غارات الغرب على الإسلام
كتبه: إبراهيم محمد جواد
العدد (42) السنة 19 - 1429هـ/ 2008م
التعليقات: 0
القراءات: 1987

توطئة

إن ما يجري على امتداد رقعة العالمين العربي والإسلامي -في العقدين الأخيرين من القرن العشرين- ما هو إلاّ إرهاصاتٌ متنوعة الصور والمشاهد، تعبّر جميعها عن حقيقةٍ واحدةٍ تقول: إن مطالع نور الإسلام قد ألقت بأشعتها الأولى في أرجاء المعمورة، وأن البشرية بدأت تحس بالدفء والنور تحت ظلال هذه الأشعة، وباتت تنتظر هذا الدين الذي لا بديل عنه لسعادة وأمن البشرية، وأن المعادلة الآن قد أسفرت عن الحقيقة التي لا محيص عنها، فإنه إما الإسلام أو لا سلام ولا أمن على الأرض.

وقبل أن يتّهمني أحدٌ بالتطرّف، ظاناً أن كلامي هذا يحمل تهديداً ما، فإني أبادر إلى توضيح قصدي من المعادلة التي أطلقتها، والتي تعني أن المشاكل النفسية للأفراد، والقضايا والمشاكل الاجتماعية القائمة حالياً، والصراعات الناشبة بين الأنظمة المتنافرة، وبين الأنظمة والشعوب، وبين القوميات والإيديولوجيات، لم يعد لها من حلٍّ عادلٍ ومنصفٍ في سوى النظام الإسلامي، وأن ظهور هذا الإسلام يشكل بحد ذاته الحل السليم والمناسب لكل هذه القضايا والمشاكل، فإذا لم يُفسَح المجال أمام الشعوب للتعرف على هذا الإسلام، وإذا لم يُسمَح للإسلام بالإفصاح عن حلوله العادلة لهذه القضايا والمشاكل، فأنى للسلام أن يسود على الأرض؟ إذا لم يستطع الفرد -وكذلك الشعب- أن يصل إلى العيش بسلامٍ مع نفسه وربّه، فكيف يمكنه أن يعيش بسلامٍ مع الأفراد الآخرين، ومع الشعوب الأخرى؟!.

الهدف المعلَن للغرب

يعمل الغرب جاهداً لتأخير ظهور شمس الإسلام، ووصول أشعته النيّرة الهادية إلى مراكز صنع القرار في العالمين العربي والإسلامي، وفي ذلك تدخّلٌ مباشرٌ في الشؤون الداخلية للشعوب العربية والإسلامية، كما فيه التسبب بزيادة معاناة الشعوب، وحجبها عن النور الإلهي لآمادٍ أخرى، يستمر الغرب خلالها بنهب ثروات هذه الشعوب وإهدار طاقاتها، وإحكام سيطرته السياسية والثقافية والاقتصادية عليها.

ومهما حاول الغرب أن يراوغ ويخادع، وأن يحاور ويداور ويناور، فإنه لن يستطيع أن يخفي هذا الهدف، بل إنه في كثيرٍ من الأحيان يرهقه الكتمان والتستّر، فيفصح عن هدفه هذا بشكلٍ واضحٍ ومباشَرٍ ومذهلٍ، حين يضطر زعماؤه للإعلان بأن الإسلام قد عاد ليصبح العدو الأول لقيم الغرب ومصالحه.

والغريب المثير حقاً، أن قيادات العالمين العربي والإسلامي تسلّم للغرب بهذا الهدف تسليماً مطلقاً، وتعمل بكل دأبٍ وسعيٍ لتحقيقه عن طريق قهر شعوبهم خدمةً للغرب، بل وإن بعض هذه القيادات يذهب إلى أبعد كثيراً من هذا المدى، فيقوم هو بتحريض الغرب على المسلمين وعلى طلائعهم المؤمنة، ولم يعد يُحرِج هذه القيادات -في أيامنا هذه- إفصاح الغرب عن هدفه في التسلّط والسيطرة والنهب إفصاحاً بيّناً وقحاً، ولم يعد يهمها تغليف تبعيتها السياسية والثقافية والاقتصادية للغرب، وخضوعها لسيطرته ونفوذه، بأغلفةٍ من شعاراتٍ قوميةٍ أو وطنيةٍ أو حتى إيديولوجيةٍ كما كانت تفعل في الماضي القريب، وبتَّ تسمع من الواحد منهم كلماتٍ من مثل: لا أقدر، ولا أستطيع، ولا يمكنني، مقاومة الدول العظمى، أو الوقوف في وجه النظام العالمي الجديد، أو المساس بأيٍّ من مصالح الغرب، أو حتى مخالفته في أيٍّ طلبٍ من طلباته مهما كانت مجحفة بحقوق ومصالح الشعوب.

ونحن على يقينٍ تامٍّ أن هذه القيادات الهزيلة صادقة فيما تقول، فهي فعلاً لا تستطيع و لا تقدر، ولكننا على يقينٍ تامٍّ أيضاً أن شعوبها تستطيع وتقدر وتريد كذلك، لولا سياسات هذه القيادات التي أرهقت جماهير شعوبها ولجمت إراداتها، وأسلمتها إلى اليأس الشديد، والسلبية القاتلة تجاه كل هذا الذي يجري حولها، حتى لم تعد أخيراً تهتم بشيءٍ منه، وكأنه لا يعنيها من قريبٍ أو بعيدٍ، حتى لكأنها ليست هي مركز الدائرة ومحور الصراع.

لماذا يفجّر الغرب الصراع؟

والسؤال المطروح: لماذا يفجّر الغرب هذا الصراع ضد الإسلام؟ لماذا يعادي الغرب الإسلام ويقف في وجهه، ويحارب دعاة الإسلام ويصطنع الصدام معهم مباشرةً أو عن طريق عملائه؟.

الإسلام لا يعادي الغرب ولا الشرق، بل ولا الشمال ولا الجنوب، لأنه رسالة الله تعالى إلى كل الشعوب، ودعاة الإسلام لا يرغبون مطلقاً بمواجهةٍ مع الغرب ولا مع الشرق، لأنهم لا يعتبرون أن لهم-ابتداءً- معركةً معهما ولا مع غيرهما.

الإسلام هو السلام لكل الشعوب، والمسلمون دعاةٌ له لا إلى قوميةٍ خاصةٍ بهم، وهم مسالمون لا هدف لهم سوى نشر الإسلام، والعمل من أجله بالحكمة والموعظة الحسنة، لا يعتدون على أحدٍ، ولا يفجّرون أيّ صراعٍ مع أحدٍ، في غربٍ أم في شرقٍ، إنهم رسل دينٍ عالميٍّ، يبشّرون بدين السلام لكل شعوب الأرض، وإذا كان الأمر كذلك، فلماذا يصطنع الغرب الصدام مع الإسلام، ويبادر إليه باستمرار.

إن صحّ أن للإسلام معركةً ما فهي معركة بناء الذات، إنها معركة المسلم مع نفسه ومع أخيه المسلم، وهي معركةٌ سلميةٌ في أساسها، إنها كفاحٌ ذاتيٌّ لاستعادة الهوية، ورسم معالم الشخصية، فلماذا يحشر الغرب فيها نفسه، ويدسّ في شؤوننا أنفه، ويتصدّى مباشرةً وعن طريق القيادات المحلية المتغربة لتشويه معركة بناء الذات، ومنع ظهور المعالم الشخصية للفرد المسلم، والمجتمع المسلم، والدولة المسلمة، ويصطنع مع الإسلام وقادته وطلائعه المؤمنة المعركة الظالمة تلو المعركة، في كل مكانٍ على امتداد رقعة العالمين العربي والإسلامي.

إن الطلائع المؤمنة للأمة الإسلامية، وهي تخوض معركتها الذاتية الداخلية، معركة بناء الذات وتثبيت الهوية، تخوضها بشكلٍ سلمي، ولا تفجّر أيّ صراعٍ عنيفٍ مع القيادات المحلية هنا وهناك في العالمين العربي والإسلامي، وإنما القيادات المحلية الخاضعة للغرب، والمدعومة بشكلٍ مباشرٍ من قِبَلِه، هي التي تخطط وتبادر إلى تفجير الصراع، وتصطنع العنف والإرهاب الرسمي المؤدلج والمقنّن، بأمرٍ من الغرب، وتحريضٍ علنيٍّ وصريحٍ منه، فتختار الزمان والمكان، والأسلوب والأسلحة، وتحدد البداية وإن كانت لا تملك أن تضمن النتيجة ولا النهاية.

الغرب الديموقراطي يبارك نحر الحريات والديموقراطية

إن هؤلاء القادة المحليين، يرفعون شعار الحرية وينشرون لواء الديموقراطية ولا يعملون بمقتضاهما، إنهم ينادون بالحرية والديموقراطية ثم يكونون أول المبادرين إلى نحرهما على مذبح الاستبداد والديكتاتورية، إنهم يحملون على التطرف والإرهاب ثم يكونون هم أنفسهم السباقين إلى ممارستهما بأبشع الصور وأقبح الأشكال.

ويأتي الغرب (الديموقراطي جداً) و (الحر تماماً)، فيبارك هؤلاء الإرهابيين (الديموقراطيين) والمتطرفين (الأحرار)، ويدعمهم ويسند تصرفاتهم وبطشهم وإرهابهم وتطرفهم، بكل السبل السياسية والإعلامية والمالية والعسكرية، حتى أصبح دعاة الإسلام مطارَدين في كل مكانٍ، مشرَّدين تحت كل كوكبٍ، مأخوذين في كل صقعٍ من أصقاع العالم، قتلاً وحبساً وتعذيباً، وطرداً ونفياً وتشريداً، بل وأصبح الإسلام نفسه تُهمةً توبق صاحبها، وتُقلق من يتلبّس بها.

فلماذا يفعل الغرب ذلك؟ أيظن الغرب أن هذا الحال سيطول على هذا المنوال؟ أيظن أن ليل الاستضعاف لانهاية له؟ وأن فجر هؤلاء المستضعفين لن يبزغ نوره ولن تشرق أشعّة شمسه أبداً؟!.

إن الدعاة ينادون العالم كله ويقولون للشرق والغرب: دعونا نبني أنفسنا، إن من أولى حقوقنا المشروعة أن نبنيَ أنفسنا كما نريد، وأن نتّخذ الهوية التي نرغب، لذا ينبغي أن تتوقفوا عن التدخل في شؤوننا تحت أيِّ ذريعةٍ، دعونا نقيم بناءنا الخاص، حتى إذا ارتفعت قوائمه ورسخت دعائمه، فكّرنا في مدّ الجسور بيننا وبينكم، وجلسنا إليكم نحاوركم في هدوءٍ عن شكل هذه الجسور، ونفكّر وإياكم في الخدمات المتبادلة والمنافع المتداولة والمصالح المشتركة، لنا ولكم وللبشرية جمعاء، نستمع لكم وتستمعون لنا، ونعطيكم وتعطوننا، ونأخذ منكم وتأخذون منا، ونتعاون جميعاً فيما يعود بالخير على كل الأمم والشعوب: ﴿يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا[1، فالتعارف ثم التعاون والتآلف، ثم الحوار، أليس هذا هو الطريق الصحيح؟ فلماذا يصرّ الغرب على أن يسلك طريق العدوان على الشعوب، واستغلالها ونهب ثرواتها والتمتع وحده بخيراتها؟!.

سيقول ناسٌ من الناس: لقد بسّطتَ الموضوع كثيراً، وعرضته بصورةٍ ساذجةٍ جداً، أنسيتَ أن للغرب مصالحه في بلادنا فهو يخاف على هذه المصالح؟ أنسيتَ أن الغرب قلِقٌ من أصوليةِ (راديكاليةِ) هؤلاء الدعاة إلى الإسلام وتزمّتهم؟ وأنه يخشى من مستقبل العلاقات مع الإسلام والأصولية، ويستحضر في ذاكرته ذلك التاريخ الحافل بالصراع مع الإسلام والمسلمين؟!.

وأقول لهؤلاء الناس: صحيحٌ أنني قد بسّطت الموضوع، لكنني لم أنس شيئاً أبداً من كل تلك التساؤلات الكثيرة، أنا لا أنكر أن للغرب مصالح في بلاد المسلمين، كما أن للمسلمين أيضاً مصالح في بلاد الغرب، تماماً كما أن لكل شعبٍ مصالح لدى الشعوب الأخرى، فالناس في النهاية جنسٌ بشريٌّ واحدٌ، يعيشون على أرضٍ واحدةٍ، هم جميعاً عباد الله، والأرض كلها أرض الله.

لكن أن تكون هذه المصالح وحيدة الجانب، أي مجرّد مطامع للغرب في بلاد المسلمين، لا يهمّه كيف يستخلصها منهم، ولا يسأل عن حجم معاناتهم من جراء سياساته المجحفة بحقهم، فهذا هو ما يرفضه الإسلام ويرفضه المسلمون، بل ويرفضه كل إنسانٍ سوي، المسلمون لا يرضون أن يكونوا مجرّد أرضٍ تُنهَب، ثم ترشّ بالسماد لتخصِبَ فتُنهَب من جديد، ولا أن يكونوا بقرةً تُحلَب، ثم تُعلَف لتُحلَب وتُحلَب وتُحلَب، المسلمون بشرٌ كما الغربيون بشر، لهم مثلهم حقّ الحياة، وحق الكرامة، وحق السيادة على النفس والأرض، المسلمون قومٌ ككل الأقوام، لهم شخصيتهم المتميّزة، وحقوقهم المستقرة، وهويتهم الواضحة، وحضارتهم المتفرّدة، ولهم في بلاد الغرب مصالح كما للغربيين في بلادهم مصالح، ولهم في بلاد الشرق مصالح كما للشرقيين في بلادهم مصالح، تُستنجز ويتم تبادلها بالتعاون والوفاق، لا بالقهر والإلزام، ولا بد أن يكون ميزان التبادل عادلاً ومتوازناً ومستقراً، لا أن يستجرّوا خيراتنا بأبخس الأثمان، ويحجزون عنا خيراتهم، أو يبيعوننا منها ما يشاؤون هم لا ما نحتاجه نحن وبأبهظ الأثمان.

فإذا أقرّ الغرب بتبادل المنافع والمصالح بالعدل والإنصاف، وإذا اعترف بضرورة التعارف بين الشعوب والقبائل، وسمح للأفكار والرؤى أن تتلاقح بالعقل والحكمة، وأن تتمازج الثقافات وتتعاون الحضارات، فلا يبقى للغرب ثمة أيُّ مبررٍ للخوف على مصالحه، والقلق على مستقبل علاقاته مع المسلمين في ظل حكم الإسلام، لأن الإسلام يقوم على السلم والتعارف والتعاون وإقامة العلاقات الدولية السليمة، ويؤكد على الالتزام بالعقود والوفاء بالعهود، واحترام المواثيق والمعاهدات، وإن دعاة الإسلام، أو ما يطلق الغرب عليهم مصطلح (الأصوليون الإسلاميون) هم في -الحقيقة والواقع- خير من يمثل هذه المبادئ والقيم الإسلامية، ويفي بالعهود والمواثيق، وهم بريئون كل البراءة من تهم الجمود والتحجّر والعنف والإرهاب والتطرف، وما إلى ذلك من هذه النعوت الظالمة التي لا تمتّ إلى الواقع بصلة.

أما إذا أنكر الغرب هذا المبدأ كما يفعل اليوم، ولم يهتم إلاّ بمصالحه فقط، وراح يغلّفها بالديموقراطية والحرية والنظام الدولي الجديد والعولمة، وسوى ذلك مما يتوسّل به الغرب اليوم لتحقيق مطامحه ومطامعه الخاصة، والوصول إلى التسلط على المسلمين والسيطرة على بلادهم ومقدّراتهم، ونهب ثرواتهم وشلّ إراداتهم كما هو حاله اليوم، وجرّد إعلامه وسلاحه الثقافي والتقني، وجرّ أساطيله الاقتصادية والسياسية والعسكرية لحرب المسلمين، ومسخ هويتهم ومحق شخصيتهم-كما فعل دائماً وكما يفعل اليوم، وخصوصاً في أفغانستان والعراق[2]، فإن تخوّفه حينئذٍ سيبقى مبرّراً، وإن قلقه سيبقى في محله إذاً، لأنه لن يجد المسلمين مطواعين لرغباته وممارساته تلك، ولن يكون الغرب إلاّ خاسراً في معركته تلك إن آجلاً أو عاجلاً، وحينئذٍ لن تكون نتيجة العدوان الغربي على بلاد المسلمين أن يخسر الغرب مصالحه في بلاد المسلمين فقط، بل ربما أكثر من ذلك بكثير.

الغرب دائماً هو المعتدي

حتى الآن لا يزال الغرب هو المعتدي دائماً وفي كل الأحوال، في فلسطين عن طريق ربيبته إسرائيل التي زرعها في قلب العالم الإسلامي، وفي أفغانستان والعراق بالاعتداء العسكري المباشر، وفي سوريا وإيران ولبنان- وكل من لا يدين له بالطاعة العمياء والخضوع المذل- عن طريق الضغط المستمر والتخويف والتهديد، وفي كل العالمين العربي والإسلامي عن طريق عملائه وسياساته الطائشة، وحتى الآن لا يزال الإسلام والمسلمون هم ضحية هذا العدوان الهمجي، ولا يزالون يقفون منه موقف الدفاع لصد العدوان وردع المعتدي.

إن الغرب هو الذي يصارع الإسلام ويقاتل المسلمين، ويشن عدوانه المتواصل على الإسلام والمسلمين تحت عناوين مختلَقَةٍ وذرائع مفتعَلَةٍ، منها محاربة الأصولية، ومنها القضاء على الإرهاب، ومنها نشر الديموقراطية ومبادئ الحرية.

في حديثٍ أجرته مؤخّراً صحيفة (لوفيجارو) الفرنسية، مع رئيس الولايات المتحدة الأمريكية (جورج بوش الابن) قال: «إن الولايات المتحدة لا بد لها من أن تقود العالم، وتفرض سيادتها حتى وإن لم يرض البعض»، أما تبريره لذلك فهو حماية الحضارة الديموقراطية الغربية من الأخطار التي تتهدّدها، وأما مصدر الأخطار المزعومة فهو العرب والمسلمون، وأضاف بوش: «بفضل إرادة الولايات المتحدة استطعنا مقاومة تنظيم القاعدة، واستطعنا خلق مجتمعاتٍ حرّةٍ في كلٍّ من العراق وفلسطين»[3]، ولعلّ (بوش) يقصد أن المجتمعات العربية الحرّة هي المجتمعات المستعمَرةُ المستعبَدة، وأن العربي الطيّب هو العربي الميت، وهو لهذا يهاجم المسلمين في عقر ديارهم، ويشنّ عليهم الغارات المتلاحقة، فيقتل الآلاف من الناس، ويشوّه آلافاً آخرين، ويخرّب المدن والقرى والمؤسسات والمعامل، ويدمّر المباني والمنازل ويشرّد أهلها، ويفجع آلاف العوائل بمعيليهم وأبنائهم، والمثال الحيُّ حتى الآن فقط، فلسطين وأفغانستان والعراق، و ما من أحدٍ يدري على من يكون الدور بعد ذلك، بينما كل ما تفعله (الأصولية) أن تتلمّس لنفسها طريق الدفاع، لتحميَ شعوبها وإسلامها من عدوان الغرب وأشياعه في ديارها، الذين يعلنون أن هدفهم القضاء على الإسلام، وعزل توجهاته السياسية والفكرية والعلمية، ومنعها من أيِّ تحرّكٍ أو تقدّم.

وليس خافياً على أحد، أن أهم أهداف الغزو الأمريكي للعراق، محاصرة سوريا ولبنان والجمهورية الإسلامية الإيرانية، بهدف خلق المناخ المواتي لخنق وتصفية الانتفاضة والمقاومة الفلسطينية، وفرض الاستسلام على سوريا ولبنان وإيران، ومدّ النفوذ الصهيوني إلى قلب العراق، والتغلغل في المفاصل الأساسية فيه، وهذا ما يفسر وجود أكثر من 560 عنصراً من عناصر الموساد الإسرائيلي، وبجوازات سفر أمريكية.

ولقد بدأت إسرائيل فعلاً وبسرعة شديدة، بشراء الأراضي والبيوت في شمال العراق، بل في بغداد نفسها، والترخيص لعدد من الشركات التجارية الإسرائيلية، للعمل في مناطق مختلفة من شمال العراق، وتوقيع عقود تجارية معها.

وفي مناظرة يوم الخميس 30/9/2004م، بين الرئيس جورج بوش الابن، ومنافسه لانتخابات الرئاسة الأمريكية جون كيري، قال بوش بالحرف الواحد وبكل صراحة: «سنترك عراقاً حرّاً يقف إلى جانبنا في الحرب على الإرهاب، ويساعد في توفير الأمن لإسرائيل، ويكون مثالاً ديموقراطياً في المنطقة»[4].

إن مسعى بوش الابن للقضاء على الإرهاب في العراق، لم يحقق سوى الفوضى والانفلات الأمني، وبدلاً من تكثيف جهود الدولة العظمى لإيجاد حلول عالمية عادلة للمشكلات العالقة، بدّدت واشنطن مليارات الدولارات، وفقدت المئات بل الآلاف من الجنود، في حربٍ استباقيةٍ غير شرعية على العراق، لقد نجحت إدارة بوش في إشعال نيران الحرب، لكنها لم ولن تنجح بإطفائها، وسيرصد التاريخ تخبط هذه الإدارة وفشلها في تحقيق الأهداف التي تدّعي أنها تحاول تحقيقها، كنشر الديمقراطية وتحقيق التنمية في بلدان العالم الثالث[5].

وقد كان السيد الرئيس الدكتور بشار الأسد، يرسل التحذير تلو التحذير، كلما ذُكرت الاستعدادات والتحضيرات الأمريكية لشن الحرب على العراق، من أن هذه الحرب خطرة على أمن واستقرار المنطقة والعالم، ويؤكّد بشكل لا لبس فيه و لا غموض، أنها ستدفع بهما إلى المجهول، وقد أعاد سيادته التذكير بتحذيره السابق بخطورة هذه الحرب، في الكلمة الشاملة التي ألقاها أمام مؤتمر المغتربين السوريين، الذي عقد في دمشق بتاريخ 9 و10/10/2004م، حيث قال: رأينا في حينها أن التحضير لشن الحرب على العراق هو دخول المنطقة والعالم في المجهول، وأتت أحداث العراق المتلاحقة وما تخلّفه من قتل ودمار، لتوضيح حجم المأزق، والجهل بكيفية الخروج منه، وتثبت صحة وجهة نظرنا، ولتؤكّد الوصول إلى المجهول[6].

إن الغرب يشن الغارات بكل اقتداره وقوته وتقنيته، وأساطيله العسكرية والإعلامية والثقافية والاقتصادية، مدمّراً المباني والمؤسسات، ومخرّباً العقول والقلوب، ومفسداً الأخلاق[7]، وأما طلائع الإسلام، أو ما يسمى بالأصولية، فإنها تتخندق في أرضها وتتترّس في تربتها، وتدافع عن مقدّساتها ومفاهيمها وأخلاقياتها وخيراتها، وحقها في الحياة والكرامة والسيادة، وليس لها من سلاحٍ سوى إيمانها الراسخ بحقها المشروع، بل واجبها في الدفاع عن الأرض والعرض والهوية.

فمن الإرهابي؟ ومن المتطرّف إذاً؟.

هنالك حقيقةٌ تغيب عن بال الغرب المعتدي، وهي أنه ما من قوةٍ على وجه الأرض، تستطيع بالغةً ما بلغت أن تقضيَ على الإسلام، ولو رافقتها كل أنواع المكر وأساليب الزيف والخداع، ومهما أعدّت لذلك من الجيوش والأموال والتقنيات والخطط: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ فَسَيُنْفِقُونَها ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (36) لِيَمِيزَ اللهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (37) سورة الأنفال، إنها حقيقة القوة الذاتية للإسلام، والوهن النفسي للكافرين: ﴿ذلِكُمْ وَأَنَّ اللهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكافِرِينَ (18) سورة الأنفال.

معركة الغرب مع الإسلام خاسرة

إن عروش الظالمين تتساقط وتتهاوى عرشاً بعد آخر، وإن قلاعهم وحصونهم تتحطّم وتتهدّم قلعةً بعد قلعةٍ وحصناً بعد حصن، وإن أنظمتهم تتصدّع وتتزعزع، ولا بد أن تتزلزل ثم تزول نظاماً أثر نظام، وذلك بإذن الله وجهاد المسلمين المؤمنين وصبرهم: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ دِيارِهِمْ لأَوَّلِ الْحَشْرِ ما ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللهِ فَأَتاهُمُ اللهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الأَبْصارِ (2) سورة الحشر.

ومهما كابر الغرب اليوم وأغمض عينيه عن هذه الحقيقة، فسيأتي اليوم الذي سيقرّ فيه بالعجز عن كبح الإسلام، ويستسلم لحقيقة انتصار الإسلام الفكري والثقافي والجهادي، وسيعلن الغرب حينئذٍ الندم على ما اجترحت أيدي قادته بحق شعوب الأرض، وما ألحقه بالبشرية من المآسي والفواجع، ومن المصائب والكوارث، ويومئذٍ سيدفع الغرب ثمن كل جرائمه وبوائقه، ومواقفه وعوائقه الخفية والمعلنة على السواء: ﴿فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللهِ وَقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ وَآتاهُ اللهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشاءُ وَلَوْ لا دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلكِنَّ اللهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ (251) سورة البقرة.

إنه إذاً لا بد من الإسلام، وإنه إما الإسلام أو لا سلام على الأرض، فلماذا يجنح الغرب دائماً إلى المغالطة، ويستمر في الخداع والمكيدة، ويصر على العدوان؟!، لماذا يسمّي الغرب باطله وعدوانه ديموقراطيةً وحريةً وحضارةً، ويسمّي حقنا المشروع بالدفاع عن النفس والأرض والمقدّسات إرهاباً وتطرّفاً وعنفاً؟.

لنتأمل قول الله سبحانه وتعالى عن هذه الحالة في القرآن الكريم: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللهُ وَلَوْ لا دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَواتٌ وَمَساجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللهِ كَثِيراً وَلَيَنْصُرَنَّ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (40) سورة الحج، سنجد في هذه الآية؟:

أولاً: إن العدوان على الناس وإخراجهم من ديارهم ظلمٌ وبغيٌ، وكذلك الانتقاصُ من حقهم أو حصارُهم أو مضايقتُهم في عيشهم، أو نهبُ شيءٍ من كنوزهم وثرواتهم، أو إكراهُهم على أسلوبٍ في الحياة لا يرونه، كل ذلك ظلمٌ وبغيٌ وعدوان.

ثانياً: إن دفع هذا الظلم والعدوان بكل الأساليب المتاحة حقٌّ مشروعٌ، بل واجبٌ مقدّس، ولا يعتبر من الإرهاب ولا من التطرّف أبداً.

ثالثاً: بممارسة هذا الحق وأداء هذا الواجب، تُحفَظ الحقوق وتُصان المقدّسات وتؤدّى الشعائر والعبادات، حقوق ومقدّسات وشعائر وعبادات جميع المؤمنين، من مختلف الطوائف والأديان -الإسلامية منها والنصرانية واليهودية على السواء-، ويُقمَع الشرك والكفر والفساد في الأرض، وبدون هذا الدفع ولولاه ستُطمَس هذه الحقوق، وتُهدَم المقدّسات وتُمنَع الشعائر والعبادات لمختلف الطوائف والديانات.

رابعاً: إن دفع الظلم والعدوان ما هو إلاّ سنّةٌ من سنن الكون لا بد من أدائها، وفطرةٌ ربانيةٌ مغروزةٌ في الكيان البشري، لا تنفكّ عنه ولا ينفكّ عنها بحالٍ من الأحوال، وهو مع ذلك وفوق ذلك تكليفٌ إلهيٌّ يستتبع نصر الله القويِّ العزيز، ويؤدي إلى انتصار الحق على الباطل، والعدل على الظلم والجور، وإلى استتباب الأمن والسلام في الأرض، على قاعدة: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (6) سورة الكافرون.

معركة الغرب مع الإسلام هي ضد المصالح الحقيقية للغربيين

إن هزيمة الإسلام مع الغرب لو حصلت، وإن تمكُّن الغرب من قمع الفكر الإسلامي وإسكات صوت الإسلام لو تمّ، بل إن مجرد إعاقة حركة الإسلام، وتأخير ظهور أشعته الهادية الكاشفة، جريمةٌ كبرى في حق البشرية جمعاء، وفي حق الغربيين أنفسهم، لأنها ستكون هزيمةً لكل المجتمعات البشرية، وتهديماً لكل القيم والمثل والمقدّسات في الشرق والغرب على السواء، تماماً كحجب نور الشمس ودفئها عن كرتنا الأرضية.

أما هزيمة الغرب المؤكّدة أمام الإسلام، وانتصار الإسلام المحتم على الغرب، فهو انتصارٌ لكل المجتمع البشري والغرب جزءٌ منه، وحفاظٌ على كل القيم والمقدّسات الإنسانية[8]، وذلك لأن الفارق بين الغرب والإسلام كالفارق بين الاستعباد والتحرر، بين الهدم والبناء، بين الإفساد والإرشاد، بين الغواية والهداية، بين الظلم والعدل، بين الجهل والعلم، بين الظلام والنور، بين الاستبداد والشورى، بين الاستغلال والتعاون، بين التنافر والتضافر.

هل من سبيلٍ للحوار؟

أما من طريقٍ لتجنب الصراع؟ أما من فرصةٍ لاستبدال الصراع بالتعاون الفعّال؟ أو بالأحرى هل من سبيلٍ للحوار؟.

أمر الله سبحانه وتعالى نبيه محمداً صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أن يدعوَ أهل الكتاب إلى الحوار، الحوار الإيجابي الذي يبرز نقاط الاتفاق ويغضّ الطرْفَ عن نقاط الاختلاف، ليجعل من تلك النقاط المتفق عليها-مهما قلّت- مرتكزاً للائتلاف، ومتّكأً للوفاق، ومنطلقاً للتعاون البنّاء الجادّ لخير البشرية كلها: ﴿قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللهِ آل عمران: 64، ونهاه عن الحوار السلبي الذي يبرز نقاط الاختلاف، لأن ذلك الحوار لن يكون في مصلحة البشرية، ولن يتكشّف إلاّ عن أسباب الصراع: ﴿وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ العنكبوت: 46.

ورغم ذلك فإن الغرب يتّهم حركة الإسلام بأنها حركةٌ صمّاء، لا تقيم للحوار مع الغرب أية أهمية، كما يقول المستشرق الهولّندي المعاصر (رودولف بيترز)، الذي يضيف: «وهذا ما يقوّي ويكرّسُ الصورةَ المشوّهةَ عن الإسلام، على أساس أن الإسلام هو الأصولية، وأن الأصولية هي الإسلام، وأنهما الخطر الأول على الغرب والعالم الحر»[9].

والذي يبدو لي أن لكلمتي (الحوار) و (الأصولية) لدى قادة وسياسيي الغرب، معانيَ أخرى غير المعاني التي نفهمها نحن المسلمين منهما، ولعلهم يعنون بالحوار أن يجلس المسلم إلى الغربي كما يجلس التلميذ إلى أستاذه، فيتلقّى منه دون نقاشٍ ولا جدالٍ ما يلقّنه إياه من مفاهيم الحرية والثقافة والعلم والديموقراطية، وأصول التعامل مع الغرب المتحضّر، وطريقة دخول معبد العالم الحرّ، وبهذا يكون محاوراً بارعاً، وإلاّ فهو أصوليٌّ إرهابيٌّ متطرّف.

وكذلك فإنهم يُلبِسون مصطلح الأصولية معانيَ ليست حسنةً في ذاكرة شعوبهم، تلك الذاكرة التي تختزن في أعماقها حركاتٍ غربيةً راديكاليةً شوفينيةً، عرقيةً قوميةً، أو طائفيةً دينيةً، أو خياليةً ميتافيزيقيةً، وتحاول أن تلفت أنظار شعوبها ومجتمعاتها، إلى الإسلام وحركته الطليعية المجاهدة، بوصفهما أصوليةً لا تختلف أبداً عن تلك الأصوليات الغربية المتحجّرة، والمتطرّفة في معتقداتها وأفكارها وعنفها وإرهابها، لتشويه صورة الإسلام في منظار الشعوب الغربية، وتنفيرهم منه ومن حركته بهذا الشكل الملتوي الظالم المجحف، وبالتالي استنفار جميع شرائح شعوب الغرب وأنظمته للتكتل والوقوف صفاً واحداً في وجه هذا الإسلام (الأصولي) الزاحف، وقمع -أو على الأقل وقف- حركته (الأصولية).

إن قادة الغرب وساسته وإعلامييه ومفكّريه، ينظرون إلى الإسلام كدينٍ (أصوليٍّ)، وإلى المسلمين جميعاً كمتدينين (أصوليين)، وهم طبعاً يعنون التزمّت والتحجّر والتطرّف والعنف والإرهاب، ولذلك فإنهم يعتبرون أن الإسلام اليوم هو الخطر الأكبر على الغرب وقيمه وحضارته ومصالحه، تلك القيم والحضارة والمصالح القائمة على ميزانٍ غير سليم، وتقويمٍ غير عادل ولا منصف، وأسسٍ غير قويمةٍ ولا متينة.

ومن هاهنا نظروا إلى الجمهورية الإسلامية في إيران، وإلى الدولة الإسلامية في السودان، وإلى ما تمخضت عنه أخيراً الصراعات في أفغانستان، من قيام دولةٍ إسلاميةٍ تلتزم الإسلام وأحكام الشريعة الإسلامية -ولو لم تكن قائمةً على الإسلام الصحيح- وكذلك في الجزائر ومصر وتركيا وباكستان والبوسنة، نظرة حقدٍ وعداوةٍ، تعبّر عن الخوف والقلق على المصالح الغربية، التي لا تشكل في الوقت الحاضر سوى نهب ثروات المسلمين، واستنزاف طاقاتهم واللعب بمقدّراتهم والتسلّط عليهم.

كما أنهم ينظرون إلى الجبهة القومية الإسلامية في السودان، نفس نظرتهم إلى الجبهة الإسلامية للإنقاذ في الجزائر، أو إلى جبهة العمل الإسلامي في الأردن، أو إلى جماعة الإخوان المسلمين في مصر، أو إلى الجماعة الإسلامية في باكستان، أو إلى حزب الرفاه في تركيا، أو إلى الخمينيين في كل مكان، فالجميع لديهم أصوليون متطرفون إرهابيون.

ومن هنا جاء انتقاد الصحافي الفرنسي (جان بول شاينولود) لوسائل الإعلام الغربية، التي راحت تلوّح بمخاطر الإسلام بشكلٍ عامٍّ على البشرية، وأصبحت ترى إرهابياً في كل الإسلاميين، وإسلامياً في كل المسلمين[10].

وكذلك فقد فنّد توني بلير رئيس الوزراء البريطاني -ولو ظاهرياً- الزعم القائل أنه بعد الشيوعية قد أصبح الإسلام يمثل التهديد الجديد ضد الغرب بقوله: «هذه مقولةٌ فارغةٌ لا جدوى منها»، وأكّد بلير «إن مهمة الجميع أن يسعَوا لتصحيح هذا المفهوم حول الإسلام، وأن نؤكّد أن الإسلام ليس دين الإرهاب والتطرف»، وكذلك فقد أعرب عن أمله «بالمزيد من التوعية لإطلاع الرأي العام على الإسلام، ليُعرَفَ كدينِ سلامٍ وسماحةٍ وكقوّةٍ صالحة» [11]، على أن ذلك لم يمنعه من المشاركة في الحرب الصليبية التي شنتها أمريكا على العراق.

وعلى سبيل المثال، فقد نشطت عواصم غربيةٌ كثيرةٌ، للقيام بحملةٍ إعلاميةٍ قامت على اتّهام الدكتور حسن الترابي زعيم الجبهة القومية الإسلامية في السودان، بأنه أهم زعيم للحركة الأصولية العالمية، وأنه الراديكالي المتشدّد الذي ينسّق مع أكثر من حزبٍ أصوليٍّ معارضٍ في أكثر من بلدٍ عربيٍّ، للإطاحة بحكوماتٍ عربيةٍ (حليفةٍ للغرب)، أو لزعزعة الأمن والاستقرار، والتحريض على العنف ضدها، وتجاهلت هذه الحملة -عن قصدٍ- كل الإسهامات الثقافية المنفتحة، وكل التصريحات والخطب والدعوات، التي وجهها الترابي إلى المسؤولين الغربيين للاعتدال في أحكامهم على الوضع الإسلامي، وللدخول مع الإسلاميين في حوارٍ جدّيٍّ، وللتعاون على توثيق أواصر التعارف بين شعوب العالم، دون حواجز عرقيةٍ أو دينية[12].

وكذلك فعل العلاّمة السيد محمد حسين فضل الله في لبنان، الذي لم يسأم من مطالبة الغرب بالاعتدال، ودعوته إلى الحوار المتعقل، وهو يمارس ذلك كله بنفسه على الصعيد العملي داخل لبنان وخارجه.

ومثلهما فعل كل دعاة الإسلام وقادة التحرك الإسلامي، وما ذلك إلاّ انطلاقاً من حقيقة أن الإسلام يقوم أساساً على الحوار، ويطلبه ويأمر به، ويرسي المعالم التي تجعله مجدياً وناجعاً.

هل يفهم الغرب لغة الحوار؟

إن الغرب اليوم لا يفهم لغة الحوار، بل ولا يريد أصلاً وجود طرفٍ يفكّر بالحوار، إن الغرب اليوم -بسبب ما يزدهيه من مظاهر القوة- لم يعد يفهم إلاّ لغة إملاء الإرادات على الغير، وهذا هو ما يسميه حواراً، فالغربيون اليوم عندما يدعون إلى الحوار، إنما يدعون إلى حوارٍ من هذا النوع، الذي يعني أن الآخرين مستعدون كل الاستعداد لتلقّي أوامر الغرب و إراداته، إنهم يدعون إلى الحوار الذي يبدأ وينتهي عند مصالحهم، ويدور حول هذه المصالح، وإن كل ما يمس هذه المصالح، أو يغاير تلك الرغبات و الإرادات الغربية، فهو عندهم أصوليةٌ مرعبةٌ، وراديكاليةٌ إرهابيةٌ متطرفةٌ، وكل من يمس هذه المصالح أو يحاول أن يحدّ منها، أو يناقش قليلاً أو كثيراً فيها، أو يطالب بما يقابلها فهو أصوليٌّ متطرّف، وراديكاليٌّ إرهابيٌّ عنيف، وخير مثالٍ على ذلك، الضغوطات والتهديدات التي تواجه بها أمريكا سوريا ولبنان وإيران والسودان وكوريا، وسواها من الدول الأخرى المستضعفة، والقضايا التي تثيرها والمشاكل التي تفتعلها في وجه هذه الدول.

كيف نتعامل مع هذا الغرب الناهب للثروات، الهادر للطاقات، المتحفز دائماً ضد العروبة والإسلام، وضد الدول والحركات العربية والإسلامية؟ كيف نتعامل مع هذا الغرب وهو يستضعف كافة الشعوب الإسلامية وخاصةً منها العربية، ويحارب الإسلام والعروبة، ويستعدي شعوب وحكومات العالمين العربي والإسلامي، كما يحرض هذه الشعوب والحكومات على بعضها البعض، ليقطع الطريق على أية وحدةٍ عربيةٍ أو إسلاميةٍ أصيلةٍ نظيفةٍ هادفةٍ، بل ويضحي في سبيل ذلك بالحريات والديموقراطيات التي يبشّر بها، ويغض الطرْف عن نحرها ووأدها؟.

من المسؤول عن ذلك كله في الغرب؟

أولاً: القادة والسياسيون

لعل قادة الغرب وساسته هم المسؤولون في الدرجة الأولى، عن هذا الموقف الخاطئ والظالم تجاه الإسلام وحركته السياسية والفكرية، فهم دائماً يحاولون انتخاب عدوٍّ موهومٍ لهذه الشعوب الغربية، ويضخّمون لها أخطاءه، ثم يقدّمون أنفسهم منقذين ومخلّصين ومدافعين عن هذه الشعوب تجاه هذا الخطر الداهم الموهوم.

وهناك أمرٌ آخرُ مهمٌّ يتّكئ عليه هؤلاء القادة والساسة، وهو أن مجتمعاتهم الغربية اعتادت على الرفاهية الاقتصادية، التي لا سند لها في الاقتصاد الغربي سوى استمرار نهب ثروات العالم المستضعف المغلوب على أمره، والحصول عليها بأبخس الأثمان، وهذه المجتمعات لا تتحمل أية نكسةٍ أو تراجعٍ في عالم الاقتصاد والرفاهية والاستهلاك، ولا بد لهؤلاء القادة من الاستمرار في دعم وضمان قيام هذه المعادلة غير العادلة، ولا يتم ذلك إلاّ بالحفاظ على عالم الاستضعاف كما هو منبعاً للمواد الخام، وسوقاً لاستهلاك ما يفيض عن حاجة الغرب من السلع، وهذا يستدعي استنفار الرأي العام الغربي ضد الإسلام الذي يحارب هذه المعادلة بكل قواه المتاحة، وضد المسلمين الذين يجاهدون لإسقاطها وإحلال معادلةٍ متوازنةٍ سليمةٍ محلّها، تؤمّن مصالح كل الشعوب على السواء.

وهنالك أسبابٌ أخرى كثيرةٌ لا مجال لبسطها الآن.

ثانيا: الإعلام الغربي

ولقد ساهم الإعلام الغربي بدوره الأساسي والفاعل، في معاضدة هؤلاء القادة والسياسيين، فتحالف معهم في تشويه صورة الإسلام وحركاته ومبادئه وقيمه، بتقديمها إلى المجتمعات الغربية بأقبح صور الراديكالية والوحشية والتخلف والعنف.

لقد غذّى الإعلام الغربي الرأي العام في الغرب، بصورٍ وقصصٍ ورواياتٍ عن الإسلام والمسلمين، أصبحت أشدّ من الكوابيس ضغطاً على عقل وقلب وفكر المواطن الغربي، وسهّل مهمة الإعلام هذه البون الشاسع والمسافة الكبيرة في الفكر والممارسة بين المسلمين والغربيين، وخاصةً على صعيد الجنس والحرية الشخصية، ومهّد كل ذلك أمام السياسيين مهمة التلاعب بالرأي العام الغربي، وتوجيهه وحشده خلف هذه السياسات الخاطئة في التعامل مع الإسلام والمسلمين.

يقول المستشرق الهولندي (رودولف بيترز): «إن اللغة الإعلامية اليومية للغرب تكرّس الصورة المشوّهة، ويساهم في التشويه بعض الفئات المتعلمة والصحافيون، إن نقد صحافتنا أمرٌ واجبٌ، لأنها تمضي بعيداً في تسويق مفهومٍ خاطئٍ، وهي تعيد ما قامت به أثناء الحرب الباردة من حماسةٍ زائدةٍ ضد العدوّ المفترض، وهي تتعاطى مع الأصولية باعتبارها خبراً جذّاباً للقارئ، لأنها من ناحيةٍ تتبنى العنف والإرهاب، ومن ناحيةٍ أخرى تختلف عن الواقع الغربي وتتصارع معه، ويمكن أن تكون نيات بعض الصحفيين طيبةً، ولكن يجب أن لا ننسى المقرّبين من المؤسسات السياسية الحزبية، التي لها مصلحةٌ في التلاعب بالرأي العام وتوجيهه»[13]، وحتى الصحافي الموضوعي يواجه عوائق مهنيةً في تغطية الموضوع الإسلامي، فرؤساء التحرير يبحثون عن خبر، والحديث عن الإسلام المعتدل أو المتنوّر لا يُعَدُّ خبراً، ولا يجتذب القارئ»[14].

وقد أكّد المستشرق الإسباني (فرناندو دي أغريدا)[15] على الصورة الخاطئة التي تقدمها وسائل الإعلام الغربية عن العالم العربي، وأوضح أنها: «في أغلب الأحيان صورةٌ سلبية»[16]، كما أن المستشرق الهولندي (فان كوننكز فيلد) الذي أصدر عدة كتبٍ تشرح الإسلام عقائدَ وأحكاماً اقترب فيها من الموضوعية والنزاهة، تحدّث في كتابيه (أسطورة الخطر الإسلامي في الغرب) و (حديثٌ حول الإسلام في العصر الحديث)، مبيّناً الصورة المشوّهة التي يحملها الغربيون تجاه الإسلام، وأن لها جذوراً في الفكر اللاهوتي المسيحي، كما تعرّض لنتائج الحروب الصليبية، مستعرضاً أهم المؤلفات المسيحية المناوئة للإسلام[17].

ثالثاً: المستشرقون

إن المفروض بالمستشرقين أن يكونوا أكثر إحاطةً من الإعلاميين والسياسيين بحقيقة الإسلام، ومعرفةً بمبادئه العادلة السامية، وأصوله السليمة القويمة، واطّلاعاً على حركته السياسية ومظلوميتها في الداخل والخارج، وعدم إتاحة أية فرصةٍ لها محلياً وعالمياً لطرح مبادئها وتوجهاتها بشكلٍ هادئٍ وسليم، ومع ذلك فقد كان هؤلاء المستشرقون-إلاّ قليلاً منهم- أكثر الشرائح الغربية مسؤوليةً عن تشويه صورة الإسلام والشعوب الإسلامية لدى الغربيين شعوباً وحكوماتٍ وأحزاباً سياسيةً، وقادةً وإعلاميين، وعلى عواتق هؤلاء المستشرقين تقع المسؤولية الكبرى في زرع العداء للإسلام لدى الغرب، وفي دفعه لإعلان الحرب عليه باعتباره العدوّ الأول.

فهؤلاء بارتدائهم أثواب العلم والموضوعية، وحملهم لواء البحث والتحليل والتمحيص، كانوا أكثرَ نفوذاً وأبعدَ أثراً في الرأي العام الغربي، عدا عن أن دراساتهم وبحوثهم وأقوالهم، كانت في الغالب المواد الدسمة الرئيسية للإعلاميين والسياسيين وسواهم.

وقد أفصح المستشرق الإسباني (فرناندو دي أغريدا) عن هذه الحقيقة، عندما أشار إلى أن دراسة الأوضاع العربية من قِبَل المستشرقين، كانت تتم في الكثير من الأحيان بهدف تشويهها[18]، وقد تبدّى ذلك بشكلٍ واضحٍ ومثير، عندما قامت مجلة (الوسط)[19] في ختام عام 1993م، بتوجيه عددٍ من الأسئلة المثيرة إلى ثلاثين مستشرقاً، وسلّمتهم مبضعاً (عربياً) مشبوهاً لتشريح الأصولية الإسلامية، فكانت فرصةً أمام هؤلاء المستشرقين للهجوم الشرس على الإسلام وحركته المعاصرة، بسيلٍ متدفّقٍ من الافتراءات والتزييفات الخفية تارةً والمعلنة تارةً أخرى، فراحوا يمزّقون الإسلام بين إسلامٍ سياسيٍّ وآخرَ غيرِ سياسيٍّ، وراحوا يصنّفون المسلمين بين عاديين وإسلامويين، وبين معتدلين ومتطرّفين، وبين سلميين وإرهابيين، وراحوا يتساءلون عن الأصولية الإسلامية، هل هي نهضةٌ دينيةٌ أم استخدامٌ سياسيٌّ للدين؟ وراحوا يشككون بقدرة الإسلام على العطاء في العصر الحاضر، وينفون قدرة الإسلاميين على تقديم الحلول المناسبة لمشاكل الحياة المعاصرة.. إلى كثيرٍ مما خاضوا فيه بقصد إثارة الغرب ضد الإسلام (الأصولي)، وزيادة حدّة التوتر بين الحكومات المحلية و (الأصوليين)، الذين يريدون الاستيلاء على السلطة والتفرّد بها، ومنع الحريات الفكرية والسياسية، وإيقاف حركة التطور والتحديث، ومعاداة الغرب، وربما وقف الحياة وتدمير الحضارة وتخريب المدنية، والعودة إلى الخيام وربما الكهوف الحجرية، كما يرى ويزعم هؤلاء المستشرقون [20].

وقد تفنّن هؤلاء المستشرقون في تحليل أسباب الظاهرة الأصولية الإسلامية، وأعادوها إلى مختلف الأسباب المادية:

- فأرجعها بعضهم إلى تخلخل معيار العدالة الاجتماعية، وإلى أزمة الهوية، وإلى شعور الشباب بأن الإسلام قد يكون وسيلة التحديث دون فقدان الهوية[21].

- واعتبرها آخرون رداً سياسياً جماعياً على مشاكلَ حقيقيةٍ تعيشها مجتمعاتها، مثل ظروف ازدحامٍ مدينيٍّ، وأنظمةٍ فاسدةٍ، ونفوذٍ وإهانةٍ خارجيان، وتغيّرٍ وتحوّلٍ ثقافيٍّ، أو رداً على فشل الإيديولوجيات الأخرى-الرأسمالية والاشتراكية- في حل المشاكل الحاضرة[22].

- أو حركة احتجاج على خيبة الأمل من نتائج التحديث التي حصدتها بعض الأنظمة العربية، كنمو التضخّم وزيادة البطالة، وأزمة السكن، وأزمة الهوية[23].

- أو نتيجةً حتميةً لأخطاءٍ كثيرةٍ تتراكم منذ عقود[24].

إلاّ أن أحداً منهم لم يُرجِع ظاهرة الأصولية الإسلامية بشكلٍ صريحٍ إلى السبب الحقيقي والطبيعي، وهو عالمية الدين الإسلامي، وشموليته لكافة جوانب الحياة الروحية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وأن هذا الدين لا ينفكّ عن الدنيا ولا ينفصل عن الدولة، ولا يهمل الاقتصاد، ولا يغفل عن أسس المدنية وأركان الحضارة.

كما أنهم أظهروا شبه إجماعٍ على ضرورة التصدّي للإسلام، ومواجهة المدّ الإسلامي، وقمع الظاهرة الأصولية، وإن كانوا قد اختلفوا في الأساليب التي طرحوها لهذه المواجهة:

1- فراهن بعضهم على التعددية السياسية، كمصدرٍ للأمل بحلٍّ على المدى الطويل، وقد بنى رأيه على حقيقة أن تأثير الإسلام السياسي سيبقى قوياً، وأن جذور الأصولية لن تختفيَ في المستقبل المنظور، وهو يراهن على التنوع الكبير في الآراء ووجهات النظر السياسية الأخرى، بل وحتى بين فصائل الأصولية نفسها[25]، ومثله الذي يدعو الحكومات المحلية وبقية العالم إلى القبول بحقيقة أن الالتزام العميق بالقيم الإسلامية راسخٌ لا يمكن استئصاله[26].

2- وانتقد آخرون محاولات الغرب المحمومة للقضاء على الأصولية بافتعال دوامات من العنف، أو باللجوء إلى ذرائعَ مزيّفةٍ كالدفاع عن الحريات والحقوق والديموقراطية[27].

3- وترك بعضهم الخيار للقادة المحليين، ليختاروا الطريقة التي يرونها مناسبةً لمواجهة هذه الأصولية، لأن الأصولية ستنمو مع الحرية ومع المنع والقمع[28].

4- ونادى آخرون بقوةٍ وحيدةٍ قادرةٍ على مواجهة (الإسلاموية)، وهي الإسلام المستنير [29]، أو المثقفون العرب[30]، أو...

والحلول المقترحة لمواجهة المد الإسلامي كثيرةٌ يصعب حصرها في هذا البحث، ولكنها جميعاً تؤكّد على أن أصولية الإسلام تشكل خطراً كبيراً على الأمن والسلام، وعلى العلاقات بين الشرق والغرب[31]، وأن المناهج الأصولية متزمتةٌ وراديكاليةٌ لا معنى ولا مستقبل لها[32].

وهذا يعني فيما يعنيه، أن إعطاء الحرية السياسية لدعاة الإسلام ومفكّريه عبثٌ لا طائل تحته، بل هو مضيعةٌ للوقت وهدرٌ للطاقات، وربما مغامرةٌ لا تُعرَف نتائجها، ولذلك وجدنا المستشرق الهولندي (يوهانس) يصرّح تصريحاً يبرّر فيه مواجهة الحكام العرب لهذه الحركات، وتصدّيها لها وقمعها بالقوة والقهر، لا بالحوار الفكري أو السياسي، ولا بالتعددية السياسية، فيقول: «وموقف الحاكم العربي أو الإسلامي الآن صعبٌ حقاً، فهو إذا منح هذه الحركات (المتطرفة) ما تطالب به من حرية، لا يعرف هل بوسعه التحكّم في عواقب هذه الخطوة، وما يترتب عليها من مضاعفات؟ وإذا لم يمنحها الحرية فهي ستحظى بتعاطف الجمهور»، ثم يتابع (يوهانس) فيقول: «وإذا سئلت عن رأيي الشخصي، فأنا أعتقد بأن الأصولية قد تنمو مع الحرية، لكنها في ظل المنع ستتوسّع أكثر، إذاً ما العمل؟ هذا الخيار خيار القادة العرب»[33].

ويتضح من أقوال جميع المستشرقين، أن الهدف الأساسي لهم هو الوصول إلى قطع الطريق على هذه الأصوليات الإسلامية، ولكن البحث بينهم إنما يدور حول أفضل السبل المؤدية إلى ذلك، أما موضوع الحوار مع الإسلام، بقصد الاستفادة منه كمنهجٍ فكريٍّ وسلوكي، أو كخيارٍ من الخيارات المطروحة على الساحة المحلية والعالمية، فلا سبيل إلى ذلك لا عالمياً ولا محلياً أيضاً بالتالي، لأن معظم القادة المحليين ما هم إلاّ ظلٌّ وتبعٌ للسياسة الغربية الاستكبارية.

وواضحٌ أن كل هذه الاقتراحات من قِبَل المستشرقين لا تروق لقادة الغرب السياسيين، وأن أياً منها محظورٌ عليه أن يأخذ طريقه إلى التنفيذ على أرض الواقع، طالما أن معظم دراسات المستشرقين تؤكّد خطر الإسلام على الغرب وعلى مصالحه، تلك المصالح التي لا يمكن أن توضع تحت خطر المغامرات التجريبية والاجتهادية، ولذلك فإن قادة الغرب السياسيين يصدرون جميعاً عن رأيٍ واحدٍ، وهو منع الحكام العرب والمسلمين من منح أية حريةٍ سياسيةٍ (للأصولية) الإسلامية، واتخاذ كافة سبل دعم هؤلاء الحكام لحرمان هذه التوجهات من أية فرصةٍ حتى لالتقاط الأنفاس.

إن قادة الغرب -استناداً إلى دراسات المستشرقين- يراهنون على خيارٍ واحدٍ فقط، وهو سحق هذه التوجهات وتبديدها، ولو أدى الأمر إلى سحق الحريات، ووأد الديموقراطيات التي يتشدّق بها هؤلاء القادة الغربيون ليل نهار، ويجعلونها واجهةً لعملهم السياسي في بلدانهم وأمام شعوبهم، إن الحرية والديموقراطية لهم وحدهم، ولا يستحقها غيرهم من شعوب الأرض.

يؤكّد هذه الحقيقة الباحث والكاتب الإيطالي (رنزو غواو لوبه) في كتابه الجديد (حزب الله.. الإسلام الراديكالي المعادي للغرب)، إذ يقول: «إن الغرب ظلّ ولم يزل يعتقد أن بمقدوره دفع الدين إلى هامش الحياة، عبر تأييده لمخطط التحديث السياسي والاقتصادي داخل الدول الإسلامية، علماً بأن الحركات الإسلامية تتعاظم قوةً، كما أن دعم الغرب لمسيرة التحديث كان عديم الجدوى.. وبرغم محاولات الغرب لتوجيه ضرباته إلى الإسلام، والتصدي للإسلاميين في الدول الإسلامية، فإن الكفاح الإسلامي للغرب يتصاعد باستمرار، وعلى الغرب في هذه المرحلة الجديدة، أن يمهّد للحوار والتعايش السلمي مع العالم الإسلامي.. إن ازدراء الغرب للإسلام يشكل خطأً فادحاً» (34).

إن كلام هذا المفكر والكاتب الغربي واضحٌ جداً، ويفصح عن حقائق كثيرةٍ يجدر بقادتنا ومفكرينا الانتباه إليها، كما أنه دليلٌ دامغٌ على الموقف الغربي العام المعادي للإسلام وتوجهاته السياسية، وعلى الدور الواضح للمستشرقين في هذا المجال.

رابعاً: الصهيونية العالمية وإسرائيل

وأخيراً هناك ما قام ويقوم به الصهاينة والإسرائيليون، من تشويهٍ مستمرٍّ لصورة العرب والمسلمين لدى الرأي العام الغربي، ومن تضخيمٍ متواصلٍ لخطر الإسلام عموماً وخطر الإسلام الأصولي خصوصاً، على أساس أنه البديل الحالي عن الخطر الشيوعي السوفياتي، الذي انحسر عن كاهل الغرب في الآونة الأخيرة[35].

ومعلومٌ أن الصهاينة والإسرائيليين يملكون نصف وسائل الإعلام الغربي، ويتحكّمون بأموالهم ونفوذهم في النصف الآخر، وأكاد أقول أن نفوذهم قد امتدّ في الوقت الحاضر إلى نصف وسائل الإعلام العربي والإسلامي على الأقل، وأنهم كذلك وراء دراسات معظم المستشرقين، إضافةً إلى نفوذهم البالغ وسيطرتهم الكبيرة على مراكز صنع القرار في العالم الغربي، وكذلك في العالمين العربي والإسلامي.

وفي ختام هذا البحث: فإني لا أعفي العرب والمسلمين -قادةً وسياسيين ومفكّرين- من كل مسؤوليةٍ عن هذا الوضع المتأزّم، فإنهم أولاً وأخيراً حجر الرحى ومركز الدائرة، وملتقى تقاطع الخطوط، ونقطة الزاوية، فيما نحن فيه من العلاقة المتأزّمة بين أقطارنا، وبين شعوبنا وحكامنا، وبين تياراتنا الفكرية والسياسية.

ولعلّي أضيف أيضاً ما يقدمه لهؤلاء وأولئك، جهل بعض رموز الحركات الإسلامية بالسنن الإلهية الكونية، وبموطئ أقدامهم فيها، وتسرّع البعض الآخر من هذه الرموز، وسوء النيّة والطويّة عند قسمٍ ثالثٍ منهم.

ويدفع الإسلام والمسلمون ثمن هذا الأمر مرّتين:

- مرّةً عندما يتسبب هؤلاء المتسرّعون والجهلة وذوو الأغراض الشخصية، بمواقفهم السلبية وسلوكهم غير السوي، بإعاقة حركة الإسلام وتقدّمه.

- وثانيةً عندما ينسب أعداء الإسلام وأعداء توجهاته السياسية -في الداخل والخارج- مواقف هؤلاء وأخطاءهم إلى الإسلام نفسه.

ولا بد للعرب والمسلمين جميعاً من وقفةٍ واعيةٍ، تسمح لهم أن يفكروا في ماضيهم وحاضرهم وما ينتظرهم في المستقبل، وأن يعيدوا النظر في أوضاعهم ومواقفهم، وتفسح لهم المجال أن يصلحوا ما بينهم رعاةً ورعيةً، حكّاماً ومحكومين، أحزاباً وجماعات، ونقاباتٍ ومؤسساتٍ وجمعيات، وأن يزيلوا ما بينهم وبين ربهم من الجفوة والبعاد، وأن يعودوا إلى دينهم ليحميهم من مؤامرات أعدائهم وما يدبّرونه لهم من مكائد، وما يشيعونه ويبثّونه فيما بينهم من دسائس، ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ (7) سورة محمد، وأن يتأكّدوا أنهم ما لم يفعلوا ذلك، ويصلحوا ذات بينِهم، فإن مؤامرات الأعداء المستكبرين في الأرض، العالين على الناس المستضعفين، ستبقى محيطةً بهم، وسيحل بهم أمر الله الذي لا مردّ له، والذي يوضحه سبحانه بقوله: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ (38) سورة محمد، ولله الأمر من قبلُ ومن بعدُ، ولا حول ولا قوة إلاّ بالله العليِّ العظيم.

﴿رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدامَنا وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ(250) سورة البقرة، والحمد لله رب العالمين.

الهوامش

[1] الحجرات/13.

[2] وهو لا يفتأ يهدد سوريا وإيران اللتين تخالفان سياساته، ويخوفهما بالحرب تارةً وبالعقوبات الاقتصادية والسياسية تارةً أخرى، ما لم يخضعا لإرادته، وينساقا مع باقي الحكام في خدمته وخدمة ربيبته إسرائيل.

[3] مقال (أبعاد الاستهداف الأمريكي للعرب والمسلمين) نصر شمالي، صحيفة تشرين السورية العدد /9040/ - الأربعاء 24 رجب 1425هـ/ 8/9/2004م، ص 11.

[4] جريدة تشرين السورية العدد 9060 تاريخ 18 شعبان 1425هـ/ 2 تشرين الأول 2004م، ص 1.

[5] حكمت فاكه (الحرج السياسي.. والديمقراطية الكاذبة) مقال نشرته جريدة تشرين السورية في العدد 9068 تاريخ 27 شعبان 1425هـ/ 11 تشرين الأول 2004م- ص 7.

[6] انظر كلمة السيد الرئيس -بشار الأسد- أمام المؤتمر في جريدة تشرين السورية، العدد 9067 تاريخ 26 شعبان 1425هـ، 10/10/2004م.

[7] ذكر أكثر من مصدر في العراق، وأكدت وسائل الإعلام العربية وغيرها، أن القوات الأمريكية المحتلة والموساد الإسرائيلي يعملان معاً وفق مخططٍ مدروس يستغل الفوضى والفقر والانفلات الأمني، لنشر المخدرات والدعارة في أوساط الشعب العراقي، وأن الإحصائيات تفيد أن واحداً من /26/ عراقياً قد أقبل على المخدرات.

[8] نحن لا نراهن على هزيمة الغرب عسكرياً ولا سياسياً ولا اقتصادياً، وإنما نراهن على الهزيمة الثقافية والحضارية للغرب، أمام مفاهيم الإسلام العالمية، وثقافته الشاملة وحضارته الإنسانية.

[9] مجلة (الوسط) عدد 99 كانون الأول 1993م ص 68.

[10] مجلة (النور) عدد/51/ آب 1995م ص 25، مع أن (شاينولود) هذا من أعدى أعداء الإسلام والحركات الإسلامية، وهو مدير تحرير مجلة (كونفلونس) الفرنسية، التي أصدرت عام 1994م العدد /12/، وهو عدد خاص عن (جيوبوليتيك الحركات الإسلامية في حوض البحر الأبيض المتوسط).

[11] صحيفة (كيهان العربي الأسبوعي) العدد /3904/ السنة التاسعة عشرة، 21 ذي القعدة 1419هـ/ 9/3/1999م ص 7، ولكن هذه التصريحات لم تمنع (بلير) من الاشتراك مع الولايات المتحدة الأمريكية في شن الحرب على العراق بحجة الحرب على الإرهاب، مخالفاً بذلك قوله بفعله.

[12] مجلة (العالم) عدد 115، تشرين الثاني 1993م، ص 37.

[13] مثل الصحافي (جان بول شاينولد) مدير تحرير مجلة (كونفلونس) الفرنسية، الذي يوجه نقده للصحافة الغربية (التي تسمح للقادة الإسلاميين بالتعبير عن آرائهم)، ويخلص إلى قرارٍ خطيرٍ عندما يطالب أصحاب القرار (بتوفير الإمكانات ليس فقط لوعي خطورة الحركات الإسلامية وتهديدها لحضارة الغرب، وإنما لمحاربة هذه الحركات بحيث لا تترك لها أية فرصة لتنمية تأثيراتها، وفرض وجهات نظرها هنا أو هناك). مجلة (النور) عدد 51، آب 1995م، ص 25.

[14] مجلة (الوسط) عدد 99 ص 68.

[15] رئيس قسم المطبوعات والنشر في معهد التعاون العربي التابع لوزارة الخارجية الإسبانية.

[16] راجع قوله في مجلة (الوسط) عدد 99 ص 67.

[17] مجلة (رسالة الثقلين) العدد 27 السنة السابعة، رجب/شعبان 1419هـ/ 1998م.

[18] مجلة (الوسط) عدد 99 ص 67.

[19] مجلةٌ سعوديةٌ تصدر من لندن، ويرأس تحريرها الأستاذ (جورج سمعان).

[20] وقد أفردنا لهذا الموضوع دراسةً مستقلّةً بعنوان (المستشرقون المعاصرون والإسلام).

[21] راجع ما قاله المستشرق البريطاني (روبن أوستل) في مجلة (الوسط) عدد 97 ص 62 و 63.

[22] راجع في هذا الموضوع أقوال المستشرقَين البريطانَيين: (فرد هاليداي) و )ديريك هوبوود) في مجلة (الوسط) عدد 97 ص 63 و 64.

[23] المستشرق الروسي (آرتور سعادييف) في مجلة (الوسط) عدد 98 ص 70.

[24] المستشرق الإسباني (بيدرو مارتينيث مونتابيث) في مجلة (الوسط) عدد 99 ص 64.

[25] المستشرق البريطاني (روبن أوستل) مجلة (الوسط) عدد 97 ص 63.

[26] المستشرق البريطاني (ديريك هوبوود) مجلة (الوسط) عدد 97 ص 65.

[27] المستشرق الإسباني (بيدرو مارتينيث مونتابيث) مجلة (الوسط) عدد 99 ص 65.

[28] المستشرق الهولندي (يوهانس يانسن) مجلة (الوسط) عدد 99 ص70.

[29] المستشرق الفرنسي (جاك بيرك) مجلة (الوسط) عدد 96 ص 13.

[30] المستشرقان الألمانيان: (استيفان فيلد) و (أودو شتاينباخ) مجلة (الوسط) عدد 102 ص 55 و56.

[31] المستشرقة الألمانية (آرد موته هيللر) مجلة (الوسط) عدد 102 ص55.

[32] المستشرق الإسباني (بيدرو مارتينيث مونتابيث) مجلة (الوسط) عدد 99 ص 65.

[33] مجلة (الوسط) عدد 99 ص 70.

[34] (كيهان العربي)، العدد الأسبوعي رقم 2391، 5 ذي القعدة 1414هـ/ 16 نيسان 1994م، ص 8.

[35] مجلة (الوسط) عدد 99 ص 68.


ارسل لصديق