لكي نقتلع الإرهاب من الجذور
كتبه: الشيخ محمد حسن الحبيب
العدد (41) السنة 18 - 1428هـ/ 2007م
التعليقات: 0
القراءات: 1518

تشهد الساحة الإسلامية موجات متنوعة وشديدة من العنف والاحتراب الداخلي، وقد أضاف إلى ما نعاني منه لوناً جديداً من المشاكل والأزمات الداخلية خصوصاً وأنه التصق بصبغة الإسلام تارة، وبالصبغة المذهبية أخرى، فالقتل وسفك دماء الأبرياء والاعتداء على كل مقدس وانتهاك حرمة بيوت الله وهدم البيوت التي أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه، كل ذلك باسم الإسلام وتحت ذريعة مقاومة المحتل وقواته الغازية، والتمكين لقيام دولة التوحيد، بل حتى تفجير المنائر التي يرتفع منها صوت التوحيد تكون هدفاً مشروعاً تحت تلك الذرائع.

ومن المؤسف حقًّا القول إن هذا الأمر آخذ في الازدياد والتصاعد إن من حيث الشدة والبطش، أو من حيث ارتفاع المعدلات الرقمية لحالات الإرهاب والخسائر في الأرواح والأموال والممتلكات الناتجة عنه وعن الصراعات والنزاعات الداخلية.

ونتيجة لذلك فقد عملت جهات رسمية وأخرى شعبية على التصدي لهذه الظاهرة بطرق مختلفة، الأبرز فيها المعالجات الأمنية، تليها معالجات خجولة حملت اسم المعالجات الثقافية، وهي في الواقع ذات طابع وعظي أريد له تسجيل بعض المواقف المؤيدة للدولة وطريقتها في معالجاتها الأمنية.

والذي يظهر من كل هذه الجهود المبذولة بما فيها المعالجات الأمنية أنها تعاني من قصور أو تقصير شديدين، أو أنها في أحسن الأحوال والفروض لم تحقق أهدافها، وذلك لأنها ككثير من الأمراض إذا لم تعالج من الجذور فإنها ستعاود الظهور وربما أكثر من سالف أيامها، وهذا ما حصل فعلاً!! لذا ينبغي أن يستنفر عقلاء الأمة من العلماء والمفكرين والمثقفين وإلى جانبهم الساسة وصُنَّاع القرار لمناقشة هذا المرض والوقوف على أسبابه وتحديد مصادر تغذيته والبيئات الحاضنة له، وطرق معالجته.

المفسدون في الأرض

لم تكن مشكلة الإرهاب بعيدة عن دائرة الضوء في معالجة الإسلام للمشاكل التي تحيط ببني البشر، فمنذ الأيام الأولى وقف الإسلام موقفاً حازماً ضد ظاهرة الإفساد في الأرض (الإرهاب)، وقد ظهر ذلك الموقف الحازم في حكم القرآن الكريم على المفسدين بالقتل، أو الصلب بعد القتل للعبرة والعظة، أو الصلب حتى الموت (على اختلاف الأقوال)، أو قطع أيدي المفسدين وأرجلهم من خلاف وإبقائهم حتى الموت أو النفي وهو أهونهم، وجعل أمر التخير في هذه العقوبات للحاكم العادل.

قال تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ[1].

والإفساد في الأرض يعني المساس بحرمة وقداسة القيم والمساس بأمن وسلامة البشر والمقدسات بغض النظر عن مصدرها حاكماً أم محكوماً ضعيفاً أم قويًّا، فالمفسد أيًّا كانت صفته يجب أن تطبق عليه هذه العقوبة لكي يعيش الناس في أمن وأمان في ظل قيم السماء.

وبعيداً عن إشباع غريزة الانتقام لدى الحاكم كان لا بد من حصر دائرة المفسدين من خلال تقديم الأدلة الدامغة ضدهم وإلا عُدَّ الحاكم في عداد المفسدين.

وحينما تشيع حالة الإفساد في الأرض وتصل إلى مستوى الظاهرة فإن الاكتفاء بهذا النوع من العلاج لن يجدي نفعاً لذا لا بد أن يكون إلى جانبها معالجات فكرية وثقافية، على أن تسبقها مراجعات لبعض الأفكار التي تُسهم بطريقة أو بأخرى في تفريخ أو تغذية هذه الظاهرة.

ومن الخير أن نشير إلى بعض الأفكار التي تحتاج إلى مراجعة وتوافق والتي يتمترس بها البعض لإضفاء شرعية الدين والجهاد والمقاومة على ما يقوم به من أعمال يصنفها آخرون على أنها إرهاب وتخريب، أو على رأي البعض الفئة الضالة.

أولاً: العلاقة بين الدين السياسية

من المفترض أن تكون العلاقة بين الدين والسياسة هي علاقة القائد بمقوده والتابع بمتبوعه، فالدين أولاً وأخيراً هو الحاكم والمهيمن على السلطة السياسة وشؤونها، والأخيرة ما هي إلا أداة لإقامة شعائره وتطبيق شريعته في كافة نواحي الحياة.

قال تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَكَذَّبْتُم بِهِ مَا عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلهِ[2].

ويمكن الادعاء بأن هذه المقولة بعموميتها وفي بعدها النظري من المسلمات عند الغالبية العظمى من أبناء الإسلام، ولعل خروج من خرج منهم عن دائرة التسليم يعود إلى النقاش في التفاصيل، أو التأثر بالنموذج التاريخي السلبي، ومحاكاة التجربة الغربية في التمرد على سلطة الكنيسة، مع أن التباين بَيِّن بين ما يأمر به الدين من جهة، وبين النماذج السلبية في تاريخ المسلمين وممارسات الكنيسة في الغرب.

ونظراً للقراءات المتعددة في فهم الدين واختلاف الأنظار في تفسير نصوص الشريعة فقد قدَّم الإسلام إلى العامة بأشكال متنوعة وفي بعض الصور يكون التناقض بينها واضحاً وجليًّا، وبغض النظر عن أثر العوامل الغريبة في بلورة هذا الرأي أو ذاك إلا أن هذه الحال فتحت المجال أمام ذوي المطامع والأهواء من الداخل، بل وفي بعض الأحيان من خارج دائرة المسلمين؛ لتوظيف الدين لأغراض سياسية، وتقدم تصوراً خاصاً يبرر وجودهم كدول أو كحركات وأحزاب، ويضفي عليهم الشرعية المستندة إلى الشريعة.

وهذا يعني التحول عمَّا تسالم المسلمون عليه إلى غيره، فبدلاً من خضوع السياسة للدين يصبح الدين مطية للساسة «وَالدِّينُ لَعِقٌ عَلَى أَلْسِنَتِهِمْ يَحُوطُونَهُ مَا دَرَّتْ مَعَايِشُهُمْ»[3].

والخطورة في هذا التحول تعود بالدرجة الأولى إلى التلون بلون الدين في خوض المعارك السياسية فتبرز المثالية السياسية لتعبر عن الدين والإسلام والشرعية، وتعتبر سواها مروقاً وكفراً وخروجاً عن الدين والإسلام والشرعية. وعليه فلا يمكن القبول بأي صيغة للتعايش، والبديل عنه ليس سوى إذكاء نار الفتنة وتأجيج الصراع والعمل بسياسة استئصال الآخر وكل ما يمت له بصله من مقدسات وتراث وفكر وثقافة.

ثانياً: الكفر والإسلام

نتيجة للقراءات المتعددة في فهم الدين ونصوصه تنوعت المذاهب الفقهية والعقدية عند المسلمين، وراح كل واحد منهم يجتهد في تحديد الضوابط التي مَنْ تقيَّد والتزم بها دخل في عداد الموحدين وجرت عليه أحكام الإسلام، والذي عليه الأغلب الأعم من المسلمين هو الإيمان بالأصول الثلاثة: التوحيد والنبوة والمعاد، مضافاً إلى الإيمان بكل ما ثبت بالضرورة أنه من الدين كالإيمان بوجوب الصلاة والصيام والحج والزكاة، وما أشبه. وقال بعضهم: إن إنكار الضروري من الدين لا يخرج المسلم عن إسلامه ولا يدخله في عداد الكافرين إلا إذا أفضى إنكاره هذا إلى تكذيب الرسول محمد (صلى الله عليه وآله وسلم).

وفي مقابل هذا الرأي هناك رأي ينتهي إلى القول بكفر المسلمين جميعاً إلا من ارتضى عقيدتهم وقبل قولهم، متذرعاً ببعض الاجتهادات التي دلَّ الدليل الصحيح عند قائلها على حِلِّيَّته بل واستحبابه كما في البناء على قبور الأولياء والصالحين، وشد الرحال إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأبنائه (عليهم السلام)، والتوسل بالأنبياء والأئمة والصديقين والصالحين، وطلب الشفاعة منهم... وأشباهها.

ومن الواضح البيِّن أن بقاء هذا التباين بين النظرتين يزيد من تنامي ظاهرة الإرهاب ويوسع من دائرتها أكثر مما عليه اليوم، خصوصاً وأن هذا التباين لم يبقَ حبيس المجامع العلمية وغرف البحث والمناظرة، بل تعدى ذلك إلى المواجهة الشاملة، فمن يقول بكفر الآخر وارتداده يبيح لنفسه استخدام كل الوسائل الإعلامية والتربوية وغيرها في سبيل التعبئة والتجييش وصولاً إلى الاستمالة والتأثير أو الاستئصال!!، وفي أغلب الأحيان ونتيجة للعجز فإن عملية الاستئصال تُفقد فاعليها بصرهم وبصيرتهم فلن يوفروا شيئاً يمكن الوصول إليه.

وربما تعالت الأصوات في أكثر من مكان للنظر في هذا الأمر إلا أنها لا تزال محاولات متواضعة وخجولة نظراً لحجم العناية التي حظيت بها طيلة العقود الثلاثة الماضية، ومن هذه المحاولات ما نقله الدكتور عبد السلام بن سالم السحيمي في دراسته حول منابع العنف عن الشيخ الألباني قوله: «إن مسألة التكفير فتنة عظيمة قديمة تبنتها فرقة من الفرق الإسلامية القديمة، وهي المعروفة بـ«الخوارج» والمعاصرون يتسترون بالتقية ويلتقون مع أسلافهم في تكفير أصحاب الكبائر، ولذا فإن المتحمسين من الدعاة يقعون في الخروج عن الكتاب والسنة، ولكن باسم الكتاب والسنة، والسبب في رأيه يعود إلى ضحالة العلم، وقلة التفقه في الدين والقواعد الشرعية»[4].

ثالثاً: المقاومة

المقاومة حق مشروع كفلته جميع الديانات السماوية والقوانين الوضعية، فلا يمكن لأحد أن يعترض على مقاوم إذا وجَّه سهامه ضد المغتصب والمحتل، ولا أعتقد أن أحداً يمكن له أن يناقش في مشروعيته في أي مكان فما دام هناك قوة احتلال وغصب فوجود المقاومة من الأمور الطبيعية. ولكن النقاش يكمن في جدوائية المقاومة المسلحة، وحدود المقاومة، ولون المقاومة.

1- جدوائية المقاومة المسلحة:

المقاومة المسلحة أو سواها وسيلة للوصول إلى هدف معين، وحينما يشخِّص فريق معيَّن انحصار تحقيق الأهداف المرجوة بالمقاومة المسلحة فعليه أن يعمل بها ولا يتوانى في ذلك، ولكنه ليس من حقه فرض هذا الخيار على الآخرين إذا ما شخَّصوا خلاف ذلك، بل لا يحق لأحد منهم التشنيع على الآخر لأنه لم يعمل بهذا الرأي أو ذاك.

بل يمكن القول: إن مثل هذا الاختلاف ينبغي أن يُسخَّر لخدمة الأهداف العامة التي اختلفوا في طريقة الوصول إليها، وهذا يتطلب من المختلفين في الوسائل التنسيق فيما بينهم للتكامل في الطرق الموصلة إلى الأهداف، وتفادي الاصطدام المحتمل أو الحاصل نتيجة التعارض على الأرض.

وهذا هو ديدن الأمم الحية مع الاطمئنان إلى بعضها والثقة فيما بينها تُحوِّل الاختلاف من كونه عامل تمزيق وتشرذم إلى عامل قوة، من خلال الجمع بين ما أمكن الجمع من الطرق للوصول إلى ما يبتغون الوصول إليه. ومع عجزهم عن ذلك يأتي دور الخيِّرين من أبناء هذه الأمة لتقريب النفوس وصولاً إلى التنسيق والتعاون مع احتفاظ كل فريق بخصوصياته وآرائه.

2- حدود المقاومة:

مشروعية المقاومة تؤطر حركة المقاوم في حدود مقاومة المحتل، وحينما تتعدى ذلك إلى المساس بأرواح الناس الأبرياء انتقاماً أو بلحاظ الانتماء إلى معتقد معين أو لممارسة سلوك معين فإنها تفقد مشروعيتها لأنها خرجت عن الأهداف التي قامت من أجلها. وكذلك حينما توجِّه نيرانها لهدم المقدسات عند هذا الفريق أو ذاك.

فالشرعية التي تمنح ابتداء نتيجة لوجود محتل لا تبقى وإلى الأبد ما لم تنضبط بمقاومة ذلك المحتل، فإذا خرجت عن هذا الإطار فإنها تتحول من كونها مقاومة إلى أداة احتراب لا يُجنى منها سوى القتل والدمار والخراب، وإشاعة الفوضى والخوف والقلق بين الناس.

3- لون المقاومة:

المقاومة شرف عظيم ومكانة سامية مرموقة، وهي جهاد و«الْجِهَاد بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ فَتَحَهُ اللهُ لِخَاصَّةِ أَوْلِيَائِهِ وَسَوَّغَهُمْ كَرَامَةً مِنْهُ لَهُمْ وَنِعْمَةٌ ذَخَرَهَا، وَالْجِهَادُ هُوَ لِبَاسُ التَّقْوَى وَدِرْعُ اللهِ الْحَصِينَةُ وَجُنَّتُهُ الْوَثِيقَةُ»[5]، ولذا ينبغي الحفاظ على نقاوة المنتمين إليها، فمن تلبَّس بالظلم والإجرام وسفك الدماء لا يمكن أن يدخل في زمرة المجاهدين وأن يكون واحداً منهم «إلا من تاب وأصلح».

كما أن إقحامها في أتون الطائفية وإضفاء صبغة معينة في مقابل أخرى، أو زجها في عداء مع لون آخر يبعد عليها الطريق المؤدي للهدف المنشود، بل ربما ضل أصحابها الطريق ﴿وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا.

ومن المفيد التذكير بتجربة المقاومة الإسلامية في لبنان التي صمدت أمام كل المحاولات الرامية إلى استدراجها للتلون بلون المذهب الذي ينتمي أبناؤها إليه، فآثرت أن تكون للجميع وأهدت انتصاراتها ليس إلى لبنان وحده بل إلى الأمة الإسلامية جمعاء.

رابعاً: الوطن

اعتمد الإسلام في بناء المجتمع والدولة على قاعدة التوحيد، متجاوزاً العرق والقومية والجغرافيا في تكوينه، لكنه لم ينكرها كحقيقة قائمة لها تأثيرها الفعَّال في تماسك أو تفتت المجتمع والدولة. قال الإمام علي (عليه السلام): «مِنْ كَرَمِ الْمَرْءِ حَنِينُهُ إِلَى أَوْطَانِهِ»[6]. وقال (عليه السلام): «عُمِّرَتِ الْبُلْدَانُ بِحُبِّ الأَوْطَان»[7].

لذا فإنه وجهها نحو قواعد الدين فأصبحت عامل إثراء واستقطاب متنوع أسهم وبشكل فعَّال في بناء المجتمع الإسلامي الأول.

ومن لم يرتضِ الدخول في دين الإسلام ويرغب في العيش تحت ظله فإنه يخضع لسلطة القانون الذي يراعي خصوصياته العقدية والسلوكية بما يتماشى مع الوضع العام في المجتمع المسلم.

واليوم حيث الواقع غير الواقع الذي أراده الإسلام! فالجغرافيا هي الجامع لما اصطلحوا عليه بمكونات المجتمع (قومية، عرقية، دينية، مذهبية، سياسية) يفترض التوافق على معنى جامع يعطي كل ذي حق حقه ويراعي نسبة أي مكوِّن فيها. وإن كنا نرى أن لا خلاص إلا بالعودة إلى التوحيد كجامع قادر على جمع كل تلك المكونات وتفعيلها والتفاعل معها.

هذه النقاط الأربع يمكن أن يكون الاتفاق عليها طريقاً نهتدي من خلاله إلى أسباب الإرهاب والاحتراب، والسبيل للخروج من هذا الكابوس الذي لم يوفر أحداً إلا وأصابه بنيرانه حتى من بذر بذوره وأمده بالمال والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة.

فهل نفكر ونتفاكر فنهتدي إلى اقتلاع الإرهاب من جذوره، أم ماذا؟.

--------------------------------------------------------------------------------

[1] سورة المائدة: آية 33.

[2] سورة الأنعام: آية 57.

[3] بحار الأنوار: ج44، ص382.

[4] جريدة الشرق الأوسط. الخميـس 8 جمـادى الأولى 1428 هـ 24 مايو 2007 العدد 10404.

[5] الكافي: ج 5، ص 2.

[6] بحار الأنوار: ج 71، ص 264.

[7] بحار الأنوار: ج 75، ص 45.


ارسل لصديق