله وكتاب الإنسان كما كان كتاب هداية البشر «لأن الإنسان ذلك الموجود الذي تبدأ خلقته مما قبل هذا العالم وتنتهي إلى ما بعد هذا العالم، أي أن الإنسان من وجهة نظر القرآن نفحة الروح الإلهية ويرجع شاء أم أبى إلى ربه؛ ولذا فإن معرفة الله ومعرفة الإنسان لا ينفصلان عن بعضهما ولا زال الإنسان لم يعرف نفسه، فلن يعرف ربه بصورة صحيحة. ومن جهة أخرى فإن الإنسان مع معرفة الله يتمكن من معرفة واقعه الحقيقي».

هذه الوقفة التحليلية مع القرآن الكريم وقبلها تعريف القرآن من القرآن تضعنا أمام حقيقة كبرى: لم تفرز الساحة القديمة والحديثة منهجاً تفسيريًّا، نقّحت أدواته وتقنياته ومقدماته ومبادئه انطلاقاً من دراسة عميقة لجوهر القرآن.

هل أخذت بعين الاعتبار التفاسير العامة أو التخصصية كل هذا التنوع في أهداف القرآن وموضوعاته؟ هل لاحظت أن القرآن ظاهر وباطن؟ هل لاحظت شموليته وكونيته؟ ﴿مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ[40].

في المحصلة: هناك أكثر من عامل لا بد من أخذه بعين الاعتبار في بناء منهج أو اختيار آخر في تفسير القرآن الكريم.

أولاً: المصدر المتعالي لكتاب الله العزيز.

ثانياً: تنوع المحتوى القرآني: فهو يغطي قضايا: الطبيعة، والإنسان، والمجتمع، والتاريخ، والألوهية، والنبوة، والمعاد والآخرة، والغيب، والملائكة، والماضي والحاضر إلخ... ﴿مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ[41].

ثالثاً: الهدف المركزي لهذا الكتاب «هداية الناس والعالمين وإخراجهم من الظلمات».

رابعاً: الموقع الوجودي الخاص لهذا الكتاب فهو ليس كأي بيان آخر: وجودات لفظية تحكي عن معان ومكنونات في نفس المتكلم فحسب.

فهم القرآن بين الإطلاق والنسبية

شاعت الأطروحة السلفية واستبدت بالعقول، وهي التي تنادي بأن مهمة التفسير أُنجزت في التاريخ، وأن السلف الصالح كفانا مؤونة كشف غوامض القرآن الكريم، وما علينا سوى استعادة ذلك التراث التفسيري وهضمه واستيعابه.

وتبرر الأطروحة إيمانها هذا بأن «النص القرآني» له بُعد زماني فهو نزل في مرحلة تاريخية معينة والسلف أقرب منا لذلك الزمن وأعرف منا بلغة القرآن وأسلوبه وبيانه وبالتالي فهم أقدر منا على فهمه بشكل صحيح ودقيق.

يكرس هذا التوجه سلطة التفاسير التاريخية ويمنحها إطلاقاً زمانيًّا يُلغي الهوة الفكرية والحضارية العميقة الفاصلة بين زمن تلك التفاسير والعصر الحالي، بل تضرب عرض الحائط أسئلة العصر، ومشاكله ومشاغله، والمستوى العلمي والمعرفي الذي بلغه.

ولكن التجربة والسياقات العلمية والثقافية والمعرفة أثبتت زور هذه الأطروحة، وأن هذا التراث التفسيري الضخم الذي نعتزّ به ونُجلّ أصحابه، لم يغنِ الأمة عن قراءة كتابها مرات ومرات كثيرة، وأن كل الذي كتبه السابقون لن يسد هذه الحاجة المتجددة لممارسة «القرآن» أي القراءة المتكررة، فحركة الزمن تثبت الصفة القرآنية «تكرار القراءة للقرآن» وإن ذلك ليس نعتاً تبجيليًّا له بل هو سرّ من أسرار إعجازه وبعدٌ من أبعاده الحضارية الدائمة والثابتة.

فالتجربة التاريخية أدت إلى قاعدة مفادها: «أن تفسير القرآن حاجة مستمرة، بل تتعمق وتتأكد كلما تقدمنا في الزمان».

والسؤال لماذا يحتاج القرآن إلى إعادة قراءة مستمرة؟ لماذا فهم القرآن لا يكون إطلاقيًّا؟ لماذا يختلف فهم القرآن من زمان إلى زمان، بل من مفسر إلى مفسر؟

ومحاولة الجواب عن هذه الأسئلة تدعونا للوقوف عند العوامل الأساسية المؤثرة في فهم القرآن وتفسيره وتشرح لنا بالتالي هذه المغايرة وهذه النسبية.

أولاً: طبيعة القرآن نفسه.

ثانياً: شخصية المفسر وخصائصه العلمية والنفسية.

ثالثاً: المعرفة الدينية وسلطة التفاسير.

رابعاً: معطيات الزمان والمكان.

خامساً: قوانين المعرفة العلمية.

ولنحلل بشيء من التفصيل هذه العوامل الخمسة:

أولاً: طبيعة القرآن:

عرفنا من الطلب السابق «حقيقة القرآن» أن أهم بعد إعجازي لهذا الكتاب أنه نصّ لا يطويه الزمن ولا يمكن أن يحدّه فضاء زماني!! فهو يجري مجرى الشمس والقمر بتعبير الرواية الشريفة.

وهنا تكمن المفارقة التي استعصى على الكثير استيعابها خاصة من أنصار الاتجاهات الحداثوية في التفسير: كيف يمكن لكتاب أو نص نزل في مكان وزمان محددين، ورصد حركة أمة تشكلت تدريجيًّا ولاحق نشأتها وحركتها وقيامها وهجرتها ودولتها.. أن يبقى صالحاً عصيًّا على التقادم والتلاشي!

لقد غاب عن أولئك البعد الغيبي في القرآن ومصدره المتعالي على التاريخ والزمان والمكان فالقرآن وإن كان تاريخيًّا في حركة نزوله وأسبابه ومن حيث رعايته للنبي وأمته طوال مدة التنزيل (23 سنة) لكن من حيث مصدره الإلهي هو غيبي متعالٍ.

هذه الطبيعة المزدوجة «كالازدواجية في الإنسان: (مكان + زمان + مادة) + روح». بين التاريخية والتعالي: التاريخية (زمان + مكان + حوادث وظروف مادية) والتعالي (منشؤه الغيبي)، هذه الازدواجية هي التي جعلت لهذا الكتاب ظاهراً وباطناً، وهي التي منحته القدرة على التجدد دائماً والاستمرار في العطاء والهداية والتعليم.

فالعقل البشري مهما بلغت درجة تكامله، ومهما أُوتي من بصيرة ثاقبة لا يمكن أن يحيط بأسرار الغيب وفيوضاته، وإنما قد يمسك بشعاع من أشعته العديدة والمتنوعة والمتكاثرة كلما تجدد الزمان وتبدلت المجتمعات، ولكن نمو الخبرة الإنسانية والتراكم المعرفي تساعده على فهم أبعاد أعمق في الكتاب، وقد أشارت نصوص عديدة لهذه الحقيقة:

«إن الله عز وجل علم أنه يكون في آخر الزمان أقوام متعمقون فأنزل ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ» والآيات من سورة الحديد إلى قوله عليم بذات الصدور.

عن الصادق (عليه السلام): لو أن الآية نزلت في قوم ثم مات أولئك القوم ماتت الآية لما بقي من القرآن شيء، ولكن القرآن يجري أوله على آخره ما دامت السماوات والأرض، ولكل قوم آية يتلونها، هم منها من خير أو شر».

«إن القرآن حي ولم يمت، وإنه يجري كما يجري الليل والنهار، كما تجري الشمس والقمر، ويجري على آخرنا كما يجري على أولنا».

وعن الرضا (عليه السلام) أن رجلاً سأل أبا عبد الله (عليه السلام): «ما بال هذا القرآن لا يزداد على النثر والدرس إلا غضاضةً؟ فقال: لأن الله تبارك وتعالى لم يجعله لزمان دون زمان ولا لناس دون ناس، فهو في كل زمان جديد وعند كل قوم غضٌّ إلى يوم القيامة».

هذه الروايات وأمثالها، تؤكد: أن القرآن وإن كان زمانيًّا ومكانيًّا في نزوله ونوازله وشواخصه وانعدام الذين نزل فيهم، ولكن الآية لا تحدث بسبب هذا البعد التاريخي الآن. لو قلنا: إن تاريخية الآية تعني موتها لكانت النتيجة كما قال الإمام الصادق: «موت القرآن كله»، ولكن القرآن لم يُجعل لزمان دون زمان ولا لناس دون ناس بل هو يجري أوله على آخره وهو في كل زمان جديد: لا لشيء إلا أنه كتاب متعالٍ مصدره إلهيٌّ غيبيٌّ، ونسبته متساوية لكل الأزمان؛ لأن الذات الإلهية مستعصية على الزمان والمكان.

ثانياً: شخصية المفسر:

التفسير عملية استنطاق للآيات ومحاولة للكشف عن دلالتها في مستوياتها وأبعادها المتنوعة.

في هذه العملية لا ينطلق الباحث المفسر من فراغ بل هو يتحرك في سياق الاستنطاق بما هو عقل يحمل تصورات ويتبنى أفكار أو رؤى ومناهج محددة. وبما هو روح يختزن أحاسيس ومشاعر وميول وحالة روحانية معنوية.

ولما كان مستوى العقول يختلف من مفسر وآخر، وكذلك الاستعداد الروحي والمعنوي يتفاوت من واحد إلى آخر، فإننا نواجه أفهاماً وقراءات متعددة للقرآن الكريم، وقد اهتمت «علوم القرآن» بشروط التفسير وتحدثت عن شروط المفسر، ولكن ما يهمنا في هذا المقام من تلك الشروط:

أ - القابليات الفكرية للمفسر.

ب- الاستعدادات المعنوية للمفسر.

فعلى المستوى الأول ذكر الباحثون «في علوم القرآن» عدة شروط: منها معرفة أسباب النزول، العلم بالناسخ والمنسوخ، الإحاطة بتاريخ القرآن وترتيب السور في النزول، معرفته بأخبار سيرة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، إلخ... ومن أهم الأبعاد المعرفية: التمكن من اللغة العربية؛ «لأن القرآن الكريم جاء وفق هذا النظام فما لم تكن لدينا صورة عن النظام العام للغة العربية لا نستطيع أن نستوعب معاني القرآن. فيحتاج المفسر إلى الاطِّلاع على علم النحو والصرف والمعاني والبيان وغيرها من العلوم العربية. والقدر اللازم توفره من هذا الشرط يختلف باختلاف الجوانب التي يريد المفسر معالجتها من القرآن الكريم. فمن يريد أن يدرس فقه القرآن مثلاً لا يحتاج إلى التعمق في أسرار اللغة العربية بالدرجة التي يحتاجها المفسر إذا درس الفن القصصي في القرآن أو المجاز في القرآن مثلاً».

كما يشترط في المفسر أن يكون ملمًّا بجملة من العلوم المرتبطة بالتفسير مما يؤهله لامتلاك منهج عام للتفسير يحدد فيه عن اجتهاد علمي طريقته في التفسير، ووسائل الإثبات التي يستعملها، ومدى اعتماده على ظهور اللفظ وعلى السنة وعلى أخبار الآحاد وعلى القرائن العقلية في تفسير النص القرآني؛ لأن في كل واحد من هذه الأمور خلافاً علميًّا ووجهات نظر عديدة، فلا يمكن ممارسة التفسير دون درس تلك الخلافات درساً دقيقاً والخروج من دراستنا بوجهات نظر معينة تؤلف المنهج العام للمفسر الذي يسير عليه في تفسيره.

فلا بد أن يكون المفسر ملمًّا بكل تلك العلوم التي ترتبط بتلك الخلافات لعلم الكلام والأصول والحديث والرجال.. حتى يصبح قادراً على وضع منهج يسير وفقه في تفسيره.

المستوى الروحي والمعنوي:

لا تكفي القابليات الفكرية أو العلمية والمنهجية في فهم القرآن، وهذه خصوصية بارزة للقرآن الكريم، أهملتها جل الدراسات التي تتحدث عن شروط التفسير.التي تستغرق في الشروط المعرفية والمناهجية، ولا تهتم البتة بالأبعاد المعنوية والأخلاقية إلا حديثاً عامًّا يطرد في كل البحوث العلمية عن الموضوعية والأمانة العلمية.

لكن خصوصية القرآن وطبيعته التي أثرناها في الطلب الأول تفرض استعداداً معنويًّا وروحيًّا خاصًّا ليقدر الباحث أو المفسر أن يبقى في مدارات القرآن وأُفق الوحي الإلهي.

إن خصوصية التعالي وألوهية المصدر القرآني والطبيعة الفريدة لكتاب الله عز وجل تستوجب هذه القابليات.

فالوجود المعنوي للقرآن في عالمه الخاص، تجعله عصيًّا على الفهم على الذين لا يملكون درجة من الإيمان والإخلاص والطهارة الروحية ﴿لاَّ يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ[42].

﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ[43].

فهؤلاء المطهرون الراسخون في العلم المؤمنون والمحيطون بمراتب القرآن بموقعه الوجودي الصحيح هم الذين يستوعبون معانيه.

أما سائر المؤمنين فبدرجات متفاوتة حسب مستوى إيمانهم وحسهم الغيبي.

من هنا نستغرب من ادِّعاء بعض المعاصرين أن فهم القرآن الكريم متاح لكل من يفهم اللغة العربية!! وكأن القرآن مجرد نصّ أدبي صرف عابر. لقد أغفل هذا وأمثاله أن عملية الفهم يشترط فيها إلى جانب الاعتقاد بهذا الموقع الوجودي للقرآن الكريم وراء الوجود اللفظي الحسي والكتبي للقرآن (الذي قصر نظره عليه)، وامتلاك الصفاء القلبي والروحي.

﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا[44].

﴿كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ[45].

- وهذه خصيصة عميقة للقرآن الكريم فمستويات فهمه تتفاعل بمقدار الاستعداد الروحي والمعنوي الذي بلغه المفسر.

إذاً لا بد من سنخية بين طبيعة القرآن المعنوية (في بعدها الغيبي) وشخصية المفسر ليصل إلى روح القرآن وجواهره ومعانيه؛ فكتاب الله نور ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا[46].

﴿وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ[47].

﴿أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ[48].

﴿أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَّبِّهِ فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ فِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ[49].

كما أن الالتزام الأخلاقي والتقوائي للمفسر ينعكس إيجاباً على التفاعل مع معاني القرآن وملامسة حقائقه؛ لأن الله يسدد هؤلاء المتقين والمخلصين ويهديهم سبل الفهم ومسالك البيان ﴿وَاتَّقُواْ اللّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللّهُ[50].

وبالمقابل الذين يعيشون سجن الذات وأفول الروح وضعف الإيمان والنكوص في متاهات الآثام والمعاصي ستحجب عنهم أسراره وأنواره.

﴿ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاؤُوا السُّوأَى أَن كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُون[51].

كيف يمكن لامرئ لا يصلي ولا يصوم ولا يعيش روح العبادة مثلاً أن يفسر لنا آيات العبادات في القرآن؛ هل يستطيع حقًّا هذا الرجل أن يكشف أعماق الآية وهو لا يدرك الفارق المعرفي والمعنوي بين القرآن وعلومه وسائر الكتب والعلوم الأخرى. إن القرآن ليس كتاباً أكاديميًّا علميًّا نفسره وفق مصطلحات ومعاني ذلك العلم، هذا الكتاب له أبعاد أخرى يستحيل فهمها في الحدود المعهودة في تفسير أي نصّ آخر.

ثالثاً: سلطة التراث التفسيري:

من العوامل المهمة التي أثّرت تاريخيًّا ولا تزال تؤثر في كل باحث يحاول فهم القرآن التراث التفسيري، فالمفسر لا يتعاطى عادة مع النص مباشرة، بل هو يستعين بما كتبه المفسرون ليصل في النتيجة ليرجح رأياً هنا وفهماً هناك.

وفي أغلب الأحيان لا يخرج هذا المفسر بشيء جديد بعيد عن سياقات التفاسير القديمة إلا قليلاً، بل هو يتبنى عادة منهجاً تفسيريًّا من المناهج التي شكَّلت تاريخيًّا، كالمنهج الأثري أو البلاغة البياني، أو الفلسفي، المنهج الذوقي، المنهج الكلامي، ويلتزم ذلك المنهج في فهم الآيات الكريمة.

هذا التراث التفسيري مضمونيًّا ومناهجيًّا شكل عائقاً معرفيًّا: دون فهم متجدد بما فيه الكفاية للقرآن الكريم.

لن يتجرأ الكثيرون أمام سلطة الماضي والتراث ليخرج عن هذا الطوق، وهذه مشكلة عويصة كرَّست محدودية الفهم ونسبية المعرفة الدينية. ولما كان المنهج التفسيري -كما ذكرنا في شروط المفسر- يحتاج إلى إحاطة علمية بعلوم شتى، كانت البحوث في تلك العلوم تمثل سقفاً للمفسر لا يتخطاه أيضاً.

وهنا وباسم احترام التراث وباسم الالتزام بالمنهج الكنائي، يخضع القرآن للمناهج والمذاهب العقائدية أو الفلسفية أو الكلامية بل حتى الفقهية فيما يتعلق بآيات الأحكام!!

هذه السلطة تحول دون الاندماج الحقيقي مع القرآن وتمنع المفسر من التجرد من المتبنيات والقبليات.

وللأسف فإن الاتجاهات الحداثوية التي انتقدت الاستغراق في التفاسير والمناهج التراثية ونادت بتجديد تفسير القرآن: سقطت بدورها في سلطة المناهج الحديثة وأخضعت القرآن لمناهج النقد الأدبي والهرمنيوطيقا الغربية، مكرسةً سلطة معرفية خارجية مقابل سلطة معرفية داخلية. في الواقع لم يفعل هؤلاء سوى الاستعاضة عن سلطة قديمة بسلطة معرفية مستعارة.

رابعاً: معطيات الزمان والمكان:

من البَدَهِي أن معارف الإنسان وخبراته العلمية في نمو متطور وتكامل لا يتوقف، ومن هنا كل في زمان يكشف الإنسان حقائق جديدة عن الطبيعة والعالم والإنسان والتاريخ...إلخ.

هذه المعرفة المستجدة تمنح الإنسان مستوى عقليًّا ومعرفيًّا جديداً يؤهله لفهم الآيات فهماً مغايراً لفهم الماضين، ويؤهله لطرح أسئلة جديدة في ضوء المستجدات والإشكالات الجديدة.

تطور التقنية يفرض مشاكل وتعقيدات لم يعهدها الإنسان في الماضي، لا يمكن للمفسر أن يتغافل عنها أو أن يتجاهلها، لأنه حينذاك لن يكون تفسيره سوى نسخة لتفسير تراثي.

ولن يكون فهم القرآن سوى صدى لفهم السلف له بعيداً عن روح العصر وثقافته وأسئلته وتحدياته، بعيداً عن رسالة القرآن الحقيقية في هذا العصر.

لقد أكَّد القرآن شموليته وعالميته وكونيته، وإن الذين ينغلقون على الماضي ولا يراعون عوامل الزمان والمكان إنما يطعنون في هذه الشمولية والكونية.

﴿مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ[52].

﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ[53].

﴿وَمَا هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ[54].

﴿إِنَّهَا لإِحْدَى الْكُبَرِ (35) نَذِيرًا لِّلْبَشَرِ[55].

فعدم اطِّلاع المفسر على ثقافة العصر، وعدم وعيه بمشاكله وتحدياته؛ يكرس سلطة التراث، ويحول دون تجديد الفهم القرآني، ويحجب المفسر عن خصيصة مهمة في القرآن وهي عدم النفاد والكونية.

﴿قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا[56].

«القرآن يجري مجرى الشمس والقمر» وأنه يفسره الزمان.

إطلاقية الفهم وسرابية الحل:

كل هذه العوامل التي تحدثنا عنها إضافة إلى القوانين العلمية التي تحكم المعرفة العلمية والإنسانية (كما تبينها فلسفة العلوم) تدلل بما لا يدع للشك مجالاً أن إطلاقية الفهم سراب خادع، وأن تفسير القرآن كأي فرع من فروع المعرفة الدينية تفسير نسبي يتأثر بالظروف والتاريخ.. والمشخصات الراجعة للمفسر والتفسير والعصر والاختصاص والمنهج... إلخ.

إن الدراسة الاستقرائية التاريخية لحركة التفاسير تؤيد ما ذهبت إليه فلسفة العلوم من تكامل المعارف التفسيرية وتطورها، وقدرتها على تخطي العديد من العوائق المعرفية، وتفاعلها مع العديد من العلوم والاختصاصات.

فالتفسير العلمي (بقطع النظر عن الإشكالات الواردة في حقه) كان ثمرة حتمية لطغيان المنهج التجريبي على العلوم الإنسانية والطبيعية.

والتفسير الموضوعي (كما طرحه باقر الصدر) خطوة إلى الإمام متوقفة على المنهج التجزيئي فرضته الصراعات الفكرية، وظهور مدارس واتجاهات مقابل الإسلام. مما استوجب مواجهتها بنظريات قرآنية إسلامية أصيلة؛ فكانت الحاجة إلى منهج يساعد على استنطاق واستنباط نظريات من القرآن، فكان النهج الموضوعي.. وهكذا...

كما ظهرت اتجاهات أخرى على مستوى الشكل وعلى مستوى المضمون، ويبدو أن منطق التحولات العلمية يجعلنا نستشرف تعمق هذا التوجه نحو مناهج واتجاهات تفسيرية جديدة أقدر على الاستفادة من غنى التراث، وعلى توظيف الكشوفات المعرفية والعلمية الجديدة، وإخضاعها للنص القرآني (ولا عكس).

إننا نستشرف توجُّهاً أعمق نحو التكاملية المنهجية التي لا تلغي أي منهج ولا تستغرق في مسار أحادي يلغي صيغة القرآن الشمولية، ولا يتجمد في مرحلة زمانية ليلغي كونيته، ولا ينغلق على شكل واحد، ليلغي جريان القرآن وعدم نفاذه.

المطلب الثالث: المنهج المقترح

أمام هذه الحقائق: نصل للنتائج التالية: أن نسبية الفهم القرآني سنة وقانون يحكم هذا الفهم، وهذا أمر واقعي نظراً لطبيعة القرآن، ومحدودية العقل البشري ومساهمة الزمن والتاريخ في الكشف عن أسراره.

ولكن كيف يمكن أن ننفتح على القرآن بما يتيح لنا بلوغ أقصى ما تمنحه لنا ظروفنا ومعطيات العصر بأن نتحرك تحت شعار: «أدق معرفة بأبسط الطرق» كما يفعل المثولوجي!!

المنهج التكاملي المزدوج نقترحه بوصفه رؤية أولية تحتاج إلى تعميق وتطوير: منهج يهدف الاستفادة من التحولات المنهجية والشكلية في تفسير القرآن، كما يسعى لتوظيف كل معطيات الزمان والمكان وإخضاعها للقرآن الكريم.

ما هو المنهج التكاملي؟ وما هي خصائصه؟ وما هي فوائده؟ وآفاقه، ولماذا نعدُّه أكثر انسجاماً مع طبيعة القرآن المزدوجة: التاريخية والمتعالية، وأكثر واقعية في تعاطيه مع التراث التفسيري، وتنوع المناهج وتعددها في فهم القرآن.

التكاملية المناهجية تتخذ أكثر من شكل، ونحاول في هذه الدراسة استقصاء كل الفرضيات الممكنة لتكون الأطروحة مفتوحة على كل الاحتمالات التي تدعو لها قراءتنا السابقة لحقيقة القرآن، ولعوامل الاختلاف والتنوع في مستويات الفهم. وأهم هذه الفروض:

الفرضية الأولى:

التكامل بلحاظ التاريخ والتقدم الزماني: فرصد الباحث لجهود المفسرين ونظرياتهم في مختلف مراحل تاريخ التفسير يساعدنا على استكشاف التحولات الكبرى في تاريخ التفسير، ويمكّننا من الوقوف عند معانٍ جديدة للآيات والوصول إلى دلالات أعمق.

كما يمكّن الباحث من تفهُّم دور الزمان والتصور الثقافي والمعرفي في توجه المفسر في عملية استنطاق الآيات، ومثال ذلك: الآيات الكونية التي تتحدث عن الظواهر الطبيعية والتكوينية.

مثال: قوله تعالى ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا[57].

﴿أَفَلاَ يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا[58].

فقد تراوحت من تفسيرات القدامى في فهم الآيتين بين «موت العلماء» والفتوحات التي من خلالها تنضم أراضٍ جديدة إلى دار الإسلام.

في ضوء النظريات العلمية الحديثة يمكن للبعض أن يربط الآيات بما تحدثت عنه النظريات العلمية حول دوران الأرض حول نفسها، وما يسببه ذلك الدوران من انضغاط في مستوى القطبين الشمالي والجنوبي.

فهذا التوجه ما كان بالإمكان الوقوف عنده لولا المعرفة العلمية الحديثة.

الفرضية الثانية:

التكاملية المنهجية بمعنى أن نستند إلى أكثر من منهج تفسيري في استنطاق الآيات وتجنب الاستغراق في منهج واحد.

لقد حاول الكثير من المفسرين المعاصرين اعتماد هذا التوجه في توسيع القاعدة المنهجية في استنطاق الآيات، ولكن الطريق لا يزال طويلاً ولا تزال البحوث النظرية تفتقر إلى الكثير من الدراسات والتنقيحات.

ويمكن الجزم بأن اعتماد هذا التوجه يصل بنا إلى نتائج جديدة ورؤى مبتكرة في فهم القرآن الكريم، لأن الانغلاق على بعد واحد في تفسير الآية يسجنها ويقتل روحها، مثال ذلك ما يصيب الآيات من ضمور وما يصيبها من إشكالات في المنهج الأصولي.

فالأصولي حينما يتناول آية النبأ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ[59].

لأن كل همه أن يطبق على الآية منطوق/ مفهوم؛ ليستكشف أن الآية تدل أن الثقة أو العدل لا يجب التبيُّن في إخباراته.

ويخوض مناقشات وجدالات حول العناصر اللغوية المتوافرة في الآية الكافلة للمفهوم، وما هي طبيعة القيود التي بانتفاءها ينتفي حكم الوثاقة العدالة... إلخ.

فنخرج بهذه الطريقة عن معانٍ عميقة للآية يمكن استكشافها لو ركَّبنا بين المنهج اللغوي، الاجتماعي، الأخلاقي، الفقهي، الأصولي، الحضاري... إلخ.

الفرضية الثالثة:

التكامل هنا يقصد به التوفيق بين آليتين أو شكلين أساسين من أشكال التفسير.

الشكل الأول: التفسير التجزيئي.

الشكل الثاني: التفسير الموضوعي.

ففي الشكل الأول يعالج المفسر القرآن سورة سورة وآية آية حسب الترتيب المعهود في الكتاب.

أما التفسير الموضوعي: فينطلق المفسر من قضية ما أو سؤال واقعي يحاول أن يجيب عنه انطلاقاً من تجميع الآيات القرآنية التي تبحث ذلك الموضوع؛ ليخرج في النهاية بنظرية قرآنية حول القضية المبحوثة.

ما المقصود من المنهج التكاملي المزدوج؟

وفق هذا المنهج المقترح نزاوج بين التكامل في المناهج على مستوى المضمون القرآني، والتكامل المناهجي على مستوى الشكل.

ففي المستوى الثاني: نعتمد طريقة تجمع بين الطريقة الترتيبية والطريقة الموضوعية (في الشكل)، يعني: أن نأخذ آيات القرآن سورة سورة وآية آية ولكن عند استنطاق آية من آيات الكتاب نتحرك بنية استكشاف الموضوعات والمفاهيم القرآنية عبر استنطاق الآية، وذلك بتجميع كل الآيات التي تتمحور حول موضوعات لكل آية، وعبر ما يطرحه الواقع من أسئلة تتعلق بتلك الموضوعات؛ للكشف عن النظرية القرآنية في ذلك الموضوع.

أما على مستوى المضمون فلا يقف المفسر موقفاً سلبيًّا إزاء أي اتجاه تفسيريٍّ فقهيًّا كان أم لغويًّا أم عرفانيًّا أم اجتماعيًّا... فهو يستعين بكافة المناهج ليسلطها على آيات الكتاب، لأن التكاملية المناهجية تؤكد أن الحقيقة القرآنية لا يمكن أن نقترب منها ما لم نسلّط كل هذه الأدوات ونستوعب كل هذه الأحكام، فالحقيقة القرآنية عصية أن تؤسر داخل سياق مدرسي ما أو منهج محدد!!

وهكذا نصل إلى قاعدة المنهج التكاملي المزدوج.

ويمكن أن نعطي مثالاً على ذلك من خلال إحدى قصار السور القرآنية: سورة العصر مثلاً، فهذه السورة ذات الآيات الثلاث:

الآية الأولى: ﴿وَالْعَصْرِ لا بد أن يبحث المفسر انطلاقاً من الآية ظاهرة القسم في القرآن الكريم، أولاً: تصنيف هذه الأقسام على أساس ظواهر طبيعية (الليل، الفجر، النجم، الشفق) ظواهر غيبية، (النازعات، الناشطات...) هل هناك ظواهر أخرى؟

استخدامات لفظ العصر في القرآن:

فهذا يساعدنا على تحديد المراد من العصر: ويجعلنا قادرين على ترجيح أي فهم من أفهام المفسرين السابقين والاتجاهات المختلفة البياني، الاجتماعي، العرفاني... إلخ. المراد من هذا اللفظ (هل هو وقت محدد في اليوم، مرحلة تاريخية معينة، ظاهرة تاريخية...)؟

الآية الثانية: ﴿إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ:

الآية لا بد لفهمها من تجميع كل الآيات التي تتحدث عن الإنسان، طبيعته، خصائصه: النفسية، الجسمية، الفكرية، تكريم الإنسان. بمعنى آخر: نظرية القرآن في الإنسان.

في ضوء ذلك: نبحث في مفهوم الخسران في القرآن بجمع الآيات التي تتحدث عن ذلك المفهوم.

ثم نسأل لماذا كان الإنسان في خسر؟

الآية الثالثة: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ:

هنا البحث ينصب على مفهوم الإيمان، مفهوم العمل الصالح، التواصي بالحق، التواصي بالصبر.

الآية تفتح أمامنا بحثاً ممتداً لهذه المفاهيم الأربعة، ومتعلقاتها ويكون نتيجته نظرية قرآنية عن حقيقة الإيمان ومفهوم العمل الصالح في القرآن، الحق، والتواصي بالحق والتواصي بالصبر، المفهوم القرآني للصبر، وماذا يعني التواصي بالصبر.

والمفسر وهو يجمع الآيات القرآنية للوصول إلى هذه النظريات يستحضر كل أسئلة الواقع ومشاكله في عملية الاستنطاق، ففي قضية الصبر مثلاً لا بد أن يحلل وينقد المفاهيم السلبية عن هذه القيمة الأخلاقية والتي ساد في انطباع الكثيرين أنها بمعنى الاستسلام للواقع الرديء.

كذلك في البحث عن مفهوم الإيمان يمكن أن يُشخِّص لنا ظواهر اجتماعية خطيرة تدعو لتنقيح بدقة الحد الفاصل بين الكفر والإيمان قرآنيًّا وهل ذلك ممكن؟ خاصة في ضوء استشراء ظاهرة التكفير المريعة!!

ثم يعالج الباحث كيف تمثَّل الإيمان والعمل الصالح والتواصي بالحق والتواصي بالصبر منهجاً لفلاح الإنسان وخروجه عن دائرة الخسران.

وبالنتيجة فالسورة تلخص المنهج الإسلامي في تحقيق السعادة الاجتماعية والنظام الاجتماعي الأكمل، وهي تؤسس ذلك على أركان أربعة:

الإيمان - العمل الصالح - التواصي بالحق - التواصي بالصبر.

تفاصيل الفكرة

بعدما اتضح لنا معنى التكاملي المزدوج وقدمنا مثالاً مبسطاً لتطبيق هذا المنهج دفعاً للتشكيك الذي قد يثيره البعض حول التنقيح المنهجي وتجديد المنهج في التفسير (وإن كنا فيما سبق قدمنا المبررات الكافية) نسوق بعض الروايات التي تؤكد في جوهرها فكرة التكامل، وأن هذا القانون سارٍ إلى يوم القيامة.

عن أمير المؤمنين (عليه السلام): «ثم أنزل عليه الكتاب نوراً لا تُطفأ مصابيحه، وسراجاً لا يخبو توقده، وبحراً لا يدرك قعره، فهو ينابيع العلم وبحوره، وبحراً لا ينزفه المستنزفون، وعيون لا ينضبها الماتحون، ومناهل لا يفيضها الواردون».

عن الإمام زين العابدين: «آيات القرآن خزائن، فكلما فتحت خزينة فينبغي لك أن تنظر فيها».

وعن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): «إنما نزل كتاب الله يُصدِّق بعضه بعضاً، فلا تكذبوا بعضه بعضاً».

وعن علي (عليه السلام): «يشهد بعضه عن بعض، وينطق بعضه عن بعض».

وعن علي (عليه السلام): «استنطقوا القرآن ولن ينطق ولكن أخبركم عنه، ولا ينطق بلسان ولا بد له من ترجمان وإنما ينطق عنه الرجال».

مقومات المنهج الجديد وخصائصها

يمكن أن نشرح خصائص هذا المنهج بالنقاط التالية:

* الوحدة الموضوعية للسورة: فسلبية التفسير الموضوعي: أنه يحطم الوحدة الموضوعية للوحدات الأساسية في القرآن الكريم: (السورة).

هذا المنهج يحافظ على هذه الوحدة ويسعى لتعميق الاستنطاق من الداخل بل طرح إشكالات الواقع في حدود الموضوعات التي تطرحها السورة نفسها.

* ربط الآيات ببعضها (تصديق بعضه بعضاً):

في التفسير التجزيئي: لا يهتم المفسر بالربط بين الآيات التي تعالج الموضوع نفسه، مع أن القرآن في أسلوبه يعالج الكثير من الظواهر الطبيعية والاجتماعية والتاريخية، في مرات عديدة وفي مواضع مختلفة، هذا سيسقط المفسر في رؤية جزئية هنا وفهم جزئي هناك، وربما يُضيِّع على نفسه فرصة استكشاف دلالات مهمة، مثال ذلك: عندما نقرأ الآية: ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ[60].

ونربطها بقوله تعالى: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ هذا الربط يوحي لنا بمعنى جديد أن الجمال والخلقة قرينان فكل ما وجد في عالم المخلوقات من خلق موصوف بالجمال، مثال: نقرأ في سورة الفاتحة، ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ.

ولكن بضم قوله تعالى: ﴿فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا[61].

والآية ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَن خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا[62].

* المفهوم القرآني: هذا المنهج إضافة إلى ضمان الوحدة الموضوعية للسورة وفتح أبواب جديدة لدلالات الآية، يمنح الباحث أو المفسر أن يقف عند المفهوم القرآني بل النظرية القرآنية وذلك من خلال تجميع الآيات التي تتمحور حول الموضوع.

* فعالية الثقافة القرآنية: هذا المنهج يمكن أن تكون له فوائد تربوية تعليمية مهمة فلو طبَّقناه على قصار السور يمكن للطالب أن يمتلك ثقافة قرآنية واسعة، وأن يقف عند مفاهيم قرآنية عديدة ونظريات قرآنية كثيرة إلى جانب عمق ودقة في فهم تلك السور. إضافة إلى الامتدادات والتوسعات التي يفرضها الواقع وأسئلته.. بالاستفادة من كل الاتجاهات التفسيرية.

خاتمة: إشكالات وحلول أولية

في ختام الدراسة لا بد أن نقر بأن هناك عدة إشكالات قد ترد على هذا النهج:

أولاً: صعوبة الإحاطة بكل الاتجاهات والمناهج: وذلك للحاجة لاستقصاء كل التفاسير.. وفي الواقع: نقر بهذه الصعوبة لكن يمكن تخطيها بالتوسل بعدة آليات: منها اعتماد الشكل الجماعي في العمل، الاستفادة من التقنيات الكمبيوترية المعاصرة والإمكانات الواسعة للتجميع والمقارنة والبحث... إلخ.

ثانياً: النهج عمدته تفسير القرآن بالقرآن وهذا ليس بجديد، ولكن هنا يمكن القول: إن خصوصية المنهج المقترح في التأكيد على استقصاء كل الآيات لا الربط فقط بين آية وأخرى، والنقطة الثانية هي: التأكيد على التنوع المناهجي والاستفادة من كل المدارس.

ثالثاً: التكرار الذي سيقع فيه المفسر: والرد ليس بالضرورة أن يفسر كل القرآن، بل يمكن الاكتفاء بتفسير بعض السور، وذلك كافٍ في إبراز أهمية المنهج.

رابعاً: سياق الآيات يهددها المنهج المقترح: ولكن تجميع الآيات يعني إلغاء السياق، فنحن ننكر الملازمة بين الأمرين، وندعو إلى الأخذ بعين الاعتبار السياق حين تجميع الآيات.

خامساً: قد يطرح إشكال الاستغراق في تفاصيل وعلاقات الآيات وهذا يسقطنا في مشكلة منهجية تخطاها المنهج الموضوعي وهو إهمال الواقع وأسئلته، بمعنى أنكم تعودون بنا إلى الثنائية (نص - نص) بعدما أسس المنهج الموضوعي معادلة جديدة (واقع - نص - واقع).

في مقام الرد يمكن القول: إننا نحافظ على روح معادلة النص الموضوعي؛ لأن صاحب المنهج التكاملي وهو يتعاطى مع السور القرآنية يحمل أسئلة عصره وهواجسه. كل ما في الأمر أنه يلتزم بالمشاكل في حدود السورة التي يتعامل معها، يعني أن السور تؤطر أسئلة الواقع وهواجسه التي عليه أن يجد لها جواباً ويؤصل لها نظريات ومفاهيم قرآنية.

بل المفسر في النهج التكاملي يؤمن بكل كيانه بأن العلاقة بين القرآن والواقع علاقة متينة لا يمكن التفكيك بينهما، استناداً إلى مقولة القرآن كتاب تدويني والوجود كتاب تكويني.

مع الالتفات لكل هذه الإشكالات وبعد إيراد كل تلك الردود يمكن القول: إن تفاصيل المنهج، مقوماته، عوائقه، تؤكد مرة أخرى: أن هذا النهج لا ينطلق من ترف فكري أو جدل نخبوي، هذا النهج استند في قيامه إلى نسبية المعرفة الدينية وقوانين تكامل العلوم.

فهذه النسبية وهذا التفاوت قانون تاريخي، وسنة لا بد أن نقبل بها، ولكن لا بد بالمقابل من الحد من خطورتها وسلبياتها، بشحذ كل الإمكانات والأدوات للقرب أكثر من الحقائق الدينية، وتخطي هوامش الخطأ والاشتباه في معارفنا الدينية.

فكان هذا المنهج الذي يستفيد من كل عطاءات التاريخ التفسيري ولكن لا يقف عنده، ويُغنى من كل الآراء للغوص في كل بحوث القرآن المتعددة ويسلط على النص كل المناهج الفكرية والبيانية والعرفانية والاجتماعية... إلخ ليصل إلى أقرب معنى وأدق فهم.

هذا المنهج ليس بالسهل ممارسته وتطبيقه رغم الفوائد العلمية والتربوية التي ذكرنا بعضها. ولكن نقول: إن هناك عدة أدوات وآليات يمكن الاستفادة منها في سبيل تنفيذ هذا النهج:

1- كالمعاجم والموسوعات القرآنية.

2- الدراسات حول مناهج البحث في العلوم الشرعية وخاصة في القرآن والتفسير.

3- المعلوماتية والبرامج الكمبيوترية وشبكة الإنترنت.

4- نتاجات مراكز البحوث المهتمة بالقرآن وعلومه.

5- الأعمال الأكاديمية المتخصصة بالقرآن والتفسير.

6- التوجه للتأليف الجماعي.

إن هذا المنهج يحتاج إلى جهد علمي مركَّز وعمل مؤسساتي لعله يعرف طريقه إلى التفسير في الأمل المنظور إن شاء الله.

--------------------------------------------------------------------------------

[1] العنكبوت: 20.

[2] الروم: 42.

[3] البقرة: 1 - 2.

[4] البقرة: 176.

[5] الأنعام: 155.

[6] الأعراف: 52.

[7] إبراهيم: 1.

[8] الحجر: 1.

[9] النمل: 64.

[10] الكهف: 49.

[11] الأحقاف: 12.

[12] الحديد: 25.

[13] البقرة: 185.

[14] الأنعام: 19.

[15] الإسراء: 9.

[16] الإسراء: 82.

[17] طه: 2.

[18] يوسف: 2.

[19] الواقعة: 77 - 78.

[20] البروج: 21 - 22.

[21] فصلت: 3.

[22] الزمر: 28.

[23] البروج: 22.

[24] الواقعة: 77 - 78.

[25] الحشر: 59.

[26] الرعد: 31.

[27] البقرة: 185.

[28] الفرقان: 1.

[29] الطلاق: 10.

[30] القلم: 52.

[31] التكوير: 27.

[32] الجن: 17.

[33] طه: 99.

[34] طه 2 - 3.

[35] الحاقة: 48.

[36] الحشر: 59.

[37] الرعد: 31.

[38] الإسراء: 82.

[39] الجن: 16.

[40] الأنعام: 38.

[41] الأنعام: 38.

[42] الواقعة: 79.

[43] آل عمران: 7.

[44] محمد: 24.

[45] محمد: 15.

[46] النساء: 174.

[47] النور: 40.

[48] الأنعام: 121.

[49] الزمر: 12.

[50] البقرة: 282.

[51] الروم: 10.

[52] الأنعام: 38.

[53] الأنعام: 19.

[54] القلم: 5.

[55] المدثر: 35 - 36.

[56] سورة الكهف: 109.

[57] الرعد: 41.

[58] الأنبياء: 44.

[59] الحجرات: 6.

[60] الزمر: 62.

[61] النساء: 69.

[62] مريم: 58.


ارسل لصديق