الاستشراق والعبور إلى التاريخانية
كتبه: السيد جعفر العلوي
العدد (42) السنة 19 - 1429هـ/ 2008م
التعليقات: 0
القراءات: 6666

محور الورقة قراءة سريعة لتفاعل لجهود الاستشراق مع الحراك الثقافي الحداثي المشرقي في زاوية محددة هي تاريخية النص القرآني، مع تلمُّس منابع القراءة التاريخية للنص القرآني في علوم القرآن على نحو الإشارة.

مقدمة عن الاستشراق

متابعة الحراك الاستشراقي له ما يبرره؛ فقد اهتم المستشرقون بالتراث العربي والإسلامي جمعاً وحفاظاً ونشراً، وكان معيناً للنُّظم السياسية الغربية في رسم سياساتها في المستعمرات، وأيضاً كانوا أساتذة لشريحة واسعة من المثقفين وأساتذة الجامعات في عالمنا العربي والإسلامي، ومن خلال هذه أصبح لحراكهم المعرفي تموج في بلادنا[1].

تحديد الاستشراق

كلمة الاستشراق ظهرت في الغرب منذ قرنين من الزمان تقريباً، لكن البحث في لغات الشرق وأديانه وخاصة الإسلام قد ظهر قبل ذلك بكثير، ويذكر آربري «والمدلول الأصلي لاصطلاح مستشرق كان في سنة 1638م؛ أحد أعضاء الكنيسة الشرقية أو اليونانية»، وفي سنة 1691 وصف آنتوني وود صمويل كلارك بأنه استشراقي نابه، يعنى ذلك أنه عرف بعض اللغات الشرقية[2].

ويرى رودي بارت أن الاستشراق هو «علم يختص بفقه اللغة خاصة، وأقرب شيء إليه إذن أن نفكر في الاسم الذي أطلق عليه كلمة استشراق مشتقة من كـلمة شرق، وكلمة شرق تعني مشرق الشمس، وعلى هذا يكون الاستشراق هو علم الشرق أو عـلم العالم الشرقي»[3].

ويشير مكسيم رودنـسون إلى أن مصطلح الاستشراق ظهر في اللغة الفرنسية عام 1799، وظهر في اللغة الإنجليزية عام 1838، وأن الاستشراق إنما ظهر للحاجة إلى «إيجاد فرع متخصص من فروع المعرفة لدراسة الشرق». ويضيف: إن الحاجة كانت ماسة لوجود متخصصين للقيام على إنشاء المجلات والجمعيات والأقسام العلمية[4].

وكان الاستشراق ومازال يهتم بالشعوب الشرقية عموماً التي تضم الهند وجنوب شرق آسيا والصين واليابان وكوريا. وعند مراجعة النشاطات الاستشراقية نجد أن هذه المناطق بدأت تُخصَّص بدراسات خاصة بها مثل الدراسات الصينية أو الدراسات الهندية أو الدراسات اليابانية، أما الأصل فكانت كلها تضم تحت مصطلح واحد هو الاستشراق.

ومن خلال كتابات المشتغلين بالاستشراق نتلمس مؤشرين[5] أساسيين:

1- تطلق كلمة مستشرق بشيء من التجاوز على كل من يتخصص أكاديميًّا في أحد فروع المعرفة المتعددة كالتاريخ وعلم الاجتماع وعلم الإنسان والاقتصاد والسياسة وهكذا؛ المتصلة بالشرق.

2- الاستشراق قائم على تمييز وجودي ومعرفي بين الشرق والغرب. لكنه شرق يتلخص ويُختزل في العالم المسلم غالباً. وذلك لأن الشرق يعتبر -باستثناء الإسلام- مجرد امتداد للغرب وتابع له ومسرح لسيطرته، وكان الشرق الإسلامي والعربي هو المنطقة الوحيدة التي كانت تمثل تحدياً لأوروبا، سواء في المجالات السياسية أو الثقافية.

ويلاحظ أنه تم -في المؤتمر الدولي للجمعية الدولية للمستشرقين 1973م- استبدال مصطلح الاستشراق بآخر كالدراسات الشرقية، أو الشرق الأوسطية، أو الدراسات الإقليمية؛ لأن تعبير الاستشراق يتضمن إشارة إلى الجانب السلطوي للاستعمار الأوروبي في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين.

دوافع الاستشراق وأهدافه

كيف بدأ الاستشراق؟..؛ تساؤل يفتح الباب لفهم طبيعة الدوافع الأكثر عمقاً. والاستشراق بوصفه حركة معرفية فاعلة لم تبدأ من لحظات الدعوة الإسلامية الأولى حيث حصل التماس الأول في النصف الثاني من القرن الهجري الأول[6]، والذي يتوسع مع اتساع رقعة الدولة المسلمة، والذي تُوِّج بالاتصال المعرفي الكبير من خلال الأندلس، ويمكن اعتبار الاتصال الأندلسي ولّد حالة من الاستعراب «التأثر بالثقافة العربية والانغماس في مقولاتها وآدابها»[7]، مما حدا بألباروس أسقف قرطبة في القرن التاسع للميلاد أن يصرح بتذمره من نبهاء شباب عصره حيث انصرفوا إلى تعلم اللغة العربية وآدابها، وحينما انصرفوا عن لغتهم اللاتينية تجدهم يتحدثون العربية بفصاحة بل وينظمون شعرها بأفضل مما ينظمه العرب أنفسهم[8].

فالاستشراق بوصفه حركة منضبطة معرفيًّا تؤرخ بدءاً من القرن الثامن عشر، ومسار كثير من الباحثين عن بدايات الاستشراق بوصفه فعلاً معرفيًّا مقصود؛ هو متأرجح بين محطتين: الحروب الصليبية، واحتلال نابليون لمصر.

المحطة الأولى: الحروب الصليبية:

كان للحركة الصليبية دور مركزي في مستوى الأحداث العالمية التي تمحورت في بداية العصر الوسيط بين: الشرق الإسلامي والغرب المسيحي، وخاصة فيما يتعلق بنوعية العلاقة التي ترافقت معها وأعقبتها ومدى تأثيراتها في الرؤية المستقبلية لكل منهما.

وللحروب الصليبية دور مركزي في تعبئة المعتقدات، والعرقية أتاحت عصبية للغرب الأوروبي إبان الحروب بين الإسلام والغرب. ويرى كثير من الباحثين أن الحركة الصليبية هي الأساس الذي قامت عليه عصبية الغرب تجاه الإسلام.

وملاحظة القرون الأربعة الفاصلة بين بدء الدعوة الإسلامية وقدوم الحملة الصليبية الأولى، تكشف عن انفتاح حضاري من قبل الإسلام تجاه الغرب المسيحي. ولم تكن العصبية الإسلامية المعادية للغرب وليدة تحوُّل داخلي في طبيعة الدعوة الإسلامية بقدر ما كانت وليدة الفعل السياسي للدول المسلمة، وأيضاً لم تكن موجهة إلى المسيحية بوصفها ديانة سماوية.

المحطة الثانية: احتلال مصر:

إن الاستشراق الحديث بدأ في أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر؛ حيث شهدت هذه المرحلة تزايد عدد الأستاذية للدراسات الشرقية وتأسيس جمعيات علمية مختلفة في أوروبا تعالج الشرق، ومع حلول عام 1850 أصبح لكل جامعة رئيسية في أوروبا منهج متكامل في أحد فروع الدراسات الشرقية، وصار معنى أن يكون المرء مستشرقاً هو أن يحصل على تدريب جامعي في الدراسات الشرقية.

فمع احتلال نابليون لمصر عام 1798 تحوَّل الاستشراق من استشراق ناءٍ إلى استشراق مقيم، تستمد نصوصُه قوَّتَها وتأثيرها من خلال إقامة المستشرق في الشرق واتصاله به وسيطرته عليه، وأصبح الاستشراق مكتبة أو أرشيفاً من المعلومات تتقاسم الإفادة منه فرنسا وبريطانيا، فيسهل على هاتين القوتين إتقان التعامل مع الشرقيين وإدامة السيطرة عليهم.

ومن خلال ذلك يصنف معظم الباحثين الأهداف إلى ثلاثة:

1- المعرفة العلمية: ويشيرون إلى النوايا الحسنة لدى بعض المستشرقين الروس وبعض المستشرقين الأوربيين أمثال لوي ماسينيون. والمستشرقون الألمان يتصدرون قائمة حسن الظن عند الباحثين، وربما كان إسهامهم[9] في حفظ التراث المشرقي متميزاً جدًّا.

2- التبشير: الدراسات التي قام بها المبشرون المسيحيون والتي أرادوا فيها أن يهاجموا الإسلام بأي طريقة كانت.

3. الاستشراق السياسي: الدراسات الاستشراقية التي كتبت من وزارة الخارجية والبريطانية تحديداً أنموذج بارز، أو من دوائر المخابرات الغربية التي كانت تشرف وتمول دراسات ميدانية عن الإسلام والمسلمين.

وقد حصل بعض التطور في الدراسات الاستشراقية بفضل حركات التحرر العربية والإسلامية، ولكن هذا التطور اتخذ منحى آخر، فلم تعد الدراسات تتركز على الدين الإسلامي بحد ذاته، وإنما أخذت تهتم بالحركات السياسية الإسلامية. وانصبت الدراسات الاستشراقية في محاولة تحليل هذه الحركات تحت مقولة «التهديد الإسلامي».

القرآن الكريم في الدراسة الاستشراقية

بحسب المستشرق الألماني رودي باريت إن الهدف الرئيس من جهود المستشرقين في القرن الثاني عشر الميلادي وفي القرون التالية هو التنصير، وعرَّفه بأنه إقناع المسلمين بلغتهم ببطلان الإسلام، واجتذابهم إلى النصرانية[10].

من هنا سيكون القرآن الكريم والسيرة النبوية وخصوص شخص النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) محط نظر الاستشراق. والتركيز على القرآن واضح التبرير؛ لأنه مصدر القوة ومنبع الرؤية وهو الأصل في معرفة الإسلام. بل إن حيِّزاً من دراسة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) هي في إطار إثبات بشرية القرآن.

ومن خلال متابعة اشتغال الدراسات القرآنية الاستشراقية سنجد أن الاهتمام ينصب على موضوعات مثل: تاريخ القرآن، ترجمة القرآن، تحقيق وفهرسة الدراسات القرآنية، أدب القرآن وأساليبه البلاغية، موضوعات القرآن نفسه مثل قصص الأنبياء.. الوحي.. الأديان السماوية.. العقائد الإسلامية.

ويرصد د. فضل عباس[11] من خلال الموسوعة البريطانية الموضوعات الآتية بتتبعه مادة «قرآن»: تعريف القرآن، شكل القرآن، السور القرآنية ومضمونه عناصر السور والكلمات، ومحتويات القرآن الموضوعات وسياق نزولها، الإنسان في القرآن مثل الحرية، القتال، أصول القرآن جمع القرآن، ترتيب السور والآيات، القراءات، التفسير ومناهجه، الترجمات.

المدرسة الألمانية ونولدكة

ومن خلال مطالعة الاستشراق الألماني الذي يُعتبر في الجملة الأكثر موضوعية عند بعض الباحثين، والأكثر خدمة للتراث الإسلامي؛ سنجد أن محور الدراسات الاستشراقية يتمثل في بشرية القرآن، متكئاً على نزول القرآن وتاريخه، وعلى «التناص» وتصيُّد التشابهات الظاهرية بين مضامين قرآنية وثقافة العرب وثقافة اليهود والنصارى في سبيل تأكيد «البشرية».

وقد اتصلت ألمانيا ببلاد الإسلام إثر الحملة الصليبية الثانية في عام 1147م، وخاصة بعد أن بدأ رجال الدين بترجمة الكتب العربية. فعندما تمت أول ترجمة للقرآن بين عامي 1141 - 1143م إلى اللغة اللاتينية، نجد أن هِرمان الدلماشي قد أسهم في هذه الترجمة إلى جانب كل من روبرت الرتيني وراهب إسباني عربي، وإن لم تُنشر هذه الترجمة لمعاني القرآن إلا بعد أربعة قرون[12].

وكان يوهان جاكوب رايسكه 1716 - 1774 أبرز مستشرق ألماني أسس الدراسات العربية في ألمانيا، وهو أول مستشرق ألماني وقف حياته على دراسة العربية والحضارة الإسلامية، ورأى أن اللغة العربية يمكن أن تُدرس لذاتها، في فترة لم يكن أحدٌ يهتم بالدراسات العربية. وكان له اهتمام واسع بالشعر العربي. وقد اعتبر نفسه شهيد الأدب العربي. وجاء في ترجمة حياته متحدثاً عن المخطوطات «ليس عندي أولاد، ولكن أولادي يتامى بدون أب؛ وأعني بهم المخطوطات»[13].

وهو يرى «أن ظهور النبي محمد وانتصار دينه هما من أحداث التاريخ التي لا يستطيع العقل الإنساني إدراك مداها، ويرى في ذلك برهاناً على تدبير قوة إلهية قديرة»[14].

ومنذ أواسط القرن التاسع عشر، حاول الاستشراق اكتساب صفة «العلمية»، وبدأ يتحلى بالموضوعية، ولو بصورة نسبية، عندما تحوَّل إلى علم قائم على النقد التاريخي، فلم تعد غايته البرهنة على وضاعة العالم العربي الإسلامي؛ وإنما حاول أن يطبق المعيار النقدي على تاريخ الإسلام كما يطبقه على تاريخ فكره الخاص. ولاحظ المستشرق الألماني «رودي باريت» أنه لم تتأتَّ له هذه العلمية «إلا عندما تأكد استعداد الناس للانصراف عن الآراء المسبقة، وعن كل لون من ألوان الانعكاس الذاتي، وللاعتراف لعالَم الشرق بكيانه الخاص الذي تحكمه نظمه الخاصة، وعندما اجتهدوا في نقل صورة موضوعية له ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً»[15].

وقد تميَّز الاستشراق الألماني بجمع المخطوطات ونشرها وفهرستها. مع اهتمام خاص بالجانب الفيلولوجي والصوفي والأدبي، وعناية بوضع معاجم في اللغة العربية، ودراسته لجوانب الفكر العربي الإسلامي في القديم خاصة.

وكان الانشغال بالنص القرآني مما تميزت به جهود الألماني عن باقي جهود المستشرقين الآخرين. وذكر د. عبد الرحمن بدوي أن أقدم ترجمة ألمانية عن النص العربي مباشرة هي ترجمة دافيد فريدرش ميجرلن، الأستاذ في جامعة فرنكفورت، وظهرت سنة 1772 [16].

وعدد ترجمات معاني القرآن إلى الألمانية تصل إلى حوالي اثنتين وأربعين ترجمة. لعل آخرها ترجمة رودي باريت 1966، وقد اعتبرت أحسن ترجمة للقرآن الكريم.

ويمكن ملاحظة -في هذا الشأن- شيخ المستشرقين الألمان « تيودور نولدكه 1836 - 1931»، وذلك لأن حصيلة جهوده في مجال دراسة النص القرآني؛ أصبحت عمدةً ومنطلقاً للدراسات القرآنية في أوروبا، وأصبحت تنبني عليها أخطر النتائج في مجالات الدراسات الإسلامية. فقد كان أكبر متخصص في علوم القرآن في أوروبا كلها[17].

نولدكة وتاريخ القرآن

كان موضوع أطروحته هو «أصل القرآن وترتيب سوره»، قدمها سنة 1858 رسالةَ دكتوراة محدودة لا تزيد عدد صفحاتها على الـ200 صفحة، ويحتلُّ قسماً منها نقد كتابي غوستان فايل وشبرنغر عن القرآن والنبي.. وتوسع فيها لاحقاً، ونشرها بعنوان: «تاريخ النص القرآني» سنة 1860.

ثم عرضت عليه دار نشر ألمانية إعادة طبعه عام 1898، ولأن نظره كان قد ضعُف؛ فقد كلَّف بذلك تلميذه فريدريش شفاللي، الذي أضاف فيه، وصدر الجزء الأول من الكتاب مرة ثانية عام 1909. وتوفي شفاللي قبل نولدكة عام 1919 فصدر الجزء الثاني من الكتاب بتحرير تلميذ آخر من تلامذة نولدكه هو أوغُست فيشر عام 1920. وبإشارة من نولدكه نفسه عمل المستشرق برغشترسّر على إصدار الجزء الثالث؛ لكنه توفّي عام 1934؛ فأكمل تلميذه أوتو برتزل المخطوط وإصدره عام 1937. وفي العام 2000 أعادت دار النشر الشرقية أولمز إصدار الأجزاء الثلاثة في مجلد واحد.

قسّم نولدكه وتلامذته من بعده الكتاب بأجزائه الثلاثة إلى ثلاثة أقسام كبرى؛ القسم الأول عنوانه: في أصل القرآن، والقسم الثاني عنوانه: جمع القرآن، والقسم الثالث عنوانه: تاريخ نصّ القرآن[18].

وفي القسم الأول يُعنى نولدكه وشفاللي بأصل القرآن نبوة النبي، وطرائق تلقّيه الوحي، وبدايات الرسالة، وما يتصل بأمية النبي، ووسائل كتابة القرآن، والتوازن والتوتُّر بين الشفوي والكتابي، ومسألة المكي والمدني ومعناها وأهميتها. ويناقش نولدكة أثناء ترتيبه الآخر للسُّور المكية وهي ثلثا القرآن تقريباً آراء السابقين عليه: فايل وشبرنغر وهرشفلد الألمان، وميور البريطاني. وهو يبدو شديد الموضوعية والاعتدال في آرائه تجاه القرآن والنبي؛ وبخاصةٍ مقارنةً بشبرنغر وميور. لكنه ينطلق، شأنه في ذلك شأن سائر المستشرقين حتى الثلاثينات من القرن العشرين، إلى أنّ نبوة النبي والقرآن على حدٍّ سواء، مستمدان من التراث الإسرائيلي.

في القسم الثاني المسمَّى «جمع القرآن» يعمد نولدكه وتلميذه شفاللي وبرغشتراسّر لقراءة مسألتين رئيستين؛ مسألة التعامل مع الوحي حفظاً وتدويناً، ومسألة جمع القرآن أيام عثمان. ولا يقبل نولدكه الروايات التقليدية الإسلامية على علاّتها لكنه بخلاف غالب المستشرقين كان يرى أنّ النبي كان أميًّا فعلاً، كما أنبياء بني إسرائيل. ثم إنّ القرآن ذا الطابع الشفوي والشعائري، كان مخططاً له منذ البداية أن يُدوَّن؛ بحيث يجري الحفاظُ على الأمرين: الشفوية الضرورية في التلاوة، الحفظ وسلامة النص والأمن من التغيير أو النسيان بالتدوين. ويطيل نولدكه في مناقشة قصة جمع عثمان للقرآن، ولا يقبل كثيراً من التفاصيل، لكنه يقبل أنّ القرآن كان مدوَّناً منذ أيام النبي، لكنه كُتب في مصاحف أيام عثمان. ويرى نولدكه في هذا القسم أن القرآن مرتبط بسيرة النبي في المدينة، فقارن بين الآيات وأحداث السيرة بصورة واسعة.

أمّا القسم الثالث وعنوانه: تاريخ نصّ القرآن فيتحدث عن رسم المصحف، وأيضاً عن المخطوطات القرآنية، لكن أكثره محوره القراءات القرآنية. والنظرة الرسمية السنية السائدة الذين يرون شرعية القراءات ويعللون القراءات بأنها بتأثير لهجات القبائل والأمصار، وتخلق حالة من التنوع المفكري!... أمّا نولدكه وتلامذته فيذكرون عدة أسباب: المرحلة الشفوية، وأخطاء الرسم والإعجام، والتوسع في التفسير والتأويل، وبقايا المرحلة الشفوية المبكّرة...

وهنا يمكن أن نتوقف عند بعض الملاحظات:

الأولى: أهمية مدرسة نولدكة

يعتبر الكثير من الباحثين هذا الكتاب أخطر كتاب أنتجه الغرب في تاريخه مع تعامله مع النص القرآني، ويكفي هذا الكتاب شهرة ومكانه أنه أصبح عمدة في فرع تخصص «قرآن»، وأنه أصبح ملاذاً للمستشرقين ومرجعهم المعرفي. ويذكر د. ميشال جحا أنه أصبح راسخ القدم في العلوم القرآنية، وأنه وضع أسس البحث العلمي للدراسات القرآنية التي جاءت من بعده[19].

وكتاب نولدكه يعتبره أبو عبد الله الزنجاني في كتابه[20] «تاريخ القرآن» من أهم ما ألفه الإفرنج في تاريخ القرآن؛ إذ بحث فيه صاحبه بتضلع عميق. وحاول أن يكون موضوعيًّا قدر الإمكان.

وأما بلاشير المستشرق الفرنسي 1900 - 1973 فيرى أنه بفضل نولدكه ومدرسته أصبح ممكناً من الآن فصاعداً أن نوضِّح للقارئ غير المطلع ما يجب أن يعرفه عن القرآن؛ ليفهمه بوعي، وليتخطى القلق الذي ينتابه عند اطلاعه على نص يغلب عليه الغموض[21].

ويبدو أن عناية نولدكه بالنص القرآني كانت وراء شهرته، ولا شك أن جهوده في حقل الدراسات القرآنية ظلت معلمة بارزة في أعمال المستشرقين على الإطلاق.

لكن ملاحظة عدم توافر الترجمة العربية إلا مؤخراً[22] يجعل من تأثيره المباشر في الكتابات العربية محدوداً، وإنما يتم التواصل معه من خلال أبحاث الأوروبيين والموسوعات الأوروبية.

فالقارئ لدائرة المعارف الإسلامية يثير انتباهه مكانة نولدكه عند كتابها؛ إذ تراهم يعتبرونه عمدة في كل ما يتعلق بقضايا النص القرآن. وبعبارة: إن تأثير نولدكة هو عبر تلامذته وعبر تداعيات دراساته في الأبحاث الاستشراقية.

ومن جانب آخر اشتملت أبحاث نولدكة على قدح في القرآن، فقد ألمح إلى وجود التحريف في القرآن في كتابه «تاريخ النص القرآني»؛ وذلك حين كتب فصلاً بعنوان: «الوحي الذي نزل على محمد ولم يُحفَظ في القرآن»، ثم صرَّح بالتحريف في مادة «قرآن» بدائرة المعارف الإسلامية، حين يقول: «إنه مما لا شك فيه أن هناك فقرات في القرآن ضاعت»، وفي مادة «قرآن» في دائرة المعارف البريطانية يُقرر مسألة التحريف في القرآن فيقول: «إن القرآن غير كامل الأجزاء»[23].

ويبدو أن نولدكه أسهم بشكل قوي في ترسيخ مسألة التحريف في الفكر الاستشراقي؛ فقد فتح الطريق أمام تحريف القرآن.

ومن المناسب أن نشير إلى أن نولدكه -في رأي بعض الباحثين- متوقف في مسألة الانتحال انتساب القرآن للبيئة الثقافية، مسشهدين في إعادة طباعة كتابه تاركاً هذه المهمة إلى شفالى، فعرف الكتاب بـ«كتاب نولدكة - شفالى»[24].

الثانية: المنهج التاريخي الفيلولوجي:

تجاوزت الدراسات الاستشراقية في الشكل على أقل تقدير صبغة نقض القرآن، التزاماً بقراءة فيلولوجية تاريخانية؛ حيث وجدت ضالتها خلال القرن التاسع عشر في محاولات إعادة ترتيب السور القرآنية في ضوء الظروف والمناسبات التي مرَّت منها الدعوة الإسلامية... فذهب البحث يرصد أخبار تدوين القرآن، ويُفتِّش في أسباب النزول؛ بحثاً عن ظاهرة يُؤكد بها بشرية القرآن.

ويرى باحثون[25] أن العبارة المقاربة لـ«فيلولوجيا» هي: فقه اللغة المقارن. فقد ركَّز علماء اللسانيات مع بداية القرن التاسع عشر على التحليل التاريخي المقارن للغة، بدراسة النصوص المكتوبة، واكتشاف عناصر التشابه بين لغة وأخرى، وملاحظة التغيرات التي تطرأ على اللغة عبر الزمن، ومقارنة التغيرات التاريخية بين اللغات المتشابهة، على سبيل المثال الدراسة المقارنة للغة العربية واللغات السامية كما في كتاب «اللغات السامية» لنولدكة. ومن هذا القبيل محاولة البحث عن الأصول السريانية أو اليهودية أو الآرامية لكلمات القرآن في سياق البحث عن أصول القرآن في الثقافة الموروثة.

وقد ميّز أصحاب هذا المنهج بين مستويين من الدراسة[26]:

الأول؛ الدراسة النقدية العليا المهتمة بدراسة الظروف المحيطة بالنص «البيئة الثقافية، السياسية، الاجتماعية» وموقف المؤلف وأهدافه من الكتابة، والشروط العلمية المكتنفة لعملية ضبط النص (التاريخي) ورواته، وكيف جُمع، ونسخه الأولى..

الثاني؛ النقد الأدنى، بمعنى دراسة النص نفسه دراسة لغوية مقارنة (فيلولوجية) لتبين التناقض في الأجزاء التشريعية والقصص وغيرها.

مما يتطلب معرفة اللغة، وتقسيم النص إلى وحدات وفرز العبارات الواضحة والملتبسة. ويبدأ البحث عن أمور من جملتها أصول الكلمات لتحديد هويتها، والبحث عن الاختلاف والتناقض، ومحاولة تحديد الزمن للوحدات من خلال مراجعة الدلالة فلربما لم تستعمل إلا بعد تاريخ النص المزعوم، أو الموضوعات المتناولة تنتمي لعصور لاحقة.. ويكون لتباين أسلوب النص دور أساسي لتحديد اختلاف زمن كتابة الوحدتين المختلفتين.

ونرى في المنهج التاريخاني الفيلولوجي المعهود في القرن التاسع عشر إشكاليتين أساسيتين:

الأولى: السلبية تجاه البعد الإلهي بوصفها نتيجة منطقيّة للنزعة المادية في أوروبا، وللعداء المستفحل في المجتمع العلمي الأوروبي مع الكنيسة، ومن الطبيعي أن يمتد العداء للإسلام. لذا تغض بصورة غريبة عن تفسير التشابه النسبي بين الأديان لوحدة الانتماء الإلهي. ولا يصح أن «العلمية» تقتضي الحيادية وذلك لـ:

ألف: التجريد من القداسة لإضفاء الحياد العلمي الذي يتناول الموضوع أمر حسن، في أنه هنا بمعنى الإنكار المطلق للأصل الإلهي، وهو موقف مسبق ينافي الموضوعية. وهو فرض جعل البحث يستنفد طاقاته في إثبات الانتماء الاجتماعي البشري للنص القرآني.

باء: البحث التاريخي قادر على رصد وتتبع السياق التاريخي والاجتماعي للأحداث، ويتعذر عليه رصد مباديها الخفية، إذ إن هذا الرصد يتطلب رؤية فلسفية، هي بدورها خلقت السلبية مسبقاً من القرآن.

وإلا كيف نفهم غض الطرف عن التباين الكبير بين السياق التاريخي والاجتماعي والقرآن، بحيث تعجز كل آليات التفسير في إرجاعه لتلك البيئة.

وهكذا تتوالى سلسلة من الافتراضات -وغالباً ما تكون مسلمات في بحوثهم-، فالشك في النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الذي يؤكد القرآن أنه وحي إلهي، وتصبح غاية البحث التنقيب عن بذور التشكيك والقدح في شخصه الكريم. وهكذا تصبح الغيبيات (مثل الوحي) مجرد أساطير أو هلوسات. وأيضاً يصبح البحث عن مصادر يهودية ونصرانية ووثنية نتيجة منطقية وضرورية لتفسير القرآن الكريم.

والمفارقة المدهشة أن المنهج التاريخي عند المستشرقين يؤدي إلى تحجيم الدين المسيحي في الأطر الشخصية ويبعده عن الحياة العامة، ويتكلف عناء الإنكار للأصل الإلهي في الإسلام، وبالتالي يصبح دور الإسلام في الحياة العامة ساقطاً حكماً.

الثانية: الفيلولوجية المُتعارَف عليها في دراسة سائر النصوص تسعى نحو تفتيت بنية النصوص وإرجاعها إلى أصول أقدم تفترضها مع الافتقار -في الإرجاع- لمستند رصين[27] سوى الاضطرار بعد حذف البعد الإلهي للقفز على عدم إمكانية إرجاع القرآن للبيئة لتقدمه الكبير عليها ومناقضته لها. وهي -الفيلولوجيا- هنا أيضاً تؤدي إلى نسف قوة النص الكامنة في جمالياته البيانية، والشفاهية، وفاعلياته الدلالية الداخلية فلا تدرك آليات تأثيره في المؤمنين، ولا تستوعب أنساقه الدلالية المتوالدة داخله. وربما العبارة الأنسب أن الفيلولوجية تعجز عن إدراك فاعلية بنية النص الدلالية والجمالية والتأثيرية.

الثالثة: غائيات القراءة الزمنية: وتطبيقاً للمنهج التاريخي أعاد نولدكه ترتيب القرآن زمنيًّا على غير نهج المصحف الشريف، فأصبح الترتيب الذي انتهجه نولدكه يشغل أذهان المستشرقين جميعاً، ويعلقون عليه أخطر النتائج في عالم الدراسات القرآنية[28].

فالبحث في تاريخ القرآن هو بحث في توثيق النص القرآني: ملابسات نزوله، جمعه وتدوينه، قراءاته... والغاية ربطه بمناخه العام؛ لإثبات بشريته. حيث استقرت البحوث التاريخية في ثلاثة أمور:

الأول: البحث عن مصادر للنص القرآني في مواريث البيئة العربية واليهودية والنصرانية والأمم التي اختلط العرب بها.

الثاني: أنّ النص القرآني الذي بين أيدينا اليوم هو في مجموعه مما خلّفه النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، على أن في التفصيل تأملاً ومراجعة وتشكيك عند بعضهم. فقد دُوِّن استناداً إلى ما خلّفه كتَّاب النبي من مدونات، وإلى ما احتفظت به الذاكرة الجماعية للجماعة الإسلامية الأولى، لكن الصحابة اختلفوا وهكذا.

الثالث: أنّ الترتيب الحالي للسُّوَر كما اعتمد في المصحف العثماني مختلفٌ عمّا خلّفه النبّي لأصحابه، وربما اختلف أيضاً ترتيب الآيات في بعض السُّوَر.

وعموماً؛ فإن مراجعة أعمال المستشرقين سنجدها تركّز على تاريخ القرآن. وهذه القراءة الزمنية أرادوا من خلالها معالجة بعض الموضوعات، ومنها:

1- ما يلخصه الدكتور التهامي[29]: من غايات البحث الاستشراقي؛ تثبيت بشرية الـ«مصدر القرآني»، والتشكيك في «الوثوق بصحة النص القرآني» من حيث الضبط مع ما تلاه النبي، مستندين هنا إلى: جمع القرآن ونسخه -اختلاف القُرَّاء والقراءات.

2- خلخلة الثبات في التشريعات الفقهية من خلال الناسخ والمنسوخ في القرآن - أسباب النزول.

3- كشف العلاقة التفاعلية بين النص والسياق التاريخي والاجتماعي بهدف الكشف عن ملابسات الانتقال من النص القرآني المفتوح المتفاعل الذي تتوالد دلالاته من خلال البيئة الثقافية لمتلقي الخطاب إلى النص القرآني المغلق الذي يريده المسلمون مهيمناً على الواقع.. لكن يبدو أن ذلك الاشتغال في القرن العشرين أزمة أكثر منه غاية.

توطئة نقدية

أولاً: في المقاربة الاستشراقية:

يتضح بقوة في المقاربة التاريخية للاستشراق الكلاسيكي في القرن التاسع عشر خطي الإرجاع للبيئة الثقافية، والتشكيك في توثيق النص القرآني من خلال جمع القرآن وتدوينه.

ألف: الأصل البشري للقرآن الكريم:

إرجاع القرآن إلى عناصر خارجية ضمن نسقين:

الأول: البحث عن الأثر المسيحي المنتشر في سائر أنحاء الجزيرة، وربما افترضوا وجود جماعة مسيحية كبيرة في مكة، وربما زعموا أن الكعبة في الأصل كنيسة. ومجال الافتراض التخيلي واسع، وتصعب مناقشته بسبب عدم وجود مستندات تاريخية تستدعي التوقف، سوى أنها فرضيات مريحة لمن يفرون من الحقائق ويستريحون للكفر بهذا الدين.

وطبعاً الإرجاع المسيحي يقابله إرجاع لليهودية، وأيضاً لعوائد العرب ووثنياتهم... وحينها سنجد أن الحج عادة عربية، والجهاد ثقافة الغزو العربية، وهكذا.

الثاني: النهج الفيلولوجي واسع في الإرجاع للأصول التوراتية أو الإنجيلية، بل والسريانية. وهنا يتعدى البحث عن أصل القرآن إلى خلق دلالات جديدة لم يفهمها العربي المعاصر للدعوة ولا الصحابة. وعدم الفهم ليس بسبب الجهل بالآفاق العلمية المرتبطة بالمعنى التركيبي للجملة وإنما بسبب جهلهم بمعاني الكلمات المفردة.

ويستدلون على وجود كلمات وصيغ غامضة أو غريبة في القرآن، فيرون أنّ تلك الكلمات سريانية. وواضح أن الكلمات المستعربة ليست محل إنكار، لكن الكلام في توظيف ذلك لإثبات الاقتباس مما لا معنى له، حيث إن صورة الكلمات لا تنفع في ذلك؛ لذا بالرغم من عربية القرآن لم يبحثوا -على أقل تقدير- في حصر انتمائه العربي، فالمعول على المضامين، والقرون تتوالى والفشل حليف المناوئين للقرآن.

ومن جهة أخرى التفسير بغير المعاني الجديدة التي اكتسبتها حين تعريبها أيضاً لا معنى له؛ إذ بالتعريب ولدت دلالتها العربية، بل إن الدلالة القرآنية تبدأ من المعاني المعجمية ولا تقف عندها لتولد ثانية في داخل منظومة معارفه دلالات جديدة متشابكة الارتباط بحيث إن إخراجها من النسق يفقدها أبعادها الدلالية القرآنية، فشتان بين كلمة الله في الثقافة الوثنية، والإغريقية، واليهودية والإسلامية، وهكذا الحال في سائر الكلمات ذات الأبعاد المفاهيمية.

باء: التشكيك في وثاقة النص القرآني:

نشأ هذا التشكيك من تتبع الرواية الإسلامية التقليدية والتفتيش عن الثغرات المتوافرة بطبيعة الحال خصوصاً[30] مع رواية أن القرآن جُمِعَ في المصحف أيام الخليفة الثالث عثمان بن عفان استناداً إلى نصوص مكتوبة أيام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لكن بجهود شخصية منهم، ومن شفويات حفظها الصحابة، أو رواية أن الجمع في عهد أبي بكر حيث أمر زيد بن ثابت، وإنما تم توحيد المصاحف في عهد عثمان.

ومن جهة أخرى صعوبات الخطّ العربي وبدائياته الذي يتطلب التحفظ على شفاهية التلاوة لضبط النصّ وتحريره. ونتيجة هاتين العمليتين ظهرت القراءات السبع أو العشر. ويبدأ التشكيك في مقدرة الصحابة على الضبط بصورة دقيقة، ويُستعان باختلافهم، وربما نفى آخرون أي تدوين في حياة النبي ولو بجهد شخصي، وهكذا يُستعان بمقولات التحريف الواردة.

إلا أنا نلاحظ أنه على شدة اختلاف المسلمين وتباين مذاهبهم، لم يظهر أحد يدَّعي أن النص القرآني المعروف فيه تحريف، حتى من القائلين بالتحريف -وهم استثناء- فهم يرون النقص مع سلامة الموجود. مع أن الرواية الصحيحة والمعتمدة هي تدوين القرآن في عهد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، والوثائق التاريخية واضحة، والتشكيكات تستند لعبثية فوضوية، ويكفي أن نشير إلى محاولة ألمانية.

فقد أُنشئ للقرآن متحف في ميونيخ، وذلك بعد أن قرر المجمع العلمي البافاري في ميونيخ جمع المصادر الخاصة بالقرآن الكريم وعلومه، وضبط قراءاته لنشرها، فتولى المهمة برجشترسير 1886 - 1933، متخصص في اللغات السامية والدراسات الإسلامية. وقد جُمعت في ذلك المعهد آلاف النسخ من القرآن الكريم مطبوعاً أو مخطوطاً أو مصوراً[31].

وكان الهدف من كل ذلك أن يُقارنوا بين نصوص القرآن الكريم في مختلف نسخه المخطوطة بين بلد وآخر، وناسخ وآخر... ولهذه الغاية تمَّّ تدوين كل آية في لوح خاص مع كل رسم عُثر عليه لها في مختلف المصاحف، وبيان قراءتها وتفاسيرها المتعددة.

وبعد وفاة برجشترسير المبكرة إثر سقوطه في الجبال سنة 1933، انتدب البافاري أوتو بريتسل 1893 - 1941 أستاذ اللغات السامية في جامعة ميونيخ لاستكمال هذا المشروع[32]. ولم يطالعنا أحد بوجود نسخة تختلف عما هو موجود بين المسلمين ومعتمد لديهم.

ثانياً: في مقاربة الاستشراق:

الأسلوب السائد هو انقسام بين نقد للاستشراق، وبين انغماس في مقولاته، ومن المناسب أن نتوقف قليلاً هنا في ملاحظات:

1- إن من المنطقي أن يكرس الاستشراق جهوده في التعرف إلى ثقافة مغايرة ومنافسة لحضارته ويعمل على هدمها، وينبغي أن نتعاطى مع الاستشراق من خلال مقولة التدافع بين الحضارات والثقافات بروحية علمية نقدية. إن التدافع له فوائده التي لا تُنكر في تطوير التجربة المعرفية لدى البشر، كما أن التواصل النقدي يتيح التعارف بصورة أفضل من السلبية، نعم إن الانطباع السلبي عن الاستشراق لم يُولد من فراغ، حيث اصطبغ بالتعصب الذي يحجب الأمانة العلمية وكان في خدمة الدولة الغربية في نشاطها الاستعماري.

إن التعصب والانطباعات المسبقة عن الشرق حاكمين على المستشرقين بصورة واضحة، وبعبارة أخرى: إن الاستشراق لا يحاكمنا بمناهج معرفية فحسب، وإنما بذهنية متعصبة ومليئة بالأفكار المسبقة.

2- انقطاع الامتياز الغربي المعرفي؛ فلقد أصبحت المعرفة العصرية شاملة، وأصبح أدوات التواصل والنشر من ممثلي الدين والمعرفة الرسمية للدين متاحة.

وبعبارة أصبحت المعرفة الرسمية للدين متاحة بلغة معاصرة تجادل وتساجل المقولات الحديثة، بل وتُخضع الاستشراق والحداثة الغربية للنقد. ومن جهة أخرى فإن المتعلمين والمتعمقين في أدوات المعرفة العصرية ومناهجها ليسوا كلهم منغمسين في الاستشراق، فثمة نخب متباينة الانتماءات لكنها تمتلك رؤية نقدية للحركة الاستشراقية.

ومن خلال خروج رواد المعرفة الدينية من العزلة، ومن خلال توافر نخب تمتلك رؤى نقدية للاستشراق فإن الهيمنة المعرفية الاستشراقية أصبحت من الماضي، وأصبح السجال والتواصل النقدي ليس بين مدارس استشراقية، وإنما بين الشرق والغرب، وبين إسلاميين وحداثويين.

التاريخانية العربية

إن متابعة تموُّج الاستشراق في الداخل الشرقي العربي والمسلم، هو انتقال مبرر. فأولاً: إن التموُّج هو إحدى غايات الاستشراق ونتائجه، وثانياً، إن الحداثويين في أبحاثهم واصلوا الدراسة النقدية لكن من الداخل، والحق إن دراسات الحداثيين العرب والمسلمين أقل احتشاءً بالسذاجات الممتلئة بها كتب المستشرقين.

لكن ينبغي أن نسجل أنه من جهة ثالثة أن أهداف الأبحاث الاستشراقية في إطار تقديم المعرفة لراسمي القرار في الدولة الغربية في حين تستهدف دراسات الحداثة المشرقية بحسب وجهة نظرهم التخلص من التخلف وخلق تقدمية حضارية. وأيضاً من جهة رابعة إن الحداثة العربية تجاوزت الأبحاث الكلاسيكية للاستشراق في القرن التاسع عشر، واستفادت من التيارات الحديثة في أوروبا في القرن العشرين.

بيد أننا نلاحظ أن دعاوى تجاوز الاستشراق الكلاسيكي لا تعني الإعراض عن مقولاته، وإنما إضافة منهجيات نمت في القرن العشرين، وتوظيفها في موضوعات الاستشراق في تقويضية أكثر فاعلية.

ولنلاحظ أركون في نقده للعقل الإسلامي عن طريق تبني منهجية جديدة سماها عام 1973: بعلم الإسلاميات التطبيقية. ونوضحها تبعاً لهاشم صالح[33]:

أولاً: تمييزه عن الإسلاميات الكلاسيكية: أي الاستشراق:

ألف: يحدد مفهوم الاستشراق -الذي سيطر على الجامعات الغربية طيلة القرن التاسع عشر وحتى منتصف القرن العشرين- بإنه خطاب غربي عن الإسلام. أي علم الإسلاميات أو العلم المختص بدراسة الإسلام وتراثه. وأركون يقر للاستشراق بأنه كان أول من طبق المنهج التاريخي الفيلولوجي على التراث الإسلامي. وهذا ما فعله المستشرق الألماني نولدكه في كتابه الشهير عن القرآن الكريم، وما فعله جوزيف شاخت عن الشريعة، أو غولدزيهر وسواه عن الحديث النبوي، إلخ.. وبالتالي فأركون يعترف للاستشراق بالفضل من هذه الناحية. لكنه يعيب على الاستشراق اكتفاءه بهذه المنهجية التاريخية الفيلولوجية أي اللغوية التي تعود إلى القرن التاسع عشر. فهو يرى أنها لا تشكل إلا المرحلة الأولى من مراحل الدراسة العلمية للتراث.

باء: المرحلة الثانية المتمثلة في تطبيق مناهج العلوم الإنسانية الحديثة التي ظهرت بعد الحرب العالمية الثانية في أوروبا. المستشرقون ظلوا كلاسيكيين أو تقليديين من هذه الناحية. فقد رفضوا في معظمهم تبني هذه المناهج الجديدة بحجة أنها موضات باريسية سرعان ما تختفي وتزول!

ولهذا السبب رفضوا: «تجديد مدرسة الحوليات الفرنسية فيما يخص علم التاريخ، اكتشافات كلود ليفي ستروس في مجال علم الأنثربولوجيا، اكتشافات بيير بورديو فيما يخص علم الاجتماع، اكتشافات ميشيل فوكو فيما يخص الفلسفة وأركيولوجيا المعرفة».. وأهملوا التجديد المنهجي الذي أدخله رولان بارت إلى ساحة النقد الأدبي والذي تجاوز فيه المنهجية الفيلولوجية لقراءة النصوص. لذلك يلوم أركون الاستشراق ويعتبره متخلِّفاً عن حركة البحث العلمي والتجديد المنهجي.

تاء: ويعيب أركون على الاستشراق جملة أشياء منها:

1- حصر الاهتمام بالنصوص الكبرى للإسلام حيث ينقلها كما هي إلى اللغات الأوروبية بشكل بارد.

2- الاستشراف لا يهتم إلا بالخطابات الرسمية السائدة متجاهلاً بذلك المكبوت والمسكوت عنه في العالم العربي والإسلامي بسبب الرقابة الرسمية القمعية ماضياً وحاضراً.

ثانياً: علم الإسلاميات التطبيقية:

نلاحظ بداية أنه لم يخترع مصطلح الإسلاميات التطبيقية من عدم وإنما أخذه عن عالم فرنسي يدعى روجيه باستيد كان قد ألّف كتاباً بعنوان: علم الأنثربولوجيا التطبيقية.

وفيه يحدد العلاقة بين العلم النظري والممارسة العملية أو التطبيقية الناتجة عنه على النحو التالي:

المعرفة تعني أن تستبق الأمور أو تستكشفها أولاً قبل أن تستطيع السيطرة عليها، لكن لا يمكنك أن تسيطر عليها إلا إذا عرفتها. ولا يمكن أن تعرفها إلا إذا تخليت، ولو للحظة، عن هاجس التسلط والهيمنة. هذه هي العلاقة الجدلية التي تربط بين المعرفة والسلطة، أو الفكر النظري والممارسة العملية الهادفة إلى تغيير الواقع. من هنا نفهم جملة مفارقات بين الاستشراق وإسلاميات أركون:

1- هدف المعرفة مساعدة المسلمين على فهم وتشخيص مشاكلهم. التبحر الأكاديمي البارد الذي يشغل نفسه بالتفاصيل الصغيرة التافهة غير نافع.. فينبغي الانفتاح على رؤساء المذاهب مثلاً حيث تأثيرهم ما زال حيًّا. وبالتالي فإن علم الإسلاميات التطبيقية ينطلق من الحاضر وقضاياه ولا يُغرق في الماضي البعيد المنقطع عن حركة الحياة والهموم المعاصرة.

2- المستشرق يهدف إلى تقديم معلومات محددة عن الإسلام إلى الجمهور الغربي. إما عالم الإسلاميات التطبيقية، فيهدف إلى دراسة الإسلام ضمن منظورين متكاملين: الأول أنه يدرس الإسلام بوصفه مثالاً من جملة أمثلة أخرى على الظاهرة الدينية وليس مثالاً وحيداً أو كلية الدين. أي ضمن منظور علم الأديان المقارنة. وهذا يؤدي إلى تحرير تفكير المسلمين.

أما المنظور الثاني فهو أن أركون يدرس الإسلام ضمن منظور الأنثربولوجيا الدينية. بمعنى أنه يريد أن يتوصل إلى فهم الظاهرة الدينية كلها من خلال دراسة تراث واحد ولكن بعد مقارنته بالتراثات الأخرى، لكي يتوصل إلى القاسم المشترك الأعظم فيما بينها.

3- لا يكتفي بتطبيق المنهجية الفيلولوجية الموروثة عن القرن التاسع عشر، وإنما يضيف إليها كل مناهج علوم الإنسان والمجتمع. فهو يطبق عدة مناهج دفعة واحدة: كمنهجية علم الألسنيات الحديثة وعلم النفس التاريخي وعلم الاجتماع وعلم اللاهوت المقارن إلخ.. إنه يطبق كل ذلك على دراسة التراث الإسلامي ونصوصه الكبرى.

ولا يسع غرض الورقة لتفصيل ما اقتبسناه من «الإسلاميات التطبيقية» إلا أن المهم الالتفات إلى أن الحداثة العربية لم تشكّل خصومة أو قطيعة مع الاستشراق، نعم لم تقف عند مناهج أوروبا في القرن التاسع عشر.

ولنلاحظ في ثنايا ما يأتي غائيات الدراسات الاستشراقية؛ (بشرية الـ«مصدر القرآني»، والتشكيك في «الوثوق بصحة النص القرآني»، خلخلة الثبات في التشريعات الفقهية، العلاقة التفاعلية بين النص والسياق التاريخي لتحقيق انفتاح النص على الدلالات الجديدة من خلال سياق المتلقي).. كيف تسعى الحداثة العربية جاهدة في تحقيقها.

والواقع أن مناهج التعاطي مع القرآن، وإن اتكأت على البشرية فإنها توزعت مناهج متعددة، يمكن تأطير غالبها في اتجاهين: الأول الاتجاه التاريخاني، والثاني، الاتجاه الألسني والتأويلي. وهنا سنقصر الحديث عن التاريخانية كما هو مخطط. وفي هذا الشأن يصنف[34] أركون قراءة القرآن إلى ثلاث: القراءة الإيمانية - القراءة التاريخية الأنثربولوجية - القراءة الألسنية والسيميائية النقدية.

في حقيقة التاريخانية

مفهوم «تاريخية النص» يحيل إلى التاريخ، لكن لا بمعنى أن له وجوداً حقيقيًّا مقابل النفي والتخيل، والذي هو فهم لغوي عرفي. وإنما في نسق من المعاني بدأ يتشكل مع الفلسفة الماركسية فيما يُعرف بعلاقة الفكر بالواقع وعلم اجتماع المعرفة في تفسير توالد المعرفة من خلال الأطر الاجتماعية. ونتوقف قليلاً لتكوين فكرة عامة عن التعبيرات الشائعة؛ تاريخية وتاريخانية.

أولاً: مفهوم التاريخ اللغوي والعلمي:

1- من خلال تتبع التعاريف اللغوية لكلمة تاريخ نجد أن تعريف الوقت هو المعنى الغالب لدى علماء اللغة[35]، حيث ذكروا أن التاريخ: «تعريف الوقت. أرّخ الكتاب وقَّته»، أما عن أصل الكلمة فقد اختُلف فيه؛ فقد قيل إنه عربي، وقيل إنه غير ذلك. ويقول الرازي: «التاريخ» و«التوريخ»، تعريف الوقت. تقول: أرَّخ الكتاب بيوم كذا، و«ورَّخه» بمعنى واحد فلا يعدو هذا الفرق الإملائي بين الكلمتين تاريخ وتوريخ، أكثر من كونهما نطقاً لمعنى واحد للهجتين عربيتين، لهجة بني تميم ولهجة قيس، فبنو تميم يقولون: «ورَّخت الكتاب توريخاً»، وقيس تقول: «أرَّخته تأريخاً»[36].

2- والتاريخ التسجيلي التدويني أصبح هو المعنى المتبادر، لكن يمكن تصيُّد معانٍ متعددة تنتمي لعائلة واحدة:

- سير الزمن والأحداث، أي التطور التاريخي لأمة أو جماعة.

- تاريخ الرجال وأخبارهم.

- التدوين التاريخي، أو التاريخ، مع وصف لعملية التطور وتحليله.

- علم التاريخ والمعرفة به، وكتب التاريخ.

- تحديد زمن الواقعة أو الحادثة، باليوم والشهر والسنة.

والملاحظ؛ على تطور استعمال مفردة تاريخ:

أ: أنها حافظت على الارتباط بالزمن.

ب: الاقتراب من الجوانب الاجتماعية والحضارية تدريجيًّا.

ت: الموضوع الأساس هو الإنسان وفاعليته، ومن ثم التاريخ امتياز إنساني، من حيث ارتباط الفاعلية بالوعي والإرادة، ومن ثم التحكم والإبداع والتطور، ومن حيث الذاكرة الممتدة.

ث: المشتغل في التاريخ هو المؤرخ، وهو الذي يعالج أحداثه فيكتبها وينسقها وقد يقوم بتحليلها، وهناك الإخباري، وهو ناقل الأخبار كما رآها أو رُويت له، ومثله الراوية للأخبار.

ثانياً: التاريخية منهجاً للتفسير:

ألف: التاريخية والتاريخانية التقليدية:

يتجاوز تداول كلمة التاريخ المعنى الشائع والعرفي بأنه علم يبحث في الوقائع والحوادث الماضية إلى رؤية فلسفية وإحالة في التفسير.

فالتاريخانية أو النزعة التأريخية، أو المذهب التاريخي تعبيرات مرادفة لاعتبار التاريخ مبدأً وحيداً لتفسير الفاعلية البشرية وسيرورة الأحداث. أي تفسير كل الظواهر المرتبطة بالإنسان عن طريق شروطها التأريخية، فالتاريخ يكفي نفسه بنفسه، ولا علاقة له بأي مبدأ آخر للتفسير:

أ: التاريخانية تنفي كلّ المبادئ الأخرى كالغيب، فالتاريخانية ليست مجرّد منهج بل هي مذهب يرى أنّ كلّ حقيقة -مهما كانت- نتيجة للشروط التاريخية.

ب: التاريخانية شيء والاعتماد على التاريخ في تفسير بعض الظواهر الاقتصادية والسياسية شيء آخر، فالإحالة التاريخية فهم السياق التاريخي للواقعة، وعدم اقتطاع الحدث من المنظومة التي ينتمي إليها إلى منظومة أخرى وإدراج الوقائع والأحداث في رؤية شاملة تفسر ولا تفرض. وبعبارة: إن التفسير الذي يلحظ السياق التاريخي حين ينكر مثلاً الغيب فإنكاره قد يرجع لنزوعه المادي لا التاريخانية، وقد يرجع أيضاً لعدم وجود دلائله في ذلك السياق مع الإيمان بالغيب مبدأً عامًّا.

ومن هنا فإن الاستشراق الكلاسيكي في القرن التاسع عشر وهو يفسر القرآن في إطار التوالد من البيئة الثقافية آنذاك فإنما ينطلق من نزوعه المادي ونفيه للبعد الإلهي لخصوص القرآن على أقل تقدير، ولا يرجع للتاريخانية.

باء: التاريخية الجديدة[37]:

تعد تسمية التاريخانية الجديدة تمييزاً لها عن التاريخانية التقليدية التي ظهرت في القرن التاسع عشر.. وتلتقي التاريخانية الجديدة مع التاريخانية التقليدية على مفهوم روح العصر، جدلية الواقع والفكر. حيث تؤمن المدرستان بأن الأدب هو جزء من السياق التاريخي العام للمجتمع. لكن لنتوقف قليلاً عندها:

فالخطاب -في التاريخية الجديدة -ليس مغلقاً أو مستقلاً عن بيئته، وإنما هو وسيلة لقوة تتبناه جماعة يتمتعون بأهداف ومصالح مشتركة ويمثلون نسيجاً اجتماعيًّا وثقافيًّا متميزاً داخل المجتمع الإنساني في لحظة تاريخية محددة.

وهنا نفهم كيف يكتسب الخطاب قوته من خلال قوة وهيمنة الطبقة الاجتماعية أو الشريحة التي تتبنى ذلك الخطاب وتماسكه وتطرحه وتكرسه.

وهذا هو بداية التأسيس للبعد التاريخي عند فوكو على مفهوم الخطاب ويجعله المرجعية المعرفية الرئيسة التي تقوم بتنظيم وترتيب الممارسات الاجتماعية والثقافية والسياسية والاقتصادية لمجتمع معين داخل حقبة تاريخية محددة.

لكن التاريخية تتجاوز المرجعية إلى انحصار كلي فيه، من ثم يرفض فوكو إمكانية وجود معرفة موضوعية بالتاريخ، كما أنه يرفض وجود حقيقة موضوعية ذات طابع عقلاني. فهو يرى أن الاختلاف بين الخطابات لا يمكن في مدى تمثل أحدها للحقيقة الموضوع الموضوعية، وإنما في الخطابات التي يتمتع بها الخطاب داخل الفضاء الاجتماعي والثقافي. وفوكو بمقولاته حول الانقطاعات المعرفية ينقض إمكانية وجود مثل تلك البنية الإدراكية الشمولية خارج التاريخ ويقطع استمراريتها. إنه لا يتحدث عن معرفة شمولية عالمية بل عن حقب سادتها معرفة بعينها. ووفقاً لفوكو فإن كل حقبة في تاريخ الثقافة الإنسانية تنتج منظومتها القيمية والمعيارية والمفاهيمية الخاصة، أي بعبارة أخرى: تنتج خطابها المعرفي الخاص الذي يحدد جميع الممارسات والفعاليات داخل ذلك المجتمع. ويتم على أساس ذلك الخطاب تقييم ما هو مقبول اجتماعيًّا وما هو غير مقبول داخل تلك الحقبة الاجتماعية التاريخية.

وقد كان لمفهوم الخطاب عند فوكو ومقولاته حول الحقب الإبستمولوجية والانقطاعات المعرفية أثراً كبيراً في ظهور التاريخانية الجديدة في منتصف الثمانينات من القرن الماضي في أمريكا.

والتاريخانية الجديدة تتمايز بـ:

1- أن التاريخانية الجديدة لا تنظر للتاريخ على أنه كيان موحد ومتجانس يتمتع بخاصية التطور الجدلي التاريخي، إن تطور الحقيقة التاريخية الجدلية هو بداية التمايز بينهما. وهذه المدرسة تتبنى مقولة فوكو بخصوص الحقب الإبتسمولوجية والانقطاعات المعرفية. وتتجاوز أوحدية المبدأ التفسيري كالاقتصاد في التاريخانية الماركسية وجبرية التاريخ.. نعم في المحصلة يلتقيان في نسبية المعرفة المرتهنة للتاريخ.

3- مثلما لا توجد حقيقة تاريخية موضوعية ويقينية، لا توجد كذلك قراءة بريئة وموضوعية للتاريخ؛ لأننا أنفسنا واقعون تحت تأثير خطاب ثقافتنا السائد، ولابد أن تكون قراءتنا انتقائية ومتحيزة، تلتقط بعض الخطابات وتتجاوز خطابات أخرى لا تتلائم ومعتقداتنا. وبعبارة:

أ: النص الأدبي ليس كياناً جماليًّا مستقلاً عن الظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.

ب: أن «معنى النص» ليس ثابتاً بل يتغير بتغير ظروف التلقي.

ت: ليست هناك طبيعة إنسانية جوهرية خالدة لا تتغير، كما أن مؤلف النص ليس كائناً مستقلاً موضوعيًّا مفرغاً من الدافعية والأيديولوجيا.

4- تؤكد التاريخانية الجديدة على الانفتاح على جميع أشكال النصوص داخل الثقافة دون إعطاء صفة التفوق للنصوص الأدبية الإبداعية، فكتابات المحامون والصحف اليومية والأطباء والأدب الشعبي كلها تشكِّل جزءاً من سياق تاريخي واحد خاضع لسلطة الخطاب الاجتماعي والسياسي والديني نفسه.

5- لإن التاريخانية الجديدة في الوقت الذي تُعيد الاهتمام بالسياق الثقافي والتاريخي لا تتجاوز النص الأدبي، ولا تتعامل معه بوصفه وثيقةً تاريخيةً مثلما تفعل بعض مدراس تاريخ الأدب. حيث إن السياق لا يؤثر فقط في طبيعة المضمون، وإنما يحدد بشكل حاسم البنية الشكلية للنص الأدبي، ونمط التشكُّل اللغوي والدلالي، وآليات القراءة والتأويل. كذلك إن الناقد المنتمي إلى هذه المدرسة لم يعد يكتفِ بالمقارنة السطحية لظاهر النص، بل يفكك بنية النص سعياً وراء ما يحاول النص إخفاءه والسكوت عنه؛ محاولاً رسم صورة تخطيطية لنمط الخطاب الذي يمثل سياق النص قيد البحث. وبذلك تستفيد التاريخانية الجديدة من العمليات الإجرائية والتحليلية والتفكيكية التي طرحتها العديد من المدارس النقدية ضمن فضاء النظرية الأدبية مثل البنيوية وما بعد البنيوية ومدرسة استجابة القارئ والتاويل.

وخاتمة الإجالة الموجزة؛ إن ملاحظة السياق التاريخي في إطار المنهج هو مائز أساس عن التفسير المذهبي الفلسفي للحراك التاريخي. ومع هذا فإن «التاريخية» تستعمل بالمعنى المذهبي الفلسفي خصوصاً في مثل «المادية التاريخية» للإشارة للماركسية، وإذا تماشينا مع تطور الاستعمال في كتابات الحداثة سيكون التعبير الأنسب هو «التاريخانية». نعم يفضل آخرون تمييزاً بين التاريخية الجديدة والتقليدية بوصف الثانية فقط بالتاريخانية؛ نظراً للاختلاف بينهما، في أن المهم لدينا هاهنا هو التقاؤهما في النسبية المعرفية المرتهنة للتاريخ.

ثالثاً: التاريخية والنص الديني:

ويتضح لمتابع كتابات الحداثة العربية نزوعهم نحو التاريخية الجديد. وفي بحثه عن مدلول التاريخية وتطوره، يقول محمد أركون: «إن مصطلح التاريخية يتعلق بصياغة علمية مستخدمة، خصوصاً من قبل الفلاسفة الوجوديين للتحدث عن الامتياز الخاص الذي يمتلكه الإنسان في إنتاج سلسلة من الأحداث والمؤسسات والأشياء الثقافية التي تشكل بمجموعها مصير البشرية»، ويعرفها آلان تورين بصفتها «المقدرة التي يتمتع بها كل مجتمع في إنتاج حقله الاجتماعي والثقافي الخاص به ووسطه التاريخي الخاص به أيضاً»[38].

في هذا الإطار فإن الاقتراب التاريخي في التعامل مع النص يعني أن النص إنما هو نتاج وتعبير عن المجتمع والثقافة التي نشأ في ظلها، ويترتب على هذا بالضرورة أن نطاق صلاحيته وملاءمته إنما يكون محدوداً بالإطار التاريخي والاجتماعي الثقافي لهذا المجتمع، في حين تكون للمجتمعات التاريخية الأخرى تعبيراتها التاريخية المتباينة.

وبعبارة موجزة: إن التاريخية المفترضة للقرآن تتجاوز المعنى العرفي أي التحقق إلى جملة من المستويات:

1- تفاعل النص والسياق التاريخي الاجتماعي:

فالقرآن نص متفاعل مع زمانه، ومن ذلك ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلًا[39]. وهذه التفاعلية أنتجت بحوث تتعلق بـ«أسباب النزول» و«الناسخ والمنسوخ» و«المكي والمدني» و «ترتيب النزول»... هذا الوجود التاريخي التفاعلي للنص القرآني تفصله روايات المفسرين في «علوم القرآن».

والارتباط التفاعلي هو بوابة البحث التاريخي عبر تلك العناوين للمستوى الثاني.

2- التاريخانية، وانتماء القرآن التاريخي:

فـ«تاريخية النص» تعني ربط القرآن بسياق نزوله الزمني اجتماعيًّا وثقافيًّا ربطاً يتضمن معنى النسبية والتأطر بذلك السياق الزمني[40].

وبعبارة نفصلها في الآتي:

أولاً: نزع صفة الخلود والصلاحية لكل زمان ومكان عن القرآن باعتباره نصًّا تاريخيًّا محكوماً بشروط تاريخية وظرفية يزول بزوالها. أي ربط القرآن بسياقات تنزله من خلال «أسباب النزول» و«الناسخ والمنسوخ» و«المكي والمدني»... وهنا سنجد تشابهاً مع أعمال الدراسات الاستشراقية.

نعم دأب المستشرقون على تسليط الضوء على بشرية القرآن، في حين أغفل الحداثيون المشرقيون هذه النقطة، مركِّزين الجهد على دراسة تاريخانية تسكت عن ارتباط النص بأصله الإلهي أو البشري وتنشغل بالفهم والتحليل للنص من خلال منهجية تُحيله لسياق نزوله.

هذا السكوت مراوغ وفاعل لا يتصف بالسلبية، وإنما هو يعني فيما يعنيه:

ألف: نزع القداسة والتعالي عن النص، وإحالته لسياقه الزمني كما يقول محمد أركون:

«استخدمت هنا مصطلح الظاهرة القرآنية، ولم أستخدم مصطلح القرآن عن قصد، لماذا؟، لأن كلمة قرآن مثقلة بالشحنات والمضامين اللاهوتية. وبالتالي فلا يمكن استخدامها كمصطلح فعّال من أجل القيام بمراجعة نقدية جذرية لكل التراث الإسلامي وإعادة تحديده أو فهمه بطريقة مستقبلية استكشافية، فأنا هنا أتحدث عن الظاهرة القرآنية كما يتحدث علماء البيولوجيا عن الظاهرة البيولوجية أو الظاهرة التاريخية، وأهدف من وراء ذلك إلى وضع كل التركيبات العقائدية والإسلامية وكل التحديدات اللاهوتية والتشريعية والأدبية والبلاغية والتفسيرية... إلخ.. على مسافة نقدية كافية مني كباحث علمي»[41].

وخلخلة قداسة هذا النص الكريم نلحظها في مدَّعيات مختلفة؛ إذ هو آرامي وعبراني أو سرياني المنشأ. فيذكر محمد أركون[42] تأكيداً حاسماً لتوصيف لا عربية النص الديني، فكتب معبِّراً عن مرجعيته الواحدية والنهائية: ويرى المستشرقون المتخصصون بفقه اللغة أن كلمة «قرآن» ذات أصل سرياني أو عبري. وأيضاً؛ هو نص أسطوري[43] قابلاً للدراسة والأخذ والرد.

باء: احتفاظ بمستوى ديني محدود يتمثل في رؤية مفادها أن الدين روحاً سامية وأهدافاً نبيلة ينبغي الحفاظ عليها في جوهرها الذاتي، الغايات، في حين أن الشكل، العرض الطقوس هي محققات مرتبطة بسياقات تاريخية لا ينبغي التوقف عندها. فالمرتبط بالسياق الزمني هو شعائر وأحكام الدين دون غاياته.

ثانياً: الشك في موثوقية النص القرآني:

يقول أركون: «ويمكنني أن أقول بأن المقدس الذي نعيش عليه أو معه اليوم لا علاقة له بالمقدس الذي كان للعرب في الكعبة قبل الإسلام، ولا حتى بالمقدس الذي كان سائداً أيام النبي»[44].. وبناء على ذلك فهو يشكك في الرواية الإسلامية لقصة جمع القرآن، حيث يقول: «راح الخليفة الثالث عثمان.. يتخذ قراراً نهائيًّا بتجميع مختلف الأجزاء المكتوبة سابقاً والشهادات الشفهية التي أمكن التقاطها من أفواه الصحابة الأُوَل. أدى هذا التجميع عام 656م إلى تشكيل نص متكامل فُرض نهائيًّا بصفته المصحف الحقيقي لكل كلام الله كما قد أوحي إلى محمد. رفض الخلفاء اللاحقون كل الشهادات الأخرى التي ترى تأكيد نفسها مصداقيتها؛ مما أدى إلى استحالة أي تعديل ممكن للنص المشكل في ظل عثمان»[45].

ويقول أركون أيضاً: لننتقل الآن إلى ما يدعوه الناس عموماً بالقرآن. إن هذه الكلمة مشحونة إلى أقصى حد بالعمل اللاهوتي والممارسة الطقسية الشعائرية الإسلامية المستمرة منذ مئات السنين، إلى درجة أنه يصعب استخدامها كما هي. فهي تحتاج إلى تفكيك مسبق من أجل الكشف عن مستويات من المعنى والدلالة كانت طُمست وكُتبت ونُسيت من قبل التراث التقويّ الورع… وهذه الحالة لا تزال مستمرة منذ زمن طويل: أي منذ أن تم الانتقال من المرحلة الشفهية إلى المرحلة الكتابية ونشر مخطوطة المصحف بنساخة اليد أولاً ثم طباعة الكتاب ثانية. وهذه العمليات حبّذت صعود طبقة رجال الدين وازدياد أهميتهم على مستوى السلطة الفكرية والسياسية. وهذه الحالة تتناقض مع الظروف الاجتماعية والثقافية الأولية لانبثاق وتوسّع ما يدعوه الخطاب القرآني الأولي بالقرآن أو الكتاب السماوي: أو الكتاب بكل بساطة. وهو القرآن المتلو بكل دقة وأمانة وبصوت عالٍ أمام حفل أو مستمعين معينين. لنُسَمِّ هذ القرآن إذن بالخطاب النبوي[46]. وقال أيضاً: إليكم الآن المعيار الأساسي والحاسم: إن موضوع البحث هو عبارة عن مجموعة من العبارات الشفهية في البداية. ولكنها دُوِّنت كتابة ضمن ظروف تاريخية لم توضّح حتى الآن أو لم يُكشف عنها النقاب. ثم رُفعت هذه المدونة إلى مستوى الكتاب المقدس بواسطة العمل الجبار والمتواصل لأجيال من الفاعلين التاريخيين[47].

فالقرآن لم يصلنا بـسند مقطوع الصحة؛ لأن القرآن -كما يقول- لم يُكتب كله في حياة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بل كُتبت بعض الآيات ثم استكمل العمل في كتابة القرآن فيما بعدُ، ويزعم أن المبررات السياسية هي التي جعلت المسلمين يحافظون فقط على قرآن واحد ويتركون ما عداه[48].

ومن أجل أن يمهد لما يريد من إنكار القرآن سنداً في أول الأمـر يدخل بعد ذلك إلى نصوص القرآن فيشكك في القصص والأخبار، ويرى أن التاريخ الواقعي المحسوس هو الذي يحاكَم إليه القرآن، فالأخبار والآثار التاريخية هي الموثوقة!

ولنقرأ له هذا النص الذي يجد القارئ في كتبه كثيراً مثله، يقول: «ينبغي القيام بنقد تاريخي لتحديد أنواع الخلط والحذف والإضافة والمغالطات التاريخية التي أحدثتها الروايات القرآنية بالقياس إلى معطيات التاريخ الواقعي المحسوس»[49]. فإذن؛ القرآن محتاج إلى إعادة تحقيق.. يقول أركون: هكذا نجد أن المعركة التي جرت من أجل تقديم طبعة نقدية محقّقة عن النص القرآني لم يعد الباحثون يواصلونها اليوم بنفس الجرأة كما كان عليه الحال في زمن نولدكه الألماني أو بلاشير الفرنسي. لم يعودوا يتجرؤون عليها أو على أمثالها خوفاً من رد فعل الأصولية الإسلامية المتشددة. وهذه الطبعة النقدية تتضمن بشكل خاص إنجاز تصنيف كرونولوجي أي زمني للسور والآيات من أجل العثور على الوحدات اللغوية الأولى للنص الشفهي. ولكن المعركة من أجل تحقيق القرآن لم تفقد اليوم أهميتها على الإطلاق. وذلك لأنها هي التي تتحكم بمدى قدرتنا على التوصل إلى قراءة تاريخية أكثر مصداقية لهذا النص… يبدو لي أنه من الأفضل أن نستخلص الدروس والعبر من الحالة اللامرجوع عنها والتي نتجت عن التدمير المنتظم لكل الوثائق الثمينة الخاصة بالقرآن، اللهم إلا إذا عثرنا على مخطوطات جديدة توضح لنا تاريخ النص وكيفية تشكله بشكل أفضل[50].

ويتأسف أركون لأن الديانتين السابقتين قد شُكِّك في كتابيهما «أما الإسلام، ومن ثم القرآن، فقد بقي في منأى عن انقلابات الحداثة وشكوكها»[51].

ثالثا: في ترتيب القرآن:

ترتيب القرآن الكريم فوضوي. حيث يقول أركون: نحن نعلم أنّ نظام ترتيب السور والآيات في المصحف لا يخضع لأي ترتيب زمني حقيقي، ولا لأي معيار عقلاني أو منطقي. وبالنسبة لعقولنا الحديثة المعتادة على منهجية معينة في التأليف والإنشاء والعرض القائم على المحاجّة المنطقية، فإن نصّ المصحف وطريقة ترتيبه تدهشنا بفوضاها[52].

وإذا كان لنا أن نختم الاستشهادات فهو بعبارة تحيل على الاستشراق؛ حيث يقول: جميع أنماط القراءة التي استعرضناها حتى الآن تقود إلى نفس النتائج والملاحظات: وهي أن تقدم الدراسات القرآنية قد تم بفضل التبحّر الأكاديمي الاستشراقي منذ القرن التاسع عشر[53].

تأثير الزمان في التاريخانية

إن الخطاب القرآني حين يخاطب الناس أو المؤمنين بـ«يا أيها» فإن المقصود بالناس هنا الجماعة الأولى التي كانت تحيط بالنبي، والتي سمعت القرآن من فمه أول مرة[54].

وتوضيح المراد؛ فإن أحكام العقوبات مثلاً الواردة في القرآن الكريم إنما أملتها ظروف الحياة القاسية وطبيعة ثقافاتهم وعوائدهم العنيفة، فتكون العقوبات القاسية أهون الضررين وملائمة لتلك الحياة القاسية، وإذا ما تغيَّرت الأحوال والثقافات فإن «آلية السجن» نظاماً للعقوبة بما أنه يوفر علاجاً للجريمة هو أفضل من تلك لقسوتها.

أما الإلزام هو رهن ملائمة الظروف الاجتماعية الثقافية، فللمسلمين في كل عصر أن يفهموا القرآن بصورة تتلائم مع متطلباتهم. ويمكن أن يؤتى بـ«المكي والمدني» شاهداً على رعاية القرآن لظروف المخاطبين.

آليات التأويل الزمني

1ـ الهرمينوطيقا:

ويُستخدم في الجملة بمعنى الكشف عن المعنى في النصوص الأدبية، ويجعله الكثير مساوقاً للتأويل، وبعبارة هو آليات البحث عن الفهم والتفسير والمعنى. وقد بدأت الهيرمنيوطيقا أو علم التفسير في الدراسات اللاهوتية، وأصبحت تدريجيًّا علماً وفنًّا لعملية الفهم وتحليل النصوص. فالنص وسيط لغوي ينقل فكر المؤلف إلى القارئ، وكلما تقدم النص في الزمن صار غامضاً بالنسبة لنا؛ بناء على أن اللغة غير قادرة أن تكون وسيطاً وافياً وموضوعيًّا لنقل المعنى كما هو المنحى التقليدي في الدراسات اللغوية وخصوصاً في اللاهوتية المسيحية/ الدينية الإسلامية، وصرنا أقرب إلى سوء الفهم منا إلى الفهم. فالاحتياج لقواعد الفهم للنفاذ إلى معنى النص مسألة ملحة.

وفي أي نص جانبان: جانب موضوعي يشير إلى اللغة، وهو المشترك الذي يجعل عملية الفهم ممكنة، وجانب ذاتي يشير إلى فكر المؤلف ويتجلى في استخدامه الخاص للغة الذي يتفرد به ويكون إبداعه الخاص. والتحدي الذي يراه رواد -هنا- الهيرمنيوطيقا هو تحرر القارئ من ذاتياته وأفقه التاريخي الراهن ليفهم النص فهماً موضوعيًّا تاريخيًّا في سياق المؤلف، حالًّا نفسه محل المؤلف في محاولة فهمه.

وبعبارة؛ كيف يتأتى للقارئ النفاذ لتفرد المؤلف عبر اللغة وهي تطمس الفردانية!.. ومن الحلول الممكنة -بنظر ديلثي- ما يتأسس على التجربة الذاتية؛ فهي المقابل للتجربة في العالم الخارجي بالنسبة للعلوم الطبيعية. والتجربة الذاتية هي الشرط الضروري الغير ممكن تجاوزه لأي معرفة ما دام أن هناك مشتركاً بين الآحاد من البشر، وعليه يصبح من المتيسر الإدراك الموضوعي القائم خارج الذات؛ إذ بين المتلقي والنص الأدبي والمؤلف الاشتراك في تجربة الحياة[55]. وبعبارة: هاهنا مزاوجة بين الاستعانة بالقراءة التاريخية لسياق المؤلف، وعبر التجربة الذاتية؛ حيث إن الآخر بالرغم من «غيريته، وفرادته» فهو ينتمي للجماعة المشتركة في الثقافة، أو للبشرية المتجانسة في طبائعها.

ولاحقاً تبلورت نظرية موت المؤلف واستحالة البحث في مراده.. فيصبح الفهم عند غادامر لا يشير إلى علم التأويل أو قواعده، وإنما يرى أن الفهم فعل تاريخي، بمعنى أن النص لا يفهم إلا في سياق متطلبات العصر، ولهذا فإن الفهم يرتبط دائماً بالزمن الحاضر، ولا وجود له خارج التاريخ.

فبدءاً يتحرر النص من مؤلفه لحظة إبداعه، أما أفق المعنى فهو يتخلق مع كل قراءة متجاوزاً القارئ الأول المعنيّ المباشر بالخطاب من قبل المؤلف. فالقراءة لا تتحرر من القبليات السياق الثقافي، ومن ثم لا معنى نهائي لارتباط الفهم بالسياق التاريخي للقارئ وثراء النص بإمكانية هائلة لقراءات متعددة بتعدد الآفاق.

وخلاصة الأمر؛ المفسر له فهم خاص يختص بعصره يجب ألَّا ينفك عنه، بل لا يستطيع ذلك[56]، وهكذا تكون قبليات القارئ المعرفية/ الثقافية؛ هي أساس القراءة المعاصرة، التي هيمنت على الحداثة المشرقية المسلمة العربية وغير العربية.

فإذن؛ عملية الفهم لا تستهدف الكشف عن المعنى الذي تدل عليه الكلمات، وإنما هو فاعلية المفسر في صناعة المعنى[57] فيما يُعرف بـ«إساءة القراءة».

وواضح أن التأويلية أصبحت وثيقة الصلة بالتاريخانية بل هي إحدى أدواتها، ويمكن لنا التوقف عند مقولة «ثقافة المتلقي» لتجلية البعد التاريخاني في التأويلية.

فاللغة في ضوء أصالة القارئ لا تحمل دلالة موضوعية مستقلة عن المتلقي، فالمدلول هو ما تثيره الكلمات في ذهن المتلقي، وهو بدوره خاضع للثقافة الساكنة في ذهنه، وهي رهن الزمان. وهكذا هو الحال مع القرآن؛ فهو نص موجه لأناس في سياق ثقافي خاص بهم، فالمعنى المتولد من النص هو الناشئ من تفاعل النص والذهنية الثقافية في سياق زمني[58].

والنتيجة المتوقعة، بل والمستهدفة على لسان بعضهم: في تقديرنا أن العودة للسياق الاجتماعي الخارجي.. يمكن أن يمثل دليلاً هادياً لا لفهم الأحكام فقط، بل يفتح باب الاجتهاد لتطويرها.. وربما قادتنا إلى إسقاط كثير من تلك الأحكام[59].

وتجدر الإشارة إلى أن هذا المبرر لا ينحصر في نطاق الأحكام فيشمل مجال المعارف والعقائد، حيث إن فهم النص محكوم بالوعي الزمني بغض النظر عن مضمون النص، ومن جهة أخرى فإن كثيرين منهم يُصرحون بهذه السعة؛ لكن أحياناً على استحياء وأحياناً إشارات وأحياناً عبارات مقتضبة، وأخرى بصراحة فجَّة. يقول أبو زيد: كل ما يتصل بجانب العقائد والتشريعات من نصوص يدرجها الخطاب الديني في خانة الثوابت.. لا اجتهاد فيها، هذا ما يعلنه الخطاب الديني متجاهلاً أن العقائد تصورات مرتهنة بمستوى المعرفة في كل عصر[60].

وسنجد في مقولات «موت المؤلف، واللا قصدية، وتطور الدلالة، ومراوغة المعنى» داعماً لأصالة القارئ وارتباط المعنى بالزمن، مما يفتح النص على معانٍ متعددة لا تنتهي.

وفي هذا الشأن يقول أركون: «القرآن عبارة عن مجموعة من الدلالات والمعاني الاحتمالية المقترحة على كل البشر، وبالتالي فهي مؤهلة لأن تثير أو تنتج خطوطاً واتجاهات عقائدية متنوعة بقدر تنوع الأوضاع والأحوال التاريخية التي تحصل فيها أو تتوالد منها.. فالقرآن نص مفتوح على جميع المعاني ولا يمكن لأي تفسير أو تأويل أن يغلقه بشكل نهائي»[61].

ويقول أيضاً: «إن القرآن ليس إلا مجازات عالية تتكلم عن الوضع البشري، إن هذه المجازات لا يمكن أن تكون قانوناً واضحاً، أما الوهم الكبير فهو اعتقاد الناس بإمكانية تحويل هذه التعابير المجازية إلى قانون شغَّال وفعَّال ومبادئ محدودة تطبق على كل الحالات وفي كل الظروف»[62].

ويقول في مكان آخر: «إن المعطيات الخارقة للطبيعة والحكايات الأسطورية القرآنية سوف تُتلقَّى بصفتها تعابير أدبية، أي تعابير محوَّرة عن مطامح ورؤى وعواطف حقيقية يمكن فقط للتحليل التاريخي السيولوجي والبسيكولوجي اللغوي أن يعيها ويكشفها»[63].

2ـ التأويل المقاصدي التاريخاني:

تفاصيل الشريعة المعروفة بالأحكام إنما شُرِّعت لمصالح يراها الشارع، وهذه المصالح تتفصل في مقاصد الشريعة. فالأحكام وسائل ومحققات لغاياتها، وقيمتها رهن الوفاء بتحقيق الغايات، فتحريم الربا لمنع الاستغلال فإذا ما أصبح وسيلة ضرورية للتنمية الاقتصادية فلا بأس به.

وهكذا يكون أساس الفهم للنص ليس العبرة بالعموم، إهدار خصوصية المورد لصالح الوارد، وإنما هو الغاية التي تقف خلف تشريع الحكم، وهذه الغاية التي تترجمها وتخرصها القراءة التاريخية لا النص.

وبلا ريب إن المقاصد، القيم العامة -والمرتكزة على الحكمة والسنن الإلهية المستنبطة من النصوص، بل هي الأوامر العامة المبثوثة في القرآن الكريم- بالغة الحيوية في توجيه التطبيق نحو غايات التشريع، وفي علاج الكثير من التباسات النصوص مثل التعارض، لكن الكلام يختلف بين الرؤيتين: التسليم، والتجاوز، حيث يتضح لنا مما سبق أن المقاصد ذاتها محكومة من الأساس بفهم القارئ وفق ثقافته وسياقه الزمني.

فمن الواضح أن ثمة موسعات الفراغ. فحين تذكر النصوص قيمة كـالإحسان وتسكت عن محققاته، فنعلم أنه موكول للعرف الاجتماعي وسياقه الزمني، لكن التمييز بين الموسعات والمفصلات يُستكشف من النصوص لا من تخرصات القارئ التاريخاني. كما أنه من الواضح أن «تجاوز» المحققات المنصوصة كالصلاة محققة للذكر هو تمرد على الرب تعالى ليس إلا.

تاريخانية حامد أبو زيد

يؤسس أبو زيد التاريخية بتوضيح أن البعد التاريخي للنصوص «لا ينصرف فحسب إلى ما تشير إليه كتابات السلف من تفاعل للنص مع الواقع عبر نقاط تماس، مثل: أسباب النزول، أو علم الناسخ والمنسوخ، وإنما عبر وعاء ضخم هو اللغة ومفاهيمها»، إن النصوص الدينية ليست في التحليل الأخير سوى نصوص لغوية، بمعنى أنها تنتمي إلى بنية ثقافية محددة تم إنتاجها طبقاً لقوانين تلك الثقافة التي تعد اللغة نظامها الدلالي المركزي»[64].

«فالقرآن وهو نص ديني ثابت من حيث منطوقه، لكنه من حيث أنه يتعرض له العقل الإنساني يصبح مفهوماً يفقد صفة الثبات، وتتعدد دلالاته، إن الثبات من صفات المطلق والمقدس، أما الإنساني فهو نسبي متغير. والقرآن مقدس من ناحية منطوقه، لكنه يصبح مفهوماً بالنسبي والمتغير، أي من جهة الإنسان، ويتحول إلى نص إنساني يتأنسن»[65]. وهذه «الأنسنة» تتداعى بصورة فجة.. فنلاحظ اعتبار السنة تأويلاً زمنيًّا[66]، ونلاحظ مثل مسايرة القرآن للثقافة العربية فيما يتعلق بالجن[67]..

ويعرض منهجه في تحليل النص القرآني في التأويل التاريخاني، «بمعنى أن دلالتها لا تنفك عن النظام اللغوي الثقافي الذي تعد جزءاً منه يجعل من اللغة ومحيطها الثقافي مرجع التفسير والتأويل»[68].

ويحدد منهجه فيما أسماه «منهج القراءة السياقية» في كتابه «دوائر الخوف»[69]، وخلاصته: التمييز بين «المعاني» والدلالات التاريخية المستنبطة من السياق من ناحية، وبين «المغزى» الذي يدل عليه المعنى في السياق التاريخي - الاجتماعي للتفسير، أي في زمن المفسر من ناحية أخرى.

ويقول أبو زيد: «إن البحث عن المقصد من خلال العرضي والمتغير هو الكفيل بتقديم قراءة مشروعة للنصوص الدينية، قراءة موضوعية بالمعنى النسبي التاريخي، ذلك أنه مع تغيّر الظروف والملابسات والأحوال... نحتاج إلى قراءة جديدة تنطلق من أساس ثابت هو المقصد الجوهري للشريعة»[70].

حقوق المرأة في التاريخانية

والمثال التطبيقي الشائع[71] في التاريخانية الإرث ونصيب البنت كما هو في الآية ﴿يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ[72].

ويمر هذا التحليل التاريخاني بمحطتين؛ أولاهما تحليل الظرف الاجتماعي المرافق لولادة الحكم[73]، والثاني الغوص في غاية الحكم والاحتكام إليها فيما يستجد من ظروف. وهذا يقتضي أن يكون القرآن حين نزوله معالجاً أوضاع الناس، فإذا ما تغيرت تلك الأوضاع والأحوال فالمؤمن في حل من تلك الفروض القرآنية، فهي لا تعنيه ولا تشمله!.

واستخدم أبو زيد منهجه القراءة السياقية في تحليل النصوص المتعلقة بالمرأة وحقوقها، وانتهى إلى أن كثيراً من الأحكام التي يستند إليها «المهاجمون للإسلام والثقافة العربية والإسلامية» في مسألة حقوق المرأة لم تكن تاريخيًّا من التشريعات التي أتى بها القرآن[74]. ولنتابعه قليلاً في خطواته:

الخطوة الأولى:سياق النزول:

يرى أن الوصول إلى موقف الإسلام من مسألة حقوق الإنسان وحقوق المرأة خصوصاً «لا بد أن يتم عبر عملية مقارنة تاريخية بين وضع حقوق المرأة قبل الإسلام وبين الحقوق الجديدة التي شرعها الإسلام، وبينهما ما قبل وما بعد الإسلام منطقة مشتركة تمثل منطقة الالتقاء بين القديم والجديد، يؤسس الجديد من خلالها قبوله المعرفي في وعي الناس الذين يخاطبهم الوحي.

الخطوة الثانية: سياق القارئ:

التحليل للفروق بين جديد الرسالة ومنطقة العبور الوسيطة هو ما يسمى بعملية استعادة المعنى الأصلي للخطاب من خلال إعادة زرعه في السياق التاريخي الذي فارقه منذ أربعة عشر قرناً، يسمح للقارئ العصري تشكيل المعنى. أي «المغزى» الذي يدل عليه المعنى في السياق التاريخي - الاجتماعي في زمن المفسر.

الخطوة الثالثة: مقاصد التشريع:

استثمار مقاصد التشريع، مثل مقولة المساواة بين الرجل والمرأة هي مقصد من مقاصد الخطاب القرآني[75].

ولنتابع «ميراث البنت» أنموذجاً تطبيقيًّا للتمييز بين المعنى والمغزى والنصوص الأساسية والثانوية[76]:

1- معنى الآية: ألَّا يُعطى الذكر في الميراث أكثر من ضعف نصيب الأنثى، وألَّا تُعطى الأنثى أقل من نصف حظ الذكر.

2- المغزى: إن المساواة مقصد من مقاصد التشريع، ونصوص المساواة الإنسانية والدينية بين النساء والرجال نصوص قطعية، وعليه فإن هذه النصوص السابقة تسمح للمجتهد بتقرير أن المساواة بين الذكر والأنثى لا تخالف حدود الله.

3- الاجتهاد: ضرورة التسوية بين الرجال والنساء في الميراث، على أساس أن الواقع المعاصر يفرض ذلك.

فهو يقرر؛ أن كل اجتهاد في سبيل تحقيق هذه المساواة التي هي مقصد أصلي وهدف أسمى للحياة الدينية إنما هو اجتهاد مشروع..، أما الاجتهاد المخالف للاتجاه المقاصدي أو التأويل الذي يقف على أفق اللحظة التاريخية للوحي فكلاهما في دائرة الخطأ المعرفي بصرف النظر عن النوايا الطيبة... إن المساواة معناها أن التسوية بين الحد الأقصى للذكر والحد الأدنى للأنثى ليس فيها مخالفة لما حده الله، ومن البَدَهِي أن تشمل تلك التسوية كل المجالات التي فُهمت فهماً قاصراً في الفقه الإسلامي، انطلاقاً من تصور أن قيمة المرأة نصف قيمة الرجل قياساً على مسألة الميراث...

خاتمة؛ في نقد المقاربة القرآنية

الموقف المسبق الذي يتبناه المستشرقون من بشرية القرآن خلق مساراً قسريًّا لأبحاثهم نحو تفسير نمطي للوحي ولمنابع القرآن المفترضة، إن تتبع مسار المنهج التاريخي الاستشراقي يكشف عن امتداده في الحداثة المشرقية مع تطوير أكثر عمقاً في المنهج وأكثر فاعلية في تقويض بنية تعالي القرآن وهيمنته، وتقويض النظام المعرفي والأخلاقي والقانوني المتولد من المرجعية القرآنية.

ومن خلال التأمل في سعة ثقافة رموز الحداثة المشرقية وذكائهم مع وفرة الوثائق التاريخية المناقضة لمساراتهم[77] فإنا نصل لقناعة واضحة بأن بحوثهم خضعت بوعي لتوجيه انتقائي من موقفهم الفلسفي المتنافي مع هذا الدين.

نعم؛ الحداثة المشرقية تمارس نوع من التقية حيث جعلت الحديث في بشرية القرآن من جملة المسكوت عنه لكن دون أن تحجب مفاعيل هذه المقولة. وعلى هذا نسجل خلاصات على النحو الآتي:

1- السجال حول المناهج يكشف عن أهمية المراجعة النقدية لما يُعرف بعلوم القرآن، حيث إن السجال النقدي مع الاستشراق والحداثة لا بد وأنه كشف ويكشف عن ضرورة المراجعة، خصوصاً أن جملة[78] من مبتنيات تلك العلوم أُسِّست على جدل المذاهب أو على افتراضات معرفية اجتهادية تفتقر للتوثيق في الاستناد للحجة.

2- واضح أن سلب التعالي يتجاوز العلمية إلى اعتماد فرضية انتفاء النسبة الإلهية بصورة نهائية. فالعلمية إن اقتضت نزع القداسة فلن تقتضي ربطه بسياقه الزمني إلا على أساس تلك الفرضية (الانتماء البشري)، وهنا بداية الخطأ القاتل الذي توالت منه أخطاء لا تنتهي.

3- إن أرضية السجال مع الحداثة هي كلامية بالدرجة الأولى... ويمكن تلمّس هذا بوضوح في إشكالية الإطلاق، ونفي الحقيقة الإنسانية؛ وواضح أن ثبات الشريعة مؤسس على التعالي القرآني الإلهي وعلى مقولة أنه ثمة قدر من الثبات في الحقيقة الإنسانية. فالعلم الإلهي والحكمة الإلهية يسمحان بفهم صحيح وتام للإنسان، ومعرفة ثوابته ومتغيراته. إن الإطلاقية التاريخانية تعني بوضوح أن الدين وليد الثقافة البشرية، في حين أن الرؤية الدينية تقرر بوضوح وحزم خلود الدين وخاتميته وتماميته وشموله، وهذا هو الأصل المكين.

إذن؛ السجال يبدأ تحديداً في الكشف عن حقيقة «ماذا يعني أن يكون الإنسان مؤمناً بالله»، حيث إن الإيمان بالحاكمية لله ومالكيته، وحسن الظن بالعليم الحكيم الرحيم.. هو منطلق التسليم لشرائعه والطاعة لرسوله.

وإذا ما أردنا أن نحدد المداخل المناسبة للحوار العلمي سيكون هذا التوضيح هو الخطوة الأولى، والخطوة الثانية تكون على صعيد نظرية المعرفة وإمكان الوصول إلى معرفة علمية، أما البحث في تفاصيل المنهج فهو مترتب على الخطوتين السابقتين.

نعم منطق التاريخانية بقدر ما هو حق وله آثاره المنهجية الملحوظة في علم الأصول في إطار السنة[79] تحديداً، إلا أن التاريخانية لا تمس بالقرآن مطلقاً. وبعبارة نحن بين طريقين؛ إطلاقية التاريخانية مما يعني هدم الدين، أو تقييد التاريخانية انطلاقاً من الأدلة الشرعية باعتبارها الخطاب الشرعي الأصل، إذن ثمة فارق بين رؤيتين متناقضتين؛ التسليم والتجاوز.

--------------------------------------------------------------------------------

[1] يمكن الإشارة إلى أمثلة توضح تأثير الدراسات الاستشراقية:

- ففي الدراسات التاريخية نجد دراسة يوليوس قلهاوزن بعنوان: الدولة العربية وسقوطها خصوصاً في تحديد حقبة ما يُسمَّى بالدولة العربية بأنها الفترة الواقعة بين وفاة النبي عام 632م وحتى سقوط الدولة الأموية عام 750م. واعتماد تاريخ الطبري مصدراً رئيسا للتأريخ لتلك الحقبة. وفي تحديد الإشكالية الرئيسة في الدولة العربية الأولى بأنها ذات طابع قومي، وفي محاولة تحديد أصول الجماعات الدينية الشيعة؛ الفرس، الخوارج؛ القبائل العربية... وأيضاً ودراسات كارل بروكلمان في تاريخ الشعوب الإسلامية؛ وفي تاريخ الأدب العربي.

- وفي الدراسات الدينية الإسلامية نجد غولدزيهر، من خلال كتابيه: العقيدة والشريعة في الإسلام، ومذاهب التفسير القرآني. ومن هذين الكتابين نشأ تحديد علم الكلام، وعلم الفقه، وتقسيـم اتجاهات التفسير القرآني إلى: تفسير عقلاني، وتفسير فيلولوجي، وتفسير صوفي، وتفسير باطني. - وفي الدراسات الفلسفية الإسلامية، وتاريخ الفلسفة فقد أثَّر فيها كثيراً كتاب دي بور (تاريخ الفلسفة في الإسلام)، وكتاب آدم متز (الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري)، وكتاب (حضارة العرب) لغوستاف لوبون، وهكذا..

[2] ا. ج آربري. المستشرقون البريطانيون. تعريب محمد الدسوقي النويهي. لندن؛ وليم كولينز، ص8.

[3] رودي بارت. الدراسات العربية والإسلامية في الجامعات الألمانية المستشرقون الألمان منذ تيودور نولدكه. ترجمة مصطفى ماهر، القاهرة؛ دار الكتاب العربي، ص 11.

[4] مكسيم رودنسون. الصورة الغربية والدراسات الغربية الإسلامية في تراث الإسلام القسم الأول تصنيف شاخت وبوزورث. ترجمة محمد زهير السمهوري، الكويت؛ عالم المعرفة، أغسطس 1978م.ص27.

[5] راجع؛ مجلة الفكر العربي العددان 31 - 32، 1983.

[6] دفاع عن القرآن ضد منتقديه؛ د. عبد الرحمن بدوي، ترجمة كمال جاد الله، دار الجليل، القاهرة. ص5.

[7] راجع؛ الإسلام وتصورات الاستشراق الإسباني -من ريموندس لولوس إلى آسين بلاثيوس- الدكتور محمد عبد الواحد العسري. السعودية - 2003م.

مع ملاحظة أن الاستعراب هو الاهتمام بالثقافة العربية وآدابها، ومن هنا فهي وثيقة الصلة بالاستشراق لكن السياق والغاية يختلفان.

[8] مجلة التسامح العدد 17. اللغة العربية ودراسات الاستشراق الإسلامية؛ ياسر الليثي.

[9] انظر مثلاً؛ المستشرقون والدراسات القرآنية، د. محمد حسين علي الصغير، دار المؤرخ بيروت 1420؛ ص165.

[10] الدراسات العربية والإسلامية في الجامعات الألمانية المستشرقون الألمان منذ نولدكة: رودي بارت، ترجمة؛؛ مصطفى ماهر، القاهرة 1967، ص11.

[11] قضايا قرآنية في الموسوعة البريطانية، دار الفتح، الأردن.

[12] المستشرقون: نجيب العقيقي: 1/124 ط4؛ الموسوعة الميسرة «مادة: قرآن»، القاهرة، مؤسسة فركلين للطباعة والنشر.

[13] الدراسات العربية والإسلامية في أوروبا: ميشال جحا، ط1، بيروت، معهد الإنماء العربي،1982، ص190.

[14] موسوعة المستشرقين: د. أحمد بدوي، ط2، بيروت، دار العلم للملايين، 1989، ص: 205.

[15] الدراسات العربية والإسلامية في الجامعات الألمانية المستشرقون الألمان منذ نولدكة، ص17.

[16] موسوعة المستشرقين، ص 310.

[17] راجع: المستشرقون والدراسات القرآنية: د. الصغير. الدراسات العربية والإسلامية في أوروبا: ميشال جحا. القرآن: نزوله، تدوينه وترجمته: بلاشير، ترجمة رضا سعادة، بيروت، دار الكتاب العربي. مباحث في علوم القرآن: صبحي الصالح، دار العلم للملايين. القرآن والمستشرقون: د. التهامي نقرة، مقال ضمن كتاب: مناهج المستشرقين في الدراسات العربية الإسلامية - الجزء الأول، تونس: المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، 1995.

[18] الدراسات العربية والإسلامية في أوروبا: ميشال جحا، ص195.

[19] الدراسات العربية والإسلامية في أوروبا: ميشال جحا، ص 195، 198.

[20] المستشرقون والدراسات القرآنية، د. الصغير، ص99.

[21] القرآن: بلاشير، ص21.

[22] صدر باللغة العربية عام 2004 بعنوان: تاريخ القرآن؛ ت: تيودور نولدكة، تعديل: فريدرش شفالي، ترجمة فريق عمل بإشراف: د. جورج تامر. بيروت. الأجزاء الثلاثة في مجلد واحد.

[23] المستشرقون والدراسات القرآنية: ص23.

[24] دفاع عن القرآن: د. بدوي، ص8.

[25] ينبه المستشرق غويدي إلى الفرق بين فقه اللغة والفيلولوجيا بقوله: إن كلمة الفيلولوجيا تصعب ترجمتها بالعربية، وهي لا تدل على مصطلح فقه اللغة فبينهما فروق واختلافات. ولكن كل من علم اللغة وعلم الفيلولوجيا مترابطان حيث لا يستغني علم اللغة عن الفيلولوجيا لأن مصادر علم اللغة النصوص اللغوية، كما لا يستطيع علم الفيلولوجيا الاستغناء عن منجزات علم اللغة لأن هذا العلم هو الذي يقوم بدراسة النصوص وتحليلها، إذن فالعلاقة بين العلمين علاقة وثيقة. وأصبحت هذه الدراسات الشارحة والناقدة للنصوص القديمة تعرف باسم «الفيلولوجيا». ونلاحظ أن مؤشرات عدة تدخل هنا:«الارتباط اللغات القديمة - أسلوب المقارنة بين اللغات». ولقد كان هذا الظل الجديد المقارنة هي الطريق الخلفي التي تسللت منه الفيلولوجيا إلى الدراسات الحديثة وإلى دراسات اللغات الحديثة فيما بعد. ثم توسع اللغويون في مدلول «الفيلولوجيا» دون أن يجردوه من ارتباطه باللغات والدراسات القديمة، فأطلقوا هذا المصطلح على نوعين من أنواع النشاط والتحقيق العلمي هما:

1- فك رموز الكتابات القديمة التي يعثر عليها الباحثون في حقل الآثار.2- وأطلق اللفظ كذلك على تحقيق الوثائق والمخطوطات القديمة بغية نشرها والانتفاع بها في النشاط العلمي، وفي الدراسات التاريخية والأثرية.

أما عبارة فقه اللغة فهي مصطلح عربي خاص. وقد شهد استعماله بعض الغموض أيضاً في دلالته، ونلحظ من معانيه:أ - بدأ هذا الفرع في التراث العربي تحت اسم «اللغة»، فكان العلماء يفرقون بين ما يسمونه العربية وما يسمونه اللغة. فكانوا يقولون مثلاً? كان فلان متقدماً في العربية، متبحراً في اللغة، أو كان الخليل إماماً في العربية واللغة. ويقصدون بهما النحو وفقه اللغة على نحو ما نعرفهما في زماننا على غرار «مفردات غريب اللغة» للراغب الأصفهاني، وربما دخل الترادف والتضاد والمشترك اللفظي، والفروق وأنواع المعاجم تحت هذا الاسم. ولم يطلق على هذه الدراسة اسم فقه اللغة إلا في القرن الرابع الهجري، ولعل أول تسجيل لهذه التسمية كان في عنوان كتاب أحمد بن فارس الصاحبي في فقه اللغة.

وأيضا يطلق «فقه اللغة» على مقارنة الألفاظ الفصيحة وغير الفصيحة، سواء أجاءت هذه الألفاظ من لهجات قبلية قديمة، أو من لهجات عامية حديثة. ويبدو ذلك في كتب مثل درة الغواص في أوهام الخواص للحريري.

ب: والدراسات العربية الحديثة تطلقه على دراسة اللهجات العربية على نحو ما نرى في كتاب «اللهجات العربية» لإبراهيم أنيس. ومؤخراً أصبح استعمال علم اللغة بدلاً من فقه اللغة على الدراسات اللغوية الحديثة، بوصفها مرادفاً لما يُعرف بالألسنيات.

راجع: الأصول، دراسة إيبستمولوجية لأصول الفكر اللغوي العربي: الدكتور تمام حسان، دار الثقافة، الدار البيضاء، الطبعة الأولى 1981، ص: 250.

[26] عبد الوهاب المسيري، موسوعة اليهود واليهودية والصيهونية، طبع مصر 1999م، 5: 101-105.

[27] ثمة كتابات عديدة تناقش إثارات الاستشراق، وأحبذ الإحالة على كتابي د. عبد الرحمن بدوي؛ دفاع عن القرآن ضد منتقديه و دفاع عن محمد ضد المنتقصين من قدره.

[28] مباحث في علوم القرآن: صبحي الصالح: 176.

[29] مناهج المستشرقين في الدراسات العربية الإسلامية. ج1، ص 10، 21، 25، 31.

[30] راجع البيان في تفسير القرآن، السيد الخوئي (قدس سره)، دار الزهراء 1975.

[31] المستشرقون: 3/ 535.

[32] الدراسات العربية والإسلامية في أوروبا: ميشال جحا، ص200.

[33] أركون وعلم الإسلاميات التطبيقية؛ نقد العقل الإسلامي عن طريق تبني منهجية جديدة:

www.raya.com

[34] الفكر الأصولي واستحالة التأصيل، نحو تاريخ أفضل للفكر الإسلامي، دار الساقي؛ لندن، ط 1، 1999، ص 65. وأيضاً؛ محمد أركون، القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني، ترجمة هاشم صالح، الطليعة 2001، ص 19 - 20، وأيضاً؛ محمد أركون، الفكر الإسلامي قراءة علمية، ترجمة هاشم صالح، بيروت: مركز الإنماء القومي، 1987، ص 32.

[35] ابن منظور، لسان العرب، دار الجيل، بيروت 1988م، مادة أرخ، 1/ 44. الزبيدي محمد مرتضى، تاج العروس، دار صادر، بيروت مادة أرخ، 2/ 4. الرازي محمد بن أبي بكر عبد القادر، مختار الصحاح، مكتبة لبنان، بيروت، 1986م مادة أرخ ص: 5.

[36] لاحظ أنه يقال:أرَّخ الأحداث أو أرَّخ لها أي دوَّنها. ويمايز البعض بين تاريخ بالألف وتأريخ بالهمزة؛ فيقال: فلان له وجود تأريخي، أي أنه شخص حقيقي لا خرافي، ويقال: فلان شخصية تاريخية أي شخص مهم في التاريخ بإنجازاته أو إساءاته. والأخير متداول كثيراً في الأدب السياسي.

[37] راجع: ميشيل فوكو بين التاريخية الجديدة والمادية الثقافية.. معن الطائي. موقع الكتروني: www.ahewar.org

وقراءات في ضوء التاريخية الجديدة... د. بهاء الدين محمد مزيد. موقع الكتروني:

www.ofouq.com

[38] أركون، الفكر الإسلامي قراءة علمية، ص 116.

[39] سورة الإسراء: 106.

[40] انظر: اركون، الفكر الإسلامي قراءة علمية؛ ص20. أبو زيد، النص السلطة الحقيقة.. إرادة المعرفة وإرادة الهيمنة؛ المركز الثقافي العربي، ص139.

[41] الفكر الأصولي واستحالة التأصيل، نحو تاريخ أفضل للفكر الإسلامي: 199.

[42] الفكر الإسلامي.. نقد واجتهاد، دار الساقي للطباعة والنشر 1998، ص77.

[43] محمد أركون، الفكر الإسلامي قراءة علمية، ص22 وما بعدها.

[44] مجلة مواقف: ع 59/ 60، ص 20.

[45] تاريخية الفكر الإسلامي، المركز الثقافي العربي 1998، ص 288. وانظر: الفكر الأصولي واستحالة التأصيل؛ ص41 - 135 - 284.

[46] الفكر الأصولي واستحالة التأصيل، ص29 - 30.

[47] الفكر الأصولي واستحالة التأصيل، ص41.

[48] محمد أركون الفكر، الإسلامي نقد واجتهاد، ص85 - 86.

[49] أركون، الفكر الإسلامي قراءة علمية، ص23.

[50] الفكر الأصولي واستحالة التأصيل. ص44 - 45

[51] الفكر الإسلامي: قراءة علمية، ص 278.

[52] الفكر الإسلامي نقد واجتهاد، ص90

[53] الفكر الأصولي واستحالة التأصيل، ص70.

[54] أركون: الفكر الأصولي واستحالة التأصيل، ص30.

[55] راجع؛ نصر حامد أبو زيد: إشكاليات القراءة وآليات التأويل، المركز الثقافي العربي الطبعة الخامسة 1999، ص13، 20 - 25. وقارن؛ ناظم عودة خضر: الأصول المعرفية لنظرية التلقي، دار الشروق، ط1، 1997، ص 97 - 98.

[56] نصر حامد: إشكاليات القراءة وآليات التأويل، ص42.

[57] راجع: محمد بهرامي: الهرمنيوطيقا.. بحث في التفسير: ص27. دراسات في تفسير النص القرآني، مجموعة من الباحثين، ج1. مركز الحضارة. بيروت 2007. أيضاً: عبد العزيز حمودة المرايا المحدبة: ص104 - 175 - 340 - 390، عالم المعرفة، الكويت.

[58] أبو زيد النص السلطة الحقيقة ص80، 30، 86.

[59] ابو زيد النص السلطة الحقيقة ص139.

[60] النص السلطة الحقيقة ص134.

[61] تاريخية الفكر العربي الإسلامي: ص43. وانظر: الفكر الأصولي واستحالة التأصيل: ص76.

[62] تاريخية الفكر الإسلامي، ص299.

[63] الفكر الإسلامي قراءة علمية، ص191.

[64] أبو زيد، مفهوم النص: دراسة في علوم القرآن، بيروت - الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 1990. ص 193.

[65] أبو زيد، نقد الخطاب الديني، القاهرة: دار سينا للنشر، 1992، ص 93.

[66] حامد نصر أبو زيد؛ نقد الخطاب الديني، مكتبة مدبولي 2003، ص206.

[67] نقد الخطاب الديني، ص35.

[68] أبو زيد، الإمام الشافعي وتأسيس الأيديولوجية الوسطية، القاهرة: دار سينا للنشر، ط 1، 1992، ص 198.

[69] أبو زيد، دوائر الخوف: قراءة في خطاب المرأة، الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، ط4، 2004، ص202 ــ ص 218.

[70] دوائر الخوف، المركز الثقافي العربي، ص69.

[71] قارن؛ التراث والحداثة، د. الجابري، 54. مركز دراسات الوحدة، ط1 - 1991.

[72] سورة النساء، الآية 11.

[73] ومثال آخر في حجب البنت عن ميراث الأرض؛ إن المجتمع العربي قبلي، وإحدى نزاعاته هي حول المراعي. والملاحظة الثانية؛ أن المجتمع العربي يفضل التباعد في الزواج وسيلةً لإنشاء التحالفات، فتوريث البنات يخلق توترات على حقوق الرعي، ومع ملاحظة عادة تعدد الزوجات فهذه توفر مناخاً لتركيز الثروة عبر النساء، لأن المجتمع العربي ذكوري فما تملكه المرأة يؤول بطريقة أو بأخرى للزوج.

[74] أبو زيد، دوائر الخوف، ص 206 - ص 214.

[75] انظر: نقد الخطاب الديني، ص 209 - 215.

[76] أبو زيد، دوائر الخوف، ص 231 - 235

[77] يكفينا أن نحيل لأبحاث العلماء في شأن كلا المسربين؛ أي «توثيق النص القرآني»: راجع: السيد أبو القاسم الخوئي (قدس سره)؛ البيان في تفسير القرآن، عن التحريف وجمع القرآن، والناسخ والمنسوخ. أيضاً: العلامة الشيخ محمد هادي معرفة (رحمه الله): تلخيص التمهيد ج1، في القراءات.... والثاني «التنجيم ذو غرض تربوي إصلاحي لا يمس تعاليه وخلوده وتماميته» وبعبارة إن تأثير رعاية الخارج في الأسلوب والتوقيت ليس إلا، والأسلوب والمثال يتسم بأنه حق ويتكئ على السنن الإلهية: راجع: السيد المدرسي دام ظله في «بحوث في القرآن الكريم» في «التزكية والتعليم.. والعلاقات، والظاهر والباطن، والأحرف السبعة». راجع: العلامة الشهيد السيد محمد باقر الحكيم (رحمه الله)؛ علوم القرآن، في أسباب النزول والمكي والمدني. مع التنويه إلى أن عبارة «مناسبة النزول» هي أفضل من سبب.

[78] مقارنة أبحاث «المحكم والمتشابه» و«الظاهر والباطن» و«التأويل» المتعارفة مع مسار الروايات يكشف عن تباين كبير، وهو وجود رؤية تفتح الباب حول علاج إشكالية القراءة المتجددة للنص مع الحفاظ على مرجعيته، وبنية الظاهر. وهي رؤية غائبة عن الكتب الأساسية في علوم القرآن.

[79] تأثير التاريخانية على السنة واضح، ولنلاحظ: 1- ما يسمى الأحكام التدبيرية التنظيمية الإدارية وما يُعرف بالأحكام الولايتية، والبعض يجعلها مع التدبيرية، ولا بأس بذلك، إلا أن التدبيرية صبغة إدارية إجرائية، وهذه الولايتية ما تتطلبه الحياة العامة في إطار مصالحها وتنظيمها من أحكام استثنائية ثانوية.

2- نسق التقية في الرواية. وغالباً نجد هذا الحقل في التعارض بين الروايات.3- الإفتاء الفتوى الجزئية لوقائع محددة، وهو ما يُعرف بأنه على نحو القضية الخارجية مقابل المحكم الفتوى العامة، ويُعرف بعلى نحو القضية الحقيقية، وأيضاً نجد قسماً منه في حقل التعارض بين الروايات، ومنه روايات الاحتكار.

4- الظروف السياسية والاجتماعية والثقافية وما تتطلبه من توجيه ثقافي ومعرفي وتشريعي للحفاظ على المصالح العامة والدين، ومن هذا القبيل تغليب خطاب الجهاد أو التقية، ومنه التأكيد على بعض الأحكام منعاً من إماتتها وإحياء للسنة...ويمكن أن نشير إلى أن مضامين تاريخية الفهم للسنة لا تاريخية السنة مألوفة في البحث الفقهي والأصولي الإمامي، ومن ذلك:

1- إشكالية الخطاب الشفهي المعروفة، والتي طرحها المحقق القمي (قدس سره) وهي نظرية لا تتعلق بإمكان مخاطبة المعدومين من الأجيال اللاحقة بعد عصر الخطاب، ولا تتعلق بالبحث الدلالي بأن أدوات الخطاب اللغوي تشمل الغائبين أم لا. وهي بهذا التصوير لا تختص بالسنة، وقد عولجت أما بعدم اختصاص الخطاب، وأما باشتراكه من خارج، فهي الخطاب الشفهي نظرية تتعلق بأن الظهور المعتد به عقلائيًّا مختص بالمُخاطب حيث يكون الخطاب محفوفاً بالقرائن ومرتكزاً على عهديات مشتركة بين المتكلم والمخُاطب.. وهي هنا تتعلق بالسنة فقط.. والأبحاث الأصولية تجاوزت هذه الإشكالية، كما تجاوزت إمكان مخاطبة المعدوم وشمول اللغة للغائب.

2- دراسة عصر النص السنة لملاحقة التطورات الدلالية، وتمييز التقية والقضية الخارجية، واستكشاف لحن الخطاب ومعرفة أحوال الرجال، ومن هذا القبيل دراسة الظروف السياسية والمعرفية لأن الأئمة من شأنهم أن يُعالجوا الإشكاليات الناتجة عن السلطان حفاظاً على مصالح الأمة وسلامة دينها، ومن هذا القبيل دراسة الفقه السني ومذاهب العامة، وينقل، عن البروجردي (قدس سره) تأكيده المستمر في محضر بحثه على أهمية دراسة الفقه السني وأحواله التاريخية؛ لأن قسماً من الأسئلة الموجهة للمعصومين (عليهم السلام) هي وليدة الاحتكاك والتماس بالفقه السني.

وأيضا يمكن أن نشير إلى أنه من النظريات الرائدة في هذا الباب تأثير التاريخية على السنة والرائدة في تقديم معالجات مثمرة نظرية المحكم والمتشابه في السنة/ التعليم والفتيا التي تبلورت في مدرسة الميرزا الأصفهاني، وأيضاً تطورها في اتجاه المرجعية القرآنية ونظرية القيم.. انظر التشريع الإسلامي ج1، ج2. السيد المدرسي دام ظله.


ارسل لصديق