صور من حقوق الإنسان في القرآن الكريم*
كتبه: د. محمد باغستاني
العدد (41) السنة 18 - 1428هـ/ 2007م
التعليقات: 0
القراءات: 13950

تُعدّ المرحلة الأُولى من بعثة الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) ودعوته المباركة -والتي طالت ثلاث سنوات- من المراحل المجهولة نسبيًّا بين مراحل الدعوة الإسلامية. فالمصادر التاريخية والحديثية لا تذكر سوى القليل عن كيفية حدوث التحول الجذري في المسلمين الجُدد، وكيفية اعتناقهم للإسلام في تلك المرحلة.

ولكن -ورغم ذلك- فإن أهمية هذه المرحلة القصيرة والخفيّة تبدو واضحة للعيان حينما نجد أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يكن وحده في بداية السنة الرابعة من الدعوة، وذلك حينما نزلت آية الإنذار[1] وأطلق النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) دعوته العلنية، بل كان يرافقه جمع من المسلمين الجدد الذين شكَّلوا النواة الأُولى للأمة، والذين استقاموا بكل صلابة في مواجهة كل المصاعب والمشاكل التي كان يثيرها المشركون في مسيرتهم، وساهموا بذلك في السير بالدعوة الإسلامية قُدماً إلى الأمام.

السؤال الأساسي المطروح هنا هو: ما الذي حدث في السنوات الثلاث الأُولى من البعثة الرسالية بحيث أدى إلى خلق تحوّل روحي جذري في المسلمين الجدد، وأعدّهم لتقبّل كل عمليات الإيذاء والتعذيب التي كانت تمارسها قريش بحقهم، دون أن يحدّثوا أنفسهم بالتخلي عن انتمائهم العقيدي الجديد؟

ولعدم وجود المصادر التاريخية والحديثية بهذا الشأن، فإن القرآن الكريم يبقى المصدر الوحيد القادر على تسليط الضوء على الزوايا الخفية لهذه المرحلة التاريخية، رغم أن التحليلات التاريخية للمؤرخين وعلماء السيرة لم تلجأ إلى هذا الأسلوب بما يتناسب ومكانة المصحف الشريف إلاّ قليلاً، ذلك لأن محتوى ومضمون الدعوة النبوية، باعتبارها العامل الأهم في اعتناق الإسلام بواسطة المسلمين الجدد في المرحلة الأُولى من الدعوة، موجود في القرآن لا غير.

إن أهم ما يسلط الضوء على سر نجاح الرسول العظيم (صلى الله عليه وآله وسلم) في بسط دعوته في السنوات الأُولى من البعثة، وإيجاد النواة الأُولى والأساسية في الدعوة الإسلامية، هو معرفة المبادئ التي كان الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) يدعو الناس إليها في تلك السنوات ونوعية السلوك الفكري والعملي الذي كان يطالبهم بالتحلّي به.

فبعد مبدأ التوحيد الذي يُعد أول وأهم مبدأ عَقَدِيّ للمسلمين، وكذلك المعاد الذي يحظى بأهميّة قصوى في حثّهم على القيام بالأعمال الصالحة واجتناب الأعمال السيئة، يبدو أن التركيز على حقوق الإنسان الفردية والاجتماعية كان من أهم المبادئ والمفاهيم التي تضمنتها الدعوة الإسلامية منذ بداية انطلاقتها، حيث كان الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وعبر آيات القرآن الكريم، يؤكد للمسلمين الجدد بكل وضوح أن أساس دعوته هو توعية الناس وتعريفهم بحقوقهم الأساسية، وكان الجانب الاجتماعي في الحقوق هو الأكثر تركيزاً.

وقد يُثار هذا التساؤل هنا: وهل هناك طريق أخرى غير هذه الطريق لصنع حركة اجتماعية، وخلق مجموعة تؤمن بهدف اجتماعي وتعمل من أجله؟ وهل يستطيع أي قائد ومنظِّر اجتماعي أن يخلق نهضة اجتماعية عارمة من دون التأكيد على حقوق الإنسان؟

وتنبع أهمية هذا التساؤل من أننا ومن خلال دراسة تاريخ الحركات الاجتماعية، الناجحة والفاشلة، على السواء، نستطيع القول بأن جميع هذه الحركات أكدت في المراحل الأُولى من مسيرتها على حقوق الإنسان، وعندما حققت بعض النجاحات تحدّثت عن الوظائف والواجبات، وقد نشاهد بعضها قد تخلى فيما بعد عن التأكيد على الحقوق التي وعد بها أتباعه، أو -على الأقل- قلَّل من الاهتمام بها.

وفي الجواب لابدّ من القول:

لأن دعوة الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) كانت دعوة دينية، فقد كان المتوقّع منها أن تؤكد بالدرجة الأُولى على الأهداف المعنوية والروحية المحضة، وأن تدعو جماهيرها -كسائر الدعوات الدينية المماثلة- إلى التزكية الروحية، وأن تقدم لأتباعها برنامجاً عمليًّا يعلّمهم طريقة بناء الذات معنويًّا وروحيًّا، لا أن تكون مجرد حركة اجتماعية.

ولكن بدراسة المضامين المطروحة في المرحلة الأُولى من الدعوة، نلاحظ أن نسبة عالية من موضوعات ومفردات الدعوة كانت تتعلق بالجانب الاجتماعي، وأن الدعوة الإسلامية كانت تثير -وبوضوح كبير- الأبعاد المختلفة لحقوق الإنسان في المجتمع. وبإمكان هذا الشاهد التاريخي المهم أن يثبت المضمون الاجتماعي للدين الإسلامي، وينفي النظرات الروحية المعنوية المحضة لهذا الدين، كما يمكن أن يكون معياراً واضحاً لتحديد مدى الانسجام والتطابق بين الاتجاهات الدينية التي ظهرت فيما بعد في المسيرة الإسلامية وبين المضمون الأساسي للدعوة الإسلامية.

إن المنهج الذي اخترناه في الاستناد إلى القرآن الكريم في هذه الدراسة يقوم على الأسس التالية:

1- إلى جانب القبول بالمناهج المختلفة في الاستناد إلى القرآن الكريم، فإننا في هذا المنهج نتعامل مع المصحف الشريف باعتباره نصًّا تاريخيًّا.

2- إن الاستناد إلى شأن نزول الآيات، وترتيب الآيات والسور بناءً على زمن النزول، مأخوذ من الجدول الموجود في كتاب «تاريخ تحوّل قرآن»[2].

3- إن هذه الدراسة تشمل السور التي كان تاريخ نزولها[3] في السنوات الثلاث الأُول من البعثة النبوية.

4- اخترنا موضوع (حقوق الإنسان) ليكون شاهداً على إثبات فرضية أنَّ اطِّلاع ومعرفة المسلمين الجدد بحقوقهم الإنسانية كان من أهم عوامل اكتساب الهوية الجديدة وتبلور شخصيتهم المختلفة، كما منحهم القدرة على الاستقامة في مواجهة ضغوط المشركين.

5- الهدف الأساسي من هذه الدراسة هو تقديم صورة عامة عن صدى حقوق الإنسان في القرآن الكريم ليس إلاّ، ولذلك فإن الدراسة لا تقوم بمقارنة بين حقوق الإنسان في القرآن الكريم وبين ما يُطرح اليوم من الحقوق المعاصرة في العلاقات البشرية.

6- المقصود بعبارة (حق الإنسان) هو نفس المفهوم العام الذي يتجلى في العلاقات الفردية والاجتماعية للإنسان، والتي يجب أن يتعرف عليها هو أولاً ويراعيها، كما على الآخرين أن يعترفوا بها ويراعوها. لذلك فإننا لا نناقش في هذه الدراسة الموضوعات الحقوقية المعقّدة.

7- إن استلهامنا من الآيات القرآنية يقوم بالدرجة الأُولى على فهمنا الأولي لألفاظ الآيات والناتج عن النظرة اللغوية، وقد نستفيد أحياناً من صراحة منطوق الآية أو من «المفهوم المخالف» المقبول في مباحث الألفاظ في علم الأصول.

8 - إن كلمتي «الإنسان» و «الناس» وضمائر الجمع الخطابية والغيابية، هي أكثر الألفاظ الموجودة في الآيات القرآنية التي نستند إليها، الأمر الذي يساعد على تأييد الاستنتاجات التي تتوصل إليها الدراسة.

9 - لا أحد يزعم حصر التفسير في الموارد المذكورة أو صحة المصاديق في جميع الموارد، ومن الطبيعي أن يكون المجال مفتوحاً لإبداء وجهات نظر جديدة من قبل القرّاء الكرام.

السنة الأُولى من البعثة:

في هذه السنة نزلت خمس عشرة سورة بين كاملة وناقصة على الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم) وهي حسب ترتيب النزول:

1- العلق 2- المدثر 3- العصر

4- الذّاريات 5- التكاثر 6- الطور

7- الإخلاص 8- الغاشية 9- الطارق

10- الانفطار 11- الشمس 12- الكوثر

13- الأعلى 14- البروج 15- التكوير.

أول حق تطرحه هذه السور هو:

1- حق الحياة:

فعندما يولد الإنسان ويفتح عينيه على هذه الدنيا، يتمتع بحقه في الحياة، قبل وأكثر من أي حق آخر. فلابدّ أن يعيش، ولا يجوز لأحد أو جماعة أن يسلبه هذا الحق الذي يُعد الأم والأساس لسائر الحقوق الإنسانية الأخرى.

في سورة البروج (وهي رقم 14) نقرأ الآيات التالية:

{قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ (4) النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ (5) إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ (6) وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ (7) وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاَّ أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ?.

تصوِّر لنا هذه الآيات الكريمة حفرة مستطيلة مملوءة بالنار، يحترق فيها جمع من الناس، في حين يجلس على حافتها جمع آخر يتفرجون عليهم. وقد وصفت الآيات الجماعة الأُولى بأنهم مؤمنون، ولم تصف الجماعة الثانية بوصف محدد.

وقد ذكرت المصادر التاريخية قصة (ذي نواس) الملك اليهودي الذي حكم اليمن في القرن الرابع الميلادي، وأنه انتقم من النصارى الذين رفضوا اعتناق اليهودية، وأحرق المؤمنين منهم جماعات جماعات في أخاديد مليئة بالنيران وهم أحياء[4].

إن لهجة الآيات الاستنكارية تشير إلى حق الجماعة المؤمنة في الحياة والعيش، والذين أُحرقوا أحياءً بسبب إيمانهم بالله العزيز الحميد.

والملفت في هذه القضية أن الحادثة التي تشير إليها الآيات كانت قد وقعت في اليمن، وهي منطقة خارجة عن الحجاز ولكنها كانت أقرب المناطق التي كانت تقيم علاقات مع عرب الحجاز من جهة، وكانت هذه الحادثة مشهورة في المنطقتين من جهة ثانية، وهنا نلاحظ أن القرآن الكريم وفي القرن السابع الميلادي يشير إلى حادثة ترتبط بحق الحياة لجماعة من الناس عاشت قبل ثلاثمائة عام من نزول القرآن.

وفي آخر سورة نزلت في السنة الأُولى من البعثة النبوية وهي سورة التكوير (رقم 15) يشير الله تعالى ضمن الحديث عن يوم القيامة الذي هو يوم تطبيق العدالة والمحاسبة عن الحقوق الإنسانية، يشير مرة أخرى إلى حق الحياة للإناث اللاتي كان العرب يئدونهن أحياءً: {وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ (8) بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ؟?.

إنَّ هذا الاستفهام الاستنكاري القصير عن تقليد سائد قبيح، هو استفهام عن واقع تاريخي كان موجوداً بين العرب آنذاك، وعندما يطرح القرآن الكريم هذا السؤال فهو، بالإضافة إلى إشارته لواحدة من حقائق الحياة الاجتماعية العربية يومذاك، يريد التأكيد على أن كل إنسان يولد يتمتع بحق الحياة، سواء في ذلك المؤمنون المسيحيون الذين كانوا يعيشون قبل نزول القرآن بثلاثة قرون، أو البنات المولودات حديثاً في المجتمع العربي!

إن المنطق الجديد لهذا الدين هو الدفاع عن حق الحياة بشكل مساوٍ ولعامة الناس، وفي كل مراحل العمر المختلفة، وبغض النظر عن الجنس (ذكراً كان أو أُنثى) والانتماء العَقَدِيّ والفكري، والموطن الجغرافي.

وهكذا، فإن المسلمين الجدد لم يكملوا السنة الأُولى من البعثة النبوية إلاّ وكانوا قد تعرفوا على أهم حق للإنسان وهو حق التمتع بالحياة والعيش الكريم، ولزوم احترام هذا الحق الذي يبلغ درجة عالية من السعة والشمول بحيث لا يجوز لأي أحد أو جماعة مهما كان يملك من امتيازات ومناصب وعلاقات متميزة بالإنسان أن يسلبه هذا الحق، سواء كان حاكماً يهوديًّا في القرن الرابع الميلادي في اليمن، أو كان أباً عربيًّا بدويًّا يئد ابنته في صحراء الحجاز، لأنه يرى فيها العار أو التبعات الاقتصادية التي لا يريد تحمّلها.

السنة الثانية من البعثة:

وفي هذه السنة نزلت على الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) 18 سورة (بين كاملة وناقصة) وهي التالية حسب الترتيب التاريخي للنزول:

1- الانشراح 2- الضحى 3- الناس

4- النازعات 5- المدّثر 6- الليل

7- الماعون 8- المعارج 9- الشمس

10- المرسلات 11- النبأ 12- قريش

13- النجم 14- الفجر 15- الانشقاق

16- عبس 17- الهُمَزة 18- الكافرون.

في هذه السور الكريمة نلاحظ الإشارة إلى الحقوق الإنسانية التالية:

2- حق استقلال الشخصية:

في سورة الضحى، وهي السورة الثانية النازلة في هذه السنة، يُذكِّر الله تعالى نبيه الكريم بأيام طفولته التي قضاها يتيماً في كنف اللطف الإلهي، ثم يطالبه بعد ذلك بعدم تحقير اليتيم وسحق شخصيته:

{أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (6) وَوَجَدَكَ ضَالاً فَهَدَى (7) وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى (8) فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلاَ تَقْهَرْ?.

أولاً: بالنظر إلى هيكل النظام العائلي ودور الأب في ولاية الأطفال، فإن النقص الأهم الذي يشعر به اليتيم هو انعدام الأرضية اللازمة لتمتعه بشخصية اجتماعية مستقلة، لاسيّما في المجتمع الجاهلي الذي كان يقوم على رابطة النسب والتفاخر بالأنساب والآباء. فللتأكيد على ضرورة الاهتمام برعاية حقوق الناس، يشير الله تعالى إلى أضعف الفئات الاجتماعية وأكثرها تعرّضاً للخطر، ويحذِّر المجتمع البشري من مغبّة إهمال القاصرين المحرومين من ولاية الأب، إذ تُعد هذه النقطة من أهم المخاطر الاجتماعية التي قد تتحوّل في بعض الحالات إلى مشكلة اجتماعية كبرى. وهذا المبدأ القرآني هو الذي يفسِّر لنا سر الاهتمام الكبير الذي كان يبديه الإمام علي (عليه السلام) بالأيتام ووصاياه الكثيرة بشأنهم في كلمات نهج البلاغة[5].

ثانياً: بتذكير النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) بطفولته ويُتمه في السابق، وبشخصيته الفعلية، فإن القرآن يخطو الخطوة الأُولى في التأكيد على شخصية الإنسان المستقلة بعيداً عن انتماءاته النسبية والسببية، وبذلك يتحدى النظام القبلي الصارم الذي يذوِّب الشخصية الفردية المستقلة للأفراد في بوتقة كيان القبيلة. ويبدأ القرآن هذا الأمر بالإشارة إلى شخصية اليتيم المعنوية المستقلة، في حين كان الأيتام في ذلك العصر يُعدّون من أضعف الفئات في المجتمع العربي.

3- حق مساواة الناس أمام الله:

في سورة الناس (وهي السورة الثالثة) يعرِّف الله سبحانه نفسه -قبل كل صفة أخرى- بالعبارات التالية: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (1) مَلِكِ النَّاسِ (2) إِلَهِ النَّاسِ? فهو رب، وملك، وإله الناس.

في البدء يعطي الله تعالى لنفسه حصراً حق السيادة على الناس باعتباره الربّ والمربي لهم، ثم ينقد -بشكل غير مباشر- احتكار السيادة والسلطة بشكل تقليدي لطبقة خاصة كالنبلاء ورؤساء القبائل، كما كان سائداً بين قبائل مكة والجزيرة العربية بشكل عام عبر قرون متطاولة من الزمن، ويعلن لا شرعية ذلك.

وبتسفيه حق هذه الطبقات المستعلية في السيادة على الناس، يمهِّد الطريق لحق السيادة العامة، خاصّة حينما لا يعرِّف نفسه بأنه رب النبلاء أو رب رؤساء القبائل كما كان يحلو لهم ادِّعاء ذلك وأن حقهم في السيادة هو من الله وأنهم أقرب إلى الله من عامة الناس، بل يعرِّف الله نفسه بأنه «ربّ الناس» فالناس كلهم متساوون أمام ربوبية الخالق.

4- حق التمتع بالهداية الإلهية:

في سورة النازعات (وهي السورة الرابعة في السنة الثانية من البعثة) يشير الله تعالى إلى مسألة عجيبة حيث يقول -مخاطباً نبيه الكريم موسى (عليه السلام)-: {اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (17) فَقُلْ هَل لَّكَ إِلَى أَن تَزَكَّى (18) وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى (19) فَأَرَاهُ الآيَةَ الْكُبْرَى (20) فَكَذَّبَ وَعَصَى?.

هنا يتحدث الله تعالى عن أبشع أنواع الظلم البشري (وذلك حين يدَّعي الإنسان الربوبية من دون الله) ويشير إلى أن الإنسان مهما بلغ من الضلال والظلم والسقوط في وحل الذنوب فإنه لا يزال يتمتع بحق الهداية الإلهية، حتى ولو كان فرعون الذي ادعى الربوبية.

إنّ هذه النظرة النسبية للإنسان، وضعت أمام المسلمين الجدد رؤى وأفكاراً جديدة في مجال حقيقة الإنسان وماهيته، ودلّلت على مدى سعة دائرة حقوق الإنسان التي تشمل حتى أحطّ حالات البشر (وهو الظلم وادِّعاء الربوبية).

5- حق التمتع بنعم الطبيعة:

في نفس السورة المذكورة (النازعات) يسلط الله الضوء على نعمه الطبيعية مثل: السماء، والأرض، والجبال، والماء، والمرعى، ثم يشير إلى أنَّ كل تلك النعم هي في خدمة الإنسان وأنعامه: {مَتَاعًا لَّكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ? ما يدل على حق عموم الناس في التمتع بالنعم الطبيعية.

6- حق التمتع بنتيجة العمل:

في هذه السنة أنزل الله تعالى الآية الكريمة: {وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى?[6] وبذلك أكد على الحق الخاص لكل إنسان بأن يتمتع بثمار ونتائج عمله وجهده الشخصي والاجتماعي. وبملاحظة التركيب الأدبي والبلاغي للآية الكريمة نجد أنها تعطي هذا الحق للإنسان حينما تكون النتائج حصيلة عمله هو وسعيه الخاص، وهكذا فإن الآية -وبلغة كنائية- تمنع الإنسان من التطاول على نتائج سعي الآخرين التي تُعد من حقوقهم الخاصة.

7- حق التمتع بنظام سليم لتدوير الثروة:

سورة الليل هي السورة السادسة التي نزلت في السنة الثانية من البعثة النبوية، في هذه السورة نقرأ الآيات التالية التي تشير إلى الحق المذكور:

{فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (7) وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (8) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (9) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى?.

في الحياة الاجتماعية السليمة، يحق لكل واحد من الناس أن يلعب دوراً في تدوير الثروة، لكي تهبط المشاكل الاجتماعية إلى أدنى مستوى ممكن. من هنا فإن باستطاعة الناس، إذا كانت لهم مواصفات خاصة، أن يساهموا في الحركة السليمة لعجلة الاقتصاد العام، كما باستطاعتهم، إذا كانت لهم مواصفات أخرى، أن يعملوا على تباطؤ هذه الحركة أو إيقافها بشكل كامل.

في سورة الليل يشير الله تعالى إلى طرازين من الشخصيات الاقتصادية: «السخيّة» و«البخيلة» ويربط بين صفاتهما المتباينة وبين عقيدتهما في الله، وبذلك يبيّن لنا المجتمع السليم الذي يريده الله للناس. ففي هذا المجتمع يحق للناس أن يتمتعوا بحركة الثروة وتدويرها بشكل سليم، وهنا يمتدح الله سبحانه الأسخياء المعطائين، من جهة دورهم الإيجابي في تسريع هذه الحركة في النظام الاقتصادي، كما يذم البخلاء بسبب أنهم يضعون العصي في عجلة الحركة الاقتصادية السليمة. فالمعطاؤون المؤمنون بالله والمصدِّقون بالحُسنى، سيوضعون على سكّة اليُسر والسهولة في حياتهم الشخصية كما يوفرون اليُسر لمجتمعهم أيضاً. أما البخلاء الذين لا يؤمنون بالله ويُكذبون بالحسنى، فسيجدون العُسر والمشقة في حياتهم الخاصة، كما يورثون المتاعب للمجتمع.

8- حق المحرومين في التمتع بالرعاية الاجتماعية:

وفي هذه السنة أنزل الله سورة (الماعون) التي تتحدث عن عدد من الحقوق الإنسانية المهمة، وبالخصوص ما يرتبط ببعض الفئات الضعيفة:

{أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (1) فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ? تشير الآيتان إلى حق التمتع بالمحبة. فالمحبة من قواعد استقامة المجتمعات الإنسانية، بحيث لو تخلى المجتمع عن علاقات المحبة المتبادلة، عليه أن ينتظر السقوط والتمزق. وبالنظر إلى موقع اليتيم في المجتمعات البشرية، وحاجته المتزايدة للمحبة والرأفة، نستطيع القول -انطلاقاً من المنطق القرآني- إن نوعية موقف المجتمع من اليتيم تكشف عن وجود السلامة الأخلاقية أو عدمها في ذلك المجتمع. فالتعامل السلبي والعنيف مع اليتيم، قد ينعكس عنفاً وسلبية في العلاقات بين سائر الفئات الاجتماعية أيضاً.

ثم تتواصل آيات السورة: {وَلاَ يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ?.

أحد أهم الحقوق الطبيعية للإنسان في المجتمع هو حقه في الطعام للحفاظ على حقه في الحياة وهو أول الحقوق الطبيعية. والمسكين هو نموذج لكل من لا يستطيع التمتع بحقه في الطعام، ولذلك فإن حياته مهدَّدة بالخطر. وعندما يربط القرآن الكريم بين التكذيب بالدين وبين عدم الحض على طعام المسكين، فإنه يشير مرة أخرى إلى أن المجتمع المقبول وفق القيم الإلهية هو ذلك المجتمع الذي يستطيع كل أبنائه التمتع بالطعام، لضمان استمرار حياتهم.

وفي سورة عبس (وهي السورة 16 في العام الثاني) يتحدث الله تعالى عن موقف معين مع الأعمى مُديناً إياه: {عَبَسَ وَتَوَلَّى (1) أَن جَاءهُ الأَعْمَى...?.

إن الحياة الاجتماعية السليمة تحتاج إلى التآلف والتوادد المتبادل بين الأفراد. فالإنسان عن طريق التآلف والتوادد مع الآخرين يرتقي في درجات التكامل والنضج المعنوي، بعد أن يكتشف عن هذه الطريق نقاط ضعفه ونقاط قوته. وإنما يتحول هذا التآلف إلى حالة اجتماعية راسخة إذا كان طبيعيًّا أولاً، وإذا كان شاملاً وعامًّا ثانياً. ففي بداية هذه السورة يصوِّر الله لنا وجه إنسان يعبس لمجرد مجيء إنسان أعمى، كنموذج لطبقة اجتماعية محرومة، حتى أنه لا يستطيع أن يرى عبوس الآخرين في وجهه بالرغم من أنه يحظى بالإحساس الإنساني كغيره من البشر، وهذا يعني حرمانه من أحد حقوقه الأساسية. فكل إنسان في المجتمع -حتى ولو كان أعمى- من حقه أن يتمتع بالعلاقات الإيجابية والمؤالفة مع الآخرين، ويُعد هذا أحد الحقوق الأساسية له.

9- حق التمتع بصدقية التعامل:

إذا لم يستطع الناس زرع الثقة المتبادلة في علاقاتهم الاجتماعية، فإن صرح القواعد والقيم الأخلاقية سينهار، من هنا فإن الله تعالى أنزل في السنة الثانية من البعثة الآيات التالية من سورة الماعون: {فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ (4) الَّذِينَ هُمْ عَن صَلاَتِهِمْ سَاهُونَ (5) الَّذِينَ هُمْ يُرَاؤُونَ...? وبتذكيرنا بصفة (الرياء) السيئة، يشير الله سبحانه إلى حق الناس جميعاً في التمتع بسلوك اجتماعي صادق من قبل الآخرين ليس فيه كذب وتكلّف وتظاهر، إذ إن (الرياء) يقضي على حالة الثقة الاجتماعية العامة، ويَحرُم الناس من أحد حقوقهم الإنسانية.

10- حق التمتع بوسائل وإمكانات العيش:

وفي السورة نفسها يستخدم القرآن كلمة الماعون في الآية الكريمة: {وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ? ليشير إلى حالة احتكار الثروة من قبل جماعة من الناس الذين يمنعون غيرهم من التمتع بأبسط الوسائل والإمكانات الضرورية للعيش الكريم. من هنا نعرف أن كل الناس لهم حق التمتع بالإمكانات والوسائل الضرورية للعيش، وعلى من يملك ذلك أن يعين المحرومين منه.

11- حق المحرومين في أموال الأثرياء:

سورة (المعارج) هي السورة الثامنة نزولاً في السنة الثانية من البعثة. وتشير آيات هذه السورة إلى واحدة من علامات المصلّين الواقعيين، وهي معلومية ووضوح حق المحرومين في أموالهم: {إِلاَّ الْمُصَلِّينَ (22) الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاَتِهِمْ دَائِمُونَ (23) وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ (24) لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ?.

ما يريده الله تعالى من أغنياء المجتمع الإيماني هو أن يهتموا بشكل دائم وثابت بالفقراء ويعترفوا بحقوقهم المعيَّنة في أموالهم. فآيات السنة الأُولى من البعثة تتحدث بشكل عام عن ضرورة الاهتمام بالفئات الاجتماعية الضعيفة كالفقراء والأيتام والمساكين، في حين أن آيات السنة الثانية تتحدث عن حق اقتصادي معيّن ومعلوم قرَّره الله تعالى للسائل والمحروم في أموال المؤمنين الصادقين.

12- حق التمتع بالأمن الاجتماعي:

تتوقف الحياة الاجتماعية على ترسيخ الأمن بشتى ألوانه في ربوعه. وقد اهتمت الآيات النازلة في السنة الثانية من البعثة بهذا الأمر. الأبعاد المختلفة للأمن الاجتماعي هي التالية:

ألف: الأمن الجنسي

{وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (29) إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (30) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ?[7].

من الحقوق الأساسية في النظام الاجتماعي للإسلام هو وضع العلاقات الجنسية في إطار منضبط. وعند بزوغ فجر الإسلام لم تكن العلاقات الجنسية في المجتمع الجاهلي تضبطها قواعد وقيم معينة، إلاّ أن هذه الآيات جاءت، بعد ذكر المؤمنين المداومين على الصلاة لتقرر حق الأمن العام في مجال العلاقات الجنسية وبيان حدود ذلك، وإن من يتجاوزون حدود الله في هذا المجال هم العادون.

باء: الأمن الاقتصادي

تقول الآية الآلية في سورة المعارج: {وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ?[8]. فمن الصفات البارزة للمؤمنين المصلّين هو أمانتهم في الأمور الاقتصادية. إن الأمانة تلعب دوراً كبيراً وأساسيًّا في الازدهار الاقتصادي والتجاري لكل مجتمع، ولابدّ أن يتمتع المجتمع السليم بهذه الحالة.

جيم: أمانة العهود:

في نفس الآية 32 من سورة المعارج: {وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ? يعالج القرآن جانباً آخر من العلاقات الاجتماعية السليمة، وهو احترام العهود والمواثيق والاتفاقيات، سواء الكتابية منها أو الشفهية. فمن حق الناس في المجتمع الإسلامي الجديد أن يتمتعوا بالأمن في العهود، الأمر الذي يعزز الأمن في المجالات الأخرى من العلاقات الاجتماعية. وبالإشارة إلى هذه الصفة للمؤمنين يريد الله تعالى أن يعزِّز القواعد الأخلاقية في العلاقات الاجتماعية والاقتصادية.

دال: الأمن الأخلاقي

في سورة الهُمزة (وهي السورة 17 في السنة الثانية من البعثة) يشير الله تعالى إلى حق آخر من حقوق الإنسان الأساسية: {وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ?.

يحظى الأمن الأخلاقي وعِرض الإنسان وشرفه بدرجة كبيرة من الأهمية في الإسلام، بحيث يُعد ذكرُ سلبيات الإنسان ونقاط ضعفه حتى في غيابه أمراً مذموماً للغاية (وهو ما يسمى بالغيبة) إذ إن اغتياب الإنسان يهدد شرف الإنسان وشخصيته بالخطر، والله تعالى يقرّ هذا الحق للإنسان، وأنّ على كل الناس أن يتمتعوا بهذا الحق وأن يحترموه.

13- حق التمتع بنظام قضائي فاعل:

إن أهم وسيلة لاستيفاء الحقوق الفردية والاجتماعية هو وجود نظام قضائي فاعل وحيوي في المجتمع، وبنزول الآية الكريمة: {وَالَّذِينَ هُم بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ?[9] يشير الله سبحانه إلى أحد أهم أركان حكم القضاء، والذي يلعب دوراً أساسيًّا في استيفاء حقوق الناس، ويعطي للنظام القضائي فاعلية أكبر، وهو «إقامة الشهادة». فإقامة الشهادة حق من حقوق الناس، لأن الشهادة الصحيحة الثابتة هي التي تحق الحق وتُبطل الباطل في الخلافات الناشبة بين الناس.

14- حق السؤال:

في هذه السنة نزلت سورة النبأ مفتتحة بالآيات التالية: {عَمَّ يَتَسَاءلُونَ (1) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ (2) الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ (3) كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ (4) ثُمَّ كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ?.

تتساءل بداية السورة عن سؤال كان يطرحه بعض الناس على النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم). وبنزول هذه الآيات يُقرّ الله تعالى حق السؤال للناس، ثم يشير إلى اختلاف الناس حول موضوع السؤال، ولكن المهم في الأمر أن الله سبحانه يخبر نبيه بأن الناس المتسائلين سوف يتلقون جواب سؤالهم عمّا قريب. ويبدو من لهجة الآية الكريمة أن المتسائلين كانوا جماعة من الكفار منكري التوحيد والمعاد، ولكن لا فرق، فمهما تمادى الإنسان في عناده مع الله، فإن حق السؤال يبقى محفوظاً له. إذن لا فرق بين المؤمنين والكفار في أنهم جميعاً يتمتعون بحق السؤال. وأن الله يجيب على تساؤلاتهم بشكل من الأشكال.

15- حق الناس في الحصول على الهداية الدينية الصحيحة:

بنزول سورة النجم (وهي السورة 13 في السنة الثانية من البعثة) أقرّ الله تعالى للناس حقهم في نيل الهداية الدينية الصحيحة. تقول الآيات الأُولى من السورة: {وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (1) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (2) وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى (4) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى?.

فالله سبحانه حينما ينفي عن نبيّه الكريم الغواية والضلال، ويمهِّد أفكار الناس للآيات التالية في السورة، يقرّ بذلك حق الناس في الاهتداء بهداة يثقون بهم وبعقولهم وفهمهم الصحيح لرسالتهم. إن هذا الموضوع جرى التأكيد عليه في السنة الثالثة من البعثة النبوية أيضاً، وذلك بنزول سورة الحاقّة، التي يبيِّن الله فيها بكل صراحة أن لو أراد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يتقوَّل على الله فإنه سبحانه سيقضي عليه: {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ (44) لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (45) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ?[10].

في هذه الآيات يؤكد الباري عزّ وجلّ حق الناس في التمتع بالهداية الإلهية الخالصة، ويشير إلى أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لو قصَّر في إبلاغ الوحي الإلهي بشكل صحيح إلى الناس فإن الله سيقتله لأنه تسبب في حرمانهم من حقهم الأساسي في الحصول على الهداية الإلهية الصحيحة.

16- حق المطالبة بدليل علمي:

في سورة النجم ذاتها يوجّه القرآن الناس ألَّا يقبلوا شيئاً من الموضوعات العقيدية دون دليل وبرهان، وذلك حينما تتحدث الآيات عن ادعاءات المشركين حول جنس الملائكة وأن زعمهم لا يستند للعلم والدليل: {إِنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلاَئِكَةَ تَسْمِيَةَ الأُنثَى (27) وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا?[11].

فالله تعالى يريد للناس أن يمارسوا حقهم في الاتِّباع المستند إلى العلم، والاعتقاد القائم على الدليل والوعي وليس الظن والاحتمال، إذ الظن لا يغني من الحق شيئاً، ولذلك فمن حق الناس -خاصة في الأمور المرتبطة بالعقيدة والإيمان- أن يستندوا في قناعاتهم ومعتقداتهم إلى براهين علمية.

17- حق التمتع بالعدل والصلاح:

في سورة النجم نقرأ الآيات التالية: {وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الأُولَى (50) وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى (51) وَقَوْمَ نُوحٍ مِّن قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى?[12].

تحظى الأرض -باعتبارها مسكناً للبشر- بلطف الله عزّ وجلّ وعنايته، فهو سبحانه يريد الإصلاح للأرض ويرفض الإفساد، لأن كل واحد من الحالتين يؤثر سلباً أو إيجاباً على حياة الناس على وجه الأرض، لذلك فإن الله يقر حق مواصلة الحياة على وجه الأرض لكل الأمم والأقوام مادام ذلك ممكناً، ولا يجوز تهديد حق الحياة بالإفساد في الأرض.

وبعد سورة النجم تؤكد سورة الفجر التي نزلت بعد النجم في السنة الثانية على هذه الحقيقة، حيث يقول الله تعالى:

{أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (6) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (7) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلاَدِ (8) وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ (9) وَفِرْعَوْنَ ذِي الأَوْتَادِ (10) الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلاَدِ (11) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ (12) فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ?.

فبهذا السبب أُهلك قوم عاد وثمود وآل فرعون في مصر. فلقد هددوا حق الحياة للناس في عصورهم، وتجاهلوا أكبر وأهم حق للناس.

18- حق الحرية في الدين والشعائر الدينية:

وفي آخر سورة نزلت في السنة الثانية للبعثة وهي سورة الكافرون، يتحدث الله عزّ وجلّ عن أهم حق للإنسان بعد حق الحياة، وهو حق انتخاب الدين: {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (1) لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (2) وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (3) وَلاَ أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ (4) وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (5) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ?.

إنّ حاجة الإنسان إلى المعنويات، ورغبته الطبيعية في اعتناق الدين، هما من حقوقه الخاصة، وهذه السورة تُقرُّ حق الإنسان في التمتع بالدين الذي يختاره بشكل شخصي -بغض النظر عن صوابه أو خطئه في الانتخاب- ومن هنا نستلهم أنه لا يحق لأيّة جهة أن تفرض الدين والمعتقد على جهة أخرى. بل من حق كل إنسان أن يختار، وإن كان سيُحاسب على سوء اختياره إن كان مخطئاً.

السنة الثالثة من البعثة:

في هذه السنة نزلت 29 سورة - بين ناقصة وكاملة - وهي حسب ترتيب النزول:

1- تتمة سورة العلق 2- الغاشية 3- القيامة

4- التين 5- الواقعة 6- الرحمن

7- الأعلى 8- الفاتحة 9- العاديات

10- الحاقة 11- النازعات 12- تبت

13- الفلق 14- البلد 15- التكاثر

16- الفيل 17- القلم 18- الفجر

19- الزلزال 20- الطارق 21- النجم

22- القارعة 23- الصافّات 24- الانفطار

25- المعارج 26- المطففين 27- الدخان

28- المؤمنون 29- الشعراء.

بعد الدفاع عن حق الحرية في الدين والشعائر الدينية في نهاية السنة الثانية من البعثة (عبر آيات سورة الكافرون)، أنزل الله تعالى في بداية السنة الثالثة الآيات التالية من سورة العلق: {أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (9) عَبْدًا إِذَا صَلَّى?. وبذلك يذم الذين يمنعون الآخرين من ممارسة عباداتهم الدينية، وهكذا فإن القرآن يدافع عن حق إقامة الشعائر الدينية لكل شخص.

وتأكيداً على هذه الحقوق الدينية نزلت بعض آيات سورة الغاشية: {فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ (21) لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ?[13]. حيث تدافع الآيات عن حق الانتخاب للإنسان حتى لو كان مخالفاً لأنبياء الله. فالنبي هو سفير الله للإنسان وهو المذكِّر وليس المُكرِه، فالآية صريحة في أنه ليس للنبي أية سلطة في فرض الدين على الناس. وبعبارة أخرى: حتى مع وجود أنبياء الله ورسله فإن الناس لا يفقدون حقهم الطبيعي في الاختيار.

19- حق الناس في التمتع بالعدالة العامة في الانتفاع:

عبر آيات سورة الرحمن (السورة السادسة في السنة الثالثة) يقرّ القرآن حق الناس في التمتع بالعدالة العامة، فمن خلال قوله تعالى: {أَلاَّ تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ?، وقوله سبحانه: {وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلاَ تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ? يؤكد القرآن على العدالة الاقتصادية، وعبر الآية: {وَالأَرْضَ وَضَعَهَا لِلأَنَامِ? يؤكد على حق عامة الناس في الانتفاع بالأرض وبنعمها وثمارها.

وفي سورة المطففين (التي نزلت في السنة نفسه) يندد الله تعالى بالمطففين (وهم الذين ينقصون المكيال في البيع ويزيدونه في الشراء) الذين يهددون حق الناس في التمتع بالعدل والقسط في العلاقات الاقتصادية: {وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ (1) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُواْ عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (2) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ?.

20- حق تكريم الكُتّاب وما يكتبون:

بنزول آية {وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ? في سورة القلم (وهي السورة 17 في السنة الثالثة) يؤكد الباري عزّ وجلّ -من خلال القَسَم بالقلم وبكتابات القلم- على استحقاق الكاتب والكتابة احترام وتكريم الناس. إن هذا الحق -ككثير من الحقوق المذكورة الأخرى- لم يكن محترماً في الحياة العامة لأهل الجاهلية، ذلك لأنه لم يكن للقلم والكتابة دور يُذكر في المنطقة، إلاّ أن الله عزّ وجلّ يدفع بالمجتمع الإسلامي الجديد خطوة إلى الأمام، ويتحدث عن حرمة القلم والكتابة.

21- حق الناس في أن يكون لهم مصلحون:

نقرأ في سورة الشعراء هاتين الآيتين: {وَلاَ تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ (151) الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلاَ يُصْلِحُونَ?[14].

فالله تعالى يشير إلى مسألة الإصلاح والإفساد في الأرض، فيؤكد على الأول، ويدين الأخير. فالإصلاح في الأرض هو حق الناس، كما أن الإفساد هو مناقض للحق وباطل، وفي الحياة الاجتماعية لابدّ من عزل الكثير من الفئات بسبب إفسادها في الأرض، ولأنها لا ترعى حقوق الناس العامة.

22- حق الناس في التمتع بالقيمة الحقيقية لأمتعتهم:

وفي الآية 183 في نفس السورة (الشعراء) يقول الله تعالى: {وَلاَ تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ، وَلاَ تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ?.

هنا يشير الله تعالى إلى حق الناس الاقتصادي بشكل أوضح، حيث يَعُدُّ من مصاديق الظلم بالناس بخسهم أشياءهم وأموالهم وعدم دفع القيمة الحقيقية بإزائها.

في الختام:

بنظرة خاطفة على الآيات النازلة في السنوات الثلاث الأُول من البعثة النبوية، تتوضح لنا النقاط التالية:

1- إن منظومة الحقوق الإسلامية الجديدة، كان بعضها موجوداً قبل الإسلام، إلاّ أن أغلبها أقرها الإسلام ولأول مرة في المجتمع الجاهلي برؤية دقيقة جديدة وبمزيد من الرعاية والاهتمام.

2- إن المسلمين الجدد إنما اكتسبوا شخصيتهم الإنسانية الحقيقية من جديد، بسبب تعرّفهم على هذه الحقوق. وبسبب الجاذبية الكبيرة لهذه الشخصية الجديدة، وبسبب تناغمها مع الحاجات الروحية والمعنوية والمادية والإنسانية الكثيرة لهم، فإنهم تقبلوها برحابة صدر، وكانت عاملاً أساسيًّا لمقاومتهم الراسخة في وجه تحديات القيم الجاهلية السائدة.

3- إن القيم الجديدة التي أكد عليها القرآن في المجالات المختلفة، مثل: علاقة الإنسان بنفسه، وعلاقته بالطبيعة من حوله، وعلاقته بسائر الناس، وعلاقته بالله، أوجدت نظاماً حقوقيًّا جديداً.

4- إن الأساس في الاستلهامات التي عرضناها من آيات القرآن الكريم هو فرضية أن أهم أهداف الشارع المقدس هو إيجاد نظام حقوقي مناسب في الذهن وفي المجتمع لتسهيل ظروف وعوامل الهداية العامة نحو الله تعالى.

5- وبدراسة هذه الآيات نستطيع الحصول على معيار واضح في مسألة تقدّم الحق على التكليف في الدعوة الإسلامية[15].

--------------------------------------------------------------------------------

* ترجمة: عبدالرحيم النجّار.

[1] {وَأنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ? (الشعراء / 214).

[2] كتاب باللغة الفارسية ويعني العنوان: «تاريخ تطوّر القرآن».

[3] هناك اختلاف عريض حول التسلسل التاريخي لنزول سور وآيات القرآن الكريم، اعتمد كاتب البحث واحدة من الدراسات المتعلقة بهذا الشأن. (المترجم).

[4] دكتور فياض، تاريخ إسلام (بالفارسية) ص 24. انظر: بحار الأنوار، ج 14، ص 438، قصة أصحاب الأخدود، و: تفسير القمي، عند تفسير الآيات.

[5] انظر معاجم نهج البلاغة، كلمة (يتيم).

[6] النجم / 39.

[7] سورة المعارج، الآيات 29 - 31.

[8] سورة المعارج، الآية 32.

[9] سورة المعارج، الآية 33.

[10] سورة الحاقة، الآيات 44 - 46.

[11] سورة النجم، الآيتان 27 و 28.

[12] سورة النجم، الآيات 50 - 52.

[13] سورة الغاشية، الآيتان 21 و 22.

[14] سورة الشعراء، الآيتان 151 و 152.

[15] نشر المقال في مجلة (بحوث قرآنية) باللغة الفارسية - العدد 45.

د. محمد باغستاني

باحث إسلامي من إيران.



ارسل لصديق