جدلية الثابت والمتغير
على ضوء القرآن الكريم
كتبه: السيد جعفر النمر
العدد (41) السنة 18 - 1428هـ/ 2007م
التعليقات: 0
القراءات: 4070

تمهيد:

يكثر في هذه الآونة الأخيرة الحديث عن نظرية الثابت والمتغير في إطار الجدل المستمر حول أحقية الأطروحات المختلفة للنهوض بالواقع المعاصر. ويأتي ذلك الحديث ليؤسس نظرية شاملة لما سيكون عليه التشريع الحاكم على مسيرة التطور، والنمو في المجتمع. لقد كانت للعلاقة بين الثابت والمتغير موقعية خاصة في الميدان الفكري منذ زمن بعيد. فقد عُني الفلاسفة بمسألة الربط بين الثابت من جهة، والمتغير من جهة أخرى. وقد حظيت هذه المسألة منهم بجهد وافر. وكذلك نجد تجلي هذه المسألة في عصر الوحي، حيث كانت بعض التشريعات تأتي تجاوباً مع الحاجات المستجدة، ومثال هذا القسم آيات «يسألونك» التي كانت تعالج مسائل ملحة في نظر الوحي.

ولما انقطع الوحي وثبت النص كان هذا منشأ لإشكال خالج نفوس البعض، وتطور مع الزمن. وذلك لأن النص الذي يراد تطبيقه على الواقع ثابت، في حين أن الواقع متغير. فتطبيق النص كما هو على الواقع المتغير يعني الوقوف أمام حركة التطور والنمو.

أضف إلى ذلك أن النص محدود بمقتضى ثباته، والواقع متمدد ومتسع. فكيف يكون في قدرة النص أن يحكم الواقع. وقد كان لهذه الإشكالات أثرها على الحركات العلمية عند إخواننا من أهل السنة. فنشأت نظريات من قبيل سد الذرائع، والمصالح المرسلة، وأمثال هذه النظريات التي لم تنشأ لولا الإحساس بقصور الموروث عن تلبية متطلبات الواقع.

وقد كان للتراجع السياسي الذي عاشته المجتمعات الإسلامية أثر قوي في تنامي هذه الإشكالات، لاستحداث المستعمر أوضاعاً كانت تتنافى في جوهرها مع الطرح الإسلامي. مما دعا البعض الى مراجعة النص بدعوى الواقعية والبراغماتية، وأمثال ذلك. وقد كان ذلك منشأ لما يسمى بنظرية الثابت والمتغير التي أراد البعض أن يجعلها مدخلاً للتشكيك في الثوابت والأسس التي تقوم عليها النظرية الإسلامية، والمصدر الأساس لها وهو القرآن الكريم. فوجد توجه يدعو إلى إعادة قراءة النص على أساس المعطيات المعاصرة مما يعني غربلة التراث واعتماد ما يتماشى مع الواقع[1].

وهذه النظرية بهذا الطرح تشكل في نظرنا ردة فعل على القصور الذي عاشته بعض الأطروحات، على مستوى التطبيق لاستكشاف الخلل المانع من نجاح هذه المحاولة، أو تلك. وقد كان ثمة محاولات متعددة لترميم النقص في الأطروحة على مستوى التنظير عبر ما يسمى بالإصلاح والنقد الذاتي لكن كثيراً من هذه المحاولات باءت بالفشل لما تحمله الأطروحة من أسس تصطدم بالواقع. مما دفع البعض لإجراء دراسة نقدية شاملة لتلك الأسس وهكذا وجدت اتجاهات تقول: إن الخلل لم يكن في التطبيق، وإنما كان في النظرية نفسها.

وقد كان للمجتمع الإسلامي نصيب الأسد من هذا الجدل لتوافره على أركانه بشكل بارز. فالدين الإسلامي دأب أتباعه على تأكيد صفة العالمية، والشمولية فيه بأساليب مختلفة. ومن جهة أخرى نجد هذا المجتمع يعاني من مشاكل مزمنة، ومتجذرة مما دعا البعض إلى المناداة بضرورة نقد الذات، ولزوم مراجعة الأسس التي بنيت عليها النظرية الإسلامية للخروج برؤية تكون أكثر انسجاماً مع الواقع المعاصر.

ولسنا الآن بصدد البحث عن حل لهذه الإشكاليات التي كانت سبباً لتأخر مجتمعنا المعاصر. وإنما البحث عن الإطار الفكري الذي تندرج تحته نظرية الثابت والمتغير. فإن اللغط حول هذه النظرية مرده في نظرنا إلى الغموض الذي يلفها، والإبهام المحيط بها، وذلك يستوجب منا وقفة نستجلي بها حقيقة هذه النظرية، وأهدافها على ضوء فهمنا للآيات القرآنية التي تلامس هذا الموضوع.

ميدان الثابت والمتغير:

إن تحديد الموقف من هذه النظرية يتوقف على تحديد كل من العناصر الثابتة من جهة، والمتغيرة من جهة أخرى. ولكن قبل ذلك لابد من الإشارة الى خصوصية تمتاز بها الحضارة الإسلامية خاصة، والسماوية بشكل عام عن الحضارات المادية، وهذه الخصوصية عبارة عن محورية النص الديني، ومركزيته. حيث كان التطور العلمي في الحقول العلمية انعكاساً بشكل وآخر لتطور النظرة العلمية إلى هذا النص، وهذه الخصوصية تستدعي لا محالة أن تكون دعوى التجديد في هذه الدائرة نفسها لا خارجها.

وعلى هذا الأساس يمكن تقسيم البحث إلى قسمين:

الأول: ونتكلم فيه عن الثابت والمتغير في الجانب التكويني.

الثاني: ونتكلم فيه عن الثابت والمتغير في الجانب التشريعي.

الثابت والمتغير في الجانب التكويني:

لا شك أن في الأشياء جانباً نتعامل معه بأشكال مختلفة، ونخبر عنه بأخبار مختلفة، ولا يختلف باختلاف الأنظار. وكل هذه الأمور مردها إلى كون الشيء واقعيًّا في ذاته من دون أن يتوقف في ثبوته على اعتبارنا ولا معرفتنا به. وهذا ما نريده بالجانب التكويني في الأشياء. والقرآن الكريم يؤكد أن الموجودات على قسمين:

- قسم غني في ذاته وغير محتاج إلى غيره.

- قسم فقير إلى غيره ومحتاج إلى غيره في وجوده وبقائه.

وهذا التقسيم يستفاد من آيات متعددة كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللهِ وَاللهُ هُوَ الْغَنِيُّ[2]. وقوله: ﴿لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ[3]. وقوله: ﴿إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا[4]. وقوله: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ[5]. وغيرها من الآيات.

والذي يستفاد من القرآن أن هذا القسم الأخير وهو المحتاج ينقسم ثانية إلى قسمين:

- قسم يواجه الله سبحانه وتعالى.

- قسم يواجه الأشياء.

أما القسم الأول فهو باقٍ خالد لا يعرض عليه الفناء، وأما القسم الآخر فإنه بالٍ زائل. ويدل على هذا كله قوله تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلاَلِ وَالإِكْرَامِ[6]. فإن رُفِع الوجه في هذه الآية الكريمة إنما هو لكون الوجه فاعل البقاء باصطلاح النحويين. والمعنى حينئذ هو أن الباقي وجه الله وهذا الوجه مغاير لله سبحانه وتعالى لاقتضاء الإضافة المغايرة بين المضاف والمضاف إليه لعدم صحة إضافة الشيء إلى نفسه كما هو واضح.

هذا عن بقاء القسم الأول. وأما زوال القسم الثاني فيستفاد من آيات عديدة منها قوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الأَرْضِ[7]. وقوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ[8].

والخلاصة أن لكل شيء وجهين: وجهاً زائلاً، ووجهاً باقياً. والسر في بقاء أحدهما وزوال الآخر يستفاد من قوله تعالى: ﴿مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ اللهِ بَاقٍ[9]. ومعنى هذه الآية: أن بقاء الأشياء إنما هو بإذن الله ومن جهة ارتباطها بالله بنحو خاص، وإلا فهي في نفسها متصفة بالهلاك والزوال.

ويمكن أن نبين هذا المعنى بطريق أخرى فإن الذي يؤكده القرآن أن الحق هو الله، أو من الله تعالى. لأن الله تعالى يقول: ﴿فَتَعَالَى اللهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ[10]. ويقول: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الْبَاطِلُ[11]. وقوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ[12]. وقوله تعالى: ﴿فَذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلاَلُ[13]. فإن هذه الآيات تقصر الحق على الله تعالى، وهو قصر حقيقي لا إضافي لإطلاق هذه الآيات. فليس المقصور هو الإلوهية أو ما شاكلها بل مطلق الحقية والحقية المطلقة.

وهناك طائفة أخرى تدل على ثبوت الحق لخلقه كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ[14]. وقوله تعالى: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ[15]. وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِيَ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ الْحَقُّ[16]. وغيرها من الآيات الدالة على حقية الأشياء.ولا منافاة بين هذه الطائفة والطائفة السابقة، لأن مراتب الحق مختلفة كاختلاف مراتب الوجود. فكما أن هناك موجوداً واجباً بذاته، وموجوداً واجباً بغيره. كذلك يوجد حق بذاته، ويوجد حق بغيره. والشاهد على هذا الجمع قوله تعالى: ﴿الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُن مِّن الْمُمْتَرِينَ[17]. وقوله: ﴿لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ[18]. وقوله تعالى: ﴿وَيُحِقُّ اللهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ[19]. وهذه الآية يدل تعبيرها على أن اتصاف الأشياء بالحق إنما هو ببركة الكلمة الصادرة من الله تعالى لهذه الأشياء. وهذه الكلمة هي قوله «كن» كما يستفاد من قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ[20]. ولو قرنَّا هذه الآية إلى الآيات التي تذكر الكلمات الإلهية كقوله تعالى: ﴿قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا[21] لاستفدنا منها أن الموجود هو الكلمة، وهو قوله «كن». وأما جانب «يكون» فهو تابع لهذه الكلمة. لذلك يقول أهل الولاية: إن نسبة الخلق إلى الله تعالى، نسبة الكلام إلى المتكلم، والنفس إلى المتنفس، لا نسبة الكتابة إلى الكاتب. ونستطيع أن نستنتج من هذا الكلام أن الأشياء كلها تنقسم إلى قسمين:

قسم باقٍ لا يعرض عليه التغير وهو الباري جل علا ووجهه.

قسم متغير وزائل وهو جهة الأشياء في ذاتها إذا نظر إليها من جهة ذاتها وماهياته.

ويكفي في المقام هذا المقدار ولننتقل إلى البحث الثاني.

الثابت والمتغير في الجانب التشريعي:

العقيدة ثابتة والشريعة متغيرة:

نريد بالجانب التشريعي الجانب الذي يختلف باختلاف الأنظار والاعتبارات. فإن زوجية عمرو وهند، وملكية بكر للدار، وحرمة هذا الفعل أو ذاك، وما شاكل ذلك أمور لا واقع لها وراء اعتبار المعتبرين. ويهمنا من هذا الجانب التشريع الصادر من الله لنحدد عناصره الثابتة وعناصره المتغيرة.

يستفاد من القرآن الكريم أن هناك فرقاً بين الدين، والشريعة. لأن القرآن يؤكد وحدة الدين، وكثرة الشريعة لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللهِ الإِسْلاَمُ[22]. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ[23]. وقوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا[24]. وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ وَآتَيْنَاهُم بَيِّنَاتٍ مِّنَ الأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاء الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ[25].

وتتبع الآيات يدلنا على أن وحدة الأديان فيما يسمى أصول الدين. وتعددها إنما هو فيما ميدان الفروع لضرورة التشريع. ويستفاد ذلك من قول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ[26]. وقول المسيح (عليه السلام) لبني إسرائيل: ﴿وَلأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ[27].

ولو تأملنا قوله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ[28]. لاستفدنا أن دين الإسلام هو الدين الأوحد، وأن هذا الدين نابع من أصل الخلقة، وأن هذا الدين لا يتغير.

فإذا ضممنا إلى ذلك كون شريعة النبي ناسخة لجميع الشرائع الماضية؛ استنتجنا أن أصل الدين ثابت، وأما ميدان التغير فهو الشريعة.

تحديد المراد بتغير الشريعة:

ليس المراد بتغير الشريعة إمكان التغيير، والتبديل فيها بما يتطلبه الواقع. لأن مثل التبديل والتغيير يعتبر تجاوزاً على الحق الإلهي الثابت بقوله تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلهِ[29]. بل المقصود به أن الاختلاف بين الأديان إنما هو في جانب الشريعة، وأما أصول الدين فهي واحدة في جميع الأديان.

أسس التشريع في القرآن الكريم:

إن دراسة نظرية التشريع في القرآن الكريم تساعدنا على التغلب على إشكالية الثابت والمتغير. لأن النظام التشريعي الذي يطرحه القرآن يشتمل على عناصر قادرة على استيعاب متغيرات الواقع. وسنحاول في هذه العجالة أن نستعرض هذه الأسس لنرى مدى قدرتها مجتمعةً على مجاراة الواقع.

1- التشريع حق إلهي لا يثبت لغيره إلا بإذنه ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلهِ[30]. فإن الأمر والنهي والاستخدام لا يستسيغها العقل إلا لمن ثبت له، إلا لملك، أو الاختصاص في المكلف. والملك والاختصاص بهذا النحو ليس إلا بسبب الخلقة. فلا يتصور ثبوت مثل هذا الحق إلا للباري، والصانع وهو الله سبحانه. لذلك قال الله تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ[31]. حيث فرَّع الأمر بالعبادة على كون الله تعالى خالقاً. نعم ليس التشريع إلا حقًّا من حقوق الله تعالى، فله أن يجعله لمن شاء من خلقه، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا[32]. فأثبت له حق التشريع، وهذا يعني أن تشريع الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) هو عين التشريع الإلهي.

2- التشريع الإلهي تام وشامل. وذلك لأن حاجة الإنسان إلى التشريع تنبع من حاجته إلى التكامل. وقد تكفل الله تعالى لخلقه بهدايتهم إلى غاياتهم، وأهدافهم. وهذا هو الموافق لقانون اللطف لذلك قال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى[33]. فلو كان التشريع ناقصاً غير مستوعب لما يحتاج إليه الإنسان لانخرق قانون اللطف. والمفروض عدم قدرة الإنسان على التشريع لنفسه، لانحصار حق التشريع في الله تعالى بالبيان المتقدم فيتأكد حينئذٍ الإشكال.

3- التشريع يقوم على قاعدة الحق، ومعنى ذلك أن الأحكام الصادرة من الله تعالى روعي فيها كيفية النسق التكويني الذي يتصف به الإنسان في وجوده الفردي، والاجتماعي. ومن نتائج هذا المبدأ أن العلاقة التي تحكم الواقع والتشريع هي التبعية من الطرفين، بحيث يكون هناك تبادل في التبعية بينهما. فتارة يكون التشريع تابعاً وذلك إذا كان تغير الواقع موجباً لتبدل العنوان الذي أخذ موضوعاً للتشريع ويكون متبوعاً تارة أخرى، بمعنى من معاني التبعية إذا لم يكن تغير الواقع موجباً لارتفاع عنوان موضوع التكليف. والميزان في مثل المسائل أن الحكم الشرعي مجعول بنحو القضية الحقيقة ويكون فعليًّا بفعلية موضوعه. فمادام الموضوع فعليًّا وجب الامتثال وإذا ارتفع الموضوع ارتفع التكليف. وهذا يعني أن وظيفة المكلف بالنسبة إلى مثل هذا التكليف هي الامتثال فقط. وهذا معناه تبعية الواقع للتكليف. نعم يمكن أن نتصور أن يقع نسخ الحكم من الله تعالى بأن يرفعه عن موضوعه لاطلاعه على تبدل بعض خصوصياته غير المقومة لحقيقته. وهذا معنى تبعية التشريع للواقع فتبعية التشريع من قبل نسبة التكليف إلى الله تعالى وتبعية الواقع من قبل نسبة التكليف إلى المكلفين.

4- المصدر الأساس لمعرفة التشريع هو القرآن الكريم على أساس ولاية النبي وأهل بيته الطاهرين صلوات الله عليهم أجمعين، على تفسيره، وبيان مجمله، وتوضيح مبهمه، وعمومه، وخصوصه، وإطلاقه، وتقييده. يقول الله تعالى: ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ[34]. وقوله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ[35]. ولاشك أن فهم القرآن يتعذر من دون الرجوع إلى أهل البيت الذين أبان الله تعالى منزلتهم، ومعرفتهم بكتابه الذي لا يمسه إلا المطهرون.

5- القرآن الكريم مستوعب لجميع ما تحتاج إليه البشرية في كل عصر لقوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ[36]. وقوله تعالى: ﴿مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ[37]. ولكن لا يمكن للبشرية أن يقعوا على مبتغاهم من هذا الكتاب الكريم ما لم يستعينوا بمن جعل الله لهم ولاية التفسير والتبيين يقول الله تعالى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ[38].

6- شدد القرآن على ذم التقليد ووصف أتباعه بالانفتاح على الواقع واستجابتهم لمتطلباته بالشكل الذي ينسجم مع مبادئه. يقول تعالى: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ[39]. ويقول تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ[40].

7- الرجوع إلى القرآن الكريم يستلزم نبذ الظنون، والأهواء. فقد شدَّد القرآن على ذم اتِّباع الهوى، وقبَّح التعويل على الظن. يقول تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ[41]. ويقول تعالى: ﴿وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا[42]. ويقول تعالى: ﴿إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنفُسُ وَلَقَدْ جَاءهُم مِّن رَّبِّهِمُ الْهُدَى[43]. ويقول تعالى: ﴿إِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا[44].

إن هذه الأسس توفر للقانون التشريعي المرونة اللازمة التي تمكنه من استيعاب الواقع مهما تسارعت وتيرة تطوره. والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطاهرين.

--------------------------------------------------------------------------------

[1] راجع: التراث والتجديد لحسن حنفي ص13-21.

[2] فاطر، 15.

[3] التغابن، 1.

[4] مريم، 93.

[5] البقرة، 255.

[6] الرحمن، 27.

[7] الزمر، 68.

[8] القصص، 38.

[9] النحل، 96.

[10] المؤمنون، 116.

[11] الحج، 62.

[12] النور، 25.

[13] يونس، 32.

[14] الأنعام، 73.

[15] الأعراف، 8.

[16] الرعد، 1.

[17] البقرة، 147.

[18] الأنعام، 8.

[19] يونس، 82.

[20] يس، 82.

[21] الكهف، 109.

[22] آل عمران، 19.

[23] الأنبياء، 92.

[24] المائدة، 48.

[25] الجاثية، 16 - 18.

[26] النحل، 36.

[27] آل عمران، 50.

[28] الروم، 30.

[29] الإنعام، 57.

[30] الإنعام، 57.

[31] الأنعام، 10.

[32] الحشر، 7.

[33] الأعلى، 2-3.

[34] النساء، 59.

[35] العنكبوت، 49.

[36] النمل، 89.

[37] الأنعام، 38.

[38] النساء 83.

[39] الزمر، 17-18.

[40] الزخرف، 23.

[41] الفرقان، 43.

[42] الكهف، 28.

[43] النجم، 23.

[44] يونس، 36.

السيد جعفر النمر
عالم دين، أستاذ الدراسات العليا في الحوزة العلمية، السعودية.


ارسل لصديق