آفاق الثقافة ومقتضيات العصر الراهن
كتبه: الشيخ ناجي زواد
العدد (41) السنة 18 - 1428هـ/ 2007م
التعليقات: 0
القراءات: 1812

في ظل النهضة العلمية الراهنة وما قدمت من إنجازات هائلة في ثورة الاتصالات والتكنولوجيا، إضافة إلى ما حققته من ابتكارات وإبداعات متنوعة في جل أصعدة وميادين الحياة المهنية والمعرفية، تواجه ثقافتنا الإسلامية تحديات كبرى، ومخاطر جسيمة، تهدد منطلقاتها ومرتكزاتها، تستدعي مراجعة معالمها وتصوراتها، لتنبعث برؤى جديدة ومنطلقات فاعلة ونشطة، لتؤسس من خلالها منظومة حديثة في الوسائل والآليات والأدوات، تنهض بواقع الأمة من وهدت الدعة والسبات، وتدعم تطلعاتها بالرؤى والأفكار التي تمدها بالوعي والاستزادة في منظومة معارفها وعلومها.

وإذا كان من خصائص ثقافتنا المسلمة بما تحتضن من موروث خصب وإمكانات متنوعة، القدرة على الانسجام والتعاطي مع الثقافات الوافدة وتصحيح مرئياتها ومعالمها، فنحن اليوم أحوج إلى تطويع هذه السبل والآليات وصياغتها بنظم متوافقة ومنسجمة وفق ثقافتنا الأصيلة.

ولا غرو أن ثقافتنا بما تملك من مقومات ومرتكزات وحصانة منيعة كانت ولا تزال قادرة على مواجهة التحديات الكبرى التي تواجهها في الحاضر والمستقبل، ولقد أثبتت جميع التجارب التي جرت عليها طوال تاريخها الزاخر بالأحداث والأزمات والانتكاسات مدى قدرتها على البقاء والاستمرار والصمود، وهي سمة لا تتوافر لكل ثقافة إلا حينما تكون لها من الأسس والمرتكزات ما يدعم امتدادها وبقاءها.

ثم لولا هذه الثقافة وخصائصها المتميزة لضاعت هوية المسلم وتلاشت خصوصياته وموروثاته منذ أمد بعيد، ذلك أن ما تعاقب على واقعه وكيانه من محن وأزمات، وهجمات عدوانية متلاحقة تفوق كل تصور، بدءاً من الغزو المغولي والتتري الذي جهد لاستئصال محاور هذه الثقافة ومعالمها، بكل طغيان وبطش، فعمد إلى إتلاف المكتبات الإسلامية العامرة بالمخطوطات المعرفية النفيسة، واستخدم كافة السبل والوسائل للتضييق على العلماء والمفكرين، كي لا يبقى لها شريان يمدها بالبصائر والرؤى، ودام غزوه زهاء مائتي عام، وتلا ذلك الحملات الصليبية التي لم تكن أرأف وأرحم من سابقتها في إغارتها وهجماتها على بُنى الثقافة الإسلامية ومرتكزاتها الأصيلة، واستمر ذلك إلى ما يقرب تلك المدة، ومارست جميع الأساليب للنيل والخلاص من الثقافة الإسلامية، غير أنها قاومت جميع الدوافع والأهداف، وكتب لها البقاء والامتداد في مهدها وعالمها العربي والمسلم.

ولقد أدرك الأعداء منذ وقت مبكر أن الذي يحرك الأمة ويجدد نهضتها وفاعليتها هو ما لديها من إمكانات ثقافية أصيلة تستقيها وتستنبطها من مصادرها المنبعثة من القرآن الكريم والسنة المطهرة، ولذا فإنهم جهدوا لفصلها وعزلها عن مصادرها ومراجعها ومعالم ثقافتها الأصيلة، فبادروا إلى إغراق المجتمعات المسلمة بالمناهج والثقافات المشبوهة لتغيير واقع الأمة بما يتلاءم وينسجم مع مصالحهم وأهدافهم، واستطاعوا عبر محاولاتهم غربلة المناهج بما أوفدوا من ثقافات وأفكار تبعث على روح الهزيمة والانكسار، وتولد الكسل والعجز، فأضحت أجيال الأمة شيئاً فشيئاً تعيش التراجع والانقياد، رغم أن ما لديها من فكر وثقافة لا يتماشى مع ما هم عليه من أوضاع وظروف سيئة، فعوض أن تكون تلك الأفكار والرؤى دافعة للحيوية والنشاط، والتطلع والانطلاق، غدت مرغمة على مجارات الواقع، والاستسلام لظروفه ومجرياته، وبفعل ذلك التغييب للتعاليم والمفاهيم أضحى التقهقر والتراجع لواقع المسلم، وما يمنى به من خسائر وهزائم.

وطالما بقي على ذلك الحال فإنه لن يحقق مكاسب تنهض بواقعه لتُحلِّق به في ركب التقدم والانطلاق، ولا مناص أن أفضل الوسائل وأقربها لقطع الطريق على تلك المخططات والأهداف هو الرجوع إلى تلك الثقافة بتجديد محاورها وسبلها، فهي إنما تحررت بالأمس وبلغت شأوها الراقي، وارتفع لواؤها خفَّاقاً في بقاع المعمورة، عن طريق هذه البصائر والرؤى، وحين تخلت عنها انتكست أمورها، وساءت أحوالها، وأصبحت في عداد المتخلفين.

فبقدر ما أدرك الأعداء سر تقدم هذه الأمة ينبغي أن نعي أن الخلاص هو في رجوعنا إلى ثقافتنا وموروثاتنا لتعود لنا كرامتنا وامتيازاتنا المسلوبة، بل نحن أحوج إليها أكثر مما مضى، لاسيما ونحن نعيش في ظل هذه الهيمنة الاستكبارية التي استحوذت على جميع المقدرات والإمكانات، وأحكمت سيطرتها على كل شيء، وكلما بادرنا لانتهاز الفرصة أمكننا أن نصلح مصيرنا، ونغيِّر واقعنا إلى الأفضل والأحسن.

ثم لا يخفى أن تلك القوى الاستكبارية قد تسلَّحت بأنواع الثقافات والأفكار للمواجهة، وقطعت شوطاً كبيراً ضمن هذا الصعيد، بحيث لا يكاد يحصى ما أنشأته من مراكز ومؤسسات لتطوير سبلها واختبار وسائلها، فضلاً عما تنتجه من إصدارات إعلامية متنوعة تغرق به أقطار العالم ومحافله، بين مقروء ومسموع ومرئي، ورغم ذلك لا زالت خُطانا بطيئة، ووسائلنا بسيطة ومحدودة، وقد تكون النسب الإنتاجية لا تُستساغ ولا تقبل المقارنة، لضآلتها وقلتها، وهي بذلك لن تتمكن من منافسة تلك الأطر الضخمة التي غدت تسابق الزمن بما تبتكر وتنتج، مع العلم أن ما بين أيدينا من أدوات معرفية وثقافية لا نظير له في التميز والتفوق على الصعيد العالمي والإنساني.

ولكي نتمكن من تجاوز الأخطار المحدقة بعالمنا ومعالمنا الثقافية فإننا بحاجة ماسة إلى المثابرة والمساعي الجادة لتوطين أجيالنا وتأهيلها بالثقافة الواعدة التي تنتشلها من الأمية والضياع، وهي مسؤولية لا تقل في أهميتها وضرورتها عن سائر الوظائف الدينية، بل ربما أضحت مقدمة على مهام كثيرة، ذلك أن الافتقار إلى المعارف والعلوم سيفقدها الكثير من الخصائص والامتيازات التي إنما تقدمت عن طريقها، وفي هذا الصدد فإننا بحاجة إلى أن نسوق مجموعة أمور:

أولاً: تأهيل الواقع للتمييز الثقافي:

خلال الحقب التاريخية المشحونة بالصراعات والأزمات المريرة اعترض هويتنا سيلاً من الخطوب والمحن، استخدم فيها العدو كافة أسلحته وأدواته، ولم تنحصر الهجمة على مقدرات الأمة السياسية والاقتصادية فحسب، وإنما تجاوزت تلك الأطر فشملت الجوانب الثقافية والفكرية، ولم تنطفِ تلك الحملات إلا بعد أن خلَّفت تراكماً ثقافيًّا متكلِّساً، امتزج بعملية الرؤى والأفكار، فخطَّت طريقاً في عمق الواقع حتى حاضرنا الراهن، فشوهت الكثير من المنطلقات والتوجهات في البناء المعرفي، وغدت مساعيها الحثيثة على تهيئة تيارات متشربة للفكر الغربي، ومنسجمة مع مرئياته وتوجهاته، فانسلخت تلك التيارات عن الهوية والواقع لتباشر دور الرسول في التبشير عن تلكم الثقافات والأفكار في مهدها وعالمها، فأغرقت ساحة المجتمعات بالثقافات المغايرة، والأفكار الوافدة، لتمارس هجوماً على التراث العقدي والفكري للأمة.

إزاء ذلك ينبغي أن نختبر ثقافتنا ونمحصها لنقف على الثقافة الأصيلة التي تعيد فينا الفاعلية والنشاط، وتنهض بقدراتنا وإمكاناتنا، ليس للخشية من التيارات المناوئة وما تحدثه من ضرر وخلل في منظومة الثقافة والفكر فحسب، وإنما هو إدراك لما تتعرض له الثقافات والأفكار على مر العصور.

إضافة إلى ذلك فإن ثمة توجهات تباشر بث مرئيات وتصورات تكرس روح الهزيمة والانكسار، والعجز والكسل، في صفوف المجتمعات المسلمة، لتُطفئ جذوة التطلع والطموح، فتركن للواقع بما يقاسي من علل ومظاهر ومآسٍ، ومما ساعد على ذلك أن هذه التوجهات لم تكن وليدة الحاضر، إنما هي متجذرة بجذورها منذ أمد بعيد، وكانت السلطات التي تعاقبت على قيادة الأمة تمارس تلك الأدوار، فالسلطات الاستبدادية دفعت في هذا الاتجاه لتكرس مفاهيمها ومنطلقاتها للتلاعب بمصير الأمة والعبث بقيمها وأفكارها، وورد أن معاوية بن أبي سفيان لما تم له الأمر بعد صلحه مع الإمام الحسن (عليه السلام) خطب في الناس قائلاً: إني والله ما قاتلتكم لتصلّوا، ولا لتصوموا، ولا لتحجوا، ولا لتزكوا، إنكم لتفعلون ذلك. وإنما قاتلتكم لأتأمّر عليكم، وقد أعطاني الله ذلك وأنتم كارهون[1].

ثم إذا فوتنا الفرصة في تنمية القدرات وشحذها للاستعداد للمواجهة مع القوى المعادية في مجالات متعددة، فينبغي أن نواجهها فكريًّا وثقافيًّا، غير أن ذلك لن يكون إذا كانت وسائلنا وأدواتنا تقصر عن مواكبة رهانات العصر بما يملك من قدرات وإمكانات هائلة، تفوق كل التصورات، فلكي نكون بمستوى المرحلة الراهنة فإننا بحاجة إلى زخم ثقافي متطور ومتميز في الوسائل والآليات، لا يقتصر على بعض الممارسات البدائية والتقليدية، وإنما يتجاوز ذلك بفقه الضرورات لتتجاوز الثقافة جميع الأطر الضيقة، فتستنبط من الرؤى والأفكار ما ينسجم ويتوافق مع مراحلها الراهنة واحتياجاتها الملحة، وليس هذا فحسب وإنما هي بحاجة إلى قراءة الواقع ودراسته بطريقة معمقة وصحيحة تمكنها الاستفادة من كافة الوسائل والأدوات المتاحة لتحقق أكبر قدر من النتائج، وهو الأمر الذي ينبغي ألَّا نغفل عنه في ظل التغول الهمجي والهجوم السافر الذي تواجهه معالم ثقافتنا العربية والإسلامية.

ثانياً: تجديد النظر في آفاق الثقافة:

لقد أضحت المجتمعات المتقدمة تختبر وسائلها وآلياتها بأدوات علمية دقيقة لتقف على ما هو صالح ومفيد، فإذا تبين لها من خلال التجربة والتحليل الاستقرائي خلل في بعض مناهجها ومرئياتها، أو مثلبة ونقص في أدواتها، فإنها تبادر إلى تصحيحه وترميمه، لتنتخب ما هو أفضل لرقيها وتقدمها، ومن أجل ذلك أنشؤوا المعاهد والمراكز والمؤسسات المتخصصة لمراقبة فاعلية تلك المناهج وقدرتها على الانطلاق والتقدم، وتعزيز ذلك بالدراسات والبحوث المسهبة، فضلاً عما ينفقوه من ميزانيات طائلة، كل ذلك لتبقى لهم المكانة الراقية، وحرصهم على ألَّا يتخلفوا عن ركب التقدم، وإزاء ذلك ماذا أعددنا لثقافتنا؟ وهل هي تتوافق وتنسجم بما لدى الآخر من إمكانات وقدرات؟

ومع يقيننا التام بثقافتنا الأصيلة وما تتسم به من قدرة ومكانة وتميز في كثير من أبعادها وتصوراتها، إلا أننا ندرك في الوقت ذاته أن هناك ثغرات ونواقص في المهام والوظائف، وهي بحاجة إلى إصلاح وعلاج، فثمة وسائل وآليات تفتقر إلى الكثير من المحاور والرؤى التي تطلقها تستدعي إعادة النظر لتقويمها وتجديدها، لتعود من جديد قادرة على العلاج والإصلاح والتغيير.

وما يدفعنا في هذا المجال هو أن الكتاب العزيز أمام تجربة حركة الدعوة والرسالة وما حققته من إنجازات متميزة وفريدة على الصعيد الديني والإنساني، لم يدع تقويم السلوك ونقد الذات، وطوال مسيرة الدعوة كانت الآيات القرآنية تكشف عن مواطن العلل والمثالب التي يُمنى بها جيل الصحابة، فيرفد تطلعاتهم بالرؤى والبصائر، ومن خلال القراءة السريعة يتجلى هذا البعد في الكثير من الآيات، ولم يأت ذلك لينتقص أو يقلل من شأن التضحيات والمعاناة التي واجهها ذلك الجيل الرائد، وإنما ليحقق لها المكانة الأفضل ويبعدها عن النواقص والمثالب.

فضلاً عن ذلك فإننا أمام الموروث الذي وصلنا من حديث وغيره، رغم ما له من مكانة قدسية ومنزلة راقية، إلا أننا مع احتفائنا وتقديرنا لذلك التدوين النصي لا ننساق خلف كل ما ورد إلا بعد تعريضه للتجريح والتمحيص حتى يتبين منه الصحيح من الضعيف وغيره، ولهذا العلم رجالاته الذين برعوا فيما توصلوا إليه، ولم تكن هذه المدرسة تستجدها عصورنا الراهنة، لكنها كانت منذ فجر الدعوة، تندفع لصيانة مواريث الأمة ومكتسباتها كي لا تشوبها شائبة فتصل للأجيال صحيحة وسليمة.

ثالثاً: ثقافة النهضة لا الخمول:

أضحت ثقافتنا المسلمة منذ انبعاثها من مهد الرسالة والدعوة عالمية في منطلقاتها وتصوراتها، ليس لاتساع دائرتها وجماهيرها، إنما من حيث توجهاتها وطبيعتها في استيعاب واحتضان النوع الإنساني وجمع الشمل البشري بمختلف أعراقه وأجناسه، ليتآلف وينسجم ضمن أطر وأهداف مشتركة، إضافة إلى أنها حاورت الجميع دون أن تستثني أحداً، ولم تقتصر محاورها ومعالمها لزمان أو مكان، إنما برزت نموذجاً راقياً في التعاطي والتعايش، وتتجلى صورها الرائعة من خلال آيات الذكر الحكيم والسنة المطهرة، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ[2]. وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ[3].

إن هذه الثقافة التي أطلت على مسرح الحياة بلباسها الجديد المتحضر، هي التي أطلقت العقول وفجرت القدرات، وحققت المكاسب والانتصارات الكبرى آنذاك، فأسست مشروعها الكبير الذي أنار دروب الحياة، فشق طريقاً إصلاحيًّا يغمر الوجود بكفاءته وتميزه، وما كاد ذلك يتحقق إلا حين استجابوا للنداء، يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ[4].

فما صاغته ثقافة الدعوة من نمط وسلوك غيَّر مسرى التاريخ وواقع الحياة، وحرَّك المشاعر والأحاسيس البشرية للصحوة والتطور في كافة ميادينها وأصعدتها.

لكن حين تغيرت تلك المعالم وامتزجت بالتناقضات والإشكالات باتت هجيناً ضعيفاً يعجز عن تحقيق دور حقيقي في معركة الحضارة.

وإذا ما أردنا أن نقرأ ثقافتنا قراءة صحيحة سنجد المفردات المتناثرة على صفحات التراث تتحدث عن البطولة والإبداع والإسهام الكبير الذي قدمته للبشرية، ولقد أجاد الشعراء بمآثرهم وحكمهم حين سجلوا المعاني الحقيقية لثقافة العطاء والتضحية والنهضة، فيقول أبو القاسم الشابي:

إذا الشعب يوماً أراد الحياة

فلا بد أن يستجيب القدر

ولا بد لليل أن ينجلي

ولا بد للقيد أن ينكسر

ويقول أبو الطيب:

ولا تحسبنَّ المجدَ زِقًّا وقينةً

فما المجد إلا السَّيفُ والفتلةُ البكرُ

أي أن أدوات هذه الثقافة لم تكن مسكونة في نظمها ومناهجها آن ما بالتبلد والدعة والكسل، إنما هي انطلاقة نهضة تتقد حركتها بآليات العلم والمعرفة، وتنبعث رسالتها بالفاعلية والنشاط في ميادين الحياة العلمية والمهنية، لتحقق أرقى المكاسب في مضمار التقدم والحضارة.

وليست السمة البارزة لدى المجتمعات المتحضرة اهتمامها بالثقافة والمعارف فحسب، وإنما بلورتها وترجمتها لتتحول إلى إيديولوجيات تستثير وتحرك إمكانات الواقع وقدراته، لتتعاطى وفق رؤاها وبصائرها في الحياة، فلم يقتصر اكتسابها لتتولد لديها حالة من الترف الثقافي والمعرفي، وإنما لتصبح وسائل فاعلة في دفع حركة المجتمع والرقي به إلى النهضة والانطلاق، ولقد أدركت تلك المجتمعات المتحضرة منذ وقت مبكر أهمية تلك الوسائل ومدى تأثيرها في حراك النهضة، الأمر الذي دفعها لاغتنامها والاستفادة منها لتوظيفها في قوالبها المناسبة.

ثم ينبغي أن ندرك حقيقة نلامس تجلياتها على أرض الواقع وهي أن المجتمع لا يتفوق بحسب كثافته السكانية، وإمكاناته المادية، وثرواته الثقافية والمعرفية فحسب، وإنما بالفاعلية والنشاط، والجد والاجتهاد، فاليابان البلد المزدهر بالتقدم والتطور لم يكن يملك كثافة سكانية تعادل جاره الأقرب (الصين)، الذي يفوق تعداد سكانه على المليار والنصف، وليس لديه من الثروات الطائلة ما يسعفه على الخروج من مآزقه وأزماته، غير أن اليابانيين تقدموا بشكل كبير جدًّا، وتفوقوا على الكثيرين حين أشغلوا مساحات حياتهم بالعطاء والابتكار، فباتوا نموذجاً يُحتذى به، وهكذا تجد أن دويلة إسرائيل الغاصبة والتي لا تفوق العرب في تعداد سكانها، ولا تقاس بجلّ المعايير، قد أدركت منذ نشأتها أنها لا تتميز عنهم إلا حينما تتفوق وتتقدم، وإن كان ذلك بمساعدة ومباركة الغرب والشرق لهم، غير أنهم ثابروا ليحققوا لهم المكانة الأفضل بين المجتمعات الدولية.

فالأمة ليست بكثافتها وإنما بقدراتها، وليست بثرواتها ومدخراتها، إنما بنهضتها وفاعليتها، وفي هذا السياق يرد عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال: يوشك الأمم تداعى عليكم تداعي الأكلة على قصعتها، قال: قائل منهم: من قلة نحن يومئذٍ؟ فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): بل أنتم كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من عدوكم المهابة منكم، وليقذفن في قلوبكم الوهن!![5]

ثم إن ما بين أيدينا من تراث خصب نتداوله لا يسوِّغ بحال من الأحوال للثقافة أن تتحول إلى مجرد قوالب صالحة لنقاش المنتديات والمؤتمرات، بحيث لا تتعدى نتائجها أطر محدودة تستنقذ بعض الأمور الجزئية والهامشية، إنما لتتحول إلى إرادة ناهضة تأخذ بزمام القضايا المستعصية لتتماثل بالصحة والشفاء، لتحقق من المكاسب والإنجازات ما يرفد حراك التطلع والطموح المنشود.

من هذا المنطلق فإن رمزية الثقافة بما تحتضن من مقاصد وأهداف سامقة، تنبعث لانتشال الواقع من جور التكلس، وأسوار التخلف، الذي يغرقه في طوفان التيه وأنفاقه المظلمة، وقد حرصت تعاليم ثقافتنا المسلمة منذ نشأتها على تأصيل هذا المبدأ ليكون الأساس الراسخ في تكوين النواة الخصبة لإنماء مستقبل الأمة ورفد تطلعاتها.

وفي سياق ذلك نشير إلى جملة من الأمور علَّها تكون متممة لهذه المسألة المرتبطة بعناصر الثقافة وأهدافها، وما ينبغي أن تتخذه من مسالك في توجهاتها ومقاصدها:

1- لقد برعت أقلام المثقفين فيما قدمت من إسهامات جزيلة أغنت قاعات المكتبة العربية والإسلامية، وكذلك أنديتها الفكرية، وتناولت الكثير من الموضوعات الحساسة لخصوصية كل مرحلة وفق ما تمليه من ضرورات ملحة، وكانت ولا تزال تندفع بكل ما وفي سعها من جهد، تنقيباً ومدارسة، لاستنباط التصورات والرؤى التي تطلق حراك الواقع وتؤسس له المكانة المناسبة، غير أن كل ذلك لا زال بحاجة إلى مراجعة وتمحيص، ليس لأن قصوراً يعتريه، أو أنه يدور في فلك مبهم ودوائر فارغة، لكن لعله بحاجة إلى تجديد التشخيص ليحاكي الظرف الراهن بما يعتريه من قضايا مأزومة، وتناقضات وإشكاليات ملموسة تطفوا على الأفق.

2- ليس الهاجس الذي يهدد مكانة الثقافة ومرتكزاتها هو ما تتعرض إليه من ضربات ظلت تتوالى عليها من الخارج والداخل طيلة امتدادها التاريخي، أو أن خشيتها تتصاعد إزاء ما يمارس تجاهها من حملات التشويه المكشوفة وغير المكشوفة، فهو توجه معهود ومألوف درجت عليه منذ ولادتها ونشأتها، وهي حقيقة لا لبس فيها ولا غموض، لكن حين ترتهن إلى التكلس والجمود وتحشر ضمن حدود ضيقة، فتشلّ قدراتها وإمكاناتها عن الإسهام في العطاء والبناء وتنمية الواقع، فإن ذلك يُضحي أن يكون بمثابة قرع ناقوس الخطر الذي يزعزع المنطلقات والمقاصد لمعالم الثقافة ونظمها، ويجرفها نحو منزلقات حرجة للغاية، ثم إنه ليس مغايراً لمناهجها وتركيبتها فحسب، إنما لا يتماشى بحال من الأحوال وفق ما تمليه من بصائر ورؤى تبعث على النهضة والانطلاق.

3- في الوقت الذي ندافع فيه عن هيكلية الثقافة وما حققته من تفوق ونجاح على صعد متعددة، عبر التجارب المضنية الممتدة في عمق الزمن، التي لم يكد يتكون حصادها التراثي الضخم إلا بعد مداولة المفاهيم وتفعيل محاورها، تشذيباً وتهذيباً، وفق ما تقتضيه المصلحة ومعطيات الظرف الراهن، فإنه وفي السياق ذاته فإننا أمام ما وصل إلينا من موروث حضاري ينبغي أن نخضعه للغربلة، ذلك لأنه استنتاج إنساني بحت ربما وافق هدي السنة وربما خالفها، وربما وافق مرحلة زمكانية، وربما افتقرت عناصره وآلياته مواكبة مستجدات حديثة مختلفة، ففي ظل تلك الاجتهادات المعرفية الميمونة وما استنبطته من وسائل وسبل، لاستنقاذ الواقع وخلاصه مما استحوذ عليه من رواسب عائقة، فإن كل جيل ينبغي عليه أن يقرأ التصورات والبواعث حسبما يتوافق وينسجم مع خصوصية الظرف والقضايا المصيرية المرتهن إليها، دون أن يفرط فيما بين يديه من موروث وتجربة حضارية رائدة.

4- من الخطورة بمكان أن ننسج في خلدنا مزايا وخصائص تبعث على تنامي الشعور بالكمال، فنتصور أن واقعنا استغنى بما لديه من موروث ثقافي خصب، عن التجديد والتصحيح لمفاهيمه ومنظومة معارفه، لنرتهن خلف هذه الأسوار فتتفاقم المثالب والرواسب التي تُغرق فضاءات الواقع، فتكرس التبلد والتقاعس إزاء ما يعترض أسس الرؤى وما يعتريها من نقص وخلل، ولا مناص أن سبيلنا للخلاص من شبح التصدع وقطع النزيف هو المكاشفة الصريحة والجرأة في نقد الذات، ومحاكمة الاستنتاجات الفكرية التي أوصلتنا إلى المنعطفات الحرجة، لنضع أناملنا على الجروح الدامية، التي خلَّفت جلّ التصدعات والتقهقر المستشري في ضواحي الأمة ومرافقها الحيوية، أما التشرنق بمخملية الأحلام الناعمة لإخراس الذات بما حققت التجارب الأولى من مكتسبات رائدة، وقفزات متتابعة طوال انبعاثها، فإنه لن يشفع للواقع ليطلق حراكه ونهضته، دون أن يجسد دوافع الانبعاث منهجاً وواقعاً في سير حركته، فلا غرو أننا بحاجة إلى تجديد إعادة النظر لتصحيح مفاهيم المنهج لتتجلى حقائق عللنا وأزماتنا، أما أن نستتر خلف الأمية والتبعية فإن ذلك سيضاعف خسائرنا وهزائمنا.

5- إن ما بين أيدينا من موروث خصب نتداوله في مضمار سيرنا، بما يحتضن من فلسفات راقية في العقيدة والمنهج، وأسس راسخة في الفكر والثقافة، هو بمثابة الرصيد الرافد، ومحور انبعاث النهضة، ناهيك عما يستأثر به من مقومات وركائز تجعله متقدماً على شتى الصعد والمجالات، قلما تجد ما يضاهي نظمها ومعالمها، التي يتلقى المسلم عنها فلسفته في الحياة، ويستوحي من ظلالها الوارف ما يحقق احتياجاته الضرورية، من تطلع وطموح وإصلاح وتغيير، غير أن جميع هذه المؤهلات لم تأت لتحقق رابطة عضوية انتمائية فحسب، وإنما لتدفع شبكة العلاقة لبناء الشخصية المتميزة بإسهامها وعطائها الفاعل، الذي ينأى عن التبلد والتقاعس والعزيمة الخائرة.

وختاماً فإننا لسنا معنيين بهذه الثقافة ومعالمها الأصيلة فحسب، بل نحن مسؤولون عن مكتسباتها وإنجازاتها الخلَّاقة، التي لم تتحقق إلا ببذل الجهود المضنية طوال الحقب المنصرمة، فبرغم المخاضات المريرة والضربات الموجعة التي جرت عليها، ظلت تتحمل المآسي والمحن لتتسلمها أجيال الأمة، وهو الأمر الذي يستدعي الوقوف على أدواتها ودراستها بتمعن، سيما في ظل ما تعايشه البشرية من رهانات حرجة تواكب حاضرنا الراهن، تكاد تغرقه في طوفانها الهائج، وأزماته المستعصية، ففي سياق ذلك نحن أحوج ما نكون إلى قيمها ومبادئها، لإثارة دفائنها وبصائرها لاستنزال الرؤى والمفاهيم التي تنتشل الواقع من ظواهره وعلله الكأداء.

--------------------------------------------------------------------------------

[1] أبو الفرج الأصفهاني، مقاتل الطالبيين، شرح وتحقيق أحمد صقر، ص77، منشورات ذوي القربى، إيران، قم، 1425هـ ق.

[2] سورة الأنبياء، الآية 107.

[3] سورة سبأ، الآية 28.

[4] سورة الأنفال، الآية 24.

[5] الري شهري، محمدي، ميزان الحكمة، ج1، ص153، مركز النشر، مكتب الإعلام الإسلامي، 1404هـ، 1362هـ ش.


ارسل لصديق