مجلس شورى العلماء..
رؤية إسلامية معاصرة
كتبه: الشيخ علي حسن القطان
العدد (42) السنة 19 - 1429هـ/ 2008م
التعليقات: 0
القراءات: 1266

بسم الله الرحمن الرحيم

﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ[1]

صدق الله العلي العظيم

تمهيد:

رغم الصعوبات التي تكتنف العمل الإسلامي في هذه الآونة فإن العمل يبقى الخيار الوحيد أمام المصلحين، لأن اعتزال الواقع يعني مساهمة ليست متواضعة في الوضع الراهن. ولكن هذا الاستمرار لا يكفي خصوصاً مع هذا التبدل المتسارع لواقع العاملين والساحة التي يعملون فيها، وهذا يعني أن تمتلك الفئة التي تريد لنفسها الاستمرار أموراً:

أولاً: القدرة على التجدد:

تبقى قدرة الجماعات على التجدد سبيلها للاستمرار، فإذا لم تكن متجدداً فإنك ستفقد أملك في الوجود والاستمرار؛ هكذا تعلمنا الأشياء من حولنا. وإذا كنا تجمُّعاً متجدداً فإن هذا لا يعني أن نفقد ضابطة التجدد، إن الصبغة التي يجب أن يصطبغ بها المؤمنون لا تعني الجمود بل تعني التجدد من خلال فقه العمل الإسلامي.

ويعني هذا المفهوم القدرة على التفكير الجمعي والقدرة على المشاركة في التفكير وجمع القرار من خلال نظام استشاري منضبط بعيد عن العصبية والذاتية الخانقة التي حوَّلت بلادنا إلى فئات متشرذمة تعيش الأنانية والفوضى. كما يعني أيضاً قراءة الأمور بشكل مستمر قراءة جماعية منظمة تجمع العقول، والقلوب في الوقت نفسه.

ثانياً: الرؤية الإسلامية تجاه الفرديات الادراية:

لقد كان العمل قائماً على قدرة الفرد على العطاء، وكان تجاوب المجتمع مع الفرد مبني على ظروف وشروط ربما لم يساهم هو في صنعها، إنها شروط تمليها طبيعة المجتمع أو الفئة، وربما كان الشرط قضية خارجية قاهرة هذا في المجتمع الذي لا يملك زمامه ولا يمتلك عناصر الحياة والتطور. أما المجتمع الإيماني فإنه يختار لنفسه الطريق، ويبقى في حالـة مراجعة مستمرة لخطواته، وهو من يطوي المرحلة بملء إرادته ضمن دراسة معمقه وقرارات واعية.

والسؤال: ما هي نظرة الإسلام إلى الفرديات الإدارية؟ وما هو رأيه في العمل الفردي؟

بحسب قراءة النصوص لا نجد مانعاً من العمل بكل أنواعه الفردية، وغير الفردية بناءً على التسابق إلى الخير ومن خلال أن الكل مسؤول. وليس ذلك بشكل مطلق وإنما في حدود. لقد جربنا العمل الفردي بمختلف أشكاله وطرقه وقد علمتنا التجارب أن جملة كبيرة من المشاكل هي نتيجة طبيعية لهذا العمل خصوصاً فيما يتعلق بالشأن العام. إن الحرية الفردية في العمل لا يصح أن تتحول إلى رؤية منفصلة عن حاجة الواقع والطوارئ التي تحيط بالعمل.

والقراءة الصحيحة للواقع تضعنا أمام العمل الشوروي حلًّا لمشكلاتنا، فالواقع الراهن هو من يطالبنا بهذه الرؤية وهو سنة تفرضها حاجة التجمعات إلى قوة مضاعفة ونظام يصمد أمام مفترقات الطرق وهذا يشبه ما يحدث في اقتصاديات اليوم فربما اجتمعت شركتان لتنافس شركة أكبر أو ذات قوة اقتصادية أكبر. أضف إلى هذا ما يتطلبه الإعداد للمستقبل، فالمستقبل يتطلب نظام متماسك في العمل ورؤية تصمد أمام التغيرات ورياح المستقبل. ولكن هذا الشكل الجديد من العمل يحتاج الكثير الكثير من الجهود والعمل الدؤوب. وأهم من ذلك كله يحتاج إلى التخلي عن الأنانية والذاتية الخانقة والغرور.

يقول الإمام الشيرازي (قدس سره) في كتاب (لكيلا تتنازعوا) تحت عنوان العمل الفردي والجماعي: «من الحقائق الثابتة في العمل أن ثمن التوحيد باهظ، بينما ثمن التفرقة أكثر غلاءً، فالإنسان إذا انخرط في وحدة ما، وإن كانت مكونة من عشرة أفراد مثلاً، فإنه لو قام بتشكيل هذه الهيئة بنفسه، فإنها تأخذ من أعصابه وراحته؛ نظراً للمضايقات التي يتلقاها من بعض الأفراد كما نشاهد في الهيئات والجمعيات والبرلمانات ومجالس الشيوخ وغير ذلك.

لكن لو انفرد الإنسان، وأراد تفادي هذه المشاكل، لابد وأن يقع في مشكلة التأخر ومشكلة غلبة الآخرين عليه، وهاتان المشكلتان تأخذان أكثر من واقعه، وسيادته، وفكره، وأعصابه، وإن هذه حقيقة يجب أن يفهمها كل إنسان تقدمي، وكل إنسان له هدف في هذه الحياة.

نعم، من لا يفهم الحياة إلا الأنانية والاستئثار، لا يسير إلا وراء الغرور والشخصية الموهومة، ولا يصل إلى تحقيق المفاهيم السامية بل المفاهيم الخاطئة.

قال الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام): «لا وحشة أوحش من العجب».

ذلك؛ لأن العجب والغرور، يجعلان الإنسان، يعيش في أتعس حالة، فهو وإن كان يعيش بين ألف إنسان إلا أنه يبقى غريباً عنهم في واقعة المعيشي والاجتماعي.

فلو صليت صلاة الجماعة وصلى خلفك مائة ألف إنسان، ولو ارتقيت المنبر واستمع إليك عشرات الألوف، ولو جاءت المليارات من الأموال واستطعت أن تعطي من هذه الأموال رواتب طلبة العلوم الدينية ووراتب الفقراء والمساكين.

لو استطعت أن تكون بساعدك الشخصي المدارس والمستشفيات ثم إن ألفت المئات من الكتب في شتى الموضوعات العلمية والفنية ولو... ولو..

لو فعلت جميع ذلك، عليك أن تعرف بعد ذلك أن عملك كله لم يخرج من كونه عملاً فرديًّا، وخليق به أن ينهار، لأن كل عمل فردي مآله إلى الانهيار. وبالعكس، لو كوّنت هيئة للعلماء للنظر في شؤون الناس، وللنظر في شؤون العلماء.

ولو كوّنت جماعة من الخطباء لوضع برنامج متطور للخطابة. ولو كوّنت جمعية، لأي أمر من الأمور الدينية والاجتماعية أو ما أشبه ذلك، فعليك أن تطمئن أنك أنجزت عملاً اجتماعيًّا ليس بقاؤه ببقائك، ولا ذهابه بذهابك.

لذا من الواجب على الإنسان أن يكون بعيد المدى، عميق التفكير، وأن يحمل مشاريعه على أكتاف المجتمع، فإن ذلك سوف ينفعه أولاً؛ لأنه الضمانة على بقائها مهما تقلبت الظروف، وينفعه ثانياً بتوفير الوقت له في أن يعمل مشاريع ومؤسسات أخرى حيث لا يقدر على مثلها. مثلاً: إذا قام بمشروع لوحده، فإن المشروع الواحد، يأخذ كل وقته ولا يدع له مجالاً في تكوين مشاريع أخرى».

نقلنا هذا الفقرة بطولها لأهميتها في سياق حديثنا عن أهم مشروع أقدم عليه علماء ناضجين وواعين بأهمية مثل هذا المشروع، ولتفوقه من حيث الأهمية على كثير من المشاريع، وهم بذلك يمثلون خط الريادة في المنطقة، وعليه لا يجب أن يستهان بمثل هذا العمل، بل يجب أن نتمسك به بكل قوتنا وأن ندافع عنه، وأن نحمله إلى كل المناطق بشكله الإيجابي، وأن نصبر على تأسيسه كي نحصل على ثمراته الرائعة في المستقبل.

ثالثاً: العمل المنتج:

يصنف القرآن الفئات أو المجتمعات أو الأمم إلى فئتين: الفئة الطيبة والفئة الخبيثة، وذلك من خلال شروط موضوعية، وأحد تلك الشروط ثبات الأصول والبروز في الأعلى والثمرة المستمرة قال تعالى: ﴿ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ[2].

لقد حدد القرآن هذين الصنفين على أساس مستويات عدة أحدها يؤدي إلى الآخر وآخر تلك المستويات هو الثمرة التي تؤتيها تلك الشجرة، إذ الأمور بخواتيمها وهذا هو الأساس الذي يعني التجدد المستمر والواعي.

إن من أهم صفات الفئة الطيبة هي الاستقرار والثبات والاستقامة والعمل المثمر. أضف إلى ذلك الأجواء التي تساعد على نمو العمل وتطوره. إننا بحاجة إلى أطروحة متجددة تحقق الاستقرار وتؤدي إلى عملٍ منضبط منظم وفي الوقت نفسه نستطيع من خلالها أن نطل على المجتمع فئةً حضاريةً ذات رؤية ثابتة سليمة مدروسة وأن ننعم بثمراتها في مختلف المراحل.

العمل الشوروي هو الأساس في عصر الغيبة:

ما ذكرناه سابقاً من التأكيد على مجلس شورى العلماء كان بحسب قراءة هذا المشرع من خلال المتغيرات، فالواقع الحالي يتطلب مثل هذا المشروع بشدة وبإلحاح هذا في أقل تقدير. مع أن العمل الشوروي هو الأساس في عصر الغيبة كما هي رؤية الإمام الشيرازي (قدس سره). وهي رؤية شاملة نسعى إلى تطبيقها في ظل التناقضات الاجتماعية مع إيماننا بالتعدد وتفجير طاقات الفرد، ولكن هذا التعدد لا يعني إلغاء المشروع الموحد والمؤسسة الواحدة التي يجب أن نبذل من أجلها كل الطاقات والإمكانات، وأن نسخّر ما يمكن جمعه من كفاءات وقدرات في سبيل إنجاحه، وأعني بالمشروع الموحد التركيز على مشروعنا الجامع ومؤسستنا الشاملة، وهي من يقع في ظلها التعدد والحرية والتنافس على الخير بالخير لا بالأساليب الممنوعة في فقه العمل الإسلامي. من هنا يجب أن يكون التعدد من الداخل ومن خلال نظام يسمح للكل أن يأخذ فرصة ليس في العمل وحسب بل وفي الإدارة أيضاً.

الوسائل والأساليب المنتجة:

إذا كانت الوسائل والأساليب عقيمة غير منتجة فهذا يعني ضرورة مراجعة تلك الوسائل والأساليب. ولكن هذا المراجعة محكومة بأساس آخر هو الأصول التي نتحاكم لها، ومنها الأصول الوضعية التي نتواضع عليها فيما بيننا كاعتبار المجلس الاستشاري أساساً.

إن استمرارنا في مراجعة الوسائل والأساليب يجب أن يكون من خلال رؤية صحيحة للعمل، وتلك الرؤية التي نقدمها هي شورى العلماء التي يمكن أن تحقق لنا الاستقرار وتؤدي إلى فاعلية اجتماعية كبيرة، وهي تضع التجمع في الجو المناسب الذي يساعده على النمو والتطور ويقلل من السلبيات والأخطاء ويخلق إمكانية التفاعل -أي القابلية للفعل والتأثير- مع المحيط، ويؤدي إلى إمكانية بلوغ أعماق أنفسنا بوصفنا تجمُّعاً والإمساك بعناصر القوة فيه. هذا الوسط المليء بالطاقات والإمكانات يحتاج إلى الاستقرار والقدرة على التواصل الداخلي والانضباط ونوع من الولاء لمصدر القرار، وذلك كله يكون إذا كنا متمسكين بثوابتنا منسجمين مع ذواتنا وقد وضعنا أيدينا على الرؤية التي تحل محل الفردية. إن البرنامج الذي يحقق كل هذا ويؤدي إلى الانسجام في هذا التجمع بشكل خاص وفي المجتمع بشكل عام بحسب دراسات مطولة وتأمل دام عدة سنوات هو المجلس الاستشاري للعلماء. ففي ظل شورى العلماء يمكننا أن نتطور وأن نبدع وأن نحقق آمالنا ورؤانا التي نريد، وأن نقدم في كل يوم جديداً منسجماً مع هذا المرحلة؛ مرحلة المؤسسات، والاستشاريات.

المجلس الاستشاري للعلماء واستقرار المجتمع:

التفكير المستمر في الأزمات والأخطاء يضعنا أمام عدد من الحلول، وإذا كنا نمتلك الشروط السابقة فإن الحل سيكون خاضعاً للتجربة ومعيارية الحق والتواصي به والصبر عليه، ولن يتحول في أي حال من الأحوال إلى صنم. وقد جربنا طوال عقود طويلة أساليب العمل الفردي، وقد حقق هذا العمل قدراً من النجاح بحسب مؤهلات ذلك الفرد وظروف العمل، ولكن العمل الفردي وإن كان ينجح في بعض الأحيان إلا أنه يبقى يعيش صراعات في الهامش ما تفتأ أن تتحول إلى صراع في الداخل، لأنه لا يعطي فرص متساوية للأشباه والنظائر ويضع العمل ومستقبله بيد فرد واحد.

وإذا قرأنا النصوص الإسلامية فإنها تنطلق من رؤية كلية وليست جزئية، وتضع الأساس للاستقرار الاجتماعي من خلال فكرة الشورى الإسلامية التي تعتبر أحد أساليب الإدارة المعاصرة، وهي في الوقت نفسه لا تلغي طموح الأفراد، وتعطي الكل فرص متكافئة للعمل والتغيير، ونحن طرحنا الفكرة من خلال عنوان المجلس الاستشاري للعلماء، ولكن هذا الرؤية لا تحمل معها حلولاً سحرية، وإنما تحتاج إلى شروط كثيرة وأخلاقيات في غاية الأهمية كرَّس الإمام الشيرازي (قدس سره) عمره الشريف كي يغرسها في نفوس أتباعه.

مجلس العلماء مشروع إسلامي واعد:

لم يؤسس المجلس الاستشاري للعلماء على أساس مرجعي، وإنما على أساس الجامع الأكبر، وهو الانتماء لمذهب أهل البيت (عليهم السلام)، والعمل من أجل تنظيم شؤون هذه البلدة، والعمل على وحدتها، وبهدف بناء أساس مستقر وثابت؛ فلو كان الأساس هو الصيغة المرجعية فإن هذا سيقود المجلس إلى التفكك بمجرد موت المرجع لا سمح الله، وإنما المراد أن يكون ثابتاً مستقراً غير خاضع للتغيير، ومبنيًّا على أساس صحيح، وفي ظل المرجعية الكلية لا الفردية. وسوف نُعرِّف بالمجلس وبأهدافه.

التعريف بمجلس شورى العلماء:

المجلس الاستشاري هو تجمع للعلماء على أساس أنهم حملة لفكر أهل البيت وعلم هم (عليهم السلام)، ووكلاء للمراجع العظام، ويجمع بينهم العمل والمؤسسة التي هم قادتها والمسؤولون عن تطورها.

هدف المجلس:

يهدف هذا المجلس إلى إيجاد نسق واحد للعمل الإصلاحي والإرشادي على أساس التعاون والشورى.

هذا المجلس يقوم بوظيفة إدارة المؤسسة والإشراف عليها وتوجيهها، ويقوم بدور الأبوية لكل المؤسسات. ويقوم بإدارة اللجان باللقاءات الدورية مع مسؤولي اللجان الذين يُعيَّنون بالانتخاب.

إدارة المجلس:

يخضع المجلس إلى إدارة دورية من أحد العلماء دام عزهم ونفعنا الله بهم في كل عام، ويكون هو الناطق والمسؤول عن عقد الجلسات والالتقاء مع مسؤولي اللجان الاستشارية ومجلس المؤسسة، ويتخذ القرار في المجلس على أساس الأكثرية أو القرعة. ويكون رئيس مجلس العلماء هو وجه المجلس والعلماء في تلك السنة، ويجب أن نعمل كعلماء ومؤسسة على إنجاحه، وأن نعمل معاً على تحقيق أكبر قدر من الاستفادة من طاقة التجمع والاستشارة.

الجانب المالي:

في الجانب المالي من المهم أن نسعى إلى تشكيل صندوق للأخماس والزكاة، وأن نعمل على الحصول على مصادقة المراجع المقلدين في البلد من أجل تنظيم الصندوق، وأن يجمع أكبر قدر من الرصيد المالي بمثابة الخزانة العامة للمؤسسة، وعبره تدعم المشاريع المختلفة.

إن من أهم ثمرات هذا المجلس هو وجود نظام للمال تحت اسم صندوق للأخماس، محدد بإطار المنطقة الواحدة لأهداف اجتماعية، ومن أهمها المساهمة في رفع مستوى العمل الإصلاحي وبناء اقتصادية رشيدة في البلاد. ومن المعلوم أن قوة رأس المال يؤدي إلى قوة المشاريع التي نأمل أن نراها في حيِّز التنفيذ. كما أن وجود الصندوق تحت يد المجموع يُرشِّد النفقة الشرعية، ويتحول إلى مشروع جمعي بعد أن كان وسيلة فردية يصرف في إطار العمل الفردي.

إن هذا الصندوق لازمة مهمة للعمل الشوروي الجمعي المؤسساتي؛ لأنه يضمن نجاح هذه العمل واستمراره.

الاستشارية وإدارة اللجان:

الجمود وعدم الحركة في الوسط الإداري يجعل من الوسط قابلاً لنشوء الكثير من السلبيات، أما تغيير الوجوه الإدارية فإنه يعطي للوسط الكثير من النشاط والحيوية، ويخلق تنافساً شريفاً وعملاً نزيهاً، ويؤدي إلى الإبداع والتطور. من هنا فالحل الصحيح أن نعطي للآخرين الفرصة في المشاركة. إن تعيين النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أسامة بن زيد الشاب على رأس جيش يعكس هذا المفهوم.

والأسلوب المقرر في إدارة اللجان هو أن يحدد أعضاء اللجان بالشورى والتصويت، وأن تختار كل لجنة مسؤولها. ومسؤولي اللجان هم من يشكلون الاستشارية دون الأعضاء بهدف حصر الأصوات، مضافاً لهم كبار القوم من أهل الحكمة والرأي.

نعم نحن نترك باب الأسلوب في التحديد مفتوحاً. فربما كان من الأنسب أن يتم اختيار رؤساء اللجان كل سنة أو كل سنتين. المهم أن نفكر في أسلوب يتناسب والمرحلة، أسلوب يساهم في حل المشكلات ويقلل من الأخطاء والسلبيات.

علاقة مجلس العلماء بالاستشارية:

هل يقوم مجلس العلماء بدور ولي الفقيه؟

إن مقتضى الوكالة الشرعية أن يتصدى الوكيل للأمور الاجتماعية وغيرها ممن يرى فيه الفقيه الكفاءة والقدرة على ذلك، وبناءً على هذه الوكالة الشرعية يتفاعل الجمهور مع العالم، والوكالة محددة بمقدار معين من الصلاحيات، وليس من الصحيح أن نقصر العلاقة بين العلماء والمؤسسة فقط على أساس الوكالة. نعم هي عنصر هام في طبيعة العلاقة. إن الوكيل المطلق مثلاً يمثل الفقيه بشكل كامل، فإذا عقد الوكيل فكأنما عقد الفقيه، وإذا حل فكأنما حل، ولكن لا يصح أن نقصر العلاقة على هذا النحو.

إن العلاقة بين الناس والفقهاء تحتمل وجهين:

ولاية الفقيه، الشورى. وعند عدم وجود الشورى لا تُلغى الولاية بل هي موجودة على كل حال، من هنا نعلم أن قيمة القرار الذي يتخذه العالم بما يتعلق بمصالح الناس في طول قرار المرجع بل ويعبر عنه باعتباره أقرب إلى فكره وباعتباره على اتصال بالفقيه، فالوكلاء هم أيادي الفقيه الولي على الأمة، وتكتسب الوكالة قداسة إضافية عندما تأخذ الشكل الاستشاري باجتماع العلماء وتُحوِّل هؤلاء العلماء إلى صوت واحد، ومن خلال فكرة الشورى التي نحاول أن نصل إلى أي مقدار ممكن منها.

إن هذه العلاقة يجب أن يضاف لها قدر من العلاقة الاستشارية؛ ولهذا نرى أن المجلس الاستشاري عنصر هام في تكوين العمل وأحد وجوهه الحضارية، وقد مر عليك كيف يجب أن يتشكل هذا المجلس، وأنه يجب أن يكون متغيراً بحسب التصويت السنوي أو غير السنوي. والسؤال الهام هو: هل يقرر المجلس الاستشاري في قبال مجلس العلماء؟

ذلك يتبين من خلال علاقة عالم الدين بالمرجعية وطبيعة المسؤولية المناطة بالعالم، ففي إطار الوكالة على الناس أن يرجعوا إليه وذلك في تقرير الصالح العام الذي يراه العلماء عبر تواصلهم مع الفقيه. وأما في المسائل الإجرائية المتعلقة بالكيفيات وغيرها فإن القرار ينضبط بضابط المصلحة والشورى مع مراعاة رأي العلماء؛ لأنهم أدرى بالمصالح الشرعية، ولأنهم على صلة مستمرة بالمرجع. ويجب أن نعتمد على الإقناع لا على الفرض، وأن نحترم الرأي الآخر، لكن يجب أن ندرك أهمية رأي العالم؛ فهو وكيل للمرجع وصلتنا به، وهو يعمل من خلال مقتضيات وشروط وعلل وأسباب شرعية على علم بها. نعم لا نقول: إن علمه كامل، وهو يرفع النقص هذا بالاستشارة والتواصل مع جمهوره وأتباعه.

من شورى الجماهير إلى شورى العلماء ثم المراجع:

إن الخطوات الممكنة من الشورى تبدأ بالمجاميع الصغيرة، ولكن الوعي بهذه القيمة الأخلاقية والدينية والإدارية يؤدي في النهاية إلى طموح طالما شغل الإمام الشيرازي (قدس سره). ولذا نحن نعتبر هذا العمل -أي بناء مجلس الوكلاء أو العلماء- لبنة أساسية في طريق شورى الأمة.

وفي نهاية هذه الوريقات نسرد تبركاً وتميناً جزء كلام لأول راعٍ هذه الرؤية الإسلامية العظيمة -أعني الإمام الشيرازي (قدس سره)- تحت عنوان (وحدة العلماء) كتبها مبكراً سنة 1395هـ في كتاب (لكيلا تتنازعوا) يقول:

«توحيد صفوف أهل العلم له دور كبير في تقدم البلاد الإسلامية، كما وأن اختلافهم له دور كبير في تأخير البلاد.

ولا يتوحد أهل العلم طالما ظل المال مبعثراً. وما دامت الدارسة الدينية فوضى.وما دام النظام السياسي لا يتفق وطموح أهل العلم. ولا يمكن علاج هذه الأمور الثلاثة إلا بوضع معايير تقويم للرئاسة وقواعد لإيجاد الرئاسة، ولا يتم ذلك إلا بتكوين مجلس استشاري يتكون من أهل الحل والعقد من علماء الدين العدول لاختيار الأصلح من المراجع، ومن الطبيعي أن يلاحظ المجلس مؤهلات المرجع وقدراته الإدارية إلى جانب المزايا والمؤهلات الدينية الأخرى، التي تجعله قادراً على القيام بدور الريادة في المجتمع. وبمقدور المجلس تعيين معاونين للمرجع يساعدونه على القيام بالمهمات الثانوية مثل تنظيم الدراسة، وتنظيم شؤون القضاء، وتنظيم أمور المال، وغيرها من الأمور الأخرى.

وإذا كان للأمة مراجع متعددون كما هو الغالب كان المجلس الأعلى المتشكل من المراجع هو السلطة العليا، إذ لا يحق لمرجع أن يضغط على مقلد مرجع آخر ويفرض رأيه عليه...».

نسأل من الله أن يأخذ بأيدينا وأن يصلح أحوالنا ويغيِّر سوء حالنا بحسن حاله، وأن يوفِّقنا لما فيه خير هذه المؤسسة وصلاح هذه البلاد، وأن يسدد خطواتنا ويبصرنا عيوبنا ويعصمنا من الزلل ويعيننا على النهوض بهذا المشروع العظيم إنه سميع الدعاء، وسبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد خاتم النبيين وعلى آله الغر الميامين.

--------------------------------------------------------------------------------

[1] سورة الشورى، الآية: 38.

[2] سورة إبراهيم: 24 - 25.


ارسل لصديق