الأمن بين السلطة والمعارضة
كتبه: السيد كامل الهاشمي
العدد (41) السنة 18 - 1428هـ/ 2007م
التعليقات: 0
القراءات: 1535

تحت هذا العنوان سنتحدث ضمن محاور ثلاثة:

المحور الأول: الأمن وضرورات السلم الأهلي بين السلطة والمعارضة:

قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ[1].

لا شك أن كل ممارسة سياسية سوية تستهدف تحقيق العدل كمبتغى قد نختلف في تفسيره وحدوده، ولكننا كبشر لا نختلف في معرفتنا بأن التوازن الاجتماعي والاستقرار السياسي لا يمكن أن يتحققا لمجتمع بشري حينما يفتقد العدل، وذلك لأن التوازن لا يغدو له أيّ معنى حينما يرتفع العدل أو يختفى من دنيا البشر وعلاقاتهم، ولذلك يشير الباري تعالى في هذا النص القرآني المبارك إلى القسط والعدل بوصفه الهدف المبتغى تحقيقه من وراء إرسال الرسل وإنزال الكتب فيقول: ﴿لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ، ولأن إقامة القسط لا يمكن أن تنفك عن ضبط موازين الحق -بل هي عينها- فإننا ندرك أن الإخلال بموازين الحق والخروج عن مقتضى القسط والعدل هي الصورة المقابلة والنافية للعدل، وفي مقام بيان مقومات الصورتين قال الإمام علي (عليه السلام) في ثنايا حديثه عن الحق: «فليست تصلح الرعية إلا بصلاح الولاة، ولا تصلح الولاة إلا باستقامة الرعية فإذا أدَّت الرعية إلى الوالي حقه، وأدى الوالي إليها حقها، عز الحق بينهم، وقامت مناهج الدين، واعتدلت معالم العدل، وجرت على أذلالها السنن فصلح بذلك الزمان، وطمع في بقاء الدولة، ويئست مطامع الأعداء. وإذا غلبت الرعية واليها، وأجحف الوالي برعيته اختلفت هنالك الكلمة، وظهرت معالم الجور، وكثر الإدغال في الدين وتركت محاج السنن، فعمل بالهوى، وعطلت الأحكام، وكثرت علل النفوس، فلا يستوحش لعظيم حق عطل، ولا لعظيم باطل فعل، فهنالك تذل الأبرار وتعز الأشرار، وتعظم تبعات الله عند العباد»[2].

ولكننا من أجل أن ننعم بالأمن والسلم الأهلي كحالة مستقرة ومتواصلة لا مناص من أن نحدّد خياراتنا في مواجهة أهم ما يناقض مبادئ السلم الأهلي العام، وهو إدارة الثنائيات المتقابلة في المجتمع الواحد، والتي لا مناص من أن توجد وتتواجد في كل المجتمعات البشرية، لأننا سنكون أمام خيارات محدودة في إدارة هذه المسألة التي غالباً ما تشعل فتيل الأزمات في المجتمعات البشرية وتهدّد استقرارها وأمنها، ولأن اليمين والشمال هنا مضلة، والوسطى هي الجادة فستبرز أمامنا مسارات ثلاثة هي:

الاستبداد الفردي: وهو المسار الذي يفضي إلى تفرد جهة واحدة من جهات المجتمع بالسلطة، وهو ما ينتهي غالباً ببروز حالة الاستبداد الفردي، وافتقاد الأمن العام كمجال مشترك يتساوى جميع أفراد المجتمع في تقاسمه.

الفوضى الاجتماعية: وهو المسار الذي يفضي إلى السماح ببروز وتصارع مختلف الثنائيات الاجتماعية على ساحة واحدة، وهذه الحالة تنتهي إلى وضعية فوضوية تختلط فيها الأمور ويتمزق من خلالها المجتمع.

وهاتان الوضعيتان (الاستبداد الفردي أو الفوضى الاجتماعية) هما الحالتان اللتان ينتهي إليهما أيّ مجتمع بشري يعجز عن إدارة تنوعاته وتعدّداته ضمن إطار العدل والتوازن والتوافق، وهو ما عنته السيدة الزهراء (عليها السلام) حينما حذَّرت المجتمع المسلم يومذاك بالقول: «وأبشروا بسيف صارم وهرج شامل واستبداد من الظالمين، يدع فيأكم زهيداً وزرعكم حصيداً»[3].

التوافق العام: القائم على إدماج مختلف الثنائيات والتنوعات ضمن مشروع الأمة الواحدة، وهو المعنى الذي يتبلور كهدف من وراء وجود التنوع البشري في أيّ مجتمع إذ يقول سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ[4].

المحور الثاني: السلطة ومسؤولية حفظ التوازنات الاجتماعية:

يقول الله تعالى: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ[5].

يربط هذا الخطاب الإلهي بين تفويض إدارة السلطة العامة (الخلافة) -من قبل الله تعالى بوصفه صاحب هذه السلطة بالذات لكونه رب العالمين وخالق الخلائق أجمعين إلى نبيه داوود (عليه السلام) بوصفه المستخلف الصالح والمهيَّأ للقيام بمتطلبات الخلافة عنه تعالى- وبين الأمر بالحكم بالحق بين الناس ونفي الهوى عن الحضور والتأثير في أيّ مجال من المجالات، وهو ما يوحي بأن الأساس في المشروعية السياسية وقوامها إنما هو القدرة على تحقيق العدل والحكم بالحق بين الناس من دون حيف وجور، وهو تعبير آخر عن مسؤولية السلطة في حفظ التوازن الاجتماعي عبر رعاية التوافق العام والحفاظ على كل مكوناته، من دون أن تعمل هواها في الميل إلى أيّ مكون من مكونات المجتمع الذي تحكمه وتديره وتنشط فيه.

وهكذا تتبلور مسؤولية السلطة في حفظ التوازنات على أساس مبدأ المواطنة وحفظ حقوق جميع رعاياها على أساس هذا المبدأ، وإلا لم تكن سلطة عامة وإنما تتحول إلى سلطة طائفية أو فئوية أو إيديولوجية، وهذا ما لا ينسجم وقواعد إدارة السلطة في المفهوم الحديث للدولة، والذي يرى أن الدولة (الحكومة = السلطة) إنما تتقوم مشروعيتها السياسية بقدرتها على تقديم متطلبات العيش الكريم لكل مواطنيها على حد سواء.

حفظ التوازن بين الحرية الفردية والنظم الاجتماعي:

الإبداع والتطور والتحضر كلها منجزات لا يمكن أن تتحقق إلا في ظل عملية توازن بين متطلبات الحرية الفردية وضرورات النظم الاجتماعي، لأنه حينما يطلق للحرية الفردية العنان على حساب ضرورات النظم الاجتماعي فإنها تتحول إلى فوضى مدمرة وعبثية قاتلة، وحينما يراد فرض ضرورات النظم الاجتماعي على حساب حرية الأفراد فإننا نقع في براثن الاستبداد أعدى أعداء الإبداع، وهذه القدرة على التوفيق بين الحرية والنظام، هي ما تشكل جوهر النظام السياسي والاجتماعي الصالح، وكما يرتبط الإبداع بالحرية والنظم، فإن الإعاقة ترتبط بالاستبداد والقهر، وكما يقول «برتراند راسل» فإن «المشكلة الكبرى هنا هي مشكلة التوافق بين حرية الفرد والتنظيم الاجتماعي. ففقدان الحرية يؤدي إلى الركود وعدم تنظيمها يؤدي إلى الفوضى»[6].

مكامن التمرد والإبداع في النظام البشري:

السلطة التي تعمل على حفظ التوازن العام عبر التوفيق بين حرية الأفراد ومصالح المجتمع تفتح الباب على مصراعيه لإبداع الإنسان، والسلطة التي تعجز عن تحقيق ذلك تبذر بذور التمرد والفوضى في المجتمع، لأن الإبداع طاقة كامنة لدى الفرد أو الجماعة تريد التحرر والبروز، وحينما تواجهها عقبات معيقة فإنها تتمرد عليها وتسعى لتجاوزها، وهذا السعي للتجاوز قد يجد منافذ سليمة للتنفيس عن هذه الطاقة المخزونة بأن يبدع الشخص على مستوى السياسة أو العلم أو التجارة، وقد لا تجد المنافذ السليمة للتعبير عن نفسها فتصطدم بجدار القهر الاجتماعي والسياسي والثقافي مما يحولها في المسار المضاد لمصالح الفرد والأمة وذلك بأن يختار الفرد طريق الجريمة للتعبير عن رغبته في التمرد والخروج عن المألوف، وهذه الفكرة هي ما يحملها إلينا الفيلسوف راسل حينما يقول في كتابه عن «السلطة والفرد»: إنه «ليس سهلاً في الوقت الحاضر أن يجد العبقري متسعاً لإبراز عبقريته، خصوصاً إذا كانت تتعارض ومصالح الحاكمين»، وهو ما يجعله «إذا لم يجد منافذ صالحة لنشاطه العقلي أن يصبح مجرماً»[7]، وهذا ما لا يمكن أن يكون إلا في ظلّ سلطة تفتقد القدرة على حفظ التوازن العام، فيغيب الإبداع ويبرز التمرد.

المحور الثالث: الأمن في العمل السياسي بين السلطة والمعارضة:

قال الله تعالى: ﴿وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَاذْكُرُواْ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ[8].

اعتبار الحاجة إلى الأمن ضرورة حياتية ومعيشية وإنسانية لا يجوز لأحد المساس بها أو تهديدها هو المبدأ الأول الذي لا يصح أن ينتفي من مجال التعامل بين البشر، وإلا افتقدوا القدرة على التعايش ضمن مجتمعات أو مجموعات، وبذلك يفتقدون سمتهم الأساسية التي ميَّزت حياتهم عن حياة الحيوانات والوحوش، وفي هذا السياق يأتي التذكير الإلهي الذي يحمله الخطاب القرآني المتقدم، والذي أراد الله تعالى أن يذكِّر المسلمين من خلاله بأهمية حالة الشعور بالأمن التي صاروا يعيشونها في ظل إيمانهم بالله عزّ وجلّ وإقامتهم علاقات من خلال قوانين ومبادئ تحفظ لكل أحد حقه في العيش بأمن وسلام، وتحرّم الاعتداء والتجاوز، وهو ما عمل الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) على تركيزه عبر إرشاداته المتكررة في واقع المسلمين، فكان (صلى الله عليه وآله وسلم) يكرّر القول: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده».

وفي واقع الأمر إن بقاء حالة الأمن الاجتماعي واستقرار وضعية السلم الأهلي مرهونتان بشرطين:

شرط وقائي: يعتمد تنشيط الذاكرة الجماعية عبر تذكيرها المستمر بالأخطار المترتبة على الدوام من فقدان حالة الأمن والسلم الأهلي، وإن الصراع الداخلي بين أبناء وطوائف المجتمع الواحد لا يمكن أن يعود بالنفع على أيّ طرف من الأطراف، مهما كانت النتائج التي يحصدها أيّ طرف من الأطراف من وراء ذلك الصراع، لأن الصراع مهما كانت مبرراته ودوافعه فهو لا يعدو أن يكون صراعاً بين أعضاء الجسم الواحد، ولا يمكن لجسم أن يربح من وراء قطع أو تعطيل أو إتلاف أيّ عضو من أعضائه، وربما لأجل ذلك جاء الخطاب القرآني المتقدم في سياق التحذير من الفتنة -التي لن يقتصر أذاها على الذين ظلموا من أفراد المجتمع خاصة، بل ستشمل بشرها المستطير الجميع من أبناء المجتمع- مقروناً ومشفوعاً بمحاولة استثارة الذاكرة الجماعية عبر استدعاء الصورة المفتتة والممزقة للحال التي كان عليها المجتمع سابقاً، فقال تعالى: ﴿وَاذْكُرُواْ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ....

شرط علاجي: يعتمد الوضوح والصرامة في مواجهة كل ما من شأنه تهديد الأمن الاجتماعي والسلم الأهلي، من دون القبول بافتعال عقبات تضعف من إمكانية استرداد حالة السلم والأمن باعتبارها ضرورة يخل فقدانها وغيابها بتوازن واستقرار المجتمع، ولو كان ذاك الفقدان وهذا الغياب لبرهة قصيرة من الزمن، لأن الحاجة إلى الأمن على المستوى الاجتماعي في حياة ووجود الإنسان لا تقل عن الحاجة إلى الهواء على المستوى البيولوجي، وهو الأمر الذي يمكننا من خلاله أن نتفهم ونعي السبب الكامن وراء الإجراءات العلاجية الحاسمة والصارمة التي تبنتها الشريعة في مواجهة من يعتدون على الأمن العام، فقال سبحانه: ﴿إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ[9].

ولا شك أن تحقيق هذين الشرطين (الوقائي والعلاجي) مسؤولية تقع على عاتق كل أطراف المجتمع السياسي والمدني والأهلي، لأن القيام بهذا الدور عبر مشاركة كل الوجودات الاجتماعية هو ما يمثل استجابة حقيقية لدعوته عزّ وجلّ القائلة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ[10].

--------------------------------------------------------------------------------

[1] سورة الحديد، الآية 25.

[2] نهج البلاغة، الخطبة 216.

[3] معاني الأخبار، الشيخ الصدوق، ص 355.

[4] سورة الحجرات، الآية 13.

[5] سورة ص، الآية 26.

[6] برتراند راسل: السلطة والفرد، ص 52.

[7] ن م، ص56.

[8] سورة الأنفال، الآية 25-26.

[9] سورة المائدة، الآية 33.

[10] سورة البقرة، الآية 208.

السيد كامل الهاشمي
عالم دين، باحث، مملكة البحرين.


ارسل لصديق