جوانب من الرأي العام والإعلام والإشاعة والدعاية
قراءة في قانون الرأي العام والإعلام على ضوء الفقه الإسلامي
كتبه: الشيخ علي حسن القطان
العدد (42) السنة 19 - 1429هـ/ 2008م
التعليقات: 0
القراءات: 4885

الكتاب: الرأي العام والإعلام (دراسة منهجية في الرأي العام والإعلام والإشاعة والدعاية).

المؤلف: آية الله العظمى السيد محمد الحسيني الشيرازي.

الطبعة: الأولى: 1427هـ/ 2006م. الصفحات: (632).

الناشر: دار العلوم للتحقيق والطباعة والنشر، بيروت - لبنان.

«ليس من قانون موضوع عند العقلاء إلا ويكون مختلفاً حسب اختلاف الموضوع، زماناً.. أو مكاناً.. أو جهة.. أو شرائط.. أو حالات.. أو ما أشبه، والشارع المقدس سيد العقلاء».

السيد المجدد (قدس سره)

مدخل البحث

بين الفقه الخاص والعام:

قديماً كان العلماء يمارسون الفقه باعتباره نوعاً من التفكير المبني على الأدلة الشرعية أو مصادر الاستدلال، وحين كان يمارس الفقيه هذه الطريقة يدخل في ممارسته العلمية والبحثية ما يسمى بالفقه الأكبر أي المعارف الإلهية وبحوث العقيدة؛ ولذا يقول السبزواري (قدس سره) في نبراس الهدى متحدثاً عن الفقه: «والفقه في اللغة: الفهم، وفي الصدر الأول كان يطلق على التفكر في أصول العقائد، والتعمق في المعارف الإلهية، وعند المتأخرين من المتشرعة يقال (الفقه) ويراد به الفقه الأصغر، ويعرف بـ(العلم بالأحكام الشرعية الفرعية عن أدلتها التفصيلية)، وقد يطلق ويراد به الفقه الأكبر وهو الكلام وهو أحد العلوم الدينية، بل رأسها ورئيسها، ويعرف على وزان تعريف الفقه الأصغر بـ(العلم بالعقائد الدينية المكتسبة عن أدلتها اليقينية). إذا عرفت هذا فالفقه هنا محمول على القدر المشترك بين هذه المعاني الثلاثة» يريد من قوله هنا حين قال في بداية المنظومة:

الحمد لله الذي نوهنا

بنور نبراس الهدى فقهنا

وعلى ما تقدم يمكن أن نعتبر البحوث المتصلة بالإنسان داخلة في صميم البحوث الفقهية بهذا المعنى أي المعنى الجامع للمعاني المذكورة.

فنلحظ فقهاً جديداً مضافاً لبحوث الفقه الأصغر والأكبر متوسطاً بينهما كالمسائل الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والنفسية وغير ذلك. ويمكن أن نعتبر هذا الفقه أي العلم بمسائل البحوث الإنسانية الشرعية المكتسبة عن أدلة التشريع الأربعة -لتحديد حكم أو وظيفة الفرد والجماعة تجاه موضوعات العلوم الإنسانية كالرأي العام والاقتصاد والنفس والبيئة وغير ذلك- أحد بحوث الفقه الاستدلالي بهذا المعنى. وإن كان أيضاً لا يخلو من مسائل تدخل في الفقه الاستدلالي بالمعنى الخاص أي الفقه الأصغر.

وقد تنبَّه الإمام الشيرازي (قدس سره) لطبيعة هذا لإشكال؛ ولذا تحدث في أكثر من كتاب من كتبه موضحاً الرؤية التي انطلق منها في إضافة هذه البحوث إلى الفقه الاستدلالي، قال: «ثم لا يخفى أن ما ذكرناه في هذا الكتاب -كما أن ما ذكرناه في كتابي (الفقه الاقتصاد والفقه السياسة)- كان حسب ما وصل إليه الفكر مما يُستنبط من الأدلة الأربعة، مع أخذ الموضوعات من العرف، حسب ﴿مَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ و «نحن معاشر الأنبياء أمرنا أن نكلِّم الناس على قدر عقولهم». ولعل الله سبحانه يُقيِّض جماعة من علماء المسلمين ليستنبطوا هذه المواضيع الثلاثة بالإضافة إلى الكتب المعنية بهذه الشؤون من قبلُ ليجد الطالب فيما يستخرجه من الأوفق بالحق منها». متجاوزاً فقه الفرد المؤمن لينتقل إلى الفقه المتصل بالمجتمع المؤمن، الذي يدخل في إطار قيام الإسلام في النظم الشاملة لجميع الأفراد باعتبارهم مجتمعاً إيمانيًّا يواجهون مجتمعات منظمة تؤمن بقيمة العلم والإنسان.

ونلحظ من خلال قوله طاب ثراه رؤية تتصل بمنهجه في كتابة هذه البحوث الاستدلالية:

الأول: يتعلق بالموضوعات، وهي عناوين مسائل هذه العلوم كالعناوين التي ستمر عليك لاحقاً في فقه الإعلام، وهي من هذه الجهة مستلة من العرف. ويريد بالعرف تارة العرف الخاص وهو عناوين العلوم الإنسانية، أي ما نجده مثلاً من عناوين مبحوثة في علم الإعلام والاتصال أو علم الاجتماع أو السياسية أو الاقتصاد وغيرها؛ نتلقاها بالقبول اعتماداً على قواعد الشريعة كدليل النظم أو دليل العقل وقدرته على إدراك الحسن والقبح مستقلاً أو غير مستقل، أو ما يدخل في العرف العام ثم يلجأ إلى العناوين المبثوثة في مصادر التشريع الإسلامي أي الكتاب والسنة كمعالجة بعض العناوين الاجتماعية كالتكافل وغيرها في علم الاجتماع أو الشائعة في فقه الإعلام وموقف الإسلام منها في دراسات فقه الرأي العام والإعلام، وترى ما يشبه هذا كلًّا في بابه. وفي البحث موضوع الدراسة نجد أنه يسمي الكتاب من خلال ما هو شائع لدى العرف الخاص، فجعل عنوان الكتاب: الرأي العام والإعلام. وبدأ بالرأي العام وعياً منه بأن علم الرأي العام هو المدخل الصحيح لدارسة الإعلام. وهذا التصنيف نابع من الأخذ بحكمة العلم وما وصل له المتخصصون والخبراء في دراستهم المتقدمة في هذا الحقل، ولا شك أن هذا الأخذ ينبع من فهم فقهي وتقليدي علمي في البحوث الفقهية الشيعية، حيث يأخذون بعين الاعتبار نتائج العلوم ويفيدون منها ثم يضيفون لها من عقولهم الفذة، كما في بحوثهم اللغوية التي يقدمونها أمام علم الأصول؛ إذ يمارسون فيها تفكيرهم العلمي الخاص، مع أنها ليست من مسائل علم الأصول.

الثاني: الأدلة وهي أدلة الفقه الأصغر والأكبر نفسها عند السيد المجدد (قدس سره)، وله في هذا المجال رؤية قدَّمها في مقدمة الوصائل؛ ففي مقدمة الكتاب يرى أن طريقة التفكير الشيعي متقدمة جدًّا، وهي صالحة لأن تعتبر منهجاً في التفكير خصوصاً في العلوم الإنسانية.

إن السيد المجدد في كل كتبة يصرُّ على أنه يبحث عن موضوع جديد وحكم جديد، ففي فقه البيئة: «فهذا الكتاب (الفقه: البيئة) ذكرت فيه مجموعة من المسائل التي تتعلق بموضوع (البيئة) في المنظار الشرعي والعلمي».

وفي كتاب الإدارة قال: «هذا الكتاب (الفقه: الإدارة) بعض الكليات المستفادة من الأدلة الأربعة وبعض الصغريات الخارجية لتلك الكبريات». والهدف تحقيق: «الإدارة الصحيحة المنطبقة على الشريعة المقدسة».

وفي كتاب السياسية يقول: «ولا يخفى أن هذا الكتاب الذي نحن بصدده الآن مبني على تنقيح الموضوعات السياسية حسب متطلب الزمان في الحال الحاضر، ليعرف انطباق الأحكام الشرعية عليها وجوباً وحرمة واستحباباً وكراهة وإباحة كما هو شأن سائر الكتب الفقهية، مثلاً تنقح أقسام المكاسب والنكاح والجرائم، ثم يذكر أحكامها المستفادة من الأدلة الأربعة».

وهذه العملية أي تنقيح موضوعات السياسية بحيث يتيسر للفقيه إعطاء حكم شرعي عملية شاقة وتحتاج إلى علمية موسوعية.

نحن نرى أن تحديد معنى الماء المطلق كموضوع والماء المضاف ومعنى التقليد وغيرها من مواضيع خضع لكثير من النضج الفقهي والخبرة والتراكم، والتوسل بالعرف الخاص والعام، وآيات الكتاب والسنة، مع أنها تحولت إلى ما يشبه البَدَهِيَّات إن لم نقل أصبحت من البَدَهِيّ الذي لا تقليد فيه ولا بحث ولا دراسة. وجمود الفقه على موضوعات من هذا النوع هو تعطيل لأهم آلية فكرية عرفتها المحافل والمدارس العلمية.

وعلى ما سبق نستطيع أن نعتبر هذه البحوث بحوث في الفقه الاستدلال من الطراز الأول لسببين:

1- أن السيد المجدد (قدس سره) يمارس التفكير العلمي الشيعي في بحوثه هذه.

2- أن الأدلة التي تعتمد عليها هي أدلة الفقه نفسها أي الكتاب والسنة والعقل والإجماع، فكيف لا تكون من البحوث الاستدلالية؟ نعم هي فقه بالمعنى الأعم أو بالمعنى الجامع لمعاني الفقه الذي ذكرها المرحوم السبزواري طاب ثراه.

فهي داخلة في الأحكام الخمسة في بعض فروضها ومسائلها، على اعتبار أنها أحكام اقتضائية أو لا اقتضائية، تتعلق بفعل المكلف أو المكلفين حين يلحظ الجهة الاجتماعية في المسألة وبحسب التعريف الآخر للحكم الشرعي الذي يطرحه الشهيد الصدر (قدس سره): «التشريع الصادر من الله لتنظيم حياة الإنسان». فأي قانون يتناوله الشرع يمكن أن نعتبره من فروع الفقه الإسلامي الذي يشكِّل منظومة قيمية متكاملة قال تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاء الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ[1]. وعلى هذا الأساس يكون الفقه التقليدي باباً من تلك الأبواب أو مجموعة منه. إننا على هذا الأساس ندرك أن المسألة الفقهية تساوق القانون في فهم اليوم واللغة القانونية المعاصرة. وفي الحقيقة يعتبر تعريف السيد الشهيد أحد التعاريف الملهمة التي تعطي توجُّهاً جديداً في دارسة المسألة الفقهية لتتصل مع قضايا القانون ومسائلة، وقوانين الاجتماع وأبحاثه، وحقول البحث الاقتصادي والنفسي وغيرها؛ حين تنبع من مصادر الشريعة وتدخل في الغرض الهام وهو تنظيم حياة الإنسان. وفي هذا السياق يقول الأستاذ الشيخ عباس الكعبي في دراسة جميلة معلقاً على التعريف الذي أورده السيد الشهيد (قدس سره): «يمكن لنا أن نعرف القاعدة القانونية بأنها: «قاعدة عامة ومجردة وملزمة تنظم السلوك الاجتماعي للإنسان مصحوبة بجزاء على نحو المكافأة أو العقوبة لمن ينفذها أو يخالفها من قبل السلطة العامة كفيلة باحترامها».

ويعادل هذا المعنى في الشريعة «المسألة الفقهية» أو «الحكم الشرعي» وهو -كما عرفه الشهيد الصدر (قدس سره)- «التشريع الصادر من الله لتنظيم حياة الإنسان». فالمسالة الشرعية أيضا كالقاعدة القانونية تماماً؛ عامة ومجردة على أساس قاعدة الاشتراك في التكاليف، ثم هي ملزمة وتستمد إلزاميتها من حكم العقل بطاعة الله وأوامره ونواهيه، وتنظم سلوك الإنسان الفردي والاجتماعي، والجزاء الكافل لاحترامها هو «الثواب» و «العقاب» الدنيوي والأخروي».

بين الفقه الإسلامي الشيعي والدراسات الحقوقية:

هناك تشابه كبير ووحدة موضوع -وإن كان المصدر والمنشأ مختلف- بين الدراسات الحقوقية والبحوث الدقيقة القائمة في الشريعة بوصفها جزءاً مهمًّا من عملية التفكير العلمي لدى الشيعة المتمثل في الفقه والأصول، وكلاهما قائم على الدقة الشديدة في استخراج مسائله وفهم العرف وما يتصل بهما من قضايا.

وقد بيَّن السيد المجدد (قدس سره) جهات الدقة في ثلاثة جهات:

1- دقة من جهة أصل الفهم.

2- دقة من جهة فهم المقدم بين المتعارضين.

3- دقة في علاج المجمل واستخراج المهمل من القواعد الأولية.

والملحوظ في هذين الحقلين -أعني المسائل الشرعية الفقهية والدراسات الحقوقية- هو واحد؛ إذ الشيء كما يقول السيد المجدد (قدس سره): «على ثلاثة أقسام:

1- مقنن صريح.

2- مقنن مجمل.

3- مهمل في أصل التقنين.

والأول: (أي المقنن الصريح) قد يكون بدون المعارض، وقد يكون مع المعارض، والذي مع المعارض يحتاج إلى العلاج من الترجيح، أو الإبطال، أو قاعدة العدل، أو التخيير. إذ قد يلزم الترجيح في مثل أن الزوجة لأي واحد من المتنازعين، وقد لا يصل القاضي إلى أحدهما مما يجبر بإبطال نكاحهما، أو ما يشبه الإبطال، كجبرهما على الطلاق ثم تزويجها لأحدهما، أو ما أشبه ذلك.

وقد يكون مال متنازع فيه، فيعمل بقاعدة العدل، وقد يكون تخيير في الأمر، كما إذا نذر ذبح شاة في النجف الأشرف أو كربلاء المقدسة، فيكون مخيراً. وكل هذه الدقة المحتاج إليها بناء الحكم ابتداءً واستمراراً في كل الأبعاد السياسية، الاقتصادية، والقضائية، الاجتماعية، والثقافية والعمرانية، وغيرها بحاجة إلى أرفع مستويات التدقيق والتحقيق».

وهذه المقدمة من كتاب الوصائل مهمة للغاية؛ ولذا نقلنا هذا المقطع، وإذا جمعت معه مقدمات كتب الفقه الجديد فسترى مشروعية هذا الاتجاه في فقهه الجديد.

ونلحظ في المقدمة إيماناً من السيد المجدد (قدس سره) بالفقه التقليدي إيماناً يجعل هذا الفقه يشكل أبعاداً جديدة من حقول المعرفة الشرعية؛ ولذا قال (قدس سره): «وليس في كتبنا الفقهية والأصولية ما يفي بغرض الدقة اللازمة في بناء الحكم أو استمراره، بمثل المكاسب والرسائل للشيخ الأعظم (قدس سره)، فهذان الكتابان هما الوحيدان اللذان سبقا جامعات العالم الحقوقية في بيان المنهج، وكيفية الاستنباط لكل أبعاد الحياة».

وهذا القدر من التوجيه يفيدنا كثيراً لفهم طرح رؤية تتعلق بآلية في التفكير القانوني الشرعي أو التفكير العلمي الشرعي في حقل التقنين الممتد في أبعاد جديدة كالبعد الاجتماعي أو الاقتصادي أو الحقوقي أو الرأي العام. إن الفهم العرفي مثلاً الذي يتحقق للفقيه في صياغة القانون الشرعي في المعاملات أو في البحث الأصولي هو أداة صالحة بكفاءة كبيرة في فهم قضايا تتصل بالرأي العام وعلم الاتصال، وهما علمان إنسانيان يهتمان بأهم جانب من جوانب العلاقة الإنسانية، وهي التغيير والتأثير والتعارف وخلق تعارف بشري في حقول العلم والمعرفة وغير ذلك. ويضاف إلى ما ذكرنا عشرات القوانين التي تمارس في التفكير الفقهي والأصولي. وصعوبة التعامل مع كتب الفقه الجديد هي من هذه الناحية، فالملكة التي يصدر عنها كتاب الطهارات والمعاملات هي نفسها التي يصدر عنها الفقه الجديد لكن دون أن تجد رافداً يعينك على التفاصيل الدقيقة التي نجدها في كتب الفقه القديم بسبب كثرة المصنفات وتعدد الطرح وأساليب المعالجة، وشحته بل انعدامه في هذه الحقول الجديدة.

هذا الإيمان منه (قدس سره) واضح النبرة حين يقول: «ولهذا فإنا نحتاج إلى فهم الكتابين لا في استنباط الأحكام الشرعية فحسب بل في التفوق الحضاري على العالم، حسب «الإسلام يعلو ولا يعلى عليه» فإن في فهمهما واستيعابهما كاملين، الدليل الملموس لتفوق المسلمين على العالم في بناء الحضارة الحديثة».

إن الإمام المجدد (قدس سره) يتجاوز الإعجاب حين يحاول بأدوات أنضجها الزمن وتبلورت من خلال مرور عقول فذة عليها، وتمنهجت وانصقلت بفعل تفكير ينتقل من التدقيق، الذي يعني الدقة في الأدلة، إلى التحقيق بمعنى كشف الحق في المسألة على مدى قرون. هذا الإعجاب يظهر على شكل إظهار التفكير الفقهي والأًصولي في حقول العلم الإنساني المتعدد الذي يتحقق به قيام خير أمة بخير دين.

الإمام الشيرازي ومصادر الفقه الجديد:

بُذلت جهود كبيرة في تقعيد القواعد وتفريع الفروع وتنظيمها وتبويبها والتدقيق فيها وتحقيقها، وهذا ما يشترك فيه كل الفقهاء لا فرق بينهم إلا في قوة النظر وشدة التحقيق.وهو ما يسمى بالفقه بالمعنى الأخص أشرف العلوم على الإطلاق على مدى قرون، بذل فيها فقهاء الطائفة كل سِنِيّ عمرهم محققين بذلك معجزة الإسلام في فكر أبنائه.

موقف الإمام الشيرازي من الفقه التقليدي:

لقد وقف الإمام الشيرازي وقفة إعجاب أمام هذه الجهود ولم يقطع نفسه عنها، بل انطلق منها وأحسن الاستفادة منها ومن جماليتها، وعبر جوانب الإبداع فيها رأينا الإمام الشيرازي كما هو اليوم وهو يعتبر مثلاً علم الأصول وثيقة تفكير شيعي وإسلامي لو اطَّلع عليها الغرب لذهلوا.

ولكن ماذا عن الفقه المتصل بالعصر وموضوعاته؟ وماذا عن الفقه العام؟ والفقه بالمعنى اللغوي الذي يعني فهم الإسلام كاملاً فقهاً وعملاً وهو المتصل بعصر الأمة وجوانبها المتعددة وحاجتها الحديثة؟ وهذا هو الفراغ الحقيقي الذي بقي لسنوات طويلة بل وقرون دون أن يمسّ حريمه أو يتطلع له أحد؟!! إلا ما يمكن أن يعتبر بدايات تحتاج إلى التراكم الزمني لكي ينهض بتحديد مسائله ومحاوره وأفكاره وبحوثه. لقد كان الفراغ هو في تحديد نظرة شمولية لكل الإسلام وسد ثغرة الفقه العام الذي به كان للأمة قوة ومنعة وعز ورفعة. والفقه المتصل بالعصر الراهن الذي يحدد للأمة مقولاتها العصرية وأثوابها الحديثة. هذا الفقه الذي طرحه أهل البيت (عليهم السلام) متصلاً بكل جوانب الإنسان، والذي جمع الكليني أحاديثه في كتابه الكافي أصوله وفروعه؛ ليكون محل البحث العلمي، والذي يشكل بحار الأنور مادته الغزيرة وأدلته.

ولكن الإمام الشيرازي شمَّر له ساعد قوة فكره وعمره الشريف، وهذا يحتاج إلى آليات تتناسب وشمول الموضوع، وهي تتمثل في الآتي:

1- القرآن الكريم والفقه الجديد:

إن طاقة القرآن أكبر من أن يحيط بها عصر أو زمن، وهو في كل عصر غضّ طري، لا تبليه الأيام والسنوات، ولا تنقضي عجائبه. ولكن مع بقاء القرآن المصدر الأول من مصادر الفقه الإسلامي إلا أن الآيات التي شكَّلت مصدراً من مصادر الفقه بشكل مباشر وحقيقي لا تتجاوز 500 آية أو أكثر بقليل، وهذا راجع لنظرة العلماء لوظيفة الفقه وسعة الدائرة التي يتناولها الاجتهاد الفقهي، والتي يتناولها الفقيه دراسة وتحقيقاً. وهذا لا يعني أن الفقهاء لم يكونوا يؤمنون بشمول الإسلام، وأن في القرآن كل شيء، ولكنها طبيعة العلوم تتشكل بفعل الاجتهاد والممارسة والتجربة، ويشكل الزمن والعصر عاملاً هامًّا في توجهات الفقه والفقيه وفي تطورهما.

إن الإمام الشيرازي المؤمن بالفقه طريقةً للاستنباط والتشريع الشامل لكل حاجات الإنسانية لابد له أن يتوجه للقرآن بشكل جدي؛ لأن هذا الشمول لا يستوعبه مصدر تشريعي غير القرآن، ففيه كل شيء، والقرآن نفسه ينص على هذه الحقيقة، قال تعالى: ﴿مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ، فيه الهداية الكاملة، مضافاً إلى أنه الكتاب السماوي الوحيد الذي لم تمسه يد التحريف. وهذا ما جعل الإمام الشيرازي يتعامل مع القرآن بشكل مكثف بنظرة شمولية تهدف إلى استيعاب الفقه لكل متطلبات العصر الذي تطور فيه العقل الإنساني فتطورت معه وسائل الحياة، وكان عمل الإمام الشيرازي أشبه بعمل لجان، وفي هذا السياق قدم الإمام الشيرازي جملة من الأفكار:

- تخصص ثلة من العلماء في تفسير القرآن.

- تخصص جماعة في الكشف عن المصاديق.

وهذا واجب كفائي على كل الأمة وإن كان يستحب التخصص في القرآن الكريم وعلومه.

- الاقتباس من الكتاب في الحوار والخطاب. وهذا يدخل بشكل مباشر في البحوث المتعقلة بالرأي العام والإعلام والدعوة.

- ضرورة وجود لجنة من الفقهاء لكتابة آيات الأحكام مما يستفاد من الأمم السابقة ومن هذه الأمة، ولا يغفل الإمام الشيرازي جهود العلماء في هذا المجال.

وكتاب الفقه حول القرآن الكريم مرجع هام لتحديد نظرة الإمام لشيرازي للقرآن، ففيه 34 مسألة و24 فصلاً. ومن المسائل الهامة ما تتحدث عن القرآن باعتباره كتاباً لكل البشرية، وصلاحيته لكل عصر ومصر، وتطبيق القرآن على العلم، والبحث عن الكمال من خلال القرآن الكريم. ويبحث الإمام الشيرازي عن ذلك على أنه مسائل فقهية أو بحوث من صميم الفقه الإسلامي. ونتيجة لهذا الاهتمام كانت نظريات الإمام الشيرازي ناشئة من القرآن الكريم بشكل طبيعي ولم يقحمها إقحاماً، بل جاءت نتيجة طبيعية لقراءته المستمرة للقرآن الكريم دون أن يخضع القرآن لمسبقاته العلمية أو الفكرية، ومن أمثلة ذلك مسألة الشورى، ونظام الحكم، ونظام الحقوق والإنسان، ومسائل القانون والتشريع، وقضايا المجتمع كالأخوة والسلم وغير ذلك.

2- السنة المطهرة كيف نقرؤها؟

وفي هذا السبيل كان للإمام الشيرازي اطلاع كبير ومتواصل على أحاديث أهل البيت (عليهم السلام)، ومن أهم جهوده هي كتاب الوسائل ومستدركاته. إن الإمام الشيرازي تعلَّم السبر الدقيق للأحاديث ودقة النظر وفهم المعاريض، ويكفيك أن تقرأ (الآداب والسنن) لتعرف مدى صدق هذا القول، فبعبارات موجزة يعرض لك رؤية وعلماً يشعرانك بعقليته الفذة وإيمانه بهذا الثقل. ولعل أهم انعطافة هي في جعل السنة المطهرة في سياق الفقه وفي أحضانه كعلم يرتوي من ماء الولاية، أي تناول السنة المطهرة: (قريباً من الفقه لا من الدقة الأصولية حسب العادة منذ قرنين)، وهذا يوفر لعلم الحديث جو الفقه أدلةً ومصادر وتحليلاً وتدقيقاً، ومن ثم يجعل علم السنة المطهرة أقرب إلى الواقعية؛ لأنه سيدرسه في سياقه الصحيح وهو الفقه، وسيكون وثيق الصلة بالفقه لا يشطّ ولا يأتي ببحوث نظرية محضة لا واقع لها متأثراً بعلم الأصول كما هو معروف.

وإلى جانب هذا نجد الإمام الشيرازي استفاد من سماحة المحدث وواقعية الفقيه ودقة الأصولي، وتناول الأحاديث بروح فقهية ولكن بنفسية المحدث الذي لا يرفض الحديث لمجرد عدم صحة سنده، وإنما يوكل الأحاديث إلى أهلها حين لا يمتلك دليلاً على صحة الحديث سنداً ودلالة. وما يؤكد هذا هو إصراره على تضمين أهم أبواب الفقه الحديث أبواب من السيرة والسنة المطهرة كما تجد في فقه الاجتماع والاقتصاد والسياسة وفقه السلم والسلام.

3- القواعد الفقهية الجديدة:

في كتابه القواعد الفقهية يبحث الإمام الشيرازي في ثماني عشرة قاعدة مبحوثة ومتداولة، ولكنه يسجل في خاتمة كتابه 597 قاعدة فقهية. ومن أمثلة القواعد الجديدة قاعدة التيسير والمبحوث عنه هو قاعدة الميسور. وفي كتب أخرى أضاف قواعد جديدة كما في فقه المرور، فنجد على سبيل المثال (قاعدة النظم)، وهي من القواعد التي استحدثها (قدس سره)، قال عنها: «من القواعد التي يمكن أن تكون موضوعاً للأحكام الثانوية -مضافاً إلى كونها من الأوليات في الجملة-: قاعدة النظم، وهي قاعدة منتشرة في كثير من أبواب الفقه، وقد تعرّض لها الفقهاء في مظانها من الفقه. ومن تلك الموارد التي لو لم يراعَ فيها قاعدة النظم، لوقع الناس في الهرج والمرج، ولانتهى الأمر بهم إلى الفوضى والاضطراب، هو: باب المرور، حيث إن المرور أصبح اليوم من الأمور المبتلى بها، ولا يمكن لمجتمع الاستغناء عنها، فإذا لم تُصَغْ لها قوانين تنظِّم سيرها وحركتها، وتوقّفها وسكونها، وسرعتها وبطأها، وقع الناس كلهم في هرج ومرج، ولأدى الأمر إلى الفوضى والاضطراب والضرر والإضرار، ودفعاً لذلك، يلزم القيام حسب قاعدة النظم برسم خارطة للمرور، تبيّن فيها الخطوط العريضة والجزئيات المؤثرة في حفظ المجتمع من الفوضى، والمفيضة عليه السلامة والسعادة» مستفيداً من النظام التشريعي والحقوقي والجزائي الإسلامي.

إن هذا يؤكد استفادته الكبيرة من القرآن الكريم والسنة المطهرة، فحينما يقول الإمام علي (عليه السلام) لأولاده في آخر حياته في وصيته المشهورة: «الله الله في نظم أمركم فإنها أفضل من عامة الصلاة والصيام» فإن هذه تمثل أهم قاعدة لأن النظام أهم من أعظم عملين عباديين وهما الصلاة والصيام« إن الإمام الشيرازي (عليه السلام) كان يتعامل مع كلمات أهل البيت (عليهم السلام) بشكل جدي ويعطي لكلام الإمام إرادة تشريعية جدية، وهذا ما نلحظه أيضاً في تعامله مع خطبة الزهراء وحديث الكساء كنموذج لتفكيره الفقهي وطريقة تعامله مع المصادر الإسلامية.

4- التفكير العقلي عند الشيعة ويتمثل في أصول الفقه:

ويتجلى ذلك في علم الأصول وهو بحسب ما يظهر من كلام الإمام الشيرازي (قدس سره) في مقدمة الوصائل في شرح الرسائل كافٍ لهذه الممارسة الشاملة وإن كانت له آراء تتصل بعلم الأصول. وقد أثبت (قدس سره) كفاية ذلك من خلال ممارسته الفقه والاستنباط في أكثر أبواب الفقه حداثة كفقه القانون والحقوق والمرور والسياسية والاقتصاد وغيرها.

لقد استطاع الإمام الشيرازي أن يمارس علم الأصول والتفكير الفقهي في أبواب بكر لم يتطرق لها أحد، وأثبت كفاءة هذين العلمين وقدرتهما على تناول موضوعات لم تأخذ حضها من التراكم العلمي كبقية الأبواب. ولشدة تواضعه يعتبر نفسه صاحب خطوة أولى ويأمل أن يأتي من بعده فيكملوا عمله. على أنك حين تقرأ هذه الكتب تجدها مكتملة أو شبه مكتملة وإن كتب بعضها في أربعين يوم، وهذا ما يثير العجب، ويجعلنا نؤمن بأنه لم يكن ينطلق فقط من قدرته، بل من تسديد أهل البيت وعنايتهم الخاصة به.

5- الأحكام الخمسة نظرة جديدة:

التشريع في جانبه التكليفي يعني الواجبات - المحرمات - المستحبات والمكروهات - المباح. وقد كتب الإمام الشيرازي في أسلوب إبداعي في هذه الأحكام الخمسة، وكان له غايات كبرى من وراء ذلك. فقد كتب الواجبات والمحرمات والآداب والسنن ثم كتب المباح (بالمعنى الأخص) في الاصطلاح الأصولي. وهذه المجموعة من كتب الإمام الشيرازي تنطلق من إيمان جملة من الفقهاء بأن كل شيء فيه حكم، فلا يخلو الحال من مسألة، وحتى ما يكون مباحاً دون الحكم الاقتضائي، فهو يعكس رعاية التشريع للإنسان بشكل شامل وبهدف تنظيم حياته وتحقيق المصالح ودفع المفاسد. ولكن الإمام الشيرازي يضيف للمباح تفسيراً يقترب من العصر؛ حيث يعتبر المباح أحد عناصر الحرية التي يدعو إليها الإسلام، فإذا كانت الأحكام تابعة للمصالح والمفاسد فإن إباحة شيء لا يخلو هو الآخر من مصلحة. وهذا يأتي منسجماً مع الكتاب والسنة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ[2]، وما روي: «إن الله يحب أن يؤتى برخصه كما يحب أن يؤتى بعزائمه»، يقول الإمام الشيرازي في مقدمة كتاب الحريات: «بعد أن كتبت (الواجبات والمحرمات والآداب والسنن) في دورة (الفقه)، رأيت أن أكتب حول المباحات، والتي يصطلح عليها في الحال الحاضر بالحريات، وذلك لتكميل الأحكام الخمسة». ويعتبر الإمام الشيرازي المستحبات والمكروهات من الحريات ولكنه في الوقت نفسه لا يلغي دور هذه الأمور الصغيرة في نهوض الأمة، بل يعتبر العمل بالمستحبات وتجنب المكروهات من أسباب انتصار المسلمين الأوائل، وهي ضرورية اليوم لتحقيق عزة الأمة وكرامتها والتمهيد لانتصارها.

إن أكبر نعمة على الأمة هي أهل البيت (عليهم السلام)، فهم نعيم الإنسانية فضلاً عن الإنسان المسلم أو الشيعي، وإظهار حسن هذه النعمة أهم أسلوب دعوي يمارسه الداعية. ويأتي هذا منسجماً مع كتبه التي بيَّن فيها جمال هذا الفكر -فكر أهل البيت (عليهم السلام)-« وإذا تطلعت إلى كتبه المتعلقة بالجوانب غير التقليدية فإنك سترى الإسلام بناءً متكاملاً:

1- فقه النفس 2- فقه البيئة 3- فقه النظافة

4- فقه الاجتماع 5- فقه السياسة 6- فقه الاقتصاد

7- فقه الدولة 8- فقه المرور 9- فلسفة التاريخ

10- فقه العولمة 11- فقه المستقبل

والنظام الداخلي لهذا الفكر يتعلق بعدة كتب هي:

1- فقه العقل 2- فقه العقائد

3- فقه القرآن 4- فقه السنة المطهرة

ويمكن تصور مؤلفات الإمام الشيرازي بوصفها منظومات مؤتلفة في سياق واحد؛ لأن كاتبها كتبها بشكل منظم مقصود، وبذل جهداً كبيراً وحقق فيها ما يمكن من السهولة والعملية، فهي تدخل في السهل الممتنع.

مع كتاب فقه الإعلام:

يفاجئ القارئ دائماً ويطل عليك في كل مرة بشكل من الدراسة غير منظور، يجمع فيه كل ما أمكن له من قوة نظر ودقة فكر وتطلع للمستقبل، ويمارس على موضوع دراسته أدوات أصيلة، فتجد أنه يستحضر الدرس الأصولي في درسه الفقهي، ويجتمع له دائماً بصيرة الفقيه وتجربته الطويلة في أكثر من مائة وخمسين كتاباً من كتب الفقه.

وحين نقف على كل كتاب من الفقه الجديد الموجود في ضمن الموسوعة الفقهية فإننا نلحظ تواصلاً مع التجربة وتطويراً لها، وفي الوقت نفسه فهو يصرّ على أن هذا يدخل في الفقه، وليس الفقه بمعنى معرفة المسألة الفرعية (النتيجة الفقهية)، بل الفقه الاستدلالي، بمعنى دراسة المسألة من خلال استعراض أدلتها وإعطائها الحكم المناسب لها. وأما إصراره على استحضار علم الأصول في هذه البحوث فهو يستحضره بوصفه طريقة تفكير؛ لأنه يرى أن أهم ما يمكن أن يقدم للساحة العلمي العالمية هي طريقة التفكير الأصولي عند أتباع مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) بغض النظر عن النتائج والخلافات أو الاتجاهات والمدارس.

وفي هذه الدراسة سنقف على كتاب آخر يتصل بهذه السلسلة من الكتب، التي تدخل في إطار الفقه الجديد، لا بمعنى الفرع الجديد، وإنما بمعنى الباب الجديد أو الموضوع الجديد، أعنى كتاب فقه الإعلام.

وبعد هذا المدخل يمكن أن نجيب عن عدة أسئلة تتصل بهذا الكتاب.

الرأي العام والإعلام والفقه الاستدلالي:

يفتتح المؤلف دراسته بثقة بدخول هذا النوع من الدارسة في الفقه (موسوعة المؤلف في الفقه الاستدلالي)، ولعل هذا الإصرار من المؤلف باقتحام موضوعات عصرية وإدخالها بكل ثقة فيما يسمى بالفقه الاستدلالي يجعلنا نقف أمام هذه الدعوى مؤيدين أو مفندين، بعد أن نقف على حقيقة مراد المؤلف. فوصف هذه النوعية من الكتب بالفقه الاستدلالي في عالم يمارس الصرامة العلمية، ويدقق في الفروق الجوهرية بين مختلف العلوم حتى بين العلوم الشرعية نفسها كالفارق والمائز بين المسألة الفقهية والقاعدة الفقهية، ثم الفرق بين المسألة الفقهية والمسألة الأصولية. ربما كان هذا الإصرار نوعاً من المجازفة مع نمط من التفكير قد يعتبر هذا ابتعاداً عن الدقة العلمية. فما كان يخطر على بال أحد أن تقتحم هذه البحوث هذا العالم العريق عالم الفقه الاستدلالي الذي يحمل مواصفات قياسية دقيقة.

ومرة أخرى هل إدخال هذا البحث تجوّز علمي أم هو استعادة لحق البحث الفقهي في نوعية من البحوث هو أولى بها؟! أم ماذا يمكن أن نصف هذا العمل الذي يحمل إصراراً علميًّا وأدبيًّا في إضافة سلسلة من البحوث يراد لها أن تحصل على الاهتمام العلمي والتراكم نفسهما؟! إذ طبيعة البحوث الاستدلالية تجعل من المسألة الواحدة خاضعة لعقول أكثر قدرة على السبر والفحص والدراسة والنقض والإبرام، هذا أهم خصائص الفقه الشيعي على مدى القرون الطويلة الماضية، مع ملكة تجديدية مستمرة، وشوق كبير للجديد الأصيل. ولأهمية هذا السؤال قدمنا هذا التمهيد الذي مرّ عليك لندخل مباشرة في الكتاب بعد ذلك التصوير لطبيعة هذه الدراسات وموقعها من الفقه الاستدلالي.

مسائل الكتاب بين الفهم الفقهي الخاص والعام:

نريد من خلال هذه العنوان دراسة مسائل الكتاب وتمييزها من خلال محاولة اكتشاف مدى انطباق البحث الفقهي الاستدلالي عليها إن أمكن لنا ذلك؛ من خلال مسائل الكتاب، ومعنى هذا الانطباق، ونقدم معنى المسألة في بحوث الفقهاء.

مسائل الكتاب:

سيجد الباحث المسائل موزعة على فصول وهي:

الفصل الأول: الرأي العام وفيه (49) مسألة.

الفصل الثاني: الإعلام وفيه (17) مسألة.

الفصل الثالث: الشائعة وفيه (3) مسائل.

الفصل الرابع: الدعاية وفيه (22) مسألة.

الفصل الأول: الرأي العام وفيه (49) مسألة.

لماذا البدء بالرأي العام؟

التعرف على الرأي العام مدخل هام للحديث عن الإعلام، بل يمكن القول: إن موضوع الإعلام هو الرأي العام وهو من تتوجه له وسائل الإعلام وتقنياته بشكل عام. ولذا فالبدء بالرأي العام له ما يبرره منهجيًّا وواقعاً. ودراسة الإعلام والوقوف على قوانينه وسننه من منظور الفقه الإسلامي يفيد كثيراً في خطابه وتغييره وبنائه.

وقفة مع مسائل الفصل الأول:

يبدأ هذا الفصل بمسألة هامة وهي تعريف الرأي العام الذي هو أصعب بداية تواجه أي قارئ لهذا النمط من الدراسات الإنسانية الحديثة في إطار من الأسلوب الفقهي. والسبب كثرة التعريفات الموجودة وتحولها إلى اتجاهات؛ ولهذا سيكون هذا التعريف مهمًّا جدًّا، فتنقيح هذا الموضوع من خلال فهم طبيعة التشريع الإسلامي هذا من جهة، ومن جهة أخرى تناول الفهم المعاصر صاحب هذا المفهوم الحديث لنفس الموضوع. وخلق المفهوم الذي يمكن أن نسميه تعريف الشرع للرأي العام عملية شائكة وصعبة. وما يهمنا هو كلا الجانبين لأنهما يمثلان جودة النظر عند الفقيه.

وربما يتعجب القارئ أو الباحث من إطلاق كلمة مسألة على التعريف، وهنا لابد من الإشارة إلى أن المسألة الفقهية على عادة الفقهاء لا يشترط فيها أن تكون أحد الأحكام الاقتضائية أو اللا اقتضائية، بل تتجاوز إلى ما يمكن أن نعتبره موضوعاً أو مفهوماً عامًّا نستفيد منه في مسائل الباب، كما نلحظ ذلك في بداية باب الاجتهاد والتقليد حين يُعرِّف الفقهية التقليد مع أنه ليس حكم اقتضائيًّا أو غير اقتضائي، وكذلك الطهارة أو الماء المطلق أو المضاف. وهذه المسائل هي مواضيع مستنبطة في حقيقة الأمر قد يكون منشؤها دليلاً خاصًّا أو فهماً عرفيًّا أو هما معاً كما في تعريف الماء المطلق أو الغناء أو الربا أو العقد أو الإيقاع وما إلى ذلك من عناوين تطرح في الفقه العملي أو الاستدلالي على أنها مسائل. وعليه لا مشكلة علمية في توسيع الدائرة، ولا يعتبر هذا إشكالاً حقيقيًّا.

وهذه الخبروية والفهم العرفي الدقيق تبدو واضحة في تعريف المصنف للرأي العام، يقول (قدس سره): «الرأي العام عبارة عن ضروب من سلوك أفراد، يتضمن التعبير باللغة والألفاظ الخاصة بما يفهمه ذلك الشعب أو تلك الأمة، وهي تمارس من جانب أفراد عدة، وتنشط وتوجه نحو موضوع معين أو موقف معروف على نطاق واسع في أمور عقدية أو اقتصادية أو سياسية أو تربوية أو غيرها».

ففي التعريف نلاحظ -في نظر السيد المجدد (قدس سره)- ثلاث جهات هي:

1- ضروب من سلوك الأفراد.

2- هذا السلوك يتضمن تعبيراً لغويًّا عامًّا ولفظيًّا خاصًّا بما يفهمه ذلك الشعب أو تلك الأمة.

3- هذا السلوك وهذا التعبير يمارسه أفراد عدة في سياق نشاط تجاه موضوع معين أو موقف معروف على نطاق واسع.

فطبيعة الرأي العام في حقيقتها قائمة على أنواع من سلوك مجموعة من الأفراد، ليعني أن الرأي العام يتخذ أشكالاً متعددة من السلوك، ويتضمن التعبير باللغة والألفاظ الخاصة بما يفهمه ذلك الشعب. تتجه لموضوع معين.

فحين لا يكون سلوك ولغة وألفاظ خاصة وموقف محدد تجاه موضوع معين فلا وجود للرأي العام.

وهذا يعبر عن الفهم العرفي الذي يمارسه الفقهاء على موضوعات تصل إلى المئات في بحوث الفقه في مسائل متنوعة؛ ولذا تجد الإمام الشيرازي لم يعانِ في تعريف هذا الموضوع، بل ترى الفهم العرفي الذي يُلقى بالقبول لمجرد التأمل.

إن الرأي العام ضروب من سلوك أفراد، وهذا بمنزلة الجنس؛ إذ الرأي العام لا وجود له حين لا يكون سلوك، وإذ كان سلوك فرد فيخرج عن حقيقة كونه رأياً عامًّا، ثم هذا السلوك في الغالب يتضمن التعبير عن هذا الرأي الكامن في السلوك، هذا التعبير يتمثل في اللغة (الألفاظ الخاصة) بالشعب أو الأمة، وهذا لا يكون إلا حين تنشط وتتوجه نحو موضوع محدد قد يكون اجتماعيًّا أو سياسيًّا أو اقتصاديًّا.

وحين لا تنشط أو تتجه نحو موضوع محدد فلا وجود للرأي العام ظاهراً. نعم هو كامن أو مضمر وهذا الرأي العام في جوهرة سلوك يتضمن التعبير باللغة.

إذا أدركنا أن هناك رأياً عامًّا موضوعه (موضوع يهم أفراداً كثيرين وهو يمثل استعداداً للحركة التي قد تأتي على شكل قبول أو رفض للموضوع المشترك بين أمة أو شعوب أو شعب خاص، وهي تمارس في حالات كثيرة في ظل إدراك بأن الآخرين تصدر عنهم ردود أفعال بشأن الموقف ذاته، وبالطريقة ذاتها، سواء كانوا أفراداً يمارسونها، أو يزمعون ممارستها، قد يفعلون أو لا يفعلون ذلك، في حضور شخص أو في حضور أشخاص آخرين، أي تتخذ شكل جهود يكون الغرض منها إقامة أو تحقيق شيء ما) فإن هذا يشكل موضوعاً بالنسبة للفقيه؛ لأن هذا النمط الذي يمثل في جوهره قانوناً بشريًّا يحدد ضروباً من السلوك الجماعي تجاه قضية بشكل مجرد كمفهوم، فإحداثه وإيجاده قد يوصف بالفساد أو الصحة أو الحرمة أو الكراهة أو الندب أو الإباحة، وأما ما هو قائم منه وهو الرأي العام تجاه قضية، والذي قد يستفيد منه الإعلام أو يعمل على إيجاده، فيتحول أيضاً وبشكل طبيعي إلى موضوع متعلق لحكم شرعي اقتضائي أو لا اقتضائي.

وهذه المسألة كما رأيت تمثل موضوعاً يتحدد من خلال الفهم العرفي والشرعي، والمسألة الثانية تبيِّن أهمية الرأي العام في التغيير سواء كان جزئيًّا أو كليًّا، والتغيير والنهضة يدخلان في أبواب كثيرة من الفقه كما تعلم. وهي ذات أحكام مذكورة في الفقه.

وهناك جملة من الأحكام الشرعية القطعية تعطي الرأي العام -لأنه يشاطرها- الحكم نفسه، كضرورة نصرة الإسلام ونشر المعروف والعدل ونشر السلم وتحويل المسلمين إلى الاقتصاد الإسلامي والسياسة والاجتماع والتربية الإسلامية، كل هذا يجعل من هذا الموضوع في كثير من الصور والحالات محكوماً بالحكم نفسه.

ويستعين السيد المجدد (قدس سره) بما جرت عليه سيرة الإنسانية (قوانين المجتمع الإنساني) في إثبات أهمية الرأي العام بوصفه وسيلةً من وسائل التغيير، «ولما كان هدفنا هو تغيير واقع الأمة الإسلامية إلى ما هو أحسن فإننا بحاجة ماسة إلى الرأي العام كوسيلة لهذا التغيير». وقد بحث فيما يشبه هذا فقيه ومحقق جليل هو ابن أبي جمهور الأحسائي (قدس سره) في حديثه عن المستحدثات، ومارس ما يشبه ممارسة السيد المجدد (قدس سره) وبالطريقة نفسها بحثاً عن رؤية تقترب من عصره في مسائل لصيقة بزمنه.

وقس على هذه النظرة التحليلية مسائل هذا الفصل، فإنها تمارس هذه الطريقة من الفقاهة بين تقسيم وتعريف وتفريع وتمثيل تاريخي أو فطرة بشرية، معتمداً على الأدلة الشرعية من قول أو فعل أو تقرير أو سيرة المتشرعة وما إلى ذلك من آليات يمارسها الفقهية في موضوعات أقل أهمية من هذا الحقل. منطلقاً من التعريف والموضوع والأهمية التي أشير إليها سابقاً. ففي المسألة الثالثة يقول المؤلف: «يجب على العامل بالرأي العام ملاحظة أقسامه والعمل وفقها عند إرادة فهم المستقبل وأبعاده؛ فإن للرأي العام آثاراً مستقبلية يجب التوجه إليها»، وهذا الوجوب -كما ترى- وجوب عقلي، أو بمعنى الثابت من ضرورات هذا القانون.

وهذه الرؤية منسجمة ومستقيمة تكشف عن ذوق سليم، وتعبر عن استجماع السيد المجدد (قدس سره) لجهات بحثه حين نراه في هذه المسألة يتناول الأقسام باعتبارها أحد طرق فهم المستقبل، وربط الأقسام بالتغيير لأنه سابقاً حدد الأهمية التي هي التغيير للأحسن، وهي مطلب شرعي بلا شك ولا ريب.

إن الوقوف على جميع المسائل بنوع من التحليل صعب للغاية ويحتاج إلى صفحات كثيرة، لكن المهم هو إظهار مدى صلته بالفقه أولاً، ثم بالفقه الاستدلالي، ثم تحقيق ما يريده المصنف وهو إظهار إعلام يمكن أن يسمى بالإعلام الإسلامي. وهذا يظهر من خلال مسائل نشير إليها:

1- علاقة الرأي العام بالسلوك الإنساني.

2- الرأي العام والحياة.

3- الرأي العام وقوانين القرآن كدخول الرأي العام في مفهوم قوله تعالى: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ فالرأي العام يتكون عند المصنف من: «ذرات صغيرة وتتجمع هذه الذرات لتصبح سيلاً جارفاً، فلابد ألَّا ييأس العاملون في حقل الرأي العامـ بل عليهم ألَّا يستعجلوا في قطف الثمار». ثم فهم الأذان على أنه من هذه الذرات التي تُكوِّن الرأي العام.

4- علاقة الرأي العام بالفطرة وضرورة انسجامه مع الفطرة، ومن الفطرة أن الرأي العام يجب أن يكون طاهراًـ ولزوم علاج الرأي العام غير الطاهر برأي عام طاهر. وهذه الرؤية تنطلق من فقه الأخلاق الذي يمثل أهم مكونات التشريع الإسلامي.

5- من مستلزمات تكوُّن الرأي العام الاعتقاد الجازم لدى العاملين، وهذا لا يختلف بالنسبة للأفكار الإصلاحية وغير الإصلاحية، وما يميز أهل الحق هو البحث الدائم عن الحق.

6- ملاحظة خلفيات الرأي العام عند السعي لإيجاده، والعقيدة الإسلامية والمعرفة أهم تلك الخلفيات التي تميز الرأي العام في الفقه الإسلامي، وبعضها للإسلام توجيه مباشر فيها كالعادات والخرافات والأساطير والأسرة.

7- للرأي العام قواعد يذكر منها السيد المجدد 15 قاعدة، وهذه القواعد تفيد تحقيق أكثر لمفهوم الرأي العام، وتبين بعض الخصوصيات كالكلام عن الفرق بين الجماعة والجمهور، وهذا التفريق موجود في الواقع وله مفهوم ذهني، والرأي العام أوفق بالجمهور.

وطرح المقابل وهو الرأي الخاص. وما يمكن أن يسمى بالقواعد الأخلاقية للرأي العام. وهو موضوع يتناوله الرأي العام المعاصر كأحد مجالات الدراسة والتخصص العلمي، المفهومة من القاعدة السابعة وهو قوله: «الرأي العام الذي يصنع من الهيجان والإثارة والتخويف والترغيب وما أشبه ذلك نتيجة لظروف خاصة... لا يدوم طويلاً ولا يسمى رأياً عامًّا حقيقيًّا، بل هو رأي عام ظاهري في الناس. وهذا الحقيقة لها أجواؤها وأدلتها في القرآن والسنة والسيرة لتمثل حقيقة من الحقائق وبصيرة من البصائر؛ لأنه لم يكن نابعاً من القلب والاعتقاد والرأي. وهذا يؤكد مرة أخرى أهمية الاعتقاد والمعرفة كخلفية من خلفيات الرأي العام، وتتأكد المعرفة من خلال قواعد أخرى كقوله: «الرأي العام من الناحية الفعلية هو حصيلة معرفة الفرد، فكلما كانت معرفة الفرد عينية وحرة كان رأيه انتقائيًّا وحرًّا».

8- وأخيراً الرأي العام ودراسة الأهم والمهم على اعتبار أنه ينشأ من الموازنة بينهما. وهذا يفتح الباب على مصاريعه مع قاعدة عريقة لها حضور قوي ومؤثر وأصيل في الفقه الإسلامي، ليكون لهذه القاعدة أثرها في هذا العلم، فإذا كان الرأي العام ينشأ (من التدبيرات التي توازن بين الأهم والمهم) فهناك أطراف كثيرة لتحقيق هذه العملية، من عرف ونظر الفقيه والخبراء؛ ليكون الإعلام إسلاميًّا منطلقاً من الفقه الإسلامي. مع أن القاعدة عقلية كما يقول المصنف قبل أن تكون فقهية وهي تدخل في الرأي العام بشكل مطلق حتى في غير الرأي العام الذي يصدر من خلفية إسلامية.

9- العاطفة تساوي الهوى ولها سلطة على الإنسان غير الحكيم، والرأي العام الإسلامي يتطلب تقييم الأشياء بموازينها الواقعية، وهذا ما يعنيه الخوف من الله سبحانه وتعالى.

هذه نماذج من مسائل الفصل الأول نلاحظ فيها شمولية واتجاه لأهم القضايا التي يدعو لها الإسلام. ويبين السيد المجدد كيف تشكِّل فقهاً يتصل بهذا الحقل، ويُكوِّن مسائله وبحوثه كالعقل، والإدراك، والمعرفة، والعاطفة، والدوافع الأساسية، وعلاج الإسلام لها، وعلاقتها بالرأي العام، والتبسيط، واللغة، والرموز، والأمثال، والشعارات، والتنابز بالألقاب وعلاقته بالرأي العام، وقضية الحرب والسلم، والحرب النفسية والرأي العام، ثم القوى والمواقف، والتطرف والاعتدال، وأخيراً الرأي العام والأحكام الإلهية الذي يختتم به السيد الراحل هذا الفصل.

الفصل الثاني: الإعلام وفيه (17) مسألة:

الفقه الذي يتبناه الإمام الشيرازي (قدس سره) يهدف إلى ممارسة الإسلام بوصفه دين حياة. وهذا الهدف العام، وهو إعادة الإسلام إلى الحياة، يسوغ الحديث عن الإعلام؛ لأنه شرط مهم لتحقيق هذا الهدف. وهذا الموضوع له حكمه المحدد، ويجتمع إلى هذه الحقيقة ضرورة الإصلاح العام والخاص، أي إصلاح العالم وإصلاح الأمة، والإعلام مقدمة مهمة لتحقيق هذا الهدف. وقد بدأ المصنف طاب ثراه هذا المسألة بحديثه عن الضرورة التي على أساسها ينبغي أن يستفيد المسلمون من هذا العلم، يقول: «الإعلام أمر ضروري لكل مبدأ ودين ورسالة إصلاحية، بل وحتى المفسدون هم بحاجة إليه».

والشواهد من التاريخ المعاصر تدل على أهمية دور الإعلام، وقد أتى بثمانية شواهد، وأما شواهد التاريخ فهي ذاكرة إعلامية كبيرة.

وفي المسألة الثانية (الإعلام والمستقبل) يتحدث المؤلف عن مهام الإعلام، ومن أهمها التأثير في الأفكار والآراء، وتشكيل تصورات الشعوب والثقافات، مضافاً إلى الأهمية المتبادرة وهي إيصال المعلومات وتصحيحها، وملء الفراغ والترفيه. ولأهمية المستقبل في فقه الإمام الشيرازي (قدس سره) يقف عنده مطولاً ذاكراً بعض تنبؤاته تحت عنوان «هكذا تنبأت»، ومن خلال ثلاثة كتب ألَّفها السيد المجدد في هذا المجال يثبت ضرورة تطلع الفقيه من خلال رؤيته التي صاغها الإسلام إلى المستقبل، وضرورة توجه المسلمين إلى هذا النوع من الدراسات، ويؤكد على حقيقة مهمة وهي أن مستقبل العالم يتجه نحو تأكيد الإسلام الحقيقي، وأن البشرية تتجه نحو المطالبة بالقيم الإسلامية، وهذا التنبؤ سيتحقق قبل ظهور الإمام المهدي (عجل الله فرجه الشريف)، وأما ظهور الإمام فهو أمر حتمي وليس نبوءة.

وبعد أن يتحدث عن الأهمية يتحدث عن الإعلام بكل فروعه بوصفه وسيلة للتبليغ والإرشاد، وتزويد الإنسانية بالعلم، وتمنحه الخير. ولكي يحقق الإعلام هذه الغاية يجب أن يتسم بالصحة والواقعية. وينطلق السيد المجدد في إثبات هذه المسألة من خلال فطرة الإنسان وتاريخ الإنسانية؛ «فإذا كان الإنسان المتلقي مفكراً وقادراً على القياس والتمييز ونحو ذلك؛ تَمَيَّز عنده الصحيح من الفاسد، وأخذ بالصحيح وترك الفاسد» بغض النظر عن اعتقاد المبلغ.

وأما الدليل الثاني فهو آيات القرآن الكريم التي تتحدث عن رسالة الأنبياء، وحديث القرآن عن استخدام المجرمين للإعلام في إضلال أقوامهم.

وفي المسألة الرابعة التي تتحدث عن وسائل الإعلام ومراحل تطورها سبعة عنوانين، تبدأ بالحديث عن بدايات الإعلام في التاريخ البشري، وفي العنوان السادس يعرّج السيد المجدد للكلام عن (الإسلام والإعلام).

وهذه المسألة من المقدمات الخارجية ولا تنتمي إلى الفقه بالمعنى الخاص حتى ولو من باب المقدمة، بل هي نوع من السرد التاريخي، وتصلح مدخلاً للحديث عن الإعلام في الفقه الإسلامي لتتضح الفروق والتطورات، وفيها فكرة عامة عن الإعلام في العصر الفرعوني والعصر اليوناني والعصر الروماني والعصر المجوسي والعصر الجاهلي ثم العصر الإسلامي.

تحت عنوان (الإسلام والإعلام) وبعد الحديث عن تطور الكتاب والإعلام يبيِّن أهمية الدور السياسي في باب الإعلام، وفي نشر العلم والثقافة، ويمثل بالدولة الفاطمية ودورها في نشر الدعوة، فإلى عصرهم يرجع استخدام كلمة داعية لمن يحمل رسالة الإصلاح من أتباع هذه الدولة ويبلِّغها إلى أنحاء مختلفة من العالم.

العلاقات العامة والإعلام:

من خلال عدد من المقدمات يخلص السيد المجدد إلى ضرورة التوجه إلى العلاقات العامة.

المقدمة الأولى هي أهمية الإقناع في فقه الإعلام الإسلامي، والثانية الرضا شرط أساس من شروط الوصول إلى الحكومة. وهذه الاستفادة من البحوث العامة في المعاملات بالمعنى الأعم، وسيرة النبي قائمة على السعي نحو تحقيق هذا الشرط، وقد استخدم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وسائل كثيرة للإقناع. والعلاقات العامة علم جديد في المجتمعات الاستشارية تستهدف الإقناع.

ومن مجموع هذه المقدمات يقول الإمام الشيرازي: «ينبغي التوجه للعلاقات العامة لإزالة الالتباس وسوء التفاهم، والجهل، ونقص المعلومات لأجل خلق التوافق والانسجام وفهم المصالح بين الأشخاص والأشياء، سواء في نطاق المؤسسة أو المجتمع أو الدولة».

وفي هذه المسألة أربعة عناوين: وهي: أسباب تعقد العلاقات:

وفي أسباب تعقد العلاقات يشير إلى خمسة عوامل هامة ذكرها الباحثون في جعل العلاقات العامة عملية مهمة، ويضيف خمس عوامل أخرى. وفي هذه المسألة يسلّم الإمام الشيرازي بأن هذه من مساوئ الأحزاب، وبمعنى آخر مساهمة الأحزاب في تعقيد العلاقات، ولكن يلجأ إلى قاعدة أقل الضررين في قبول الأسلوب الحزبي في الدعوة؛ لأن الأمر دائر بين الحزبية والديكتاتورية.

وفي النقطة الثانية يتحدث السيد المجدد عن سلوكات العلاقات العامة وفهم طبيعتها، ويقدم في النهاية شاهدتً من التاريخ المصري، وهو تأميم قناة السويس، حيث لجأت السلطة إلى معهد الرأي العام والإعلام والموظفين في العلاقات العامة، ومن خلال عشرين تقريراً كان قرار الدولة بتأميم قناة السويس؛ إذ ظهرت نسبة تسعين في المائة تؤيد هذا الإجراء بطريقة معللة.

ومع أن مسائل هذا الفصل متداخلة ومتشابكة وتقدم صورة متكاملة للإعلام من خلال ذوق الفقيه، وهي من الأهمية بحيث لا نتصور إعلاماً إسلاميًّا دونها، ويكفي الاطلاع على عناوينها، ومن تلك المسائل:

المسألة 6: ديمقراطية الإعلام.

المسألة 7: مقومات رجل الإعلام.

المسألة 8: عناصر الاتصال.

المسألة 9: شروط المخاطب.

المسألة 10: الأهداف من وراء الأسئلة.

المسألة 11: يجب إزالة الديكتاتورية من العالم ونشر الإسلام الواقعي الذي دعا إليه الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، وهذه المسألة تحت عنوان (هنا يكمن الداء). وفيه تقرأ التجربة اليابانية، بين كتَّاب المقال السياسيين.

المسألة 12: يجب التوجه إلى الصحافة لأنها من أهم وسائل التبليغ والإرشاد والنشر والإمتاع وتهيئة الرأي العام وتوجيهه.

المسألة 13: نواقص الإعلام الإسلامي: وفيها يقول بضرورة التوجه لجملة النواقص ورفعها ليتمكن المسلمون من نشر الإسلام. وفي رأيه أهم هذه النواقص هي:

1- اللا عنف.

2- المنهج.

3- نزاهة العاملين.

ويضيف ثلاث مسائل بعد هذه الأمور الثلاثة وهي:

1- دور تقديم القيم الدينية، وهي ثلاثة قيم: القيمة العقدية، القيمة الأخلاقية، القيمة العملية. ويدعو إلى ضرورة أن توزن كل قيمة حسب وضعها في جميع أبواب الفقه من العبادات والمعاملات وغيره من أبواب.

2- اللازم على الإعلام الإسلامي أن يذكر الأدلة، ويرفع قيمة إسلامية على قيمة غير إسلامية كالتوحيد في مقابل التثليث.

3- دور الأسئلة التي يجب أن يجاب عنها من قبل الجماهير، ويذكر عشرين سؤالاً ويجيب عن بعض الأسئلة المهمة التي قدمها، كقضية التسامح الديني والتعصب، ويرى أن المسلمين لا يأخذون بمبدأ الإسلام في مناهج إعلامهم، ويرجع للواقع الموضوعي في نقده؛ إذ يثبت الواقع أن المسلمين لا يعملون برؤية الإسلام في مسألة التسامح.

وبعد هذه النقطة يتناول السؤال التاسع وهو يتعلق بمسألة تكثير النسل، ومسألة خروج المرأة للعمل، ومسألة ترشيد الدخل والإنفاق بوصفها أهم المسائل التي يجب أن تقدم كأسئلة يجيب عنها الجماهير.

المسألة 14: الهدف تربية الشباب:

من الأهداف المهمة التي يجب أن ينظر لها الإعلامي التربية، وبصورة خاصة تربية الشباب -بنين وبنات-، ويتجه الإمام الشيرازي (قدس سره) مرة أخرى للمستقبل في هذه المسألة حين يربط بين الشباب والمستقبل. وفي هذا السياق يقدم السيد المجدد عشرين توصية لانتشال الشباب ضحية الشرق والغرب من واقعهم السيئ. وتبدأ هذه التوصيات بالبرامج التي يضعها القائمون على الإعلام بحيث تكفل حاجات الشباب للأعمال المختلفة، بهدف التخلص من البطالة، مضافاً إليه خلق الأجواء لعملهم، والأجواء في جوهرها إعادة القانون الإسلامي إلى صميم الحياة. ومن الأمثلة مسألة السكن ونظام الإسلام في قضايا ملكية الأرض والمشكلات التي خلقتها الدول بسبب فساد القانون الذي منع من تحقيق هذه الحاجة. والمثال الآخر تعقيد العمل بجعل قوانين معقدة وشروط صعبة كاشتراط المقاييس الخاصة لرخص العمل، وهذا يساهم في البطالة. ولا يغفل السيد المجدد عن قاعدة النظم الحاكمة على مثل هذه المسائل؛ إذ يجب أن تتوافر النظم لكن بحيث تتوافق وقوانين الإسلام دون أن تخلق التعقيد وتخلق المفاسد.

وفي التوصية الثانية والثالثة يوجههما إلى المؤسسات التعليمية الجامعات والحوزات بكل مكوناتها بضرورة ملاحظة الشباب بصورة خاصة، وذلك من خلال الدعوة للإسلام عبر ممارساته في الحياة اليومية، وربما يلاحظ السيد المجدد من خلال هذه الملاحظة رسمنة الدعوة وتحولها إلى وظيفة في بعض المؤسسات أو تخصيصها بالمعابد والعمل الموسمي، فيه أنه يجب أن تدخل الدعوة في نسيج الحياة اليومية لتؤتي ثمراتها. ثم يضيف المساجد والمدارس الدينية والزمنية والأماكن المختلفة التي يرتادها الشباب، ويرى السيد المجدد أن عقدين من الزمن كافيان لسلوك طريق التقدم والرقي المطلوب من خلال هذه التوصيات مع التحفظ الدائم على الحرية بوصفه مبدأً إسلاميًّا.

ومن أهم القضايا مسألة المناهج والبرامج الدراسية وخصوصاً المواد الدراسية، وينظر للمسألة بطريقة شاملة حين ينظر بعين الاعتبار إلى جميع المراحل، من مرحلة الحضانة إلى المراحل العليا. ويعتبر السيد المجدد أن نجاح هذه المهمة يحتاج إلى معايير خاصة وهي:

1- المعايير الدينية.

2- القوالب المستفادة من العلوم العصرية كعلم النفس والاجتماع والاقتصاد.

ويلاحظ في هذه التوصيات عدم إغفال وسائل السمع والنظر وحتى اللمس الخاصة بذوي الاحتياجات الخاصة في تقديم الفكر الإسلامي، وهذا الفقه يتناسب واهتمام الإسلام بالوسائل المتاحة في عصره كالقلم والورق والسيف وما أشبه من عناصر قوة الدعوة، وهذا الاهتمام يقوم على أساس قضية مهمة حين يتوجه إلى كل وسائل السمع والبصر واللمس، وهي قضية خلق التوازن بين الخيال والحس حتى لا تترك مجالات الإعلام لدعاة التخيل الفاسد والفكر الدخيل والهدم.

وفي التوصيات اهتمام بإنشاء المؤسسات التعليمية والإعلامية ذات التوجه التربوي، وهذا يستدعي الاهتمام بشركات ومؤسسات الإنتاج الإذاعي والتلفازي والسينمائي وغيرها، والاهتمام بالمواد بشكل متنوع ذات الطابع الإسلامي والإعلامي والتربوي والتنفيذي بحيث تناسب المرحلة الراهنة.

وفي هذه التوصيات نلاحظ انسجام تام؛ ولذا يلجأ إلى ضرورة جمع الطاقات الإسلامية والقوى المتخصصة ويتحمل المسؤولية بالترتيب: الحكام، والأحزاب، والمراجع، وما أشبه. ثم الاستفادة من طاقة المسجد والحسينية، وقد تحدث السيد المجدد عن ذلك في كتاب مفصل وهو «رسالة المساجد والحسينيات».

ويقدم الإمام الشيرازي في ضمن هذه التوصيات العشرين مناقشة في الحصص الدينية ومعاييرها في المؤسسات التعليمية والإعلامية، وضرورة أن تكون واقعية، وأن يكون الاهتمام في زيادة هذه الساعات زيادة كمية رزينة وكيفية راقية، ورعاية تقانة العلوم الحديثة ونتائجها من علم نفس وغيره، بهدف تحقيق أكبر قدر من التأثير، ومثال ذلك زيادة تلاوة القرآن أو تفسيره أو تطبيقه في كيفية راقية؛ ولذا يجب أن يكون تطبيقه على العصر، لأن تطبيقات القرآن تختلف من عصر إلى عصر، وهذا يساهم في تحقيق التأثير في الشباب، لأن الشاب كما يتطلع للجديد يتطلع إلى ما يلائم دنياه من الدين، ويتكفل بهذا الفقه الإسلامي في إجابته عن المسائل بما يتوافق والعصر الراهن. ويقدم السيد المجدد (قدس سره) قضية الجمارك وموقف الإسلام منها مثالاً، وحكومة قاعدة لا ضرر؛ إذ موضوع الجمارك نابع من حاجة اقتصادية فالجمارك تحافظ بشكل أو بآخر على اقتصاد البلاد، وتمنع من تكدس البضائع الوطنية، وتقلل من البضائع الأجنبية.

ويمكن سرد التوصيات الأخرى كعناوين للفائدة:

- ضرورة محاورة الشباب في أمور الدين على أساس العقل والعاطفة.

- تجنيب الشباب مفاهيم العنف.

- تتحمل المؤسسات العلمية والتربوية والتعليمية مسؤولية تربية الجيل وتوجيهه الوجهة السليمة وخلق الاستعدادات لدى الشباب بصورة خاصة وبشكل شامل.

- يلزم على المؤسسات أن تنسق بين أنشطة الشباب.

- ضرورة معالجة الأحاسيس الداخلية في الشباب كقضية الإحساس بالاضطراب تجاه المجتمع وموقفه من العمل والدارسة، وشعوره بأن عمره يضيع في العمل أو الدارسة، وضرورة فتح الطريق عبر وسائل الإعلام الحديثة والمختلفة وفتح قنوات الحوار بهدف إقناعهم وتبصيرهم بمنافعهم وتعريفهم بخصوصيات الحياة وانتشالهم من الاستغلال؛ لأن الإعلام الجيد هو الذي يسعى لاستثمار الطاقات الخلّاقة لطبقة الشباب، ومعالجة مشكلة الفراغ، وفي هذا المجال يذكر ستة نقاط لملء فراغ الشباب.

- يجب على القائمين بنشر الكتب الإسلامية كتَّاباً وناشرين نشر الكتب التي تحمل مسؤولية الكلمة الحرة، الهادفة الموجهة.

- الإجابة عن الأسئلة الحائرة في الحياة وكيفيتها وخصائصها ومشاكلها، وحلول هذه المشاكل من خلال الإعلام مؤسسات وأفراداً.

- أخيراً الاهتمام بالوسائل والطريق التي تكفل غرس القيم الأخلاقية والسلوك السوي، وضرورة تعرف القائمين على القيم الشائعة التي يبحث عنها الشباب ويفتنون بها، ولذلك طريقين ذكرهما السيد المجدد هما: أن يلجأ بطريقة رجعية إلى مرحلة شبابه ليتعرف على أهدافه ووسائله وكيفية تفكيره وسلوكه. وثانياً التعرف على الشباب في إحلال الحاضر وملاحظة ما تغير وطرأ على هذه الأمور.

المسألة 15: الدعوة والداعية تتصل بالإعلام اتصالاً واضحاً؛ لأن الإعلام دعوة أو يتضمن دعوة، لكن الإعلام يعالج الدعوة من خلال عناصر طرق الاتصال وقولبة الرسالة الإعلامية في صيغة تتسم بالعلمية ومعرفة طبيعة الإنسان من خلال تلقيه الرسالة، أو معالجة الرسالة وفق هذه الطبيعة كي تؤثر أثرها.

وينطلق السيد المجدد في دراسة هذا العنوان على أساس أنها مسألة في فقه الإعلام الإسلامي تدخل في نسيج كل مبدأ ودين وشريعة. ورسالة الإعلام لا تخرج عن هذا القانون الإنساني العام، فهو أيضاً دعوة. ولعل هذا نوع من التأصيل، وهذا يربطنا بالقرآن الكريم الذي أظهر الدعوة في سياق أسلوبي وأراد لها أن تحقق عناصر التأثير.

ويستفيد السيد المجدد من التاريخ في الكشف عن أهم مقتضيات الداعية وهي النزاهة، على أنها مبدأ عام تتصل بالدعوة الدينية الإلهية في تاريخها الطويل. ثم بقاء الدعوة السماوية الصحيحة، ويستدل بالقرآن في حديثه عن صحف موسى وإبراهيم قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الأُولَى (18) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى، وعليه بقاء القرآن نفسه يدخل في هذا السمة العامة. ولا يغفل عن الواقعية كمبدأ رديف للنزاهة للدعاية الإسلامية، ثم شمول النزاهة في تمثل طريقة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في الدعوة ومنها الخلق. ويلجأ إلى سيرة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في الكشف عن مقومات الرسالة، مجملاً القول فيها، تجمعها جمال الخلقة والخلق والأدب واللياقة، ويتصل هذا بالإعلام الأخلاقي.

ويعود الإمام الشيرازي للواقعية للحديث عن مستقبل الدعوة الإسلامية، إذ يرى أن دليل العقل قبل دليل الشرع يقول بأن الدين الإسلامي سيغزو العالم إذا أخذت البشرية به عن حقيقة وصدق، وهذه طبيعة القضايا الواقعية، فلآينشتاين مخترع الكهرباء أن يقول بأن الكهرباء ستغزو العالم حين اخترعها. ويلجأ في إثبات هذه الواقعية الإسلامية إلى كلمات المؤرخ الأجنبي من خلال تاريخ الدعوة الإسلامية، مضافاً إليه الإحصائيات الحديثة، ويؤكد على هذه الواقعية وقوة اندفاع الإسلام بحادثتين طريفتين في التاريخ الإسلامي، وهما قضيتا السلاجقة والمغول، ويلاحظ أن حركة المد الإسلامي لا ترتبط بحالة الضعف السياسي، وهذا يؤكد هذه الحقيقة التي يشير إليها السيد المجدد بوصفها سمة للدعوة الإسلامية ورسالة إعلامية ذات خاصية واقعية ودافعية حين يتمثل الداعية بما مثله النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من خصائص وصفات وأساليب وطرق دعوية.

ومن الطريف أن تناول القرآن الكريم كسند إعلامي وكأعظم وسيلة إعلامية وتتمثل هذه الجانب القرآني باعتباره رسالة إعلامية ذات خصائص هامة، ومن أهمها طريقته الخاصة المتفردة والمحيرة للعقول في عرض الوقائع، وتقرير الأهداف، وتبيين الأحكام، ويضاف إليه الإقناع؛ أهم ما تحمله الرسالة الإعلامية من أهداف. ويشير السيد المجدد إلى سر كل هذا في سياق حديثة.

وهذا بلا ريب أحد جوانب الواقعية في الإسلام، فالقرآن (ليس ظاهرة تاريخية منفصلة عن العصر الحاضر أو المادية أو الصناعة أو التكنولوجيا أو غير ذلك، إذ لم يتوقف تأثيره على صنع الأفكار وتعيين العادات والتقاليد ورسم الشريعة التي يسلكها كل مسلم والتأثير في النفوس عند قرن معين من القرون الخالية)، وهنا يعالج السيد المجدد دعوى المستشرقين وبعض دعاة الحداثة حين يتعاملون مع القرآن بوصفه تراثاً وتاريخاً. وهذه مسألة قديمة حديثة، فقول أتاتورك: «يجب أن نضع القرآن على جمل ونخرجه من تركيا» ليس ببعيد وفي النهاية «لا طريق آخر أمام العالم إلا الإسلام، فإذا وجدت هناك كثرة من المبلغين الذين يطبقون الإسلام على أنفسهم أولاً ثم يعرفون كيف يطبق الإسلام على العصر الحديث، ونشروا ذلك بكل جد واهتمام؛ لدخل العالم تحت لواء الإسلام» العالم على رأس هذا القرن على موعد مع المجدد فلنبحث عنه.

وحين نقف على المسألة 16: تلازم الدبلوماسية والإعلام، فهو عنوان داخل في الدراسات الإعلامية الحديثة، وهو موضوع إعلامي صرف؛ لأن الإعلام في زمننا أصبح من وظائف العمل الدبلوماسي وشرط من شروط تحقيق أهدف الدبلوماسية وقيامه بعمله كما ينبغي. ويتناول المؤلف هذه المسألة من جهة تاريخية، ويسلط الضوء على وجودها في التاريخ الإسلامي، ويدلل على ذلك بشواهد من التاريخ الإسلامي. وفي هذا المجال يدرس أهداف الهجرة للحبشة كسبق إسلامي للعصر الراهن فيما تحقق من تطورات في الدبلوماسية الحديثة، ومن خلال هذه الحادثة يتحدث عن الخصائص وسمات الدبلوماسية الناجحة، ثم يدعم هذه المسألة بحركة الرسل للدول في عصر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وهي حركة واسعة لا شك فيها، فقد خرج في يوم واحد ستة من المبعوثين. ثم ينتقل للحديث عن بعث عليّ إلى اليمن، وهو هنا يريد أن يؤسس فكرة هامة للغاية وهي فكرة السفارة الإسلامية، وينتقل من خلال هذا العرض إلى المأساة التي تعيشها السفارات الإسلامية في العصر الراهن، ويشير إلى عدد من المشكلات، فهي تشوه الإسلام بدل أن تقوم بدور إعلامي يعكس الإسلام الناصع.

المسألة 17: مهام الإعلام الإسلامي وينحصر دور الإعلام الإسلامي في دورين، إيجابي يُعنى بإظهار محاسن الإسلام في مختلف الجوانب، وسلبي وهو دحض المزاعم الغربية والشرقية التي تدَّعي دونية الإسلام في عالم الأديان.

وينتقل المؤلف بعد أن يجمل مهام الإعلام الإسلامي إلى نقطتين:

الأولى: تحت عنوان إشكالات وردود وفيها يذكر خمسة وثلاثين انتقاداً لدى الغرب على الإسلام ويقدم أجوبته عن تلك الإشكالات.

والثانية: الاستعمار والحرب النفسية، وفيها يعتبر تلك الإشكالات جزءاً من حرب نفسية تمارس على المسلمين من قبل الغرب الاستعماري أو المنحرفين من المسلمين حكاماً أو بعض المحكومين.

ويتحدث تحت هذا العنوان عن طريقة الإسلام في مواجهة هذه الحرب وأهمية الدعاية الإسلامية في هذه الحرب. وتعتبر هاتان النقطتان تطبيقاً لكلام المؤلف في مقدمة المسألة عن مهام الإعلام الإسلامي.

وكما ترى هذه المسائل مهمة في تشكيل الإعلام الإسلامي وبه تكتمل الصورة عن الإعلام الذي يدعو له الإسلام.

الفصل الثالث: الشائعة وفيه (3) مسائل:

المسألة 1: طبيعة الشائعة، وعرض لحقيقتها، ومصدرها، وأقسامها، وأثر الطبيعة النفسية أو الحالة النفسية في تقبل الشائعات، ومنشأ الشائعات وأسبابها، كل ذلك في استعراض سريع.

وفي تعريف الشائعة يقول: «هي عبارة عن وسيلة لتخويف الشعب». ويستعرض بعد ذلك تحت عنوان (شواهد من التاريخ) عدداً من الشواهد.

وفي المسألة 2: يقرر أن الغالب في استعمال الإشاعة في الأخبار الكاذبة، وهذا التغليب يخالف الوضع اللغوي؛ إذ لفظ الإشاعة لغة تستعمل في الأخبار الصادقة أيضاً. وفي هذه المسألة يتحدث عن الهدف من وراء الشائعة، ويقرر في النهاية أن الشائعة وسيلة من وسائل إفساد الرأي العام، ووسيلة لتهدئة الناس الذين يعانون من مشكلات وتعقيدات في حياتهم.

في المسألة الثالثة تحت عنوان: الدين والشائعة، يقول: «اللازم في الدعاية الهجومية أو الدعاية الدفاعية أن توضع تحت نظر علماء الاجتماع وعلماء النفس ومن أشبه، حتى تكون مؤثرة ذلك الأثر الذي يريده رجل الدعاية، سواء كان هدفه حرباً نفسية أو سياسية أو دبلوماسية أو اقتصادية أو اجتماعية وما أشبه ذلك». ثم الفرق بين الدعاية الدينية والدنيوية. ويعقد هذه المسألة لبيان العلاقة بين الدين والشائعة وموقف الإسلام من الشائعة، ولتوضيح بعض ما يراه من سمات الدعاية الإسلامية، ومن أهمها أنها (سليمة قائمة على الصدق والواقع). ويستدل لبيان موقف الإسلام من الشائعة بالسيرة النبوية واعتماد الرسول على الصدق، والقاعدة العامة في المسألة أن الإسلام (دين الحقيقة والواقعية) وكيف كان الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) يصارح الناس بالحقيقة كما هي.

وفي المسألة عنوانان هما:

العنوان الأول: أنواع الإشاعات من وقتية من جهة خاصة وقد تكون في خط متسلسل منظم منهجية سياسية. وأما مواجه الإشاعة بالإشاعة المضادة أو باللجوء إلى أمور أخرى كالقوانين الرقابية أو التنظيمية أو غير ذلك.

العنوان الثاني: بين الصدق والكذب، ويتحدث عن نوعين من الإشاعات المحرمة في الإسلام، الأولى الإشاعة الصادقة المضرة، والإشاعة الكاذبة. ويستدل بالآيات وما فيها من دستور عظيم لمواجهة الإشاعات لبيان موقف الإسلام من خلال قضية الإفك. ويكتفي السيد المجدد بعرض الآيات دون التأمل في هذه الآيات مع أنه (قدس سره) استفاد في بحثه هذا من هذه الآيات استفادة ملحوظة، ككلامه عن مواجهة الشائعة بسن النظم، فالآيات تتحدث عن نظام الشهود في الإسلام، وعدم انحصار مواجهة الشائعة بالشائعة المضادة. ودخول هذه النظم في فقه الإعلام يؤكد فكرة يشير إليها المصنف دائماً وهي حضور بعض مسائل العلوم الحديثة في الفقه الإسلام بالمعنى الأخص.

الفصل الرابع: الدعاية:

وقد عقد السيد المجدد الفصل الرابع للحديث عن: الدعاية، وفيه (22) مسألة، وهو الفصل الأخير من هذا الكتاب.

ويتحدث في المسألة الأولى عن ضرورة التوجه للدعاية لما لها من أثر في الرأي العام والسلوك، وهناك علاقة مطَّردة بين قوة الدعاية وقوة التأثير. ويحدد فيها معنى الدعاية، فهي عبارة عن ترويج عقيدة أو رأي أو خلق أو مشروع أو برنامج أو بضاعة، سواء كانت الدعاية حقًّا أو باطلاً. وحين يقف على المعنى اللغوي للدعاية يستحضر كلمة التبليغ في قاموس الفكر الإسلامي في دراسة لغوية وعرفية للدعاية في فقه الإعلام، ويرى أن الدعاية تستعمل غالباً فيما ليس له واقع هذا بحسب الاستعمال وبحسب الوضع اللغوي أعم، وأما التبليغ فمن حيث الوضع اللغوي أعم ولكن في الاستعمال أخص أيضاً إذ تستعمل في تبليغ شيء واقعي.

وفي المسألة جملة من العناوين وهي:

1- أقسام الدعاية، وهي إيجابية، وهي بمعنى الترويج لشيء ما، وسلبية وهي الدعاية المضادة.

2- الدعاية من حيث المخاطب وأقسامها ثلاثة، وهذا لتقسيم ناظر لجهات ثلاثة في الإنسان: العقل، والعاطفة، والنفس. وفي الأقسام الثلاثة تستخدم الدعاية نوعين من الأساليب: أسلوب ظاهر وأسلوب مقنَّع أي غير ظاهر. وفي الغالب تجمع الدعاية بين الأقسام الثلاثة في رسالتها. ويرى السيد المجدد أن الدعاية العاطفية أسرع تأثيراً ولذا استخدمتها الدكتاتورية في التاريخ؛ لأنها تحمل جملة من الخصائص أهمها أنها تخاطب الأكثرية، بخلاف الدعايات العقلية فهي تخاطب طبقة معينة وتحتاج إلى جهد فكري.

3- شروط الدعاية الصحيحة وهي:

1- الهدف الصحيح

2- أن يكون رجل الدعاية شريفاً نزيهاً.

وبالنظر إلى أن الحق والباطل يمكن أن يكون هدفاً ووسيلة تجتمع صور أربع، وهي أن يكون الهدف والوسيلة حقًّا، ويذكر السيد (رحمه الله) مثالاً لكل فرض.

المسالة 2: يتحدث فيها عن الدعاية بحسب الحواس، وهو تقسيم بحسب الحاسة التي تستقبل الدعاية، وتنقسم أيضاً إلى حق وباطل، وقد تجتمع في الدعاية بعض هذه الأقسام في رسالة واحدة.

المسألة 3: تحت عنوان حصاد العاطفة يلجأ فيها إلى حقيقة الشبه بين الإنسان والطبيعة المحيطة، فما يزرعه الإنسان اليوم يحصده غداً، والأمر نفسه ينطبق على الإنسان فما يزرع في قلوب الناس يحصد غداً إن خيراً فخير أو شراً فشر.

ويتجه البحث في المسألة للحديث عن الدعوة وعلاقتها بالدعاية، وفوائد الدعاية ودورها في الدعوة، وفي صراع القوى المختلفة، ويشير إلى قضية يتناولها الإعلام وهي مسألة الدعاية المقاومة منطلقاً من طبيعة الناس في الوقوف ضد الدكتاتور، وهذا ما نجدة في دارسات تتناول الإعلام المقاوم، ويرى أن الدعاية الواقعية المقامة أسرع انتشاراً. ويخلص إلى ضرورة توجه الإعلام الإسلامي إلى مثل هذه القضايا والاستفادة منها في توجيه الجمهور للدين والحق.

وفي تناوله للعلاقة بين الدعاية والدعوة يلجأ إلى نموذجين في التاريخ والتراث: البلاغة في محاكم اليونان والشعراء في التراث العربي، على أساس أنهما نماذج للعمل الدعائي والاتصال والإقناع.

ويؤكد هذا الطرح أن أهم الأنشطة الإنسانية تعتمد على الدعاية كالدين والسياسة والحروب، ويدعم هذه الرؤية بنموذج من التاريخ الحديث وهو الحرب العالمية الثانية واستخدام اليهود للدعاية في تحقيق أهدافهم، ويتحدث عن مجازر هتلر، ويتعامل مع هذه القضية بموضوعية بعد أن يبين مبالغة اليهود في الحديث عن عدد قتلى المجازر، وأن الرقم الحقيقي هو 10% من اليهود، ولكن هذا العدد كثير أيضاً ويمثل إساءة للبشرية؛ لأنه فساد اليهود لا يعني جواز إبادتهم والقضاء عليهم بحسب الرؤية القرآنية وسيرة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، ثم يستعرض في بعض السطور عدد القتلى في حروب الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) في سبيل دحض الادعاء القائل بدموية الإسلام ونبي الإسلام.

في المسألة 4: يتناول الانفعال الشعبي وأثره في الدعاية باعتباره أحد أركان الدعاية. وعليه يلزم توجه الإعلام الإسلامي إلى هذا القانون في سبيل مواجهة الدول الأجنبية المحاربة. ويلزم عدم ذكر الدعايات المضادة التي يروجها الآخر لأنه يضر سمعته. ويدلل على كلامه بعلم الأخلاق وعلم النفس. ثم يدعم هذه الموقف منه بمثال من التاريخ المعاصر وهو دعايات الألمان والحلفاء في الحرب العالمية، إلى جانب أمثله من التاريخ الصيني والعراقي.

وقد عقد المسألة 5: للحديث عن مكونات الدعاية في فقه الإعلام الإسلامي، وهي:

1- الحكمة.

2- بسيطة محدودة المعالم ممكنة التكرار.

3- مصاحبة لإظهار القوة وتحقيق النجاح، فيجب اللجوء إلى أساليب نفسية تتعلق بالتعزيز النفسي كاستخدام ألفاظ جذابة قادرة على صنع صور القوة.

4- استخدام كافة التسهيلات الممكنة في الدعاية والسعي لكسب الآخر والتأثير فيه.

5- عدم الجمود وضرورة التطور ومواكبة الزمن والأحداث.

6- الاتساق بمعنى أن تتجنب التضاد والتناقض.

7- التوجه للموضوعات الحساسة القديمة في الأذهان والأفكار.

8- الاستناد إلى المعلومات الدقيقة ذات القيمة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية...

9- التوجه إلى الأفراد والأفكار المفردة لسهولة التأثير.

10- المحافظة على خفاء الدعاية.

المسالة 6: تتناول مرتكزات الدعاية، والتي يجب أن تتسم بالثبات والوضوح. وقد عبر بكلمة الوجوب في تقرير المسألة مع ما لكلمة الوجوب من دلالة في الفقه الإسلامي. والوجوب هنا بملاحظة الرسالة الإعلامية، فهو وجوب بمقتضى رسالة الإعلام أو ضرورة ناتجة من نتائج علم النفس، وهذا ما ستلاحظه، وأما بملاحظة حال العدو وتمسكه بتقنيات إعلامية تؤدي إلى هذا التأثير الهائل الذي نشاهده ونشعر به يكون أيضاً الوجوب شرعيًّا من باب مقدمة الواجب وهو دفع العدو وتفويت تأثيره على المسلمين، بأن يبادر المسلم بصناعة رسالة دعوية مؤثرة، والتأثير بحسب مقتضيات الدعاية ومكوناتها بحسب فقه الإسلام تقوم على هذه المرتكزات وتصل إلى خمسة عشر مرتكزاً يمكن تحليلها على النحو التالي:

- ما يتعلق بقضايا علم النفس ونتائجه كملاحظة الحالة النفسية للمخاطب، فبعض هذه المرتكزات تتصل بطبيعة النفس البشرية وصياغة الدعاية على هذا الأساس كالحالة النفسية والدوافع وتحويل الأنظار، وما تقوم عليه هذه العملية من التجديد والتغيير وتجاوز الأسلوب النمطي والتنويع في الأسلوب بين الصمت والكلام وغير ذلك، وتداخل هذا مع قضايا الأسلوب التي نجد حضورها في بحوثه (قدس سره) ونلاحظ عنده اعتماداً قويًّا على نتائج الدرس النفسي، فاللجوء إلى الجديد أحد وسائل الاستقطاب ولفت الأنظار والتأثير وتجييش الجماهير.

- الاستفادة من قضايا فطرية من قبيل ما تقوم عليه قوانين البيع والشراء من حيث أنها مبتنية على ما يطلبه المشتري.

- القسم الثالث ما يمكن أن يدخل في مجال الأسلوب ومقتضى الحال كمراعاة عقول المخاطبين ولغتهم، واستحضار قضية اللغة وعلاقتها بالإعلام واضح في بحوث السيد المجدد، وهذا العلاقة من الدراسات الحاضرة في بحوث الإعلام المعاصر، وهذا دليل على مواكبته (قدس سره) لهذا النوع من الدراسات.

- ملاحظات تتعلق بالداعية نفسه من قبيل أن يكون الداعية خفيف الروح ذا دعابة ولطائف، وهذا يتعلق بشخصية الداعية.

- وهناك مرتكزات تدخل في تقنيات الدعاية وأسلوبيتها كاتِّباع الأسلوب السري في موارد خاصة تقتضي اللجوء إلى هذا الأسلوب كعدم الرغبة في إثارة الرأي العام. من قبيل أسلوب التكرار الجميل ويستفاد هذا من أسلوب القرآن في الخطاب. واستمرار الدعاية واستخدام البساطة أي سهولة المطلب؛ ولذا كانت المقولة الإسلامية الأولى إعلان الشهادتين مقولة بسيطة سهلة. وبعض هذه المرتكزات يدخل في المضمون أو الرسالة الإعلامية نفسها.

- وأما ما يتعلق بالجهة التي تمارس تجاههم الدعاية باعتبارها دعاية مضادة فيشير إلى مرتكزات منها: ضرورة عدم خلط الأوراق وجمع الأشباه. وحصر العدو في السبب الحقيقي بمعنى أن نميز بين العدو الحقيقي والهامشي. هذا تمام الكلام في مرتكزات الدعاية.

المسألة 7: في هذه المسألة يتناول العامل الديني في الدعاية؛ لأن الميل للدين قضية فطرية، لذلك بقي حضور هذا العامل في السياسية واستغلاله طوال التاريخ، وحتى كبار الطواغيت استفادوا من هذا العامل في عملهم الدعائي، ويلجأ السيد المجدد إلى عدد من الأمثلة التاريخية والإسلامية والمعاصرة.

المسألة 8: يعود فيها إلى اللغة مرة أخرى لأن الصياغة من أهم وسائل التأثير والدعاية الإعلام. ويتناول هنا عامل التحريف والزيادة والنقيصة، ومن الضروري التوجه إلى النصوص والعهود والمواثيق في حال صياغتها لما له من هذه الأهمية.

المسألة 9: في دراسة النصوص الدعائية وضرورة الاستفادة والاتعاظ من طرق وأساليب الدعاية في مختلف العصور. ولا ريب في أن هناك إرشاداً شرعيًّا للوقوف على سنن الماضين وتجارب الأمم واستفادة الحكمة والأخذ من طرق العقلاء في كل شيء.

المسألة 10: من متطلبات الدعاية التهويل والتضخيم وفي بعض الحالات التهوين والتقليل والتحقير، وتتناول هذه المسألة من جهة حرمة الكذب ومدى سعة دائرته في الفقه الإسلامي، واستخدام الخدعة وارد في باب الجهاد في الفقه.

المسألة 11: ضرورة تقليل الألفاظ في الدعاية لسهولة حفظها وتبليغها ويستفيد من أسلوب القرآن ومكونات رسالة الدعاة من الأنبياء والمرسلين لغويًّا في التاريخ وعلى رأسهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إذ كان عنده فصل الخطاب. يضاف إلى هذا مقتضيات علم الأسلوب واللغة والبلاغة.

المسألة 12: ضرورة انتهاز الفرص الدعائية وأن تكون الدعاية سريعة الانتشار. وقد أرشد إلى عموم انتهاز فرص الخير وحسن ذلك كثير الأحاديث الشريفة.

المسألة 13: ضرورة وجود مراكز دعائية متخصصة أو يمكن تسميتها بغرف عمليات إعلامية، وأن تكون هناك إجراءات تتكفل بتجاوز الرقابة التي تلاحظ الدعاية من قبيل ضرورة الانتشار السريع للدعاية، ويدخل ضمن قاعدة النظم التي لفت لها السيد المجدد.

المسألة 14: ملاحظة أبعاد الدعاية، والبعد المراد اختلاف الزمان والمكان وحالة دون حالة، فالدعاية تؤثر في بلد دون بلد أو زمان دون زمان وما إلى ذلك، فليزم على هذا ملاحظة الأبعاد.

المسألة 15: ضرورة فهم الحيل المستخدمة في تكريس النفوذ واستقطاب البسطاء بهدف أنقادهم. ويمكن أ، يكون بمقتضى الإرشاد الشرعي وحكم العقل.

المسألة 16: يلزم استخدام أسلوب الاختيار وجس النبض بمقتضى الضرورة العلمية ومقتضيات العلم والحكمة و إرشاد الشرع لها ثابت هذا فضلا عن كونها مقدمة الموقف الشرعي بحسب اختلاف الموارد.

المسألة 17: يجب اتخاذ أسلوب التغيير المستمر والتجديد المتواصل. والنتائج النفسية تؤيد ذلك والشرع يرشد إليه.

المسألة 18: ضرورة معرفة طريقة الاستهلاك المحلي والخارجي؛ لأن المكونات مختلفة، وهذا ينطبق على الاستهلاك المحلي نفسه. يتناول المادة الإعلامية بهدف التحسين والتطوير.

المسألة 19: يلزم معرفة نقاط ضعف العدو؛ لأن تأثير الدعاية قائم على ذلك. وفي موارد يكون واجباً شرعيًّا ومن ضرورات الجهاد.

المسألة 20: الهجوم أثناء ضعف العدو لا في حال قوته، وألَّا تكون الدعاية صريحة فلا يعرفها إلا الخبراء، لأن الدعاية الصريحة تفقد القدرة على التأثير. هذا بمقتضى الحكمة وبحسب الموارد ينقسم للأحكام الخمسة. والسيرة النبوية مليئة بالنماذج التي يمكن الاستفادة منها هذا المبدأ. وقد كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يتجه إلى مكان وهدفه مداهمة موقع آخر. والدعاية كانت ذات أثر كبير نجاحه وكذا اتِّباع الحكم وتنظيم حركة الغزو.

المسألة 21: ضرورة تعميم الدعاية بأن توجه في كل مكان. وهو من مصاديق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومن باب الدعوة للخير أو دفع الشر، ويدخل في تقانة النشر والإعلام والدعاية.

المسألة 22: في الدعاية المضادة للعدو وضرورة رعاية أمور، ويستحضر فيها كثيراً من الجوانب التي تناولها سابقاً من قبيل أسلوب الصمت والإيحاء، والتركيز في المقولة والتي يعني بها العموم والنشر أي تناول الدعاية في كل مكان، والاستفادة من الدين والتمسك والاستفادة من المناسبات الدينية، أهمية أسلوبية اللغة المتناسبة مع لغة الإعلام، ومحاربة الإشاعات، والنكت السياسية وغير ذلك، وهي أشبه بالوصايا العملية في قسم منها وتصل إلى إحدى وثلاثين وصية وأسلوب في هذا المجال.

هذا آخر ما بحثه المصنف في كتابه فقه الإعلام، وتحليله من الناحية التي رسمناها كان صعباً للغاية، وهو يحتاج أن يُلجأ فيه إلى المتخصص أو إلى المصنف، ولم يتسنَ له (قدس سره) تناول مثل هذه البحوث كأسلوب درسي ليتحملها المحصلون ويفهمون الجوانب الفقيهة فيها، فعسى أن نكون وفقنا لتحليل بعض الجوانب، ولهذه الصعوبات فقد لجئت للتلخيص أكثر من التحليل.

ويمكن أن يلاحظ الدارس عدداً من الملاحظات نشير إلى بعضها:

1- تناول اللغة في موارد عديدة كالمسألة الخامسة والسادسة والثامنة والتاسعة والمسألة السابعة عشرة، يتناولها من جهات متعددة تتناسب والخطاب الدعائي أو الدعاية.

2- وكذلك ملاحظة التجديد والتغيير في الأساليب والخطابات في مسائل عديدة، وتتداخل هذه المسائل في صياغة الدعاية كدعاية حسية أو لغوية أو صوتية.

3- تناول الأساليب كأسلوب الصمت والنكت السياسية في الدعاية وما إلى ذلك، وتجد هذه الأمثلة حاضرة بشكل واضح تبدو تكراراً في بحوث الكتاب، ولكن يمكن أن نعتبر أن المناسبات مختلفة أو أنه (قدس سره) يتناولها مثلاً مرة كمرتكز ومرة كمصاديق وصغريات للكلية التي يطرحها من قبيل كلامه عن الواقعية في الدعاية، وتناولها مرة أخرى في الدعاية المضادة للعدو في الأمور التي يجب أن تتوافر في تلك الدعاية المضادة.

- ملاحظات وسائل التأثير والتي تدخل في العملية الإعلامية وبعض هذه المسائل تدخل بشكل مباشر في الدراسات النفسية أو الاجتماعية.

- أسلوب الدعوة ينطبق على المصنف فالنبرة دعوية من الطراز الأول.

- الاستفادة من التراث الفقهي في تناول بعض المسائل كالإشاعة والكذب في تناول بعض المسائل كجهة للتأصيل أو إعطاء المسألة طابعاً فقهيًّا.

- الاستفادة من أساليب القرآن الخطابية والأسلوبية.

- اللجوء إلى المثال التاريخي أو المعاصر في تدعيم الفكرة.

- نلحظ بعض الكليات كقاعدة الضرر في بعض المسائل والنظم وهذا طبيعي.

- النبرة التخصصية باعتبار أن الإعلام من الدراسات الحديثة واضح جدًّا في تناول التعريف والتقسيم والتنويع وعناوين الفصول.

- لا يمكن أن نعتبر هذا البحوث فقه بالمعنى الخاص نعم هناك مسائل لا بأس بها تدخل في نطاق الفقه التقليدي، وإصرار المصنف على تناول بحوث من هذا النوع بأسلوبية تجمع بين طريقة الفقه الاستدلالي وطرق البحث الحديث يؤكد على حق الفقه في توسيع الدائرة وتعميق الرؤية الحياتية في الفقه، من خلال تناول مثل موضوع الإعلام وعدم قصره على الموضوعات القديمة والأبواب المطروقة والمسائل التي وصلت إلى حالة من الاستقرار العلمي من حيث طرق الاستدلال والأدلة التي تتناولها البحوث العلمية الفقهية والنتائج التي وصل لها العلماء.

عسى أن نكون وفقنا لجلاء شيء من الصورة وعرض بعض جوانب الفقه الجديد والحمد لله.


ارسل لصديق