البداء والإيمان بالله..
تأملات في معارف الوحي
كتبه: الشيخ زكريا داوود
العدد (41) السنة 18 - 1428هـ/ 2007م
التعليقات: 0
القراءات: 1854

تمثل اللغة جسراً للوصول للمعاني، وبقدر ما يكون الإنسان قريباً من لغته يكون أكثر وعياً لمعانيها، لأن البعد عن اللغة قد يؤدي إلى أخطاء في فهم العديد من القيم والمبادئ والأحكام، وبالأخص في لغتنا العربية التي ارتبطت بالدين بشكل لا يمكن الفكاك منه، لذا فإن وعيها بشكل عميق يساعد في فهم قضايا الدين في بعديه التشريعي والعَقَدِيّ، والأمر المهم في قضايا الدين هو إدراك تصرف المشرع في نقل بعض معاني اللغة الأصلية إلى معان مختلفة قد تكون قريبة من معناها الأصلي وقد تكون بعيدة عنه.

ويمثل موضوع البداء كعنصر عقائدي مثالاً بارزاً في لغط ساد عملية الحوار والتعاطي المعرفي بين مدرستي الإمامة والوحي ومدرسة أهل السنة، الذين اشتبهت عليهم أراء علماء وفقهاء مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) في موضوع البداء، ويكمن أحد أسباب ذلك في حمل معنى البداء على ظاهر اللغة فقط وهو الأمر الذي نفته مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) ابتداءً من الأئمة (عليهم السلام) وإلى كل علمائهم وفقهائهم.

البداء لغة:

البداء في اللغة هو الظهور بعد الخفاء، قال الراغب في مفرداته: بدا الشيء بدواً أي ظهر ظهوراً بيِّناً، قال الله تعالى: ﴿وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ * وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا[1].

وعلى ذلك فلا يطلق البداء في المحاورات العرفية إلا إذا ما بدا لأحدٍ رأي في الشيء لم يكن له ذلك الرأي سابقاً، بأن يتبدل عزمه في العمل الذي كان يريد أن يصنعه، ويحدث عنده ما يغير رأيه وعلمه به، فيبدو له تركه، بعد أن كان يريد فعله، أو بالعكس وذلك عن جهل بالمصالح والمفاسد.

فالبداء من الأوصاف التي ربما تتصف بها أفعالنا الاختيارية من حيث صدورها عنا بالعلم والاختيار، فإنا لا نريد شيئاً من أفعالنا الاختيارية إلا بمصلحة داعية إلى ذلك تعلق بها علمنا، وربما تعلق العلم بمصلحة فقصدنا الفعل، ثم تعلق العلم بمصلحة أخرى توجب خلاف المصلحة الأولى، فحينئذ نريد خلاف ما كنا نريده من قبلُ، وهو الذي نقول فيه: بدا لنا أن نفعل كذا أي ظهر لنا بعدما كان خفيًّا عنا كذا، والبداء الظهور؛ فالبداء ظهور ما كان خفيًّا من الفعل لظهور ما كان خفيًّا من العلم بالمصلحة، ثم تُوُسِّع في الاستعمال فأطلقنا البداء على ظهور كل فعل كان الظاهر خلافه، فيقال بدا له أن يفعل كذا أي ظهر من فعله ما كان الظاهر منه خلافه.

وبالتأكيد فالبداء المقصود به البحث هنا والذي يتعلق بالله سبحانه وتعالى ليس هو المعنى اللغوي لاستحالة ذلك بالنسبة لله سبحانه وتعالى الذي لا يخفى عليه شيء أبداً ويعلم بما كان قبل أن يكون ويعلم به في كل حالاته قبل كونه وفي حال كونه وبعد كونه وبعد انعدامه، فهو الخالق والرب البصير الحكيم الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور.

الإنسان لكون الأصل فيه الجهل وعدم العلم والمعرفة ينطبق عليه المعنى اللغوي للبداء، أما الله سبحانه وتعالى فذاته العلم والنور، والعلم بالنسبة لله من الأوصاف الذاتية كما هو رأي مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) خلافاً للأشاعرة الذين اعتبروا العلم صفة زائدة على الذات، فلا بد أن يخلق العلم حتى يعلم، وهو خلاف تنزيه الله عن النقائص، لأن هذا القول يؤدي إلى كون الله تعالى غير عالم آناً ما ثم خلق العلم فحدث له العلم، أما أهل البيت (عليهم السلام) فيقولون: إن العلم عين ذاته وذاته العلم، فهو عالم بغير تعلم تعالى الله عما يقولون علوًّا كبيراً.

وحدوث العلم للمخلوق إنما يكون بعد جهل، ومن خلال التعلم من غيره، فهو محتاج في رفع جهله إلى العلم ذاته وإلى من يعلمه ما يجهله، فحاجته مركبة من الحاجة إلى المعلوم وإلى العلم، والحاجة دليل العجز والفاقة، أما الله فهو غني بذاته منزه عن الحاجة والعجز، وهذا مقتضى قولنا: إن الله ذاته العلم والغنى والنور.

إذا كان الله غني بذاته والعلم عين ذاته وذاته النور تبيَّن أن مقصودنا بالبداء قطعاً ليس المعنى اللغوي لاستحالة وصف الله سبحانه وتعالى بذلك، لكنا سوف نرى التعصب يجر بعض علماء العامة إلى نسب هذا القول إلى علماء وفقهاء الشيعة بغياً وظلماً وعدواناً، مع أن كتب الشيعة قد بحثت هذا الأمر منذ الأئمة المعصومين (عليهم السلام) وأنه لا يوجد أي قول ينسب البداء بالمعنى اللغوي إلى الله سبحانه وتعالى، وهذه كتبهم في الآفاق ومنتشرة في كل مكان.

معنى البداء اصطلاحاً:

البداء من حيث المعنى اللغوي، وإن كان هو الانتقال والتحول من عزم إلى عزم بحصول العلم أو الظن بشيء بعدما لم يكن حاصلاً، ولكن إذا أضيفت هذه اللفظة إلى الله سبحانه وتعالى أريد منها ظهور أمر غير مرتقب، أو حدوث شيء لم يكن في حسبان الناس حدوثه ووقوعه.

فهو بالنسبة للناس ظهور أمر من الله لم يكن ظاهراً ومعلوماً لهم من بعد خفائه عليهم، مع كون ذلك كله في علم الله منذ الأزل.

ويمكن تعريفه كذلك بأنه الإظهار بعد الإخفاء، والخفاء نعني به عدم معرفة المخلوق بأمر كان يحسب حدوث خلافه، كرفع العذاب عن قوم يونس (عليه السلام) بعد أن لاحت لهم علائم ظهوره، لكن لما آمنوا كشف الله عنهم العذاب وأمهلهم، قال تعالى في كتابه العزيز:

﴿فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّآ آمَنُواْ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الخِزْيِ فِي الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ.[2]

الفرق بين النسخ والبداء:

وردت كلمة النسخ في القرآن الكريم مرات عدة بعضها بمعنى النقل كما في قوله تعالى: ﴿هَذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ[3].

ومنه قولهم: نُسخ الكتاب إذا نُقل من نسخة إلى أخرى، فكأن الكتاب أُذهب به وأُبدل مكانه، ولذلك بُدِّل لفظ النسخ بالتبديل في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُواْ إِنَّمَا أَنتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ[4].

وبعضها بمعنى المحو والإزالة كما في قوله تعالى:

﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ[5].

والنسخ لا يوجب زوال الآية نفسها من الوجود وبطلان تحققها بل يوجب زوال الحكم وسقوطه عن المكلفين به؛ فالمراد بالنسخ هنا هو إذهاب أثر الآية، من حيث إنها آية، ونقصد بذلك إذهاب كون الشيء آية وعلامة مع حفظ أصله، فبالنسخ يزول أثره من تكليف أو غيره مع بقاء أصله وهذا هو المستفاد من اقتران قوله: «ننسها» بقوله: «ما ننسخ»، والإنساء إفعال من النسيان وهو الإذهاب عن العلم، كما أن النسخ هو الإذهاب عن العين، فيكون المعنى ما نذهب بآية عن العين أو عن العلم نأت بخير منها أو مثلها[6].

ويعرف النسخ بأنه: رفع الحكم عن موضوعه المفروض وجوده في عالم التشريع والجعل.

وقد أجمع المسلمون على إمكان وقوع النسخ بدليل الآيات وبدليل الوقوع فعلاً، لكن خالف في ذلك من الملل اليهود الذين أنكروا وقوعه وعللوا عدم الإمكان بأمرين هما:

- عدم حكمة الناسخ.

- أو جهله وعدم إحاطة علمه.

وقالوا: إن كلا الأمرين مستحيل نسبتهما إلى الله، فيكون النسخ غير ممكن الوقوع أصلاً، إذ إن الله تعالى عندما جعل المنسوخ سواء كان حكماً أو آية إن كان عالماً بوجود المصلحة إلى الأبد، ويكون النسخ في هذه الحالة خلاف الحكمة لتفويت المصلحة، وبالطبع لا يمكن نسبة هذا الأمر إلى الحكيم الذي آيات علمه وحكمته ظاهرة في كل الوجود، وقد رد الفقهاء على هذه الشبهة بأمور أهمها:

أولاً: بوقوع التخصيص في الأحكام.

فاليهود كما المسلمون يقرون بأن الله قد يوجِّه للمكلفين حكماً عامًّا ثم بعد فترة من الزمن يعقبه بالمخصص فيخرج الكثير من أفراد ذلك العموم، فإذا كان الله عالماً بالمصلحة في الحكم العام منذ البداية فلم يخصصه لأن التخصيص خلاف الحكمة، إذ المصلحة تشمل جميع أفراد العموم فالتخصيص يعد خلاف الحكمة، وإن لم يكن عالماً بوجود المصلحة بل يعتقد بها ثم انكشف له خلاف ذلك كان جاهلاً، تعالى الله العليم الخبير. من هنا فإن النسخ لا يعني خلاف الحكمة بل دليل على الحكمة حيث جعل مصلحة الحكم أو الآية مقيداً بزمان معين يكون للعباد فيه المصلحة من ناحية كونه عامًّا أو غير منسوخ، فالحكيم لعلمه بمصالح العباد في الأزمان المختلفة وضع لهم أحكاماً وآيات تتحقق المصلحة في ذلك الزمان بتلك الكيفية.

ثانياً: تعلق المصلحة بالمنسوخ قبل نسخه وبعد نسخه.

والأمر الآخر أن الله يعلم منذ الأزل بكون المصلحة مقيدة ومخصصة بأفراد لكنه لحكمة ومصلحة تتحقق للمكلفين يجعل ظاهر الحكم على نحو العموم، فالحكم بحسب الواقع مقيداً ومخصصاً في ذلك الزمان المعلوم عند الله المجهول عند الناس. فالمصلحة المتعلقة بالحكم أو الآية من حيث كون الحكم عامًّا والآية غير منسوخة تثبت لهما في تلك الحالة، فالعموم وعدم النسخ له مصلحة متعلقة بهما في زمان العموم وعدم النسخ وفي زمان التخصيص والنسخ، فكلا الحالتين تتعلق بهما المصلحة ولا ضير في ذلك إذ قد يكون الشيء نافعاً في حالتين مختلفتين، كالدواء الذي ينفع الصحيح للوقاية والمريض للشفاء[7].

من خلال ما تقدم تبيَّن لنا أن النسخ يتعلق بالأمور التشريعية والبداء يتعلق بالأمور التكوينية، فالبداء منزلته في التكوين منزلة النسخ في التشريع، فما في الأمر التشريعي والأحكام التكليفية نسخ، فهو في الأمر التكويني والمكونات الزمانية بداء. فالنسخ كأنه بداء تشريعي، والبداء كأنه نسخ تكويني، ويتعلق البداء بالقدر وفي امتداد الزمان الذي هو أفق التقصي والتجدد وظرف التدريج والتعاقب، وبالنسبة إلى الكائنات الزمانية، ومن في عالم الزمان والمكان وإقليم المادة والطبيعة، وكما أن حقيقة النسخ عند التحقيق انتهاء الحكم التشريعي وانقطاع استمراره لا رفعه وارتفاعه عن وعاء الواقع، فكذا حقيقة البداء عند الفحص البالغ: انقطاع استمرار الأمر التكويني وانتهاء اتصال الإفاضة، ومرجعه إلى تحديد زمان الكون وتخصيص وقت الإفاضة[8]. ففي علم الله منذ الأزل مثلاً أن زيداً عمره ستين سنة، لكن أثبت الله له في كتاب المحو والإثبات ثلاثين سنة بشرط عدم التصدق وصلة الرحم، لكن عندما يحقق شرطي الصدقة والصلة يثب له الله ما كتبه منذ الأزل وهو مدة عمرة ستين، فتحقق الأمر وعدمه متعلق بالأسباب والشرائط.

أحكام وآيات منسوخة

تحدث القرآن الكريم عن النسخ وقد أثارت تلك الآيات المفسرين والفقهاء وعلماء الكلام الذين بحثوها من زوايا متعددة، وهنا نبيِّن بعض ما وقع عليه النسخ من آيات قرآنية، وهو قليل جدًّا إذ الأصل في الآيات والأحكام عدم النسخ، وإثباته يحتاج إلى دليل قاطع لا مجرد تخمين، كما أن الناسخ يجب أن يحمل دليليته وحجته في نفسه أو يكون مقطوعاً بحجيته ودليليته، فلا يمكن للمظنون أن يكون ناسخاً، ونحن سوف نورد ما اتُّفق على نسخه من قبل الفقهاء وما ثبت بالدليل كونه منسوخاً لنعرف الفرق بين النسخ والبداء.

ومما تم نسخه ما يلي:

تحويل القبلة للكعبة:

فقد كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) منذ بعثته يصلي لله باتجاه بيت المقدس، وعندما كان في مكة يتوجه إلى بيت المقدس كان (صلى الله عليه وآله وسلم) يقف باتجاه الكعبة في الجهة التي بها بيت المقدس أي يجعل الكعبة بينه وبين بيت المقدس، وعندما هاجر إلى المدينة المنورة بعد ثلاثة عشر سنة قضاها في مكة بعد البعثة كان يصلي كذلك باتجاه بيت المقدس، وقد عاب اليهود على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ذلك الأمر حيث كانوا يعيرونه بأنه على دين غير اليهودية ومع ذلك يتجه في صلاته لقبلة اليهود، وبعضهم كان يقول: إنهم هم الذين عرفوه بالقبلة، لذا نزلت الآية الكريمة تأمر الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بالتوجه إلى القبلة (أي الكعبة المشرفة) بعد أن صلى ما يقارب خمس عشرة سنة باتجاه بيت المقدس، فنسخت هذه الآية حكم الاتجاه نحو بيت المقدس لتثبت كون الكعبة المشرفة هي قبلة المسلمين جميعاً.

قال الله في محكم كتابه العزيز:

﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ[9].

نسخ الشرائع السابقة وأحكامها:

أنزل الله الوحي على الأنبياء لهداية البشر، فمنذ أن نزل الإنسان على الأرض وهو يحتاج إلى رسالة الله كي تهديه إلى أفضل سبل وأساليب الحياة الكريمة، ولولا وجود الأنبياء وما نزل عليهم وحياً من الله وأمروا بتبليغه لظل الإنسان يتخبط في حياته ويعيش همجية وبدائية في التفكير والسلوك، لكن الوحي الإلهي ساعد الإنسان على الانتقال من حياة الجهل والبدائية إلى عالم التفكير ونظم الأمور، فقد كانت شرارة المعرفة من الخالق، الذي علَّم الإنسان ما لم يعلم.

ولتحقيق هذه الغاية فقد أنزل الله خمس شرائع في أزمان متعددة، وكانت كل شريعة صالحة لعصر محدد ولأمم معينة ما عدا آخر الشرائع، لأن الشريعة هي منهاج سلوكي ومعرفي تطبقه الأمم، ويلبي حاجاتهم في تلك الأزمان، ولأن الإنسان تتغير حاجاته وتتطور مداركه ومعارفه وعلمه، فقد كانت الشرائع الإلهية تأخذ بعين الاعتبار مستوى الإنسان في كل عصر، وتسعى لتطويره وتعليمه وتربيته، لذا كانت الشرائع السابقة تنسخها الشرائع اللاحقة أو تطورها من ناحية الزيادة أو النقصان، لكي تلبي الشرائع اللاحقة حاجات الإنسان الذي ترقَّى في مداركه ومعارفه وعلومه وسلوكه الأخلاقي والتربوي.

وكانت أول شريعة متكاملة من حيث الأحكام والمعارف التي أنزلها الله على البشر هي الشريعة التي نزلت على نبي الله نوح (عليه السلام) ثم نسختها شريعة نبي الله إبراهيم (عليه السلام)، وجاء نبي الله موسى (عليه السلام) بشريعة نسخ بها شريعة إبراهيم (عليه السلام)، كما يُعَدُّ المسيح عيسى (عليه السلام) صاحب شريعة نسخ بها شريعة موسى (عليه السلام)، ويعد الإسلام الدين الكامل خاتمة شرائع الله إلى يوم القيامة، فالإسلام كدين جاء بالمنهاج الأكمل وقد أتم الله به أحكامه ومعارفه وآياته التي يحتاج إليها البشر إلى يوم القيامة، وقد ختم الله الرسالات والأنبياء برسوله الكريم محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو أعظم خلقه وأكرمهم عليه وأحبهم وأقربهم إليه، بل ما خلق الله الكون وما فيه إلا محبة لرسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل بيته (عليهم السلام)، وتوضح الآيتان التاليتان كيف أن الإسلام نسخ كل الشرائع والأديان والرسالات السابقة.

قال تعالى في محكم كتابه العزيز:

﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللهِ الإِسْلاَمُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللهِ فَإِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ.[10]

﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ[11].

وعن عثمان بن عيسى، عن سماعة بن مهران، قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) قول الله: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ فقال: نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد (صلى الله عليه وآله وعلى جميع أنبيائه ورسله). قلت: كيف صاروا أولي العزم؟

قال: لأن نوحاً بُعث بكتاب وشريعة، فكل من جاء بعد نوح (عليه السلام) أخذ بكتابه وشريعته ومنهاجه، حتى جاء إبراهيم (عليه السلام) بالصحف، وبعزيمة ترك كتاب نوح لا كفراً به، وكل نبي جاء بعد إبراهيم جاء بشريعة إبراهيم، ومنهاجه، وبالصحف، حتى جاء موسى (عليه السلام) بالتوراة وشريعته، ومنهاجه، وبعزيمة ترك الصحف، فكل نبي جاء بعد موسى، أخذ بالتوراة وشريعته، ومنهاجه، حتى جاء المسيح (عليه السلام) بالإنجيل، وبعزيمة ترك شريعة موسى، ومنهاجه، حتى جاء محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) فجاء بالقرآن، وشريعته، ومنهاجه، فحلاله حلال إلى يوم القيامة، وحرامه حرام إلى يوم القيامة، فهؤلاء أولوا العزم من الرسل[12].

الصدقة بين يدي الرسول:

قال الله في محكم كتابه العزيز:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِن لَّمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ[13].

روى ابن بابويه بإسناده عن مكحول قال: قال: أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) لقد علم المستحفظون من أصحاب النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه ليس فيهم رجل له منقبة إلا قد شركته فيها وفضلته، ولي سبعون منقبة لم يشركني أحد منهم، قلت: يا أمير المؤمنين فأخبرني بهن.

فقال (عليه السلام): وإن أول منقبة - وذكر السبعين - وقال في ذلك: وأما الرابعة والعشرين فإن الله عز وجل أنزل على رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم): ﴿إِذَا نَاجَيْتُمُ، فكان لي دينار فبعته بعشرة دراهم، فكنت إذا ناجيت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أتصدق قبل ذلك بدرهم، والله ما فعل هذا أحد غيري من أصحابه قبلي ولا بعدي، فأنزل الله عز وجل: ﴿أَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَاللهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ.

عن أيوب بن سليمان، عن محمد بن مروان، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِن لَّمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ[14]. قال: إنه حرَّم كلام رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ثم رخص لهم في كلامه بالصدقة، فكان إذا أراد الرجل أن يكلمه تصدق بدرهم ثم كلمه بما يريد.

قال: فكف الناس عن كلام رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وبخلوا أن يتصدقوا قبل كلامه، فتصدق علي (عليه السلام) بدينار كان له، فباعه بعشرة دراهم في عشر كلمات سألهن رسول الله، ولم يفعل ذلك أحد من المسلمين غيره، وبخل أهل الميسرة أن يفعلوا ذلك!

فقال المنافقون: ما صنع علي بن أبي طالب الذي صنع من الصدقة إلا أنه أراد أن يروج لابن عمه!.

فأنزل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَّكُمْ من إمساكها ﴿وَأَطْهَرُ يقول: وأزكى لكم من المعصية ﴿فَإِن لَّمْ تَجِدُوا الصدقة ﴿فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * أَأَشْفَقْتُمْ يقول الحكيم: ﴿أَأَشْفَقْتُمْ يا أهل الميسرة ﴿أَن تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ يقول: قدام نجواكم يعني كلام رسول الله صدقة على الفقراء؟

﴿فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا يا أهل الميسرة ﴿وَتَابَ اللهُ عَلَيْكُمْ يعني تجاوز عنكم إذ لم تفعلوا ﴿فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ يقول: أقيموا الصلوات الخمس ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ يعني أعطوا الزكاة، يقول: تصدقوا، فنسخت ما أمروا به عند المناجاة بإتمام الصلاة وإيتاء الزكاة ﴿وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ بالصدقة في الفريضة والتطوع ﴿وَاللهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ أي بما تنفقون خبير[15].

عدة المتوفى عنها زوجها.(كانت حولاً فأصبحت أربعة أشهر وعشراً):

قال تعالى في محكم كتابه العزيز: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِّأَزْوَاجِهِم مَّتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِيَ أَنفُسِهِنَّ مِن مَّعْرُوفٍ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ[16].

نقل المرتضى عن تفسير النعماني بسنده عن علي (عليه السلام) قال: إن العدة كانت في الجاهلية على المرأة سنة كاملة، كان إذا مات الرجل ألقت المرأة خلف ظهرها شيئاً بعرة أو ما يجري مجراها وقالت: البعل أهون علي من هذه، ولا اكتحل ولا أمتشط ولا أتطيب ولا أتزوج سنة.

فكانوا لا يخرجونها من بيتها بل يجرون عليها من تركة زوجها سنة، فأنزل الله في أول الإسلام: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِّأَزْوَاجِهِم مَّتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِيَ أَنفُسِهِنَّ مِن مَّعْرُوفٍ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ.

فلما قوي الإسلام أنزل الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ.

وقد روى العياشي في تفسيره عن أبي بصير قال: سألت أبا جعفر الباقر (عليه السلام) عن الآية: ﴿مَّتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ قال: هي منسوخة، نسختها: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ.

قلت: وكيف كانت؟

قال: كان الرجل إذا مات انفق على امرأته من صلب المال حولاً ثم أخرجت بلا ميراث، ثم نسختها آية الربع والثمن، فالمرأة ينفق عليها من نصيبها.

وقال القمي في تفسيره: كانت عدة النساء في الجاهلية إذا مات الرجل اعتدت امرأته سنة، فلما بُعث رسول الله تركهم على عاداتهم ولم ينقلهم عن ذلك بل أنزل الله تعالى بذلك قرآنا فقال: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِّأَزْوَاجِهِم مَّتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فكانت العدة حولاً، فلما قوي الإسلام أنزل الله: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فنسخت قوله: ﴿مَّتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ[17].

البداء وعلم اللَّـه

البداء أن يمحو الله ما كان ثابتاً ويثبت ما لم يكن موجوداً في كتاب المحو والإثبات، إذ إن الروايات الواردة عن أهل البيت (عليهم السلام) توضح أن لله سبحانه وتعالى علمين، أحدهما أظهره وعلَّمه ملائكته وأنبياءه ورسله، وعلم اختصَّ به نفسه فلم يظهره لأحد من خلقه، وما يقع فيه البداء هو علمه الذي اختص به نفسه فيظهر منه ما يشاء لخلقه ويختص لنفسه ما يشاء منه، أما العلم الذي يظهره الله لملائكته وأنبيائه ورسله فلا يكون فيه البداء، لأن الله سبحانه قد جعله حتماً وكائناً كي لا يُكذِّب الأنبياء والرسل والأئمة (عليهم السلام) فيما يخبرون أنه كائن أو ليس بكائن.

وهنا يتضح أن علم الله سبحانه وتعالى بالأشياء هو إحاطة تامة بها، فقبل الوجود وأثناء الإيجاد وبعد الوجود وحال الصيرورة وبعد العدم وأثناء العدم، فإنه تعالى محيط بها في كل حالاتها، لذا فعلم الله جلَّت قدرته لا يتأثر ولا ينفعل بالأشياء في تحولاتها وصيرورتها، لأن إحاطته بالأشياء تامة وليست محكومة بالزمان أو المكان، وإنما هما محاطان بعلمه فعلمه محيط لا محاط لاستحالة إحاطة الممكن بالخالق وواجب الوجود.

ويعد الاعتقاد بالبداء من أعظم العبادات لأن فيه تنزيه لله عن النقص والجهل، وإقرار تام بحكمته وعظمته وأن له الأمر من قبل ومن بعد، وأنه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، لأن الاعتراف والإقرار بعلمين لله وأن في علمه المخزون يقع البداء أي يُثبت ما يشاء ويمحو ما يشاء، وأن له تغيير المقادير والآجال والأرزاق ومحوها بعد أن أثبتها، أو إثباتها بعد عدمها في كتاب المحو والإثبات، كل ذلك يمثل إقراراً بعظمة الله وحكمته لأنه لا يفعل إلا ما فيه الحكمة والمصلحة للعباد.

كما تمثل عقيدة البداء تعظيماً لله وتقديساً وتنزيهاً له عن النقص في قبال اليهود الذين زعموا أن الله جلَّت قدرته قد فرغ من الأمر، وأنه لا تدبير له في الخلق بعد الإيجاد وهي النسبة التي نفاها القرآن الكريم ولعن من يقول بها.

قال الله تعالى في كتابه وهو يرد زعم اليهود الذين قالوا إن يد الله مغلولة:

﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاء وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُواْ نَارًا لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا وَاللهُ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ[18].

ومؤدى عقيدة اليهود أن الله عندما فرغ من الخلق وقدَّر ما هو كائن إلى يوم القيامة[19]؛ فإنه لا يملك المقدرة في تغيير أو تبديل تلك المقادير التي كتبها وخطها، وتؤدي هذه العقيدة إلى الاعتقاد بالجبر والحتميات، أي أنه تعالى مجبور على إمضاء وقضاء ما خطه في اللوح المكتوب. وقد تسربت هذه العقيدة إلى بعض المسلمين وظهرت في الفلسفات الحديثة كنظريات «علمية»، كنظرية الجبر الطبيعي، أو الجبر والحتمية التاريخية، ولهذا نرى روايات أهل البيت (عليهم السلام) شددت كثيراً على نفي نسبة الجبر والحتمية على الله، كما في الآية القرآنية التي ردت على اليهود، والذي ورد في تفسيرها ما يظهر ضرورة الاعتقاد بالبداء كنوع من التعظيم لله جلَّت قدرته.

عن علي بن النعمان، عن إسحاق بن عمار، عمن سمعه، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، أنه قال في قول الله عز و جل: ﴿وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ: «لم يعنوا أنه هكذا، ولكنهم قد قالوا: قد فرغ من الأمر فلا يزيد و لا ينقص، فقال الله جل جلاله تكذيباً لقولهم: ﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِما قالُوا بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ.

أو لم تسمع الله عز وجل يقول: ﴿يَمْحُوا اللهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ؟[20].

يقول المحدث السيد نعمة الله الجزائري: ولا يأمر الله عباده بأمر في وقت ما إلا وهو يعلم أن الصلاح لهم في ذلك الوقت في أن يأمرهم بذلك، ويعلم أن في وقت آخر الصلاح لهم في أن ينهاهم عن مثل ما أمرهم به، فإذا كان ذلك الوقت أمرهم بما يصلحهم، فمن أقر لله عز وجل بأن له أن يفعل ما يشاء ويعدم ما يشاء ويخلق مكانه ما يشاء، ويقدم ما يشاء ويؤخر ما يشاء، ويأمر بما شاء كيف شاء فقد أقر بالبداء، وما عظَّم الله عز وجل بشيء أفضل من الإقرار بأن له الخلق والأمر، والتقديم، والتأخير، وإثبات ما لم يكن ومحو ما قد كان. والبداء هو رد على اليهود لأنهم قالوا: إن الله قد فرغ من الأمر فقلنا: إن الله كل يوم في شأن، يحيي ويميت ويرزق ويفعل ما يشاء، والبداء ليس من ندامة، وإنما هو ظهور أمر، يقول العرب: بدا لي شخص في طريقي أي ظهر، قال الله عز وجل: ﴿وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ، أي ظهر لهم[21].

من بصائر الوحي والإمامة

محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحجال، عن أبي إسحاق ثعلبة، عن زرارة بن أعين، عن أحدهما (عليهما السلام) قال: ما عبد الله بشيء مثل البداء، وفي رواية ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله (عليه السلام): ما عُظِّم الله بمثل البداء.

علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم وحفص بن البختري وغيرهما، عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال في هذه الآية: ﴿يَمْحُو اللهُ مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ: وهل يُمحى إلا ما كان ثابتاً؟ وهل يُثبت إلا ما لم يكن؟

عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن محمد بن مسلم، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ما بعث الله نبيًّا حتى يأخذ عليه ثلاث خصال: الإقرار له بالعبودية، وخلع الأنداد، وأن الله يقدِّم ما يشاء، ويؤخِّر ما يشاء.

محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن ابن فضال، عن ابن بكير، عن زرارة عن حمران، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: سألته عن قول الله عز وجل: ﴿ثُمَّ قَضَى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُّسمًّى عِندَهُ قال: هما أجلان: أجل محتوم وأجل موقوف.

أحمد بن مهران، عن عبد العظيم بن عبد الله الحسني، عن علي بن أسباط عن خلف?بن حماد، عن ابن مسكان، عن مالك الجهني قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله تعالى: ﴿أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا.

فقال: لا مقدَّراً ولا مكوَّناً.

قال: وسألته عن قوله: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا.

فقال: كان مقدَّراً غير مذكور.

محمد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان، عن حماد بن عيسى، عن ربعي بن عبدالله، عن الفضيل بن يسار قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: العلم علمان: فعلم عند الله مخزون لم يطلع عليه أحداً من خلقه وعلم (علمه) ملائكته ورسله، فما علمه ملائكته ورسله فإنه سيكون، لا يكذب نفسه ولا ملائكته ولا رسله، وعلم عنده مخزون يقدم منه ما يشاء، ويؤخر منه ما يشاء، ويثبت ما يشاء.

عن حماد، عن ربعي، عن الفضيل قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: من الأمور أمور موقوفة عند الله يقدِّم منها ما يشاء ويؤخِّر منها ما يشاء.

عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن لله علمين: علم مكنون مخزون، لا يعلمه إلا هو، من ذلك يكون البداء، وعلم علمه ملائكته ورسله وأنبياءه فنحن نعلمه.

محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن الحسن بن محبوب، عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ما بدا لله في شيء إلا كان في علمه قبل أن يبدو له.

عن أحمد، عن الحسن بن علي بن فضال، عن داود بن فرقد، عن عمرو بن عثمان الجهني، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن الله لم يبد له من جهل.

علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس، عن منصور بن حازم قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) هل يكون اليوم شيء لم يكن في علم الله بالأمس؟

قال: لا، من قال هذا فأخزاه الله.

قلت: أرأيت ما كان وما هو كائن إلى يوم القيامة أليس في علم الله؟

قال: بلى قبل أن يخلق الخلق.

علي، عن محمد، عن يونس، عن مالك الجهني قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: لو علم الناس ما في القول بالبداء من الأجر ما فتروا عن الكلام فيه.

عن مرازم بن حكيم قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: ما تنبَّأ نبي قط، حتى يقر لله بخمس خصال: بالبداء والمشيئة والسجود والعبودية والطاعة.

عن أحمد بن محمد، عن جعفر بن محمد عن يونس، عن جهم بن أبي جهمة، عمن حدثه، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن الله عز وجل أخبر محمداً (صلى الله عليه وآله وسلم) بما كان منذ كانت الدنيا، وبما يكون إلى انقضاء الدنيا، وأخبره بالمحتوم من ذلك واستثنى عليه فيما سواه.

علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن الريان بن الصلت قال: سمعت الرضا (عليه السلام) يقول: ما بعث الله نبيًّا قط إلا بتحريم الخمر وأن يقر لله بالبداء.

الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد قال: سئل العالم (عليه السلام) كيف عَلِمَ الله؟

قال: علم وشاء وأراد وقدَّر وقضى وأمضى، فأمضى ما قضى، وقضى ما قدَّر، وقدَّر ما أراد، فبعلمه كانت المشيئة، وبمشيئته كانت الإرادة، وبإرادته كان التقدير، وبتقديره كان القضاء، وبقضائه كان الإمضاء، والعلم متقدم على المشيئة، والمشيئة ثانية، والإرادة ثالثة، والتقدير واقع على القضاء بالإمضاء، فلله تبارك وتعالى البداء فيما علم متى شاء، وفيما أراد لتقدير الأشياء، فإذا وقع القضاء بالإمضاء فلا بداء، فالعلم في المعلوم قبل كونه، والمشيئة في المنشأ قبل عينه، والإرادة في المراد قبل قيامه، والتقدير لهذه المعلومات قبل تفصيلها وتوصيلها عياناً ووقتاً، والقضاء بالإمضاء هو المبرم من المفعولات، ذوات الأجسام المدركات بالحواس من ذوي لون وريح ووزن وكيل وما دبَّ ودرج من إنس وجن وطير وسباع وغير ذلك مما يدرك بالحواس، فلله تبارك وتعالى فيه البداء مما لا عين له، فإذا وقع العين المفهوم المدرك فلا بداء، والله يفعل ما يشاء، فبالعلم علم الأشياء قبل كونها، وبالمشيئة عرف صفاتها وحدودها وأنشأها قبل إظهارها، وبالإرادة ميَّز أنفسها في ألوانها وصفاتها، وبالتقدير قدر أقواتها وعرف أولها وآخرها، وبالقضاء أبان للناس أماكنها ودلهم عليها، وبالإمضاء شرح عللها وأبان أمرها وذلك تقدير العزيز العليم[22].

من أمثلة البداء

القرآن الكريم والسنة الشريفة حفلت بالعديد من الأمثلة التي تظهر أهمية البداء في الحياة، وأنه يمثل غاية الحكمة في تربية الله لعباده، لأن الاعتقاد أن الأمور متوقفة على قانون الأسباب وتحقق شرائط لكل أمر، وأن بيد الإنسان من خلال اتِّباع تلك الأسباب وتحقيق شرائطها تغيير حياته إلى الأحسن، لأنه لا جبر ولا إكراه في فعل الإنسان، فمع كون الله قدَّر للإنسان ما يكون عليه لكنه من خلال البداء أعطاه خيار التغيير، وفي القرآن والسنة أمثلة عديدة تظهر هذا الأمر، ومنها:

إطالة الأعمار أو بترها:

قال تعالى في محكم كتابه العزيز: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُّسمًّى عِندَهُ ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ[23].

في الآية يمجِّد الله سبحانه وتعالى نفسه القدوس بأجل شأن من شؤونه -وكل شؤونه جليلة- وهو خلق الإنسان من طين وتدبير أمر خلقته بتدبير العليم الحكيم.

وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ قَضَى أَجَلاً ...، تمجيد وثناء آخر وبيان لمشيته الجميلة الحكيمة في أمر الخلقة من العناية إلى الأجل في خلقة الإنسان، وهذه السنة الفاضلة جارية في غير الإنسان في كل واقعة وحادثة.

روى الكليني مسنداً عن حريز بن عبد الله وعبد الله بن مسكان، جميعاً عن أبي عبدالله (عليه السلام) أنه قال: لا يكون شيء في الأرض ولا في السماء إلَّا بهذه الخصال السبع: بمشية وإرادة وقدر وقضاء وإذن وكتاب وأجل، فمن زعم أنه يقدر على نقض واحدة، فقد كفر.

وروى أيضاً مسنداً عن زكريا بن عمران، عن أبي الحسن موسى بن جعفر (عليهما السلام) قال: لا يكون شيء في السماوات ولا في الأرض إلا بسبع: بقضاء وقدر وإرادة ومشيئة وكتاب وأجل وإذن، فمن زعم غير هذا، فقد كذب على الله، أو رد على الله عز وجل.

الآية صريحة في عنايته تعالى إلى الأجل في حياة الإنسان ومقدار عمره بحسب أيامه وساعاته ولحظاته، وظاهر الآية أن هناك أجلين: أجل مسمى، وأجل غير مسمى.

والظاهر أن المراد من تسمية الأجل هو تعيينه بحدوده بحسب الواقع، ثم تعليمه وإلقاؤه إلى حملة العلم من الملائكة المقربين والأنبياء والصديقين (عليهم السلام).

وليس المراد من التسمية تسميته تعالى لنفسه، إذ لا محصل لذلك بعد مشيته تعالى وإرادته وقدره وقضائه، وواضح عند أولي الألباب والإنصاف أن هذين الأجلين متقابلان متضادان، فغير المسمى هو الأجل الذي قضاه تعالى على شيء بأنه مؤجل ولَمَّا يتعين بعد، والمسمى هو الذي عيَّنه تعالى بحدوده وألقاه وسماه إلى حملة العلم، والأول موقوف مرجأ، والثاني مسمى ومتعيِّن.

وبالجملة الفرق بينهما بحسب الواقع بالتسمية وعدمها.

روى العياشي عن حمران قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله: ﴿ثُمَّ قَضَى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُّسمًّى عِندَهُ.

فقال: هما أجلان، أجل موقوف يصنع الله ما يشاء، وأجل محتوم.

وروى أيضاً، عن حمران عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سألته عن قول الله: ثم قضى أجلا وأجل مسمى عنده قال: المسمى ما سمي لملك الموت في تلك الليلة، وهو الذي قال الله: إذا جاء أجلهم فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون، وهو الذي سمي لملك الموت في ليلة القدر، والآخر له فيه المشية، إن شاء قدمه، وإن شاء أخره.

وروى أيضا، عن مسعدة بن صدقة، عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قوله: ﴿ثُمَّ قَضَى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُّسمًّى عِندَهُ.

قال: الأجل الذي غير مسمى موقوف يقدِّم منه ما شاء ويؤخِّر منه ما شاء، وأما الأجل المسمى، فهو الذي ينزل مما يريد أن يكون من ليلة القدر إلى مثلها من قابل.

قال: فذلك قول الله: ﴿فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ.

وروى المجلسي عن كتاب الغيبة مسنداً عن حمران بن أعين، عن أبي جعفر محمد بن علي (عليهما السلام) في قوله تعالى: ﴿قَضَى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُّسمًّى عِندَهُ.

قال: إنهما أجلان: أجل محتوم، وأجل موقوف.

قال له حمران: ما المحتوم؟

قال: الذي لا يكون غيره.

قال: وما الموقوف؟

قال: هو الذي لله فيه المشيَّة.

قال حمران: إني لأرجو أن يكون أجل السفياني من الموقوف.

فقال أبو جعفر (عليه السلام): لا والله! إنه من المحتوم.

هذه الروايات الشريفة صريحة فيما يفيده ظاهر الآية على ما استظهرناه، وفيها تصريح أيضاً بأن المراد من الأجل المسمى ما سُمِّي لملك الموت، وفي بعضها ما سُمِّي في ليلة القدر، وواضح أن ما سُمِّي في ليلة القدر التي تنزل الملائكة والروح فيها إلى ولي العصر، رسولاً كان أو وصيًّا، فلا محالة يكون مسمى له وللملائكة الحملة الذين يحملونه إلى ولي العصر(صلوات الله عليه) أيضاً.

ومقابل هذا المسمى، الأجل غير المسمى، فيكفي في كونه قسيماً للمسمى التسمية في أحدهما وعدم التسمية في الآخر، وكيف كان، فالآية الكريمة والروايات التي أوردناها في تفسيرها كافية في إثبات أن الأجل الأول هو الموقوف والأجل المسمى هو الذي سمَّاه الله في ليلة القدر وألقاه إلى حملة العلم، وهذا المعنى يطابق عدة من الآيات أيضاً.

قال تعالى في كتابه الحكيم:

﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُّسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ[24].

﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى قَالُواْ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا تُرِيدُونَ أَن تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَآؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ[25].

﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ وَلَكِن يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا[26].

﴿اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ[27].

﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِم مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَآبَّةٍ وَلَكِن يُؤَخِّرُهُمْ إلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ[28].

﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلَا أَجَلٌ مُّسَمًّى لَجَاءهُمُ الْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُم بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ[29].

في مفاد هذه الآيات وسياقها آيات كثيرة في القرآن الكريم، فهي تدل بظاهرها وإطلاقها كما في بعض منها، وبتصريحها في بعض آخر، على أن المراد من الأجل المسمى هو الأجل الذي يرتحل به عن الدنيا إلى القبر والآخرة، ولا ريب بحسب هذه الآيات والروايات أن المراد بالأجل المسمى في هذه الآيات الكريمة وغيرها، هو المدة المضروبة على حياة الإنسان أو انقضاء هذه المدة[30].

وقد جعل الله سبحانه وتعالى أسباب عديدة كي يطيل الإنسان عمره في الحياة، وقد حفلت روايات أهل البيت (عليهم السلام) بالكثير منها، كالروايات التي تحث على صلة الأرحام، والاهتمام بأمر التصدق على الفقراء، والقيام ببعض العبادات كالحج لبيت الله الحرام، وغيرها الكثير مما جعلها الله سبيلاً لتحسين الحياة في كل جوانبها، كالصحة وزيادة الأرزاق ودفع المكاره.

من بصائر الوحي والإمامة:

محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن علي بن النعمان، عن إسحاق بن عمار قال: قال: بلغني عن أبي عبد الله (عليه السلام) أن رجلا أتى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: يا رسول الله أهل بيتي أبوا إلا توثباً عليَّ وقطيعة لي وشتيمة، فأرفضهم؟

قال: إذن يرفضكم الله جميعا.

قال: فكيف أصنع؟

قال: تصل من قطعك وتعطي من حرمك وتعفو عمن ظلمك، فإنك إذا فعلت ذلك كان لك من الله عليهم ظهير.

عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر، عن محمد بن عبيد الله قال: قال أبو الحسن الرضا (عليه السلام): يكون الرجل يصل رحمه فيكون قد بقي من عمره ثلاث سنين فيُصيِّرها الله ثلاثين سنة ويفعل الله ما يشاء.

عن علي بن الحكم، عن خطاب الأعور، عن أبي حمزة قال: قال أبو جعفر (عليه السلام): صلة الأرحام تزكي الأعمال وتنمي الأموال وتدفع البلوى و تيسر الحساب وتنسئ في الأجل.

عن علي بن الحكم، عن حفص، عن أبي حمزة، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: صلة الأرحام تحسن الخلق وتسمح الكف وتطيب النفس وتزيد في الرزق وتنسئ في الأجل.

الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن الحسن بن علي الوشاء، عن علي بن أبي حمزة، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سمعته يقول: إن الرحم معلقة بالعرش تقول: اللهم صل من وصلني واقطع من قطعني، وهي رحم آل محمد، وهو قول الله عز وجل: ﴿الَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ أَن يُوصَلَ ورحم كل ذي رحم.

محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن ابن محبوب، عن مالك بن عطية، عن يونس بن عمار قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): أول ناطق من الجوارح يوم القيامة الرحم تقول: يا رب من وصلني في الدنيا فصل اليوم ما بينك وبينه، ومن قطعني في الدنيا فاقطع اليوم ما بينك وبينه.

عن أحمد بن محمد بن أبي نصر، عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) قال: قال أبو عبدالله (عليه السلام): صل رحمك ولو بشربة من ماء، وأفضل ما توصل به الرحم كف الأذى عنها، وصلة الرحم منسأة في الأجل، محببة في الأهل[31].

--------------------------------------------------------------------------------

[1] القرآن الكريم، سورة الزمر آية 47-48.

[2] القرآن الكريم، سورة يونس آية 98.

[3] القرآن الكريم، سورة الجاثية آية 29.

[4] القرآن الكريم، سورة النحل آية 101.

[5] القرآن الكريم، سورة البقرة آية 106.

[6] الطباطبائي، السيد محمد حسين، الميزان في تفسير القرآن، ج 1، ص 250.

[7] راجع كتاب زبدة الأصول، لآية الله العظمى السيد محمد صادق الحسيني الروحاني، ج 2، ص 377.

[8] الجزائري، السيد نعمة الله، نور البراهين، ج 2، ص231.

[9] القرآن الكريم، سورة البقرة آية 144.

[10] القرآن الكريم، سورة آل عمران آية 19.

[11] القرآن الكريم، سورة آل عمران آية 85.

[12] البرقي، أحمد بن محمد بن خالد، المحاسن، ج1، ص269.

[13] القرآن الكريم، سورة المجادلة آية 12.

[14] القرآن الكريم، سورة المجادلة آية 12.

[15] المجلسي، العلامة محمد باقر، بحار الأنوار، ج 35، ص380.

[16] القرآن الكريم، سورة البقرة آية 240.

[17] اليوسفي، محمد هادي، موسوعة التاريخ الإسلامي، ج2، ص 200.

[18] القرآن الكريم، سورة المائدة آية 64.

[19] ورد في التوراة المتداولة اليوم وحسب النسخة المطبوعة في عام 1996م وصف لكيفية خلق الله سبحانه وتعالى للكون وما فيه، وقد رأت التوراة أن الخلق تم في ستة أيام، وكان اليوم السابع يوم راحة لله جلت قدرته حسب ما ورد في سفر التكوين الإصحاح الثاني ونص عبارة التوراة على النحو التالي: وهكذا اكتملت السماوات والأرض بكل ما فيها، وفي اليوم السابع أتم الله عمله الذي قام به، فاستراح فيه من جميع ما عمله، وبارك الله اليوم السابع وقدسه، لأنه استراح فيه من جميع أعمال الخلق.

[20] البحراني، السيد هاشم، البرهان في تفسير القرآن، ج 2، ص 230.

[21] الجزائري، السيد نعمة الله، نور البراهين ج 2 ص 236.

[22] الكافي، ج 1، ص 146- 148.

[23] القرآن الكريم، سورة الأنعام آية 2.

[24] القرآن الكريم، سورة الأنعام آية 60.

[25] القرآن الكريم، سورة إبراهيم آية 10.

[26] القرآن الكريم، سورة فاطر آية 45.

[27] القرآن الكريم، سورة الزمر آية 42.

[28] القرآن الكريم، سورة النحل آية 61.

[29] القرآن الكريم، سورة العنكبوت آية 53.

[30] الميانجي، الشيخ محمد باقر الملكي، توحيد الإمامية، ص 366.

[31] الكافي، ج 2 ص 150-س151.

الشيخ زكريا داوود

ــ ‬عالم‭ ‬دين،‭ ‬باحث‭ ‬إسلامي‭.

ــ من‭ ‬مواليد ‭‬1388هـ،‭ ‬التحق‭ ‬بالمدارس‭ ‬الأكاديمية،‭ ‬حتى‭ ‬سن‭ ‬الخامسة‭ ‬عشرة،‭ ‬ثم‭ ‬هاجر‭ ‬إلى‭ ‬طهران‭ ‬سنة ‬1404هـ‭ ‬والتحق‭ ‬بحوزة‭ ‬الإمام‭ ‬القائم‭ ‬العلمية،‭ ‬وتتلمذ‭ ‬على‭ ‬ابرز‭ ‬أساتيذها‭ ‬آنذاك،‭ ‬نذكر‭ ‬منهم: * ‬سماحة‭ ‬العلامة‭ ‬الحجة‭ ‬الشيخ‭ ‬نمر‭ ‬النمر * سماحة‭ ‬العلامة‭ ‬الحجة‭ ‬السيد‭ ‬علي‭ ‬أصغر‭ ‬المدرسي .  * آية  الله السيد علي المددي. * الفقيه العارف آية الله السيد كاظم المدرسي.‬

ــ ‬في‭ ‬العام‭ ‬1410هـ‭ ‬سافر‭ ‬إلى‭ ‬مدينة‭ ‬الشام،‭ ‬السيدة‭ ‬زينب (عليها السلام)،‭ ‬وحضر‭ ‬أبحاث‭ ‬أصحاب‭ ‬السماحة‭ ‬آيات‭ ‬الله:  * ‬السيد‭ ‬إبراهيم‭ ‬الزنجاني.‬  * الشيخ‭ ‬المحمدي‭ ‬البامياني‭ ‬الأفغاني.‬ وفي‭ ‬أبحاث‭ ‬خارج‭ ‬الفقه‭ ‬حضر‭ ‬عند * ‬آية‭ ‬الله‭ ‬العظمى‭ ‬السيد‭ ‬محمد‭ ‬علي‭ ‬الطباطبائي.‬ * ‬آية‭ ‬الله‭ ‬السيد‭ ‬عباس‭ ‬المدرسي.‬

ــ  مستشار في ‬مجلة‭ ‬البصائر‭ ‬الدراساتية،‭ ‬التي‭ ‬تصدر‭ ‬عن‭ ‬مركز‭ ‬البحوث‭ ‬والدراسات‭ ‬الإسلامية‭ ‬في‭ ‬حوزة‭ ‬القائم‭ ‬العلمية‭.‬

ــ من‭ ‬مؤلفاته‭ ‬المطبوعة: * ‬برنامج‭ ‬بناء‭ ‬الشخصية‭ ‬الإسلامية. * ‬تأملات‭ ‬في‭ ‬الحديث‭ ‬عند‭ ‬الشيعة‭ ‬والسنة‭.

ــ كما‭ ‬أن‭ ‬له‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الدراسات‭ ‬الثقافية‭ ‬والفكرية‭ ‬المنشورة‭ ‬في‭ ‬مجلة‭ ‬البصائر‭ ‬الدراساتية،‭ ‬وما‭ ‬زال‭ ‬يواصل‭ ‬عطاه‭ ‬الفكري‭ ‬والثقافي‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬المجلة‭.‬

 1 2 3


ارسل لصديق