التصوف الفلسفي
الوافد الجديد على مناهج الحوزات الدينية
كتبه: كريم المحروس
العدد (41) السنة 18 - 1428هـ/ 2007م
التعليقات: 0
القراءات: 3177

أصبح أمر الإصلاح والتطوير والتجديد في الحوزات الدينية أمراً واقعاً لا مفر منه في ظل التحديات التي ولَّدتها وسائل الاتصال، وانفتاح التعليم الديني على مختلف الثقافات العالمية، إضافة إلى الابتلاء السياسي الراهن الذي أوجب على الحوزات إعادة النظر في هويته وفي طبيعة المشاركة الإدارية المتعلقة بالشأن العام. وعلى هذا السبيل وجدت رموز الإصلاح والتجديد نفسها أمام فرص يصعب استغلالها وذلك لقلة الإمكانات المادية، وعدم توافر الكادر العلمي القادر على صناعة البدائل التعليمية الجديدة، وشدة الجذب والتعصب الحزبي والمرجعي الذي اخترق الحوزات وناوش صورها التقليدية البسيطة.

وقد جاءت بعض محاولات إصلاح وتجديد التعليم الدين في عصرنا الحديث متصلة بالمعطى العلمي القديم من جهة محتوى المادة وأساليبها إلا في بعض صور منهجها وتنظيمها؛ لكون المجدد أو المصلح يرى نفسه ورهطه بحاجة إلى مؤسسة تعينه في مشروعه الإصلاحي التجديدي، وهذا مما لم يكن متوافراً. من هنا جاءت مثل هذه الجهود على صفة فردية اتخذت لها صبغة مسَّت الهيكل العام للمادة ذاتها وأساليب عرضها، وكأن التجديد والإصلاح قد اتخذ منحى رفع التعقيد اللفظي في المؤلفات القديمة والمساهمة في إخراجه عن دائرة الإيجاز في العبارة مع اختصار بعض المباحث والتوسع في أخرى والتدرج في عرض بعض المباحث وفق نسق علمي آخذاً في الاعتبار ذهنية الطالب ومدى استيعابه للمادة وقواعدها.

وقُررت في ذلك عدة مؤلفات في مواد الأصول الفقهية والفلسفية وعلم الكلام واللغة، كان من بينها: كتابا (أصول الفقه) و(المنطق) للشيخ محمد رضا المظفر، وكتاب (دروس في علم أصول الفقه) للسيد محمد باقر الصدر، وكتابا (بداية الحكمة) و(نهاية الحكمة) للسيد الطباطبائي، وكتب (شرح المنظومة) و (الأصول) و (القول السديد) وسلسلة مؤلفة من عشرة كتب متخصصة سميت بالـ(المقدمات) من تأليف المرجع السيد محمد الشيرازي، وكتاب (الاشتقاق) للسيد حسن الشيرازي، وكتاب (الموجز في المنطق) للمرجع السيد صادق الشيرازي، وكتب (العرفان الإسلامي) و(المنطق الإسلامي) و(التاريخ الإسلامي) للمرجع السيد محمد تقي المدرسي، و(الأصول العامة للفقه المقارن) للسيد محمد تقي الحكيم، بالإضافة إلى عدد من المؤلفات المختصرة للشيخ د. عبد الهادي الفضلي.

وإلى جانب نظام الدراسة ومنهجه القديم أدخلت الحوزة في قم المقدسة ولبنان نظام التدرج في الفصول والتخصصات التي يتبعها نظام الامتحانات لتقدير مستوى الطالب بشهادات علمية تعطى له وتعادل بشهادات بعض الجامعات العلمية المدنية. في حين لم تدخل حوزات أخرى عريقة كالنجف الأشرف وكربلاء المقدسة هذا المضمار حتى نهاية القرن الماضي، وذلك بعد توقف هذه الحوزات عن عطائها العلمي بشكله المستقر على مدى خمسة وثلاثين عاماً تسلَّم خلالها حزب البعث مقاليد السلطة في العراق، لكن بعض المؤسسات التعليمية على المستوى الجامعي والحوزوي أُنشئت في سوريا والكويت وإيران وبريطانيا وبعض دول أفريقيا والهند على يد خريجي النجف وكربلاء، وشكلت امتداداً لحوزتي النجف وكربلاء واتخذت طابعاً تجديديًّا وإصلاحيًّا في مناهج الدراسات الدينية، واعتمدت نظام الامتحانات والتدرج التعليمي إلى جانب النظام التقليدي الحر بشكليه المنفتح والمحافظ. في حين ظلت مدارس دينية في بلاد أخرى كالبحرين والمنطقة الشرقية في السعودية على نمطها التقليدي الجامد بانتظار عودة الحوزات الأم في النجف الأشرف وكربلاء المقدسة إلى مجدهما التعليمي.

(1) أنسنة المنهج الحوزوي

قسمت المادة المتداولة في التعليم الديني إلى صنفين من العلوم كان لهما أثر كبير في وعي المسلمين وتوسيع مداركهم الإنسانية الوجدانية في مراحل نمو دور مدارس الحوزة الدينية: «صنف طبيعي للإنسان يهتدي إليه بفكره، وصنف نقلي يأخذه عمن وضعه»[1].

فالعلوم النقلية هي علوم موروثة مصدرها الوحي الإلهي، وتتداول في الحوزات الدينية بوصفها مادة أساسية، وتضم أهم مصدرين تشريعين هما: القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، ويتعلق بشؤونهما حمل الرواية ودراستها وتدوينها وتصحيحها أو تجريحها سنداً ودلالة، إلى جانب التفسير والاجتهاد لاستنباط أحكام الفقه والشرح والعرض في السِّير. وتصور بأنها «العلوم النقلية الوضعية، وهي كلها مستندة إلى الخبر عن الواضع الشرعي ولا مجال فيها للعقل إلا في إلحاق الفروع من مسائلها بالأصول»[2].

وقد حظيت هذه العلوم بالنصيب الأساسي الأكبر في مناهج التدريس في التعليم الديني بشكل موسع بعد عهد التشريع، الذي انتهى عند أتباع اتجاه الخلافة بوفاة الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) حيث بدأ شعور يسري بوجوب كتابة القران والسنة وجمعهما على منهج الخلفاء، ومن ثم دراسة أحكامهما والاجتهاد فيهما. وأقفل عهد التشريع بصورة مختلفة عند اتجاه التشيع بعد شهادة الإمام الحادي عشر الحسن العسكري (عليه السلام)، وبداية عهد الغيبة الصغرى للإمام الثاني عشر المهدي بن الحسن العسكري (عليه السلام).

وفي ذلك كُتبت الكثير من مؤلفات التفسير والحديث وبمستويات متفاوتة من حيث وثاقتها وعمقها فيما عرف بعد ذلك بعلم التعديل والتجريح في السند والدلالة، ونجم عن ذلك مسيرة علمية طويلة عمادها التحقيق والبحث والدراسة في هذه المؤلفات وتأسيس علوم الفقه والأصول والتفسير والسيرة والحديث والرجال. واتخذ التحقيق والدراسة والنقل في هذا المضمار طرقاً في بدايات نشوء التعليم الديني مازال بعضها دارجاً في منهج الدراسات الدينية «هي السماع والعرض والإجازة والمناولة والمكاتبة والإعلام والوصية والوجادة. وغدت هذه الطرق تشمل فضلاً عن الحديث تحمُّل أكثر العلوم النقلية كالفقه وأصول الفقه والتفسير. فالسماع أن يقرأ الشيخ الحديث من حفظه أو من كتاب، والحضور يسمعون لفظه سواء كان للإملاء أم لغيره.. والعرض هو عرض القراءة، وذلك أن المريد يعرض على العالم ما يقرؤه، إما من حفظه وإما من كتاب مقابل مصحح... فالسماع من لفظ العالم، والقراءة بلفظ الطالب المتحمِّل أو غيره بحضرة العالم. وإما الإجازة فهي أدق من ذلك. وهي إذنُ العالم لشخص أو أكثر برواية بعض مروياته أو كتبه لفظاً وكتابةً. والإجازة أنواع. وأعلى أشكالها أن يحمل العالم كتاباً من كتبه ويقول للطالب، وقد عرف إتقانه: أجيز لك روايتها عني. وهذه إجازة معيّن وهو الشيخ لمعين وهو الطالب في معين وهو الكتاب أو الكتب»[3].

وعلى أساس من ذلك، غلبت كثرة المؤلفات الفقهية في مناهج الدراسات الدينية وذلك للحاجة ولضرورة الاستفادة منها في معرفة الأحكام الشرعية المستخلصة من النص الشرعي، وصنفت علوم أخرى مادةً مكملةً ومساهمةً في تطوير هذا العلم. ويعد الفقه أكثرها تميزاً، وهو «علم إسلامي خالص، حيث لم يؤثر أنه تأثر بتجارب علمية سابقة، أو أعمال تقدمته»[4]، لكونه جاء في إطار علوم شريعة جديدة لم تكن معروفة في الجزيرة العربية، ونما وتطور تبعاً للحاجة اليومية للناس واستعمالاتهم للنعم وتسخيرهم لها في جميع مجالات حياتهم.

وأسفر عن تطور علم الفقه ومؤلفاته علم أصول الفقه الذي جمع القواعد الفقهية مع تفاوت في المرحلة الزمنية التي وُلِد فيها هذا العلم تبعاً لفترة انتهاء عهد التشريع عند عالمي اتجاه التشيع واتجاه الخلافة. ويُعَدُّ هذا العلم منبثقاً عن علم الفقه، وهو «من أهم العلوم الشرعية التي وضعها العلماء المسلمون دون أن يتأثروا بتجارب مماثلة سابقة، ودون أن يحذوا حذو محاولات متقدمة. وهو علم إسلامي خالص أيضاً كما الفقه، لأنه نشأ من بين النصوص الفقهية»[5]، وهو ما يشير إلى الذهنية الإسلامية المتطورة في كشف القواعد وجمعها ضمن علم عقلي نقلي أُسِّس جديداً.

ربما كان علم الفقه أكثر العلوم تطوراً وأكثرها تأثيراً في حياة المجتمع، وفاق بذلك بقية المواد النقلية كالتفسير الذي جمدت علومه في التعليم الديني على تاريخ جمع القرآن ورجال ومراحل تدوينه، وعلى الحساب الرياضي في مضمون القرآن ومنهجه في العرض، وعلى القراءات السبع والبسملات وعلى قصص وظروف الوحي ونزول الآيات، وعلى الهوية المكية والمدنية، وعلى الناسخ والمنسوخ وعلى اللغة والآداب وما أشبه، أي أن تفسير القرآن اتجه إلى موضوعات ذاتية متعلقة بما بين دفتي القرآن بعيداً عن الواقع الإنساني ووعيه الشامل لنظم الفكر والسلوك، على خلاف وظيفة القرآن التي عرفته بوصفه كتاب حياة.

وإذا ما رصدنا حركة التطور في الفقه في التعليم الديني نجد أن علم الفقه كان متحرِّكاً بشكل واسع في مجالات العبادات حتى أنه غار في مجالات محتملَة متصوَّرَة في المستقبل، في حين كان هناك شبه توقف في مجال المعاملات كالقروض والمضاربة والشراكة والمزارعة والوكالة والهبات والحجر والرهن والأطعمة والأشربة وعقود الدول وما أشبه، وكانت جُلّ معاملات الدولة تُجرى بشكل منفصل عن مؤسسة التعليم الديني بلا أي تأثير متبادل، وكانت القوانين الدولية في شأن المعاملات هي الحاكمة حتى بدء عهد النهضة حيث وضعت نظريات ومؤلفات إسلامية جديدة في الاقتصاد والسياسة والاجتماع ونظم الدولة ومنشئها، فاعتمدت مؤسسة التعليم الديني بعض هذه المؤلفات مادةً دراسيةً مضافة للمنهج.

وعلى ذلك أيضاً جرى في شأن علوم الحديث والسيرة، حيث تطور علم الحديث والرجال، ونمت أساليب الوثاقة والجرح والتعديل، لكن الأسس الأولى المفترض اتباعها في ذلك كانت محل خلاف، خصوصاً في مسألة تنزيه وتعديل الصحابة أو تجريحهم، كما أن مسألة دلالة الأحاديث أيضاً ظلت خاضعة لقيود كانت بحاجة إلى إصلاح وتطوير؛ لأن الدلالات الخاطئة التي توصلت إليها بعض الجهات الدينية المتزمتة والمتطرفة كانت سبباً مباشر في التناحر بين المذاهب والاتجاهات الدينية.

وإما في مسألة السيرة النبوية فقد كادت تفقد أثرها في الحياة اليومية للناس، بل إن هناك من المختصين من ظل يجهل أكثر ما في السيرة أو حقائقها. وإما كتبها وكتابتها فهي بحاجة إلى تحقيق وإصلاح وتجديد وتنقية من كل ما علق بها من باطل دول بني أمية وبني العباس ومن كان على انحرافهم. فهذان العلمان (الحديث والسيرة) هما من أكثر العلوم الدينية التي لعبت فيها أيدي الوضع والاختلاق، وبحاجة إلى دور مؤسسي يخضعهما لنظر ووعي يحدد بموجبهما رؤى جديدة للمسلمين مميزة للعلم والمعرفة حق تمييز.

وأما العلوم العقلية فهي تشتمل على مادة العقائد أو ما يعرف بأصول الدين إضافة إلى أصول الفقه والحكمة والفلسفة والمنطق والإلهيات، وأضافت إليها بعض المدارس الدينية مواد التصوف والتصوف الفلسفي، والرياضيات كالهندسة والحساب والفلك، بالإضافة إلى الطبيعيات كالكيمياء والفيزياء والحيوان والطب، والإنسانيات كالتاريخ والجغرافيا والاجتماع والنفس واللغة وآدابها. وفصلت بعض المدارس بعض العلوم العقلية كأصول الفقه وأصول الدين والفلسفة والتصوف مثلاً ووضعتها في خانة العلوم الجامعة بين (النقلية والعقلية). وتوصف العلوم العقلية بأنها «هي العلوم الحكمية الفلسفية، وهي التي يمكن أن يقف عليها الإنسان بطبيعة فكره، ويهتدي بمداركه البشرية إلى موضوعاتها ومسائلها وأنحاء براهينها ووجوه تعليمها، حتى يوقفه نظره ويحثه على الصواب من الخطأ فيها من حيث هو إنسان ذو فكر»[6].

وقد استفاد المسلمون من العلوم العقلية الوافدة عن الحضارات الأخرى عن طريق الترجمة من اليونانية بواسطة السريانية والفارسية إلى العربية، بعد محاولاتهم الحثيثة للاطلاع على علوم تلك الحضارات، «على أن دراسة العلوم الفلسفية والمنطق والكلام قسمة مألوفة في منهج المسلمين التعليمي والتربوي منذ النصف الثاني من القرن الأول الهجري، ولقد تأكدت هذه القسمة في القرن الثاني، وخاصة بعد ترجمة العلوم الفلسفية في عصر المأمون (170-218م، 786-833م)»[7].

ولم يكن اطلاع المسلمين على العلوم العقلية اطلاعاً جامداً من دون معالجة أو تمحيص وإمعان نظر وتحقيق، لأن بعض تلك العلوم وخاصة الأوروبية منها كانت جامدة على منهج أرسطو في الاستنباط القائم على استخراج النتائج من المقدمات والتزام الحدود والرسوم في التعريف والقياس والاستنباط والتمثيل في الاستدلال. «وقد عدل فيه المناطقة المسلمون، فالتزموا في التعريف ما سموه بـ(شرح الاسم)، وابتعدوا عن الأخذ بالحد والرسم. وعللوا هذا بعدم وجود فصول لحقائق الأشياء يمكن الوصول إليها ومعرفتها. كما أضافوا إلى مادة الاستقراء في كثير من مؤلفات المنطق الحديثة، الطرق الخمس التي وضعها (جون ستيورات مل)، والتي تسمى (طرق الاستقراء) و (قوانين الاستقراء)، وموضوعات أخرى رأوا من اللازم إضافتها.

ومنذ أن ترجم هذا المنطق من اليونانية إلى العربية عن طريق السريانية والفارسية، كان ومازال هو المنهج المعتمد في الدراسات الإسلامية، وبخاصة الفلسفة الإسلامية وعلم الكلام وأصول الفقه. ومَدَّ رواقه أيضاً على الدراسات اللغوية العربية فاعتُمد إلى حد بعيد في علم النحو وعلوم البلاغة. وهو المنهج المعتمد حاليًّا في الدرس الفلسفي والدرس الكلامي والدرس الأصولي في الحوزات العلمية (مركز الدراسات الدينية) عند الشيعة الإمامية، وكذلك في الحوزات العلمية السنية في مثل أفغانستان وباكستان وهندستان واليمن ومصر ودول المغرب العربي»[8]. وهناك الكثير من رجال العلم القدماء من المسلمين انبهروا بالفلسفة اليونانية كالكندي والفارابي وابن رشد وغيرهم، وراح بعضهم إلى النظر في العلوم الإسلامية النقلية ونصوصها بعين فلسفية ومقولات فكرية يونانية خالصة، فأنتجوا نظريات في مجالات الاجتماع اعتماداً على ألفاظ ومفاهيم فلسفية يونانية. وأرجع بعض المحققين علوم المسلمين في المجال النقلي إلى أسس ومناهج يونانية فلسفية ليؤكد تأييد مذهبه الفلسفي أو الصوفي، في حين ذهبت أكثر التحقيقات والدراسات إلى نقض هذا المذهب ودعت إلى تجريد العلوم النقلية والعقلية الإسلامية من أي أثر يوناني فكري فلسفي أو صوفي. وهناك من المحققين من اعترف بالالتقاط الفلسفي عن اليونان ولكنه استحسنه واستعمله في بناء قاعدته الفكرية الفلسفية.

وظهر من خلال الحياة العلمية في مؤسسة التعليم الديني عند اتجاهي الخلافة والتشيع، أن بعض العلوم العقلية قد تداخلت في العلوم النقلية وفرضت نتاج العقل على النقل أو العكس كما هي الحال في أصول الفقه، كما تداخلت بعض العلوم في بعضها كما هي الحال في أصول الدين والتصوف والفلسفة والحكمة. ولذلك تشكلت في التعليم الديني مخاطر على العلوم الأصيلة وعلى فكر وسلوك ووجدان المنتسبين إليها، خصوصاً في مجال مبحث التوحيد. فنشأت عن ذلك فرق دينية لها عقائدها وفلسفاتها وتصوفها، ولها نزعاتها وتصوراتها الخاصة في تنزيه الإله بين التجسيم والتشبيه والاتحاد والحلول والوحدة الوجودية، ما أدى إلى الكثير من النزاعات والمشكلات التي استنزفت الطاقات البشرية والاقتصادية والاجتماعية في تطرف سلفي غريب الأطوار أو تطرف فكري مثير للشكوك.

والى جانب ذلك، أسس متبنو بعض العلوم النقلية والعقلية طرقاً كثيرة مفصلة في كيفية تحمُّل وتلقي تلك العلوم. فمنذ القرن الثاني للهجرة أُلِّفت الكثير من الكتب المهمة الكاشفة عن علاقة الطالب بالأستاذ في حال الاستعداد لتلقي مثل هذه العلوم، وسميت بالآداب، وكان من بينها: كتاب (منية المريد في آداب المفيد والمستفيد) لزين الدين بن علي العاملي الملقب بالشهيد الثاني (966هـ )، وكتاب (الدر النضيد في آداب المفيد والمستفيد) لبدر الدين الغزي (984هـ)، وكتاب (آداب المتعلمين) لنصير الدين الطوسي (672هـ)، وكتاب (آداب المعلمين) لمحمد بن سحنون (256هـ)، وكتاب (تذكرة السامع والمتكلم في آداب العلم أو المتعلم) لبدر الدين ابن جماعة الكناني (733هـ).

وفصلت هذه المؤلفات الشيء الكثير في كيفية سير الحياة العلمية في مؤسسة التعليم الديني وتقاليد النظر والتحقيق والبحث والاجتهاد فضلاً عن كيفية الاستفادة من الأستاذ، وأخلاق الكسب العلمي، وطرق التعاطي مع المادة العلمية، وأحوال حلقات الدراسة وطقوس حضورها، وفن التدريس والدراسة والاستعداد لهما.

وربما كانت أكثر الكتب المتخصصة دقة وتفصيلاً في شأن العلاقة المتبادلة بين الطالب ومدرسيه، هو كتاب (منية المريد في آداب المفيد والمستفيد) حيث أولى الشهيد الثاني رعاية واهتماماً للعلاقة بين الأستاذ والطالب وما يتصل بينهما من اشتراك في كيفية تداول المادة وكسبها والبحث فيها. ففي آداب الأستاذ قسّم الكتاب الآداب إلى آداب تخص الأستاذ ذاته، وآداب علاقته مع طلابه، وآداب تخص حلقة الدرس. وأما آداب الطالب فهي مقسمة كذلك إلى آدابه مع نفسه وآدابه مع أستاذه وآدابه مع حلقة الدرس. وأما الآداب التي يشترك فيها الطالب مع المدرس فهي: الإخلاص وبذل الجهد في كسب العلم وتعليمه، والأخلاق المتبادلة، واحترام مادة العلم، والاستمرار في التعلم والتعليم ودوام العمل بالعلم، وتجنب الجدال والمراء وغيره.

ولم يغفل علماء التعليم الديني التفاصيل الدقيقة في مجال حفظ العلم وتقييده في الذهن، وفنون الكتابة والتأليف وطرقهما حتى انتشرت مصطلحات مميزة ومصنفة للمؤلفات، كمصطلح (المبسوط) و(الإملاء) و(المختصر) و(الحاشية) و(الشرح) و(التعليق) و(الفهرست) و(الكليات) و(المبادئ) و(المعاجم) و(المقباس) و(الوجيزة) و(التنقيح) و(المنظومة) وغيرها.

وقد تراجعت العلوم العقلية كثيراً خلال حكم السلطنة العثمانية تحت ضغط قيود الكثير من دوائر التعليم الديني الخاضعة لهيمنة شيوخ السلطنة الرسميين الذين حرّموا أو منعوا أكثر العلوم العقلية جرياً على منهج الشيخ الغزالي الصوفي الذي ناهض الفلسفة على وجه التحديد. وظلت الحوزة الدينية على اتجاه التشيع محافظة على استقلالها في رعاية بعض العلوم العقلية وتجنب الاستجابة لتحولات السلطنة العثمانية في شأن أدائها التعليمي، على عكس الكثير من مؤسسات اتجاه الخلافة «ودون أن نقلل من اهتمام إخوتنا ونحن نعترف بأنهم ظلوا الممثلين لاهتمام التيار العقلاني الإسلامي بهذه الدراسات»[9].

وحاول شيخ السلطنة العثمانية أبو الهدى الصيادي (1849-1909م) النيل من اتجاه التشيع، وصوَّره اتجاهاً دينيًّا يتعاطى مع بعض العلوم العقلية إلى جانب علومه النقلية السائدة في مؤسسته التعليمية، فاصطنع العقبات والموانع أمام مسيرة السيد جمال الأفغاني وتصدى له وقاومه بحجة تشيعه وتعاطيه العلوم العقلية. فقد كانت دراسة الأفغاني للعلوم العقلية -في كل من العراق والهند على غير منهج السلطنة العثمانية التي كانت تميل إلى فكر التصوف- أحد أسباب بلوغه هذه المرتبة، وبذلك استطاع أن يتحرر من قيود المنهج العثماني التقليدي الجامد؛ «فلقد كان طرازاً من الرجال لا يمكن فهمهم حق الفهم إلا إذا نحن تخيلنا الصورة التي يمكن أن يكون عليها مفكر عبقري عملاق، جمع في عقله ما بين الحكمة الفلسفية والإيمان -على طريقة الفلاسفة- بجوهريات الإسلام وحقائقه الأولية، في صورتها النقية المبرأة من الخرافات والإضافات»[10].

تحديات المنهج ورموزه:

استمرت مؤسسة التعليم الديني في التعليم وفق المنهج التقليدي المتقيد بالعرض والشرح التفصيلي الممل لمختصرات المادة، وفك عباراتها وألفاظها ومصطلحاتها، ومحاكمة مضامينها ومقاصدها اللغوية. ولكن هذا الأسلوب التعليمي القديم لم يخلُ من بعض الإيجابيات من نحو: «غزارة المادة العلمية والتعمق في قضاياها، فيأتي المدرس فيدرس الموضوع فينزل في أعماق الأرض ويرتفع إلى عنان السماء في كل شيء، لماذا وكيف، والأبعاد المتعلقة به والجوانب والاحتمالات، فيحاول أن يعطي غزارة وعمقاً أكثر مما يقتضيه الموضوع نفسه، ومعرفة الجذور والأغصان كلها المرتبطة بشجرة العلم»[11].

ومع مثل هذه الأساليب التقليدية القديمة كان على المدرس أن يتميز بحصيلة علمية واسعة جدًّا تمكنه من إدراك ومعرفة العلوم المختلفة كالفقه والتفسير والدراية والحديث والمنطق والحكمة وعلوم اللغة والرياضيات والطبيعيات والإنسانيات وغيرها من العلوم النقلية والعقلية، ما يؤكد أهمية دور الذاكرة والحفظ، ويزيد من حصيلة الطالب والمدرس العلمية ويرفع من قدرتهما معاً على «تبين مواطن الضعف في المادة العلمية... ومعالجتها من خلال منهج: إن قلتَ: قلتُ، وإن قلت: قلت»[12].

وهنا مثال واحد على طريقة التعليم كانت متبعة في حوزات العراق إلى عهد قريب: «فإذا أراد الأستاذ أن يثبت كروية الأرض تساءل: هي كروية أو مسطحة ؟. ثم يقول: ذهب العلماء القدماء إلى أنها مسطحة، وقال الجدد: إنها كروية، واستدلوا بأن الإنسان إذا سار من نقطة معينة وواصل السير في خط مستقيم ينتهي إلى المكان الذي ابتدأ منه، ثم يعقب الأستاذ -من عنده- بأن هذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن الأرض كروية لسبب من الأسباب كما هي سني التطور.

ويجيب -من عنده- بأن كروية الأرض لا تحتاج إلى الاستدلال بعد أن أثبت العلم أن الأصل في كل جرم أن يوجد أول ما يوجد كروية الشكل، وليس من شك أن الأرض جرم فهي إذن كروية، ومن قال بهذا لا يُطالب بالبيِّنة لأن قوله موافق للأصل، على أن الوجدان يؤيد هذا ويعززه، وعليه فالقول المعاكس لا يبتنى على أساس. وهكذا تدرس جميع القضايا والمسائل»[13].

فهذا الأسلوب التعليمي في عهد متقدم تميزت به حوزات العراق له الكثير من المحاسن أتي على رأسها فن التوسع والتمكن من العديد من المعارف المختلفة، وفن الحوار والنقاش والجدل. وعلى ذلك يتخرج الطالب مدعم بالمادة المناسبة المحيطة بأبعاد علمية متنوعة، فيزيد من ثقة الطالب بنفسه وبعلومه المختلفة، ويساهم مساهمة كبيرة في نمو الذكاء والحنكة أمام حجج الآخرين وآرائهم وتفسيراتهم وتأويلاتهم واعتراضاتهم، كما يساهم في نمو مقدرة الطالب على دراسة العلوم الأخرى غير المقررة في التعليم الديني والتمكن منها والاستفادة منها ونقدها في حال خلافها مع المعتقد والفكر الأصيل، فتتبلور شخصيته وينمو حسه الاستقرائي البحثي في حال اختلاطه بنظرائه وزملائه وببيئته العلمية وبعامة الناس.

وإلى جانب كل ذلك، هناك ميزات أخرى مهمة في منهج التعليم القديم أتى في مقدمتها: الارتباط بالقيم الروحية ووثوق العلاقة بين الطالب والأستاذ، وبقاء الأبواب مفتوحة للطالب لاكتساب ما يمكنه من التعليم وفقاً لما يملك من ذهنية علمية وبعد زمني، «فلا يوجد فاشل في ميدان التعليم الديني، لأنه يتيح مجالاً لكل القدرات. فإذا حفظت القرآن واكتفيت بذلك يمكنك أن تفيد الناس شيئاً، وإذا حفظت شيئاً من علوم الفقه فيمكنك أن تنفع الناس في هذه الحدود، وإذا تعمقت في الحديث والأصول فيمكنك أن تعطي شيئاً أكثر وهكذا»[14].

ومع بروز هذه النقاط الإيجابية التي صُبت في صالح المنهج القديم وفي فن التدريس موضوعاً وأسلوباً؛ إلا أن هنالك الكثير من نقاط الضعف الأساسية تسجل على تلك المناهج والأساليب التعليمية لا يمكن لها أن تجعل من التعليم القديم منسجماً ومتسقاً مع الظروف الحالية والمتقدمة علميًّا وإنسانيًّا، كما أنها لا تستطيع أن تخرّج للمجتمع إنساناً قادراً على الانسجام مع فئات المجتمع المختلفة والتفاعل مع تحولاته السريعة جدًّا في مجالات التنمية وتقنية الاتصال والاستراتيجيات السياسية والاقتصادية والثقافية العظمى إلا بمبادرات فردية تصدر عن الطالب المنتسب. ولو أردنا أن نمثل للوضع السائد فإننا سنجد أن هناك مسافة واسعة تفصلنا عن عالم اليوم في الشأن التعليمي تشابه إلى حد ما المسافة الفاصلة بين مستوى أوضاع عالمنا الإسلامي على عهد السلطنة وأوضاع أوروبا بعد تطور نهضتها. فيوم توقف المسلمون اكتسحتهم مناهج الغرب.

وعلى الرغم من بقاء المنهج التعليمي القديم قادراً على أداء رسالته من حيث البناء الروحي والوجداني للطالب وزيادة ثقته في علمه ومؤسسته التي ينتمي إليها؛ إلا أن الدور الذي يمكّن الطالب من تأدية وظيفته في حال تخرجه هو دور محدود ومقصور على الجانب الروحي الوجداني، بجانب أثر ليس بالريادي في مجال الضرورات الحياتية والتحديات التي تعترض مسيرة المجتمع الناتجة عن المدنية سريعة التغير والتحول في المجالات العلمية والتنمية التعليمية على وجه أخص.

واستطاعت مناهج الدراسات والتعليم الديني -حتى عهد تطورها إلى مستوى منهجي ومؤسسي مناسب- أن تخرج العديد من العلماء والمراجع الكبار الذين ساهموا في تطوير المناهج الدينية ومؤسساتها، سواء بالبحث والتحقيق أو إصدار مؤلفات متقدمة زادت في ثراء تراث الحوزات وألقت بظلالها على المادة العلمية ومناهج الدراسات، ووصلت التعليم الديني بالأوضاع الاجتماعية المحيطة، ورفعت من درجة تفاعله نسبيًّا. كما ساهمت في الحفاظ على تراث أهل البيت (عليهم السلام) وتزويده بعوامل البقاء، لكن ذلك كله جاء في صور فردية. وكان من بين أشهر هؤلاء العلماء الكبار الذين برزوا في هذا المضمار من بعد نشوء وتطور التعليمي الديني على يد الشيخ الطوسي في النجف الأشرف كل من: أبي القاسم نجم الدين جعفر?بن الحسن (602 - 676هـ) المشهور بـ(المحقق الحليّّ)، وله مؤلفات مميزة منها: كتاب (شرائع الإسلام) وكتاب (المختصر النافع). ونصير الدين محمد بن الحسن الطوسي المتوفى في سنة (672هـ) المشهور بـ(المحقق الطوسي) وله كتابه الشهير (تجريد الاعتقاد) في علم الكلام. والحسن بن يوسف بن علي المطهّر المتوفى في سنة (726هـ) المشهور بـ(العلامّة الحليّّ) وله (تذكرة الفقهاء) مؤلف من عشرين مجلداً، وله أيضاً (قواعد الأحكام). وابن العلاّمة الحلّي المشهور بـ(فخر المحققين) المتوفى في سنة (771هـ) وله كتاب (إيضاح الفوائد في شرح إشكالات الفوائد) المؤلف من أربع مجلدات. وأبو عبدالله محمد بن مكي العاملي المشهور بـ(الشهيد الأول) المستشهد في سنة (786هـ) وله (اللمعة الدمشقية) و(القواعد والفوائد). وجمال الدين أبي العباس أحمد بن محمد?بن فهد الحليّّّ المشهور بـ(ابن فهد الحليّّ) المتوفى في سنة (841هـ) وله (المهذَّب البارع في شرح المختصر النافع) المؤلف من خمسة مجلدات. والشيخ علي بن الحسين الكركي المشهور بـ(المحقق الثاني) المتوفى في سنة (941هـ) وله (جامع المقاصد في شرح القواعد) المؤلف من ثلاثة عشر جزءاً. وزين الدين بن علي الجبعي العاملي المشهور بـ(الشهيد الثاني) المستشهد في سنة (966هـ) وله (الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية) و(مسالك الإفهام في شرح شرائع الإسلام) المؤلف من خمسة عشر مجلداً. والمولى أحمد بن محمّد الشهير بـ(المقدّس الأردبيلي) والمتوفى في سنة (993هـ) وله (مجمع الفائدة والبرهان في شرح إرشاد الأذهان) المؤلف من أربعة عشر مجلداً. ومحمد محسن الشهير بـ(الفيض الكاشاني) المتوفى في سنة (1091هـ) وله (الوافي والصافي ومفاتيح الشرايع). ومحمد بن الحسن المشهور بـ(الحر العاملي) المتوفى في سنة (1104هـ) وله (وسائل الشيعة) المؤلف من ثلاثين مجلداً. والمولى محمد باقر بن المولى محمد تقي المجلسي المشهور بـ(العلّامة المجلسي) المتوفى في سنة (1111هـ) وله (بحار الأنوار الجامعة لدرر الأخبار) المؤلف من مائة مجلد. والشيخ يوسف البحراني المشهور بـ(البحراني) المتوفى في سنة (1186هـ) وله (الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة) المؤلف من خمسة وعشرين مجلداً. والمحقق السيد علي الطباطبائي الشهير بـ(مير سيد علي) والمتوفى في سنة (1213هـ) وله (رياض المسائل). والسيد محمد جواد الحسيني العاملي المتوفى في سنة (1226هـ) وله (مفتاح الكرامة في شرح قواعد العلامة في بيان الأحكام بالدلائل) المؤلف من عشرين مجلداً. والمولى أحمد?بن المولى محمد مهدي النراقي المشهور بـ(النراقي) المتوفى في سنة (1244هـ) وله (مستند الشيعة في أحكام الشريعة) المؤلف من تسعة عشر مجلداً. وجعفر?بن خضر بن يحيى المشهور بـ(كاشف الغطاء) المتوفى في سنة (1228هـ) وله (كشف الغطاء). ومحمد حسن النجفي المتوفى في سنة (1266هـ) وله (جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام) المؤلف من ثلاثة وأربعين مجلداً. ومرتضى بن محمد أمين المشهور بـ(الشيخ الأعظم) المتوفى في سنة (1281هـ) وله (المكاسب وفرائد الأصول). والسيد محمد حسن الشيرازي المشهور بـ(المجدد) وصاحب انتفاضة التنباك المتوفى في (1312هـ) وله (تحريرات في الأصول) و(تحريرات في الفقه) و(رسالة في الرضاع) و(رسالة في اجتماع الأمر والنهي). والميرزا محمد تقي الشيرازي المشهور بـ(قائد ثورة العشرين) المتوفى في سنة ( 1338هـ) وله (حاشية المكاسب المحرمة) و(مباحث الأصول) (حاشية كتاب البيع). والميرزا حسين النوري الطبرسي المشهور بـ(النوري الطبرسي) المتوفى في سنة (1320هـ) وله (مستدرك وسائل الشيعة). والشيخ محمد كاظم الخراساني المشهور بـ(الآخوند الخراساني) المتوفى في سنة (1329هـ) وله (كفاية الأصول). والسيد محمد كاظم اليزدي المتوفي في سنة (1337هـ) وله (العروة الوثقى) و(حاشية المكاسب) و(كتاب التعادل والترجيح). والسيد أبي الحسن الأصفهاني المتوفي في سنة (1365هـ). والسيد محسن الطباطبائي الحكيم المتوفى في سنة (1390هـ) وله (مستمسك العروة الوثقى) المؤلف من أربعة عشر مجلداً. والشيخ محمد رضا المظفر المتوفى في سنة (1963م) وله (علم أصول الفقه) و(علم المنطق). والسيد أبو القاسم الخوئي المتوفى في سنة (1413هـ) وله (بحوث في شرح العروة الوثقى) و(معجم رجال الحديث) و(البيان في تفسير القرآن). والسيد محمد باقر الصدر وله (دروس في علم الأصول) و(فلسفتنا) و(اقتصادنا) و(الأسس المنطقية للاستقراء). والسيد محمد الحسيني الشيرازي المتوفى في سنة (1422هـ/2000م) وله أكبر موسوعة فقهية في العالم الشيعي مؤلفة من 160 مجلداً، ويعد أكبر مؤلف في العالم وله 1500 كتاب قيِّم في أصول الدين وأصول الفقه وفي مجالات مختلفة. والسيد محمد تقي الحكيم المتوفى في سنة (1423هـ) عميد كلية الفقه (1965- 1970م) له (الأصول العامة للفقه المقارن) و(مناهج البحث في التاريخ).

إن هناك شبه إجماع في مؤسسة التعليم الديني على أن نتاج منهجها الراهن بحاجة إلى انطلاقة كبيرة وحديثة على طريق تخريج مستويات علمية رفيعة مؤهلة لسد حاجات الأمة الإسلامية في مثل هذا العصر المعقد في ثقافته وعلومه واقتصاده وسياسته وتطوره العلمي والتكنولوجي. وربما كان المنهج التقليدي القديم قادراً على إنتاج مراجع وفقهاء ومؤلفين ومدرسين يسدون حاجات التعليمي الديني ذاته في مجالات المنهج التعليمي وبعض الحاجات المتعلقة بشؤون الشريعة ومادتها؛ لكن هذا التوسع الكبير في الحياة العلمية والحضارية وحاجة المجتمع المسلم إلى قيادات ورموز مرجعية وفقهية تدير كل شؤون حياته في هذا البحر المتلاطم من الثقافات والأفكار والمناهج المتطورة المخالفة أو المناهضة للدين أو المتقدمة جدًّا على كل ما هو متاح من فكر إسلامي؛ يتطلب المئات وليس العشرات من المراجع والفقهاء الذين يحملون في ذواتهم مؤهلات زعامة الأمة على مختلف الصعد إلى جانب إدارة دفة الحواضر العلمية الفقهية.

وقد مثَّلت الثغرة التعليمية أو ما عرف بقضية الفصل بين التعليم الديني والمدني انفصاماً حقيقيًّا في العقل الإسلامي، والى جانبها برزت نظريات حديثة ومتطورة في مناهج التاريخ واللغة والحضارة والميتافيزيقا ونظرية المعرفة (الإبستمولوجيا) وما يعرف بالأنسنة. في وقت انشغلت فيه الحوزة الدينية بشكل رئيس بعلوم أخرى متعلقة بمفاهيم التأصيل وباللغة خاصة، وبجدل الثابت والمتغير، وبمقولات عُدَّت خليطاً ومزيجاً بين فلسفات نشأت على عهد سقراط وأفلاطون وأرسطو كمقولات ابن سينا والمشائين والسهروردي والاشراقيين وملا صدرا، مع إعراض عن الاستجابة للتحولات المستجدة في المحيط الاجتماعي والثقافي والعلمي الحضاري.

وإذا ما شاءت المؤسسات التعليمية الدينية المنشغلة بجدل تلك المقولات العزم على الإصلاح والتجديد فإنها ستظل رهينة بأصول تلك الفلسفات ومفاهيمها ونظرياتها بلا نتاج لها حينئذ إلا استقراء شكلي مباين للصورية الاستنباطية ومغلفاً بها في الوقت نفسه، ثم تتحول مادة الفلسفة في التعليم الديني إلى جدل العلة والمعلول، ثم تتكشف في النهاية مظاهر السقوط في وحل ديانة وحدة الوجود والموجود، وربما يُعاد التحقيق في وحدة الوجود بعد تعاظم أخطائها القاتلة ليخلص النظر إلى مبنى ما يعرف اليوم بـ(السلطنة والهيمنة) في الخالقية.

ولكون منهج التعليم الديني لا يملك ضوابط التوجيه في علاقته مع المحيط التعليمي ومتطلباته العصرية؛ فإن معايير التعاطي السليم والمثمر مع المحيط الخارجي بتفاعلاته تظل غائبة أيضاً. وقد تتفاعل مدارس التعليمي الديني مع هذا المحيط بشكل حر فتصيب في تشخيص موضوع الفقه مثلاً وقد تخطئ في مجال التعاطي مع نتاج العلوم الإنسانية والطبيعية والرياضية. لذلك تتبنى بعض مدارس التعليم الديني اتجاهات ومباني مختلفة قد تصل في علاقاتها البينية إلى حد النزاع ونبذ الآخر، كما هي الحال في منهج التعاطي مع فصول الفلسفة والتصوف الفلسفي (العرفان) أو حتى مبدأ الاجتهاد ذاته ومفاهيمه وأصوله وقواعده، فذلك من الدواعي الضرورية لتغيير المنهج وقواعد الحوزة ونظم علاقتها الداخلية وعلاقاتها بالمجتمع وبحواضرها العلمية وبنظرياتها الاجتماعية، لكي تتحاشى اضطرار منتسبي هذه الحوزات إلى الاقتباس والالتقاط على مبدأ التعويض أمام الإحساس بالعجز والنقص المنهجي أو العلمي أو الثقافي.

ومع توافر بعض الجهود المسؤولة التي راحت تهذِّب في المادة المتداولة وتصوغها صياغة علمية منهجية مناسبة لسد حاجات مؤسسة التعليم الديني؛ إلا أن حركتها مازالت بطيئة جدًّا وتنحصر أغلبيتها في علوم الآلة وبعض مواد مرحلة المقدمات فقط، ولم تمس جوهر بعض المواد التي ظلَّت محلًّا للجدل الطويل في التعليم الديني كالفلسفة والتصوف الفلسفي (العرفان) وعلم الكلام وعلم أصول الفقه والمنطق والتاريخ والسيرة وما أشبه، ولم تضف مواد جديدة أخرى إلى المنهج التعليمي أو تميز مضامينها على منهج شك المتخصصين من رواد التعليم الديني القديم الذين يعتقدون بأن المنهج التقليدي القديم مازال يتسم بالتقدمية والتميز على أية مناهج جديدة أخرى، وأن محاولات الإصلاح والتجديد المستمرة في المنهج تفتقر إلى الاستقرار والثبات فضلاً عن الكفاءة.

وربما يكون الإصلاح والتجديد في مراحل متقدمة من الدراسة في الحوزات على صعيد المنهج مقبولاً لأن الطالب عندها يكون مؤهلاً لمرحلة الاستدلال التي تتطلب ذهناً بحثيًّا مُنقِّباً، كما أن الطالب في هذه المرحلة قادر على تقييم المنهج، وقادر على متابعة أثر أية نظرية جديدة تنبثق عن اجتياز الطالب لمراحله الأولى والثانية وكشف صوابها أو خطئها، وربما يكون الفقيه في هذه المرحلة أيضاً منفتحاً على أشكال وألوان من النظريات والثقافات التي تجول في الساحة الإسلامية فيتعرف من خلالها بسهولة على أي معطى جديد، «لذا نجد مثل نظرية (الاستجابة الشرطية) للعالم الروسي (بافلوف) قد دخلت في مجال اللغة أيضاً واستخدمها بعض العلماء في مسألة (الوضع)، وهي بصدد الإجابة عن سؤال يتعلق بتفسير العلاقة (التلازم، السببية، الاندماج) بين الألفاظ والمعاني، إذ إن اختيار الإنسان لفظاً محدَّداً لمعنى معين لا يفسر التلازم بينهما، وقد ذكرت نظريات متعددة كالتعهد والمناسبة الاعتبارية والقرن الأكيد، وهذه الأخيرة اعتمدت على نظرية (الاستجابة الشرطية) حيث إن هناك حالة استجابة شرطية ما بين سماع كلمة والانتقال إلى معنى تلك الكلمة من خلال التكرار، ولذلك يتعلم الناس اللغات من خلال التكرار. وهذه استفادة جيدة ونموذج لتداخل العلوم»[15].

تبعات التجديد الفلسفي:

لم تستقر الحوزة على حال واحدة، وشهدت تنقلات كثيرة منذ نشوء أول مدارسها في المدينة المنورة مروراً بالكوفة وقم والري وبغداد، ثم النجف الأشرف وحلب والحلة والشام ثم عودتها مرة أخرى إلى سامراء والنجف، ثم انتقالها إلى كربلاء وأصفهان، ثم أخيراً عودتها إلى النجف وقم وكربلاء المقدسة حتى مجيء نظام حزب البعث في العراق، الذي أوقف الحياة التعليمية الدينية في النجف وكربلاء، لتزدهر قم المقدسة مع تغير النظام السياسي في إيران في وقت تشتت المرجعية الدينية الكربلائية والنجفية.

وكان الشكل المؤسسي التاريخي للجهة التعليمية في العراق من قبلُ تبلور على عهد الشيخ الطوسي في النجف الأشرف في عام (448هـ)، وتبعه نشوء عدد من المدارس الكبرى والصغرى في بلاد إسلامية مختلفة. وإثر تقلبات أحداث ثورة العشرين -التي قادتها الحوزة في العراق وانخرطت فيها بكل إمكانياتها العلمية ونفوذها البشري الاجتماعي- أُبعد عدد من رجال الدين من النجف الأشرف إلى إيران حيث كانت لهم مساهمات كبيرة في تطوير هذه الحوزة.

طوَّر الشيخ عبد الكريم الحائري حوزة قم المقدسة، وتبعه على منهجه في التجديد والارتقاء السيد البروجردي حتى مجيء عهد تطور العلوم العقلية على يد السيد محمد حسين الطباطبائي في مطلع الخمسينات من القرن الماضي؛ حيث نمت في هذه الحوزة ظاهرة الجدل والنقد إلى جانب موجة الرفض المطلق لبعض العلوم العقلية بشكل مثير معاصر لدخول حوزة قم المقدسة مرحلة الصراع السياسي الكبير في عهد الشاه محمد رضا بهلوي في عام (1963م). فكان من بين أساليب الشاه في الشأن الثقافي رعاية طباعة كتب البحث العقلي المؤلفة في قم المقدسة بقصد تغليب هذا البعد المخالف لمنهج المرجعية الدينية العليا المتمثلة في السيد البروجردي ذي النفوذ الواسع جدًّا بين فئات الشعب الإيراني، المناهضة لسياسات الشاه. فكسبت مؤلفات السيد الطباطبائي على المنهج العقلي النصيب الأكبر من نفقات الطباعة الرسمية للدولة، وتقدم الشاه بجائزة مالية للشيخ المطهري على ما قدمه من مادة فلسفية شارحة لكتاب (أصول الفلسفة الواقعية) لمؤلفه السيد الطباطبائي الذي ناصف الشيخ المطهري جائزته هذه.

ويُعَدُّ كتاب (أصول الفلسفة الواقعية) كتاباً عصريًّا في الفلسفة أنجز الطباطبائي تأليفه خضوعاً عند طلب بعض مقربيه، فصدر في عدة مجلدات تخطَّى مشروع الطباعة أحد أجزائها الأولى لما كان يضمه هذا الجزء من عبارات فلسفية لا تتسق ومنهج البروجردي زعيم الحوزة المناهض للفلسفة والعرفان، والرافض لمنهجهما الخطير الذي بدأ يغزو في محاولاته الأولى مقررات الدراسة الدينية بدعم من السلطات المحلية. وقد حدث أن رفض السيد البروجردي قبول هوامش وتعليقات الطباطبائي على كتاب (بحار الأنوار) للشيخ المجلسي وحرَّم حلقات دروسه. ما يشير إلى شدة الجدل العلمي والمرجعي في حوزة قم المقدسة، ومدى انتفاع مقاصد الشاه الإيراني من سيادة البيئة الفلسفية والعرفانية في الحوزة على حساب العلوم النقلية التي درجت المدرسة التعليمية الدينية في قم المقدسة على تنميتها والتوسع في مناهجها، كما تشير إلى اضطراب أوضاع حوزة قم المقدسة واتخاذها مستويات من الصراع العلمي والسياسي الخطير الذي اضطر معه مرجع الحوزة السيد البروجردي إلى الوقوف بحزم ضد مشروع سيادة العلوم العقلية، وحدث أن طرد البروجردي بعض تلامذته من الحوزة بسبب أخذهم بمادة العرفان وولوجهم فيها إلى حد التضامن مع مشروع الشاة بتجريد العلوم النقلية من نصيبها الأوفر في الدراسة وتغليب العلوم العقلية بين مدارس قم الدينية.

ومع تطور مشروع قم المقدسة في العلوم الفلسفية بعد وفاة زعيمها ومرجعها الأعلى البروجردي، ظهر انفراد حوزة قم المقدسة الجلي عن بقية مدارس التعليم الديني واختلافها في المنهج عن حوزتي النجف الأشرف وكربلاء المقدسة اللتين أشرفتا على الجمود والتوقف في مشروعهما التعليمي بعد توسع هيمنة النظام السياسي البعثي وتسلطه، وتدخله في الحياة التعليمية اليومية، وتقويضه للكثير من مظاهرها الدراسية. وكان للعلوم الفلسفية قبيل توقف الحياة التعليمية نصيب غير وافر في حوزتي كربلاء والنجف، إذ كانت تدرس هذه العلوم بشكل محدود جدًّا في مرحلة المقدمات. وبعد ظهور بوادر الإصلاح والتجديد في المناهج انتقلت هذه العلوم إلى مرحلة السطوح في وقت متأخر تأثراً بمسار منهج قم المقدسة، إلا أن حوزة قم المقدسة أولت اهتماماً واسعاً للعرفان النظري (التصوف الفلسفي) إلى جانب بعض مدارس مدينة إصفهان جرياً على منهجي ابن سينا في الفلسفة ومنهج صدر الدين الشيرازي (ملا صدرا) في التصوف الفلسفي، وتداولت في ذلك مؤلفات ابن سينا، وملا صدرا، ومحيي الدين بن عربي التي دمجت بين التصوف والفلسفة في شكل صريح، حتى رُجح منهج ملا صدرا وابن عربي في بعض مدارس حوزة قم المعروفة بتصوفها الفلسفي ومناهضتها لمنهج ابن سينا الفلسفي الذي حطت من قدره وأرجعته إلى تخلف مدارس إصفهان الفلسفية!.

وظهر تميز بعض رجال الدين الكبار في حوزة قم المقدسة بعد ذلك وبان تفوقهم في العلوم العقلية على منهج ملا صدرا ومحيي الدين ابن عربي على خلاف مدرسة ابن سينا الفلسفية في مدينة إصفهان، حتى عَدَّ البعض من الباحثين هذا التميز منهجاً إصلاحيًّا وتجديديًّا في بعض مدارس الحوزات الدينية. وقد ساد منهج التصوف الفلسفي في قواعد أساسية لتنمية التفكير والوجدان والتغلب على أخطاء الفلسفة وتعقيدها اللفظي واللغوي، ولتصحيح منهج التدريس في مواد مختلفة أتي على مقدمتها مادة أصول العقيدة والأصول الفقهية والتفسير والمنطق واللغة، فعشق طلاب وأساتذة هذه المدارس هذا المنهج واستخرجوا لهم فيه الأتباع الكثيرين ودافعوا عنه بكل ما أوتوا من معارف مكتسبة وأحوال وجدانية مدعاة.

يقول أحد المتعاطين مع هذا المنهج والمتتلمذين على السيد الطباطبائي: «أجد انشداداً قويًّا إلى العرفان، أنا من عشاق المذهب الطاوي، وأهوى «جوانغ تزو» للغاية. قضينا دورة بأستاذية العلامة الطباطبائي، وكان يبدي رغبة أكيدة في الاطلاع على كتاباتهم، ولأنها لم تكن مترجمة؛ عكفنا على ترجمتها. كان يفسر «شانكارا» كأنه أستاذ بالضبط، ويتركنا في حيرة من الأمر. فمثلاً في أحد «الأوبانشادات» عبارة تنطوي على مفارقة (الذي يفهم لا يفهم، والذي لا يفهم يفهم) وقد فسّر الطباطبائي هذه العبارة، وأجلى غشاوتها، وحلل مضمونها، بنحو أدهشني. بعد ذلك ترجمنا كتيباً صغيراً من تأليف «لاوتسه»، اسمه «داود جينغ» كله مفارقات. نقلناه من النص الإنجليزي إلى الفارسية. وحينما قرأه العلامة الطباطبائي قال: «هذه أهم رسالة قرأتها في عمري» وصار من عشاق «داود جينغ»»[16].

لقد تصور البعض من مناهضي التجديد والإصلاح في التعليم الديني ومناهجه أن هناك خشية من طغيان شعور عام بفساد مناهج الدراسات الدينية ومؤلفاتها وأساليبها بشكل مطلق، كما هي الحال بالنسبة لمرحلة دخول التعليم الديني إلى مبدأ وخاصية الاجتهاد والاعتقاد المفرط فيه بغلبة العقل على النص مطلقاً إلى حد مشابه لمآل النص والعقل عند اتجاه الخلافة، وتأسيساً على ذلك ازدادت الخشية من ميل الحوزة بكل تراثها وكيانها التعليمي العريق إلى مدرسة عقلية خالصة لا مكان فيها للنص إلا بمقدار خضوعه للعقل وقواعده المنطقية. ومن هنا دقت المرجعية الدينية في إيران والعراق أجراس الخطر بعد تميز حوزة قم في العلوم العقلية وتفوقها على نظيرتيها في كربلاء المقدسة والنجف الأشرف اللتين تشددتا في التمسك بالنص وتراثه من بعد تجربتهما التاريخية المريرة في تأويل مفهومي مبدأ الاجتهاد ودور العقل والنص والعلاقة بينهما على وجه أخص فيما عرف بصراع «الإخبارية» و«الأصولية».

فالنجف الأشرف في تلك المرحلة التاريخية المهمة والحساسة كانت تعد القاعدة الأساسية المناهضة للمؤسسة التعليمية التابعة للمحدثين (الأخبارية) في كربلاء المقدسة التي رأسها المحدث الأسترابادي في منتصف القرن الثاني عشر، وتميزت برفضها المطلق لمبدأ الاجتهاد وأدواته، إضافة إلى مختلف العلوم العقلية كالفلسفة وموصلاتها، وكل ما كان يعتقد أنها قائمة على المفاهيم الفلسفية أو خلاصة لها كالتصوف وأصول الفقه والعرفان والمنطق، حتى وُضعت هذه المفاهيم والعلوم في خانة المؤثرات العكسية السلبية للتوافق مع اتجاهي الخلافة ومدارس اليونان المسيحية. لكن حوزة النجف هذه ألزمت نفسها بمنهج تطوير الفقه وأصوله وهدفت وضع مبدأ الاجتهاد أساساً للحركة العلمية الشيعية، وعالجت بحججها مؤسسة المحدثين التعليمية في كربلاء واستطاعت بقيادة الوحيد البهبهاني على عهد المحدث الشيخ يوسف البحراني المتوفى في سنة (1186هـ) أن تحد من منهج المحدثين الأخبارية وأن تعيد الكثير من منتسبيها في كربلاء المقدسة إلى الإيمان والأخذ بمبدأ الاجتهاد بمفهومه الصحيح ذي الأسانيد والأدلة السليمة لا بمفهومه عند اتجاه الخلافة القائم على الأخذ بالرأي والعقل المباشر. وعلى ذلك أُخذ العقل بفاعلية كبيرة بوصفه رابع مصدر من مصادر التشريع في مقابل الجمود على النص عند حوزة كربلاء، ما أوحى للمؤسسة التعليمية في قم المقدسة لأن تنمو بلا ضوابط في مجالات العلوم العقلية في عصرنا الحديث بعد انخراط رجال الدين في مراحل متقدمة من التعلم إلى جانب خريجي العلوم العقلية في جامعات التعليم المدني استجابة لما سمي بالمشروع السياسي الثقافي الموحد المناهض لنظام الشاه رضا بهلوي تحت رعاية قيادة مدمجة تتعاطى التصوف الفلسفي بسرية، فكانت هذه الاستجابة تعزيزاً علميًّا للمشروع الانتقالي من الفلسفة المجردة إلى التصوف الفلسفي المدمج القائم على الوجدان من بعد تخطي الدور المرحلي للعقل، فاتحد التعليم الديني الحوزوي والمدني الجامعي في التعاطي مع المادة الفلسفية الصوفية خلال العشرين عاماً المنصرمة، وتكاثرت في ذلك المؤلفات، وطبعت كتب عرفانية إيرانية زاد عمرها على الخمسين عاماً لم يمتلك مؤلفوها الجرأة على طباعتها على عهد المرجع الأعلى السيد البروجردي، واحتفظوا بها مخطوطات طوال هذه المدة لحين عهد التمكن.

كل ذلك ساهم في توسع دائرة التأثير المباشر للعلوم العقلية الإنسانية والطبيعية والرياضية على مادة حوزة قم المقدسة، فطغت الاهتمامات الفلسفية والوجدانية التصوفية وشاعت بين مدارس علمية كانت من قبلُ أكثر جرأة على توجيه سهام النقد لمناهج ومواد هذه الحوزة الأساسية كالفقه وعلم الكلام والأصول وغيرها، فنتج عن ذلك هَمٌّ علمي يدعو إلى ما يسمى اليوم بـ(فلسفة الفقه) و(فلسفة العقيدة) و(فلسفة التاريخ) و(فلسفة النص) و(فلسفة الحضارة) وما أشبه، مثلما كان يدعو هذا الهم من قبل إلى إعادة النظر في علوم الآلة المستخدمة في التعليم الديني كاللغة العربية وآدابها على قول بأن اللغة الآرامية واليونانية لم تصنعا حضارة أوروبا حتى تنازعتهما اللغات القومية المحلية، في ظاهرة قومية واضحة داعية إلى نبذ اللغة العربية وعزلها عن منهج الدراسات الدينية وإحلال اللغة الفارسية ولهجاتها المحلية محلها.

وقد طال جدل الإصلاح والتجديد في مناهج العلوم النقلية التاريخية والمقارنة وكذلك بقية العلوم العقلية وعلاقتها بالحياة اليومية، حتى تمظهرت كل مناهج علوم التعليم الديني عند هذا الاتجاه العقلي الجديد بمظهر الضعف والهزال وقلة الفائدة وعدم القدرة على إيصال المتعلمين من رجال الدين إلى الأهداف التي تمكِّنهم من تكريس توازن بين مقاصد الدين ومقاصد الدنيا في دولة إسلامية لها نظامها الإداري والاقتصادي والاجتماعي والسياسي الخاص ولها كادرها العلمي المناسب والمستجيب لمتطلبات تحدي الصرع الدولي وتطوراته التقنية.

وتطورت مقدمات هذا المنشأ العلمي العقلي الوجداني بعدما كانت حوزة النجف الأشرف متمسكة بالفقه والأصول الفقهية وبقية العلوم الشرعية التقليدية أساساً منهجيًّا برغم كون مدينة النجف الأشرف القاعدة المتقدمة ورأس الحربة في مشروع معالجة الحركة الأخبارية في كربلاء المقدسة في مرحلة متقدمة، إضافة إلى إطلاعها الواسع ومعرفتها التامة بالتحولات الجديدة في مدارس قم المقدسة بحكم الانتقال القسري لبعض رموز المنهج العقلي والتصوف الفلسفي القمي الجديد إلى النجف الأشرف بعد حوادث الصراع مع شاه إيران.

من هنا، لم تكن حوزة النجف بمنأى عن النقد في منهجها التعليمي الذي تداخلت فيه بعض الألفاظ والمفاهيم والنظريات الفلسفية والعبارات الموجزة والمعقدة والأساليب القديمة في الدراسة والتدريس، وذلك بعد اتصالها بالوافد الجديد من مدارس قم العقلية، حتى نادى بعض المنتسبين للدراسة والتدريس في النجف الأشرف بضرورة إعادة صياغة المناهج والمواد وتعديل الأساليب التعليمية على الرغم من شدة الاتجاه المحافظ الذي شكَّل امتداداً تاريخيًّا لقضايا صراع مبدأ الاجتهاد في مقابل المحدثين، فتمسك هذا الاتجاه بالمنهج القديم إلى حد التشدد. ولم يكن أحد حينئذ يمتلك الجرأة على اقتراح التطوير أو التجديد فكيف بالإصلاح.

ويصف الشيخ المظفر الشعور بالخوف الذي كان يغلب مفكري الإصلاح والتجديد في النجف الأشرف، فهم « أشبه بجمعيات سرية أو مجالس تمهيدية في طريق الإصلاح... وهي على بساطتها تمثل لي - والكلام للشيخ المظفر- مقدار التكتم والخوف الذي كان يساورنا، وكان عملنا وتفكيرنا مقتصراً على تفقد المفكرين من أصحابنا، الذين يحسون بالداء مثلنا، وبالرغم من مواصلة الجلسات والتفكير طيلة عام واحد، لم نستطع أن نخرج صوتنا من غرفتنا إلا بعض الشيء»[17].

وإما الشيخ محمد مهدي شمس الدين (1936 - 2001 م) الذي أمضى ثلاثاً وثلاثين سنة من عمره في تحصيل العلم على منهج حوزة النجف وأسَّس كلية إسلامية حديثة في لبنان متقدمة في المنهج والوسائل، فإنه يصف الدراسة في النجف بأنها غير واقعية وفوضوية «إنه نظام لا يفشل فيه طالب، ولا يرسب فيه طالب، وأن جميع المنتسبين إليه يتخرجون علماء. هذا النظام لا يزال حتى كتابة هذه الكلمات على الحال التي كان عليها منذ مئات السنين، فهو يقوم على لا نظام. إنه فوضى. ففيما عدا الكتب المقررة - بقوة التقليد، وليس لأنها أصلح الكتب - لا يوجد أي نظام يحكم الحياة الدراسية على الإطلاق، وإنما هي الفوضى الكاملة الشاملة، وما أكثر «المشايخ» الذين يكتسبون صفتهم الدينية «والعلمية؟!» من عدد السنين التي قضوها في النجف دون أن يكتسبوا منها شيئاً سوى بعض الحذلقة الكلامية. وكثيراً ما ينادى بأن هذا النظام «الدراسة الحرة!!» - وأحرى أن يسمى الدراسة السائبة - لـه فضيلة كبيرة، هي إتاحة الفرصة أمام الطلبة للمناقشة والبحث. ولكن أي فضيلة هي هذه التي بسبب ما يُدَّعى من المحافظة عليها تتسيب مؤسسة تدريسية بكاملها. إن هذه الفضيلة الإفلاطونية لا تساوي التضحية المبذولة من أجلها، على أنه ليس ثمة ما يمنع أبداً من المحافظة على هذه الفضيلة مع الأخذ بأسباب النظام»[18].

وربما كان تشدد المحافظين وتمسكهم بالقديم منهجاً وزعامة ومرجعية سبباً وجيهاً، بعدما تطورت صور الإصلاح والتجديد إلى حد تبنيها الصريح للمنهج العقلي الوافد من قم المقدسة والقبول بسيادته وهيمنته على مؤسستهم التعليمية الدينية في النجف الأشرف في وقت اتسم فيه شعور النجفيين بالحساسية المفرطة والمرهفة باتجاه مدرستهم فزاد ذلك من تمسكهم بمنهجها وبزعامتها للحياة التعليمية في العالم الشيعي وصعّد من درجة رفضهم لمبدأ انتقال هذه الزعامة إلى بلد آخر والخضوع لمنهجه المباين لمنهجهم التعليمي العريق، حتى أنهم ناهضوا فكرة انتقال رمزية المرجعية إلى كربلاء المقدسة أو سامراء المقدسة في مرحلة تاريخية منصرمة، وهما المدينتان اللتان لا تبعدان عن النجف مسافة تتجاوز الـ110 كيلومترات، فكيف بتحول منهجي وزعامي إلى بلاد أخرى.

فكانت التكهنات كلها قد وضعت حدًّا لإمكانية انعكاس التطور المنهجي العقلي والوجداني القمي على الحياة التعليمية في النجف الأشرف وانبهار مدارسها بتحول مدارس قم إلى العلوم العقلية، فلم يأخذ المنهج الفلسفي ولا التصوف الفلسفي طريقهما سهلاً يسيراً معبداً إلى النجف برغم صدور بعض المؤلفات في عصر متقدم في الفلسفة بأقلام شخصيات دينية عراقية بارزة، كـ(الفلسفة الإسلامية) للشيخ المظفر و(فلسفتنا) للسيد محمد باقر الصدر، المتأثرين بمناخ المنهج العقلي التعليمي الجديد القائم بقم المقدسة والذي قاده في النجف الأشرف مدرس البحث الخارج الشيخ محمد حسين الأصفهاني الكمباني الغروي، وبمؤلفات كل من الطباطبائي صاحب كتب (أصول الفلسفة الواقعية) و (بداية الحكمة ونهاية الحكمة) و (تفسير الميزان)، وبمحمد تقي الجعفري صاحب كتاب (شرح المثنوي) لجلال الدين الرومي.

وقد ظل التأثير المتبادل بين الحوزة العقلية في قم وحوزة النجف محدوداً جدًّا حتى مرحلة نشوء «دار النشر» التي أسسها الشيخ المظفر التي شهدت بعض حلقات الدراسات الفلسفية والعرفانية في دوائر سرية مغلقة وشيئاً من العلنية في بعض الأحيان. فقد كان السيد علي قاضي الطباطبائي خريج قم المقدسة يروِّج للعرفان في النجف بشكل سري في مرحلة مرجعية أبو الحسن الأصفهاني (1365هـ). وإما الشيخ محمد حسين الأصفهاني الكمباني الغروي مدرس العرفان فلم يُعمِّر طويلاً في حوزة النجف الأشرف، فقد توفى في النجف في وقت مبكر وتفرَّق تلامذته بين حوزات كربلاء ومشهد وقم، في حين بقي الشيخ المظفر الذي تلقى دروسه في العرفان على الكمباني الغروي مدة قصيرة لا تزيد على ثلاث سنوات تقريباً في النجف الأشرف، وهي مدة غير كافية للتمكن من مادة العرفان بحسب رأي معتنقيها.

ونشأ في العصر الحديث ما سمى بـ(فلسفة الفقه) بعد تطور المنهج التعليمي العقلي في قم المقدسة وانفتاح أبواب هذه الحوزة على التصوف الفلسفي درساً ومذهباً. وكان رواد هذه الفلسفة الحديثة من دعاة نقد مادة الفقه وإعادة النظر في كل مسلمات هذا العلم الإسلامي القديم بالإضافة إلى مباني الاجتهاد وأصول الفقه وقواعد علمي الرجال والحديث والسيرة انطلاقاً من مبدأ (الشك) ووظائفه في معالجة ذات العلم وجذوره ومنهجه من بعد الانتهاء من معالجة مادتي أصول الدين ومصادر التشريع بصورة فلسفية خالصة بمعزل عن موضوعاتهما، وتحديد ماهيتها وغاياتها وما إذا كانت هذه العلوم علوماً وصفية أم معيارية.

ونشأ في قم أيضاً ما يعرف اليوم بـمفهوم (علم الكلام الجديد) الذي دعا إلى معالجة الفلسفات الحديثة والقديمة لإثبات أصول الدين، والشبهات الدينية الحديثة الواردة في عالم الحداثة والمعاصرة، انطلاقاً من قواعد منهجية فلسفية تعيد تأويل النص الديني وأسسه الفلسفية وفق معطيات علمية متقدمة، بعد أن جمد علم الكلام على موروث قديم لم يعد صالحاً للتداول. وتُعدُّ أطروحة (علم الكلام الجديد) هذه امتداداً علميًّا لأطروحة اتجاه السيد أحمد خان التي نشأت وترعرعت في الهند ودعت إلى إصلاح مناهج الدراسات الدينية وفق منهج طبيعي علمي حاربه السيد جمال الدين الأفغاني، وقد عبَّر عن منهج هذه الأطروحة شبلي النعماني رئيس (ندوة العلماء) وأحد مفكري هذا الاتجاه الذي يُعدُّ الرجل الثاني في مراتب حركة أحمد خان الهندية، وذلك من خلال كتابه (علم الكلام الجديد) الصادر في مطلع القرن العشرين.

إن مثل هذه التصورات الفلسفية الداعية إلى وجوب إعادة النظر في مناهج التعليم الديني في قم المقدسة جرت وأخذت طريقها للانتشار والسيادة بعد أن بُعثت فكرة «التوفيق» من جديد، وهي فكرة جمعت بين منهج «التصوف الفلسفي» المتبنى من قبل بعض كبار فقهاء الحوزة الدينية وبين منهج البحث والتحقيق في العلوم الإنسانية والطبيعية والرياضية القائم في الجامعات الإيرانية الذي تزعمه بعض المفكرين المعاصرين. فكانت خلاصة مبدأ التوفيق هذا بروز عدد من المفكرين الجدد الداعين إلى إعادة صياغة الحوزة الدينية ومناهجها وعلومها ووسائلها صياغة جديدة شاملة مكرسة للنزعة العقلية الخالصة ومناهجها في البحث التاريخي والواقعي العلمي، فتحولت بعض مدارس حوزة قم المقدسة إلى هيئة ومنهج مختلف عن أكثرية مدارس التعليم الديني الشيعي، وتميزت بتفسيرها المختلف للكثير من المناهج وفق هذا السير حتى عد منهج القدماء في علم الكلام في نظرها منهجاً فلسفيًّا متصوفاً، كما فسرت مسار العلوم الأخرى على هذا النهج في مناخ تسوده مدارس «التصوف الفلسفي» على منهج محيي الدين بن عربي وصدر الدين الشيرازي، على النقيض من مناخ الفلسفة التي تبنتها مدارس أخرى كإصفهان المتبنية لابن سينا منهجاً علميًّا حتى عدها رواد «التصوف الفلسفي» مدارس متخلفة ومتأخرة عن منهج العرفاء الجدد.

ويبدو أن منهج «التوفيق» قد بدأ ينقلب عند بعض مفكري المؤسسة التعليمية المدنية في جامعات إيران إلى مناهضة ونقد صريح لمناهج ملا صدرا الشيرازي المتأثر بشكل كبير جدًّا بالمتصوف ابن عربي والمتبني لنظريته في وحدة الموجود، وهي نظرية ذهبت المذاهب النقدية فيها إلى بعد خطير كُفِّر ملا صدرا على أثره وطُعن في فكرة وحدة الموجود الصادرة عنه.

لقد توسع مشروع إخراج الدين عن أثره الاجتماعي القدسي الذي أطلق عليه في مفاهيم هؤلاء المفكرين الجدد مصطلح (النزعة الإيديولوجية المتعصبة) فدعوا إلى إعادة النظر في كل مناهج الدراسات الدينية وصياغتها من جديد في إطار منهج واقعي علمي مجرد عن مؤثرات التقديس، كما هي الحال في منهج عبد الكريم سروش صاحب نظرية (القبض والبسط) القائمة على منهج الشك الذاتي عند الفيلسوف الألماني (عمانوئيل كانت) القائل (الشيء في ذاته واقع بقياس العقل المحض)، حيث اجتاح سروش بعض مدارس حوزة قم المقدسة وكسب فيها جيلاً جديداً من المثقفين في الجامعات والمؤسسات التعليمية الدينية.

ويأتي فكر سروش الحديث ليشكل رجعة للدور الفلسفي المجرد عن التصوف، فناهض مسار «التصوف الفلسفي» الذي عَدُّه سروش تطرفاً في الأيديولوجيا على حساب مناهج الفلسفة وعلومها وفروعها، وخروجاً على المسار الفلسفي الخالص للعلوم المدنية المقررة في الجامعات الإيرانية، ونقد نتاج العلاقة الجديدة التي نشأت بين علوم المؤسسة التعليمية المدنية ومثلتها الجامعات وتصوف التعليم الديني ومثلته بعض مدارس حوزة قم المقدسة، فدعا من جديد إلى أنسنة علوم الحوزة الدينية للاستجابة إلى نظم ومتطلبات وحاجات الدولة ومشروع بنائها إداريًّا وعلميًّا.

إن فكرة الأنسنة الجديدة الوافدة على المؤسسة التعليمية المدنية ترى في مبدأ الاجتهاد ممارسة فلسفية إنسانية خالصة غير مستقلة عقليًّا، وخاضعة لتصرف الظروف المحيطة بالفقيه قبل أثر النص. وتؤكد فكرة الأنسنة أيضاً على أن الفقيه المجتهد يرى الأحكام ومفاهيم النصوص في بلاد عيون المياه المفورة -على سبيل المثال- على غير رؤيته في البلاد الجدباء التي لا مياه ولا زراعة فيها، فللمحيط والبيئة ورؤية الإنسان للحياة وقيمها ومعطياتها العلمية والحضارية تداخل كبير في عملية استنباط الأحكام الشرعية من مصادرها التفصيلية، ما يجرد النص عن دلالته ومضمونه ومغزاه الحقيقي والواقعي. وترجع فكرة الأنسنة هذه إلى الواقع الخارجي على صعيد تحول النظام السياسي في إيران بعد الثورة إلى نظام إسلامي؛ فكان ذلك من دواعي النظر إلى فكر الأنسنة بوصفها قاعدة أساسية لتأويل النصوص الدينية والأحكام والمناهج تأويلاً واقعيًّا مجدياً ومفيداً حتى تتحد رؤى المؤسسات التعليمية الدينية والمدنية ومخرجاتهما!.

إن التحول المؤسسي الذي اتخذ الطابع الحديث في النظام ساهم بشكل كبير في بلورة ونمو وتطور مثل هذا الاتجاه نحو الأنسنة، حيث انتقلت حوزة قم المقدسة من مؤسسة تعليمية تعتمد المنهج القديم في الدراسة إلى مؤسسة تعليمية معتمدة على منهج موجَّه يراعي متطلبات خريجي الجامعات والمعاهد المدنية، وكان لمؤسسات البحث والإعلام وتنقيح المؤلفات واستيرادها الحصة الكبرى من الرعاية والاهتمام. فقد وصل عدد مؤسسات البحث الكبرى إلى 185 مؤسسة، ووصل عدد المجلات إلى 150 مجلة، وأما مؤسسات التنقيح والاستيراد للمؤلفات فقد وصل عددها إلى 100 مؤسسة تقريباً، كلها أقيمت لتغطي جهتين علميتين رئيستين كانتا مدار حاجة الدولة في قم المقدسة: السياسة، والفلسفة، والعرفان. إلى جانب ذلك أُسِّست عدة جامعات وكليات في مدينتي قم ومشهد المقدستين إضافة إلى العاصمة طهران؛ تبنت المنهج الجامع بين العلوم الإنسانية وعلى رأسها الفلسفة العرفان وبين العلوم الفقهية والأصولية وما تتطلبه هذه العلوم من علوم آلة أتت اللغة العربية بينها في الدرجة الثانية بعد أن كانت اللغة الرئيسة في الدراسة. وكان من بين تلك المؤسسات التعليمية: الجامعة الرضوية، وجامعة الشيخ المفيد، وجامعة الشيخ المطهري، وجامعة الإمام الصادق (عليه السلام)، وجامعة السيد الخميني.

وصنفت مخرجات هذه الألوان من الكليات أو الجامعات من حيث المنهج والنظام على غير ما كانت تبدو عليه المؤسسات التعليمية الدينية التقليدية، فليست تعتمد نظاماً ومنهجاً جامعيًّا حديثاً في مدى الأثر الذي تتركه مخرجاتها والفائدة على صعيد البحث العلمي والتنموي، فلا تشبه النظام والمنهج الحوزوي من حيث الصورة العامة للمؤسسة التعليمية الدينية التقليدية، وتغلبها حقول مختلفة من العلوم الإنسانية المبسطة جدًّا استجابة لدواعي الاندماج بالعلوم الشرعية، فلم تتشكل في مخرجاتها ثمرة علمية أو شرعية مشابهة لنتاج الحوزة التقليدية، كما أن النَّفَس العرفاني الفلسفي الصوفي المستقى من نتاج فكر ابن عربي يعد الطابع العام الغالب في الكثير من مساقات العلوم الشرعية المدمجة بالعلوم الإنسانية الأخرى في هذه الجامعات.

ويقف المسار التعليمي في حوزة قم المقدسة منذ عشرين عاماً أمام امتحانٍ وتحدٍّ صعب، ومعقد، وجدل وافد من بيئة العاصمة طهران على أيدي مفكرين دينيين متفلسفين وجامعيين شهروا سيوف الإصلاح والتجديد بطريقتهم، ووجهوها إلى حيث كانت الحياة العلمية المنزوية والمنعزلة عن العالم الخارجي وثقافاته الحديثة، واقتصروا في نتاجهم العلمي على نظريات إسلامية جديدة غير موفقة لمعالجة التحول السياسي والثقافي والاقتصادي والاجتماعي الجديد، وتعاطوا معه نقداً أو إصلاحاً أو تشييدًا أو تجديداً من بعد الثورة في إيران. فكان ذلك من العوامل الرئيسة في نشوء تكتلات علمية دعت إلى أنسنة الدين وفق فلسفة وجدل عقليين جديدين، وطالبت بإعادة النظر في العلوم العقلية ومخرجاتها كالفلسفة والعرفان وعلم الكلام، وتجديد فلسفة الدين وعلاقته بالمجتمع، وعلاقة علوم الحوزة الدينية بالمحيط الاجتماعي والسياسي والثقافي، ومعالجة النص الديني ذاته وقدسيته ومنهج التعاطي معه لإنتاج المسائل الفقهية والأصولية، ومراجعة مسميات وتعريفات المواد التعليمية الحوزوية وفوائدها وموضوعاتها وعلاقاتها بالعلوم الأخرى الشرعية منها والإنسانية والطبيعية والرياضية، فضلاً عن مراجعة نشأة هذه العلوم وتاريخها وأثر الفكر الإنساني في ولادتها أو صناعتها أو صياغتها.

وكسب هذا الاتجاه الفلسفي الجديد تضامناً ثقافيًّا وإعلاميًّا كبيراً ساهم في تغطيته نشاط واسع لدور النشر، التي تسابقت على طباعة ونشر نتاج هذا الاتجاه جماهيريًّا، ومناولته نخبويًّا، وترجمته إلى لغات أجنبية غير الفارسية. فعالجت عناوين مثيرة كـ(فلسفة الفقه)، و(فلسفة العلوم)، و(فلسفة اللغة ودور الألسنيات)، و(فلسفة الدين)، و(اللاهوت الحديث)، و(الأنسنة في اللاهوت الديني)، و(وعي ولا وعي الفقيه)، و(العقل الفقهي الجديد)، و(الإيمان النقي من الموروث التاريخي)، و(تجريد الوحي المقدس وتفكيك الموروث الديني).

إن كل ذلك بات يشكل ضاغطاً خطيراً على المسار العلمي في التعليم الديني باتجاهاته العلمية الجديدة والقديمة في منهجها ومادتها أو نظامها الجامعي الديني الحديث. ونجح هذا اللون من الاتجاه الإصلاحي في تأسيس كليات وجامعات دينية حديثة في مدن قم وطهران ومشهد، وأصبح المصدر الأكثر تأثراً بالضغوط الجديدة الناشئة عن الرغبة العارمة السائدة بين رموزه المطالبة بالاستمرار على هذا المنهج وتطويره، وممارسة فكرة الدمج المطلق مع الجامعات المدنية الرسمية عمليًّا.

فعبد الكريم سروش الذي يمثل اتجاه طهران في نظرية (القبض والبسط في الشريعة) وغيرها احتل مكانة علمية كبيرة بين طلاب حوزة قم المقدسة بعد أن انتقل إليها من طهران بمجالسه وحواراته وبحوثه ونشاطاته في (علم الكلام الجديد) المركب من نظريات فلسفية علمية ودينية مدمجة، مثلما نقل إليها حواراته الخطرة في مباحث العلوم الدينية ومناهجها الدراسية حتى استطاع أن يحشر منتجه النظري الفلسفي وآراءه الفكرية والعلمية بين كلا الجهتين: الحوزة الدينية التقليدية والكليات والجامعات الدينية الحديثة. فهيمن بجدله على الكثير من المنتديات الثقافية وحلقات البحث والحوار الفكري.

(2) جدل الكشف والشهود

إن جدل الاتجاهات العقلية الموروثة في علوم الكلام والفلسفة والعرفان ليس حديثاً، إنما احتل مكاناً واسعاً بين المسلمين في فترات تاريخية متقدمة. وتسجل أول ولادة لهذا الجدل كظاهرة مثيرة على عهد الإمام أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، ثم وصلت ذروتها في نهاية القرن الرابع الهجري، وما لبثت هذه الاتجاهات العقلية أن طبعت آثارها على الكثير من الأشكال التعليمية ومناهجها حتى أصبحت محل ريبة وشك بعدما اجتاحت الكثير من علوم المسلمين وتقاسمتها، وساهمت في جمودها حيناً على منطق القياس الأرسطي المتشكل من مقدمتين ونتيجة، وحيناً آخر ساهمت هذه الظاهرة في خروج التعليم ومنهجه على الدليل العقلي لتؤلف من نتائجه بنياناً قائماً على قواعد غير منظورة من الكشف والشهود على الطريقة الصوفية (الأكبرية) التي اتخذها محيي الدين بن عربي مدرسة وأسَّس عليها كشفه وشهوده ليتجاوز به المتقدم من علوم الكلام والفلسفة ونصوص الشريعة وأسس استنطاقها وتأويلها وليكتسب به مشروعاً اندماجيًّا جامعاً بين سائر الأديان على مبدأ (وحدة وجود) الذي يتلقى كشوفه وشهوده عن طريق الاتصال المباشر بمصدر الوحي والإلهام بلا واسطة وكأنه يؤكد اختصاصه بنبوة خارقة.

وربما كان نشوء علم الكلام وتوسع رقعته نتيجة اختلاط المسلمين بأجناس وأعراق وثقافات وفلسفات أخرى باعثاً كبيراً على فتح أبواب علوم الشريعة على العلوم العقلية والوجدانية التي كانت تجوب دوائر العلم المختصة بالأديان الأخرى، وذلك بحكم وظيفة هذا العلم التي انحصرت في بادئ الأمر في رد الشبهات وإثبات عقائد المسلمين. ولأن ولادة هذه الوظيفة كانت بحاجة إلى منهج عقلي جدلي قادر على إلزام الخصم بما ألزم به نفسه من براهين فلسفية عقلية حتى الوصول في المنتهى إلى غايته ومقاصده الدفاعية؛ كان على علماء الكلام اتخاذ منهج الخصم نفسه، فقلد المتكلمون منهج خصومهم الفلاسفة واستخدموا أسلحتهم ووسائلهم في الجدل لإثبات العقائد بالبراهين العقلية، وفي ذلك تبنوا بعض الآراء والنظريات والمصطلحات الفلسفية الأجنبية المقبولة عقلاً في إثبات حججهم، فكان هذا المتبنى بداية ولوجهم على الطريقة العلمية الخاطئة، الأمر الذي أفقد علم الكلام خصائصه الأولى التي نشأ عليها كعلم إسلامي خالص مميز ظهر أثر تعاطي المسلمين مع الآيات المتشابهة في القرآن، ودخولهم دائرة النزاع حول فكر الجبر والاختيار ووقفية أسماء الله وصفاته، إضافة إلى النتائج السلبية التي أفضى إليها تلاعب السلطات وقوى النفوذ بمراكز القوى الاجتماعية عبر الاستفادة من ثقافة التشكيك في العقائد الثابتة. ما زاد ذلك من شكوك فقهاء المسلمين في هذا اللون من الالتقاط والخلط المعرفي الذي برز فيه أول من برز في القرن الثاني الهجري الحسن البصري ومن تبعه من فرق قدرية ومرجئة.

وناوش أئمة أهل البيت الأطهار (عليه السلام) هؤلاء المشككين والفلاسفة، وحاربوا تكلفهم وقياسهم ودعواهم بما لا يمكن للعقول إدراكه واستيعابه، أو بما هو خارج وظيفة العقل، كالتكلم في ذات الله والجدل في صفاته وأسمائه بلا علم، والتفلسف بطرق النصارى واليهود والمجوس الفرس واليونان.

لقد عد المسلمون المتكلمون أنفسهم فريقاً مناوئاً لغيرهم من أصحاب الطرق الفلسفية والبدع والزندقة، ولكنهم تأثروا بهم ثقافةً ومنهجاً مع تقدم الأزمان حتى قال القائل: إن للمسلمين فلسفة اشتقت مما لحق بعلم الكلام من مناهج ونظريات وافدة. وكان الأمويون أول من ترك الآثار الفلسفية واضحة وأشاعها، وكان على رأسهم أبو سفيان الذي ذُكر بأنه أول من اعتنق (الغنوصية) في الإسلام، ثم تبعه على ذلك معاوية ابنه الذي يعد أول من أثار فكر الجبر في الإسلام لأسباب سياسية، وتفاعل مع فلاسفة بلاد البحر المتوسط واعتنق نظامهم السياسي والإداري. وتبعهما خالد بن يزيد بن معاوية في محاولاته المكثفة والدؤوبة لنشر الفلسفات بين المسلمين عبر دعم وتشجيع ترجمة المؤلفات النصرانية اليونانية لتتخذ دورها المشبوه في معالجة الشكوك الواردة حول فكرة الجبر الأموي التي أشاعها جده معاوية بين المسلمين آنذاك.

وغذَّى مسيرة الفكر في منهج التعليم الديني المتبني للفلسفة عدد من المدارس الفلسفية الرئيسة والمهمة، كان من بينها (مدرسة جنديسابرور) الفارسية المتفاعلة مع ثقافات اليونان، إضافة إلى (مدرسة الإسكندرية) التي اجتمعت فيها ديانة النصرانية والفلسفة اليونانية فتوافقتا على تشكيل خليط ديني خطير جدًّا ترك بالغ الأثر على ثقافة المسلمين ومعارفهم بعد توالي ترجمات مؤلفاتهم إلى اللغة العربية على وجه أخص ولكون هذه المدرسة فريدة في نوعها حيث كانت الجهة العلمية الوحيدة التي شكَّلت مرتعاً لعلوم اليونان وميراثه الفكري بعد تهاوي مملكة الإسكندر.

وكانت أخطر نظرية تلقاها المسلمون من بين النظريات التي بعثتها الإفلاطونية الجديدة على يد أفلوطين في مدرسة الإسكندرية هي «نظرية الفيض» التي عرفت بسعيها لبناء قانون قادر على تفسير العلاقة القائمة بين الخالق والمخلوق و«تعتبر إطاراً فلسفيًّا لسائر الأفكار الإفلاطونية الجديدة، وهي في ذات الوقت تعتبر الحجر الأساسي لبناء الفلسفة بين فلاسفة المسلمين»[19].

ونشأ على أثر هذه النظرية الفلسفية مؤلفون فلاسفة في بلاد المسلمين كالفيلسوف العربي يعقوب الكندي الذي تبنى فلسفة أرسطو، ومشى على طريقته كل من الفارابي المتوفى في سنة (339هـ)، وابن سينا المتوفى في سنة (428هـ)، ومحمد الرازي الذي تبنى فلسفة أفلاطون بشكل جلي وصريح برغم علمه بتشريع أفلاطون للسلوك الشاذ (اللواط) وعبادة الأوثان. وتبنى محمد الفارابي خليطاً من فلسفة أفلاطون وأرسطو وشرح أفلوطين ونظريته في الفيض، واعتُبر أبو علي حسين بن سينا أشهر الفلاسفة في بلاد فارس وبلاد المسيحيين حيث تبنى نظرية أستاذه الفارابي في الفيض وثبَّت فكرةَ (إسلاميةِ ويونانيةِ وفارسيةِ وهنديةِ) علمِ الفلسفة من خلال استخدامه النص الديني وخليط من الفلسفات في شرح نظرياته، وألَّف كتاب (الشفاء) الذي لاقى رواجاً بين المسلمين وغير المسلمين وترك بصماته واضحة جلية على مسار النظريات الفلسفية وروادها «واحتوت فلسفته على عناصر إشراقية لا ريب في أثرها البالغ على السهروردي، ولأنه اتصل بالإسماعيلية ودرس على يديها رسائل إخوان الصفا في وقت مبكر فقد استوحى من خلالها مبادئ الفلسفة الإشراقية المتمثلة في أفكار فيثاغورث والرواقيين مضافاً إلى أن مدرسة الإفلاطونية الجديدة بذاتها مشبعة بمبادئ إشراقية، ولا يمكن اعتبار ابن سينا ممثلاً للفلسفة المشائية كما كانت عند أرسطو. وربما كان اسم كتابه (منطق المشرقيين) يدل على أنه يعبر عن شروح أهل المشرق سواء في بغداد أو جنديسابور القريبة من بغداد، أو حتى في بلاد الفرس التي يعتبرها متميزة عن شروح المغلابيين، وهم أهل اليونان والإسكندرية، إذ عليها طابع الشرق الذي ينزع إلى حال الإشراق»[20]، وربما كانت المواجهة حامية حين نشأت بين فقهاء المسلمين والفلاسفة وعبرت عن مدى التباين الصريح بين المدرستين، فكان أشهرها ما جاء به أبو حامد الغزالي (450 - 505هـ) فقيه اتجاه الخلافة من مؤلف أطلق عليه اسم (تهافت الفلاسفة) وكان عبارة عن ردود نصية مؤسسة على صوفية متخذة من المنهج الوجداني طريقاً لرد الشبهات ومعرفة حقائق الأشياء إضافة إلى كونها مخطئة للعقل، فما كان من الفيلسوف ابن رشد (520 - 595هـ) إلا أن رد صوفية الغزالي في مؤلفه (تهافت التهافت).

وأما الفيلسوف شهاب الدين السهروردي الذي قتل في عام (588هـ) بمدينة حلب فقد استخلص لنفسه من كل الفلسفات نظرياته ووافقها مع تصورات الصوفية، فكانت الخلاصة عنده أول جمع بين المنهج العقلي الفلسفي ومنهج التأمل الوجداني الذوقي الصوفي، حيث يتوافر الأول عند الفلاسفة بينما توافر الآخر عند المتصوفة، فآخى بين كشفه وشهوده وبين فكره المنهجي الواقعي، وكان ذلك إيذانا بنشوء (فلسفة الإشراق) وفقاً لمؤدى نظرية (الفيض الإلهي) القائلة بأن انعكاس النور الإلهي على الموجودات أعطاها وجودها الذي يمكن كشفه بواسطة التقرب لله تعالى بسلوك رياضي وجداني.

وهكذا كان السهروردي أقرب الفلاسفة إلى مثالية أفلاطون وذوق الصوفية على الأثر الفارسي المانوي. وربما كان هذا الميل الفلسفي نابعاً من عجز شكل الفلسفة اليونانية الغالب على نظريات الفلاسفة المسلمين المتكلمين عن محاكاة الثقافة الإسلامية وتلبية متطلباتها، ومحاولاتهم غير الموفقة في إسقاط مناهج الفلسفة الوافدة على نصوص الدين في إثبات العقائد ورد الشبهات. ويظهر ذلك من خلال تراجع بعض الفلاسفة عن نظرياتهم لصالح التصوف أو لصالح نظرية الفيض على منهج الفارابي الأقرب إلى الإشراق ونقض فلسفة أرسطو والأكثر إنتاجاً على قمة «الفلسفة الإسلامية» منهج المشائين، كما هي الحال بالنسبة لأبي حامد الغزالي في كتابي «تهافت الفلاسفة» و «المنقذ من الضلال».

إن نظرية الفيض التي بلورها الفارابي عن مدرسة الإسكندرية وأفلوطينها وعبرت عن عجز وتكلف عقلي في شرح العلاقة بين الخالق والمخلوق قد فتحت آفاق الإشراق في بلاد فارس مع بداية القرن الخامس عشر، فخلط بعض علماء الحوزة الدينية الشيعة عقائد الدين وعلم الكلام بالفلسفات والصوفيات، فانتشرت الشروحات في هذه الحوزة على كتب الفلسفة والتصوف، وراجت آراء ومؤلفات الفيلسوف الصوفي الخطير محيي الدين ابن عربي ونظرياته، حتى توثقت العلاقة بين الفلسفة والتصوف وذهب نقدهما أدراج الرياح، فبرز على الأثر ما عرف بـ(العرفان) على شكل دين جديد له قواعده وطرقه وأسراره غير المنظورة، وأصبح فرعاً من فروع الفلسفة من حيث موضوعهما إلى جانب كونه وظيفة عملية من وظائف التصوف، ولكنه يتفوق على الفلسفة في مبحث «وحدة الوجود» إلى القول «بوحدة الوجود والموجود» بلا استعراض للدليل في مباحثه لأنه يعتمد أساساً على الكشف والشهود الوجداني، وربما أبقى العرفانيون الأدلة ومظاهرها حكراً على دائرة ضيقة تنحصر في علاقة خاصة بين المريد والمرشد وفي مراتب متقدمة على «الشريعة» و«الطريقة» تسمى «الحقيقة». وجاء نقدهم «فمن قال بالفيض، كفيضان الحوض مما يستلزم السنخية، أو أن الواحد لا يصدر منه إلا الواحد، أو أن بسيط الحقيقة كل الأشياء وليس بشيء منها -كما قال بعض الفلاسفة- لم يستدلوا عليها بدليل برهاني، بل قد عرض الدليل على خلافها. أما أنه من قبيل «الفيض» الذي زعموه فمن أين؟ بل لو كان المخلوق من سنخ الخالق للزم وحدة الصفات وسائر الجهات وذلك مستحيل، لأن حكم الأمثال فيما يجوز وفيما لا يجوز واحد، وبذلك ترتفع شبهة السنخية. وأما «الواحد لا يصدر عنه إلا الواحد» فغير تام في الواحد بالإرادة، إذ ما ذكروه من الدليل آتٍ في غير الإرادي، فإنهم استدلوا له بأنه لو صدر من الواحد غير الواحد للزم صدور كل شيء عن كل شيء، وهذا الدليل لا يأتي في الواحد بالإرادة كالله سبحانه وتعالى. وإما «بسيط الحقيقة» فذلك متوقف على وحدة حقيقة الوجود في الواجب والممكن، وهو بحاجة إلى الدليل، بينما الدليل على عدمه، إذ «الوجود» كـ«الشيء» و«الكائن» وما أشبه من الألفاظ الأخرى التي تطلق على الله وعلى كل المخلوقات.. وحيث إن العقل -مضافاً إلى الآيات والروايات الصريحة- يرى بالضرورة الأثنينية وعدم الوحدة للبراهين المتعددة، فإذا فرض تمسكهم بما استظهروه من بعض الآيات أو الروايات مما هو قريب من قولهم، فإنها تفسر بغيرها من الآيات والروايات والأدلة العقلية القطعية كما ذكره العلامة الحلي L بمناسبة في (كتاب) شرح التجريد»[21].

وقد أخذ عن فلسفة الإشراق بعد تبلورها في عصر متقدم السيد محمد باقر الميرداماد (ت1040هـ/ 1631م) الأستاذ في مدرسة أصفهان الفلسفية «وكان ينوه مثل «أستاذه السهروردي» بأن الفلسفة التي لا تؤدي إلى تجربة صوفية وتكوين روحي أصيل هي عبث وباطل، وأن التجارب الصوفية التي لا يدعمها زاد فلسفي تنتهي بالوهم والضلال»[22]، وتبعه في ذلك تلميذه ملا صدرا محمد بن إبراهيم ألقوامي الشيرازي (ت1050هـ -1640م) الذي ألَّف كتابه الشهير (الحكمة المتعالية) وأصبح عارفاً بعد أن عشق الفلسفة على يد أستاذه الأول بهاء الدين العاملي (1547 - 1621م).

واختلف ملا صدرا مع منهج السهروردي وفلسفته في أصالة الوجود حيث تبنى ملا صدرا الشيرازي أصالة الوجود بخلاف أصالة الماهية الرائجة عند الإشراقيين، وأضاف على (الحكمة المتعالية) شكلاً دينيًّا بما يمتلكه من إطلاع واسع جدًّا في الشريعة ومصادرها، كما أضاف إلى حكمته منهجاً فلسفيًّا عميق النظر لما كان يمتلكه من اطِّلاع واسع جدًّا أيضاً في الفلسفات والأديان ومناهجها والتصوف وطرقه.

وقد ظهر ملا صدرا في كتاب (الحكمة المتعالية) وسائر نظرياته بعقل علمي واسع المعرفة في مجال منهج البحث والتحقيق ورغبة أكيدة في تطوير مجالات البحث الفلسفي بعد الاجترار المستمر بين علماء الفلسفة في إيران لنظرية الفيض بلا تطوير أو تجديد، فكانت حكمته خليطاً متكاملاً بين الشريعة الإسلامية والمنهج الفلسفي والطريقة الصوفية في «طلب الحق بأسرار الكشف والشهود والعيان» التي بلورها وتفاعل معها في عزلته بين قرى قم المقدسة واستمر عليها 15 عاماً بعد أن أصبح منبوذاً بين علماء عصره في إصفهان وشيراز، فكان «مدرسة واحدة فقط، هي الدعوة إلى الجمع بين المشائية والإشراقية والإسلام، هذه العناصر الثلاثة هي أعمدة أبحاثه ومنهجه العلمي في مؤلفاته»[23]. ولم يكن لملا صدرا أن يأخذ مجاله من النجاح في نظرياته الفلسفية الصوفية بين مدارس التعليم الديني آنذاك لولا حاكم فارس (ويردي خان) وابنه على عهد الدولة الصفوية الذي أنشأ له مدرسة في شيراز اسمها «مدرسة خان» وأيده وتبنى نظرياته الفلسفية الصوفية بدعم من الشاه عباس الصفوي، حتى غدت هذه المدرسة بمستوى كلية تدرس علوماً مختلفة كالفلك والفيزياء والكيمياء والرياضيات إلى جانب الفلسفة والعرفان.

وشاع صيت ملا صدرا بهذا التبني الرسمي، وعرّف منهجه على أنه منهج عرفاني توفيقي مدعوم بقدرة عقلية هائلة في البحث، وقاعدة معرفية واسعة في الفلسفة والتصوف و«إعجاب بالذات» كسبه في عزلته لأن الاعتقاد يذهب إلى أن «المشاهدة، أي المكاشفة (Epoteia) تمنح صفة الألوهية وتجود بالحياة الأبدية كما في الصوفية الهيلنيستية»[24]، إلا أن مثل هذا الأسلوب لم يكن في سائر الأديان والثقافات صالحاً ومثمراً، لأن نتائجه في الغالب كانت غير متوازنة وخلاف سيرة الخلق والبعث الديني، وفيها الكثير من التكلف على حساب قدرات العقل البشري، وفيها حث على التمسك بالموروث المعرفي الباطني والجمود على مبانيه لما للكشف من تطابق مع هذا الموروث واستكانة لأسسه وقواعده ونظرياته ومعارفه ومؤداه في الإلهام والحس والتجربة ونتائج حركة العقل بين المعلوم والمجهول. إضافة إلى ذلك: أن هناك ممن آمن بوحدة الوجود على منهج ملا صدرا من القدامى والمعاصرين قد حبَّب بعض الفواحش ومارسها عمليًّا لسلوك عالم الغيب، كتحليل الموسيقى وسماعها ودق الطبول في تشييع الجنائز وإجازة الرقص والعلاقات الشاذة بين المريد والمرشد، وعشق الغلمان والالتذاذ الشديد بحسن صورهم إلى حد العشق «لتلطيف النفس وتنوير القلب» كما يشار إلى ذلك في مؤلف الأسفار لملا صدرا.

وعلى القول بأن عرفان ملا صدرا هو نتاج إيراني أصيل غير متأثر بالفلسفة أو التصوف، فلا حقيقة لذلك مطلقاً، لأن نظرية «وحدة الوجود» التي ذهب إليها ملا صدرا هي مما كسبته شطحات المتصوفة في أسبانيا كأبي يزيد البسطامي الخراساني التي عبر عنها بقوله: «سبحاني ما أعظم شأني»، وبقوله عن الله تعالى» «رفعني مرة فأقامني بين يديه وقال لي: يا أبا يزيد إن خلقي يحبون أن يروك، فقلت: زينّي بوحدانيتك وألبسني أنانيتك وارفعني إلى أحديتك حتى إذا رآني خلقك قالوا: رأيناك، فتكون أنت ذلك ولا أكون أنا هناك»، وكذلك حسين منصور الحلاج الذي عبّر عنها بقوله: «ليس في جبتي سوى الله»، وكذلك محيي الدين ابن عربي الذي عبَّر عنها بقوله: «فالوحدة في الإيجاد والوجود والموجود لا يعقل ولا ينقل إلا في لا إله إلا هو»[25]. ويعد ابن عربي أول من بلور فكرة وحدة الوجود واستكمل فكرتها ونظَّمها وشرحها وفصلها وأسس عليها كل دروسه وأبحاثه ونظر في فروعها واستنتج نتائجها حتى نسبت له، وهي أيضاً مما ذهب إليه الفلاسفة المسلمون وأسسوه بالاقتباس عن الإفلاطونية الجديدة القابعة في الإسكندرية من قبل.

فأفلوطين مثلاً كان يصور العالم ظلاً لله تعالى وانعكاساً لنوره، والصوفيون كانوا يرجعون -كما يعتقدون- في سيرهم إلى الاتحاد بالخالق، فهو العابد والمعبود، والوجود والموجود (الممكن والحادث) كله هو هو. وهذه نظرية تمحور حولها فكر العارف محيي الدين ابن عربي وكانت خلاصة تصوفه الفلسفي. ولم يكن ملا صدرا إلا محيياً ومجدداً لنظرية ابن عربي ومؤيداً لها ومقعِّداً لها على النصوص الدينية ومثنياً على ابن عربي واجتهاده حسب مفهوم التصوف الفلسفي (العرفان) وقال فيها: إن الممكنات بماهيتها هي اعتبارات وهمية ولا يمكن أن تكسب وجودها بإفاضة الغير لأنها مما ليست وجوداً ولا موجوداً في حد ذاتها «بل إن الموجود هو الوجود وأطواره وشؤونه وأنحاؤه». ففي هذا القول نكران لأصالة الأشياء أو ماهيتها «ويبدو أن الذين أنكروا ذلك إنما فعلوا ذلك تخلصاً من الجهل بكيفية الخلق ومعنى قدرة الله سبحانه وتعالى على خلق الأشياء بكلمة واحدة ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ يس82. فتهربوا من ذلك بإنكار المخلوقات»[26].

من هنا ظهر العرفان بالغموض والسرية في سيره وسلوكه فضلاً عن الكثير من ألفاظه ونظرياته بإزاء وحدة الوجود. «فإن مؤسسي التصوف الأوائل كثيراً ما تملكوا ناصية فن التعبير عن فكرة عميقة بكلمات موجزة. فهم كانوا يريدون لعباراتهم أن تكون مكثفة وذات صيغة أشبه ما تكون بالتعريف الذي نجده في الكتب العلمية، بتَّارة، صارمة كأنها حد سنان. ولكن في المقابل، فقد ظل تفهم المحتوى الحقيقي لعباراتهم هذه أمراً ليس يسيراً دائماً»[27]، فلجأ المتصوفة إلى الرمزية الحادة في ذلك واتخذوا من السرية في البوح بها في السلوك العملي طريقة بعد حادثة مقتل الحلاج وهروب البسطامي المتظاهر بالجنون خوفاً من حكم القتل، لكن عهد ابن عربي كان أكثر تحرراً فتظاهر ابن عربي بهذه النظرية وعرَّف بها في بلاده وبلاد شتى، وأما غيره من الفلاسفة المتصوفة الذين اتخذوا من الفلسفة نظرية والتصوف طريقة وسلوكاً فقد صرَّحوا في جدلهم ومحاججتهم بـ«وحدة الوجود والموجود بمعنى الاتحاد التام بلا تمايز» أو «يكون متمايزاً ولكنه هو هو»، وجمعوا متناقضاً في مصطلحاتهم ثم فسروه بـ«الوحدة في عين الكثرة» وهو ما ذهب إليه ملا صدرا في كتابه (الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة) المسمى بـ(الأسفار).

وفي حوزة قم المقدسة تأثر بالتصوف الفلسفي هذا كل من السيد البروجردي مرجع التقليد والميززا مهدي الأصفهاني والسيد حسين القمي وهو مرجع أعلى من بعد أبي الحسن الأصفهاني، ولكنهم توقفوا عنه وسعوا للخلاص منه عبر التوسل بأهل البيت (عليهم السلام). وقيل في ذلك أيضاً أن الميرزا الأصفهاني كان ينادي بوجدان خالص الإمام الثاني عشر المهدي بن الحسن العسكري الغائب (عجل الله فرجه الشريف) راجياً الإنقاذ والخلاص من أثر التصوف الفلسفي، فنجحوا في تخليص أنفسهم والتجرد منه حتى صاروا من ألذ الأعداء للفلسفة والتصوف والعرفان والفلاسفة والعرفاء والمتصوفة. وذكر أن البروجردي تمسكه بموقف الشيخ المجلسي المناهض للفلسفة والعرفان ورفض الحواشي الفلسفية التي كتبها السيد الطباطبائي على كتابه (بحار الأنوار)، وحرَّم البروجردي حلقات دروس السيد الطباطبائي في حوزة قم المقدسة.

وظهرت أشكال عدة من المدارس التوفيقية بعد الجدل الكبير في شأن التداخل بين الفلسفة والعرفان ومصادر التشريع والمواد العلمية الأخرى. وكان من بين تلك المدارس ما أطلق عليه (المدرسة التفكيكية) التي نشأت في حوزة مدينة مشهد الإيرانية في النصف الأول من القرن الرابع عشر الهجري. وحاولت هذه المدرسة إجراء مصالحة بين التيارات الفلسفية والعرفانية والمحافظة ورفع صاعق النزاع، فتظاهرت بالاعتدال في مقابل تطرف منهجي الفلسفة والعرفان المتصارعين، وعرضت نفسها مخلِّصاً مثاليًّا يمثل حقيقة الإسلام، وقضت بوجوب الفصل بين العلوم الثلاثة: العلوم الدينية وأعمدتها القرآن والسنة الشريفة، الفلسفة، والعرفان. على أن تبقى لكل مادة حصة في مناهج الدراسات الدينية في قم ومشهد وإصفهان بشرط عدم التداخل. وتزعم هذه المدرسة شخصيات دينية في مشهد من بينهم: السيد موسى القزويني (1294-1353هـ) والشيخ رضا حكيمي (1354هـ)، التي كان في ظنها إمكانية تحقيق هذا التفكيك، لكن الوقائع أثبتت تطرف مريدي الفلسفة والعرفان في تأويل المناهج الدينية بصيغ مثبتة لمناهج علوم الفلسفة والعرفان وأفكارهما، فرُكِّبت مصادر التشريع وحُمِّل العقل والنص ما لا يحتملان.

وادَّعت هذه المذاهب امتلاكها مطلق الخبرات المعصومة في منهج التوفيق، وصنفت ذاتها في خانة الفائزين في تطويع هذا المنهج لمصلحة طرقها التي رأت فيها تمثيلاً للحق بأجلى صوره. وكان الفلاسفة والعرفاء كابن رشد وابن سينا والسهروردي والفارابي والكندي وملا صدرا أنفسهم دعوا إلى مثل هذه المقاربة والمصالحة والتوفيق، ولكن النتيجة لم تكن مخلصة، وهكذا الأمر بالنسبة لمريديهم الذين أخضعوا (مدرسة التفكيك) والوساطة إلى مبضع النقد فقالوا بميلها وتطرفها إلى منهج علم الكلام على حساب منهجي الفلسفة والعرفان. والحال أن علم الكلام - في نظر مدارس التفكيك والفلسفة والتصوف - قائم على بنية تحتية فلسفية خالصة!.

ورفضت حوزتا كربلاء المقدسة والنجف الأشرف ومنعت وكافحت مدارس الفلسفة والتصوف الفلسفي (العرفان) لعقود عديدة، وقد عُرف في النجف الأشرف مدرسان في الفلسفة أطلق على أحدهما (الملا صدرا البادتكوبئي) والآخر كان السيد عباس خاتم والد الرئيس الإيراني السابق السيد الخاتمي، إضافة إلى الشيخ محمد حسين الأصفهاني الكمباني الغروي مدرس البحث الخارج وأستاذ الشيخ محمد رضا المظفر في الفلسفة.

وقد كتب الشيخ المظفر مقدمة لكتاب ملا صدرا (الأسفار) تأييداً وتشجيعاً لدروس الفلسفة في حوزة النجف الأشرف، ولكن الشيخ المظفر نفسه يشير في هذه المقدمة إلى أن أشياء نسبت لملا صدر فإذا ما صحت النسبة هذه فملا صدرا لا يخرج عن كونه كافراً. وقد خلت حوزة كربلاء من دراسة الفلسفة في مناهجها التعليمية. وذُكر أن بعض مدارس كربلاء فرضت شروطاً لمنع تدريس الفلسفة بشكل مطلق تأسيساً على أموال وقف اشترطت مقدماً منع تدريس الفلسفة وعدم توفير فرص لسكن دارسي هذه المادة.

(3) نبذ التصوف الفلسفي

يذهب القائلون بمعارضة الفلسفة والتصوف الفلسفي (العرفان) ورفض تدريسها كمادة علمية في أكثر مدارس حوزات قم وكربلاء والنجف وغيرها إلى أن مميز العرفان والفلسفة والتصوف عن غيرها من العلوم المقررة في الحوزة الدينية هو توافر نصوص دينية محرمة لها ونابذة لنظرياتها ومحرضة على محاربتها، فضلاً عن واقع منتسبيها وادعاءاتهم المتكررة بالألوهية والنبوة أو الولاية، ونقضهم للكثير من الثوابت الدينية بلا دليل، وسلوكهم المستخف بأحكام الشريعة، وتباهيهم باختراق النصوص الدينية والتقدم عليها بادعاءات ليس للبشر قدرة على تحقيقها وتعقلها، وتطاولهم على العقل البشري المحدود، وتشبههم بالخالق وتشبيههم له بما نهى الشرع عن وصفه. فعن الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) عن أبيه (عليه السلام) أنه قال: «إن رجـلاً قـال لأمير المؤمنين علي (عليه السلام): هل تصف ربنا نزداد له حبًّا وبه معرفة؟ فـقال فيما قال: عليك يا عبد الله بما دلك عليه القرآن من صفته، وتقدسك فيه الرسول من معرفته، فائتم به، واستضئ بنور هدايته، فإنما هي نعمة وحكمة أوتيتها، فخذ ما أوتيت، وكن من الشاكرين، وما كلفك الشيطان علمه، مما ليس عليك في الكتاب فرضه، ولا في سنة الرسول وأئمة الهداة أثره، فكل علمه إلى الله، ولا تقدر عليه عظمة الله. واعـلم يا عبد الله أن الراسخين في العلم، هم الذين أغناهم الله عن الاقتحام على السدود المضروبة دون الغيوب، إقراراً بجهل ما جهلوا تفسيره من الغيب المحجوب، فقالوا: آمنا به كل من عند ربنا، وقـد مـدح الله اعـتـرافهم بالعجز عن تناول ما لم يحيطوا به علماً، وسمى تركهم التعمق فيما لم يكلفهم البحث عن كنهه رسوخاً»[28].

ففي هذا الخطاب الشريف يكمن الطريق والمنهج الصحيح لمعرفة الله سبحانه وتعالى بعيداً عن التشبيه أو التجسيم أو التفلسف في ذاته ووحدانيته أو قول ما لا نص فيه في وصف الله سبحانه وتعالى. وليس في ذلك سد للعقول وإغلاق لها وإنما الابتعاد بها عن التكلف فيما يفوق طاقتها ومحدوديتها والنأي بها عما رفضه الراسخون في العلم من أهل البيت (عليهم السلام).

وهناك نصوص صريحة لأهل البيت (عليهم السلام) في رفض الفلسفة والتصوف معا. وقد روي عن الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) أنه قال لأبي هشام الجعفري: يا أبا هشام! سيأتي زمان على الناس وجوههم ضاحكة مستبشرة وقلوبهم مظلمة منكدرة، السنة فيهم بدعة، والبدعة فيهم سنة، المؤمن بينهم مُحقَّر، والفاسق بينهم موقر، أمراؤهم جائرون، وعلماؤهم في أبواب الظلمة سائرون، أغنياؤهم يسرقون زاد الفقراء، وأصاغرهم يتقدمون الكبراء، كل جاهل عندهم خبير، وكل محيل عندهم فقير، لا يميِّزون بين المخلص والمرتاب، ولا يعرفون الظأن من الذئاب، علماؤهم شرار خلق الله على وجه الأرض، لأنهم يميلون إلى الفلسفة والتصوف، وأيم الله: إنهم من أهل العدوان والتحرف، يبالغون في حب مخالفينا، ويضلون شيعتنا وموالينا، فإن نالوا منصباً لم يشبعوا، وإن خُذلوا عبدوا الله على الرياء، ألا إنهم قطاع طريق المؤمنين والدعاة إلى نحلة الملحدين، فمن أدركهم فليحذرهم وليضمن دينه وإيمانه منهم. ثم قال (عليه السلام): يا أبا هشام! هذا ما حدثني أبي عن آبائه عن جعفر بن محمد (عليه السلام) وهو من أسرارنا فاكتمه إلا عند أهله»[29].

وروي عن الإمام الصادق (عليه السلام) حين سأله رجل عن قوم ظهروا في ذلك الزمان يقال لهم الصوفية؟ قال: إنهم أعداؤنا، فمن مال إليهم فهو منهم ويحشر معهم، وسيكون أقوام، يدَّعون حبنا ويميلون إليهم ويتشبهون بهم، ويلقبون أنفسهم بلقبهم، ويقولون أقوالهم، ألا فمن مال إليهم فليس منا، وإنا منه براء، ومن أنكرهم وردَّ عليهم، كان كمن جاهد الكفار بين يدي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)»[30].

ويقول الإمام الرضا (عليه السلام): «لا يقول بالتصوف أحد إلا لخدعة أو ضلالة أو حماقة أما من سمى نفسه صوفيًّا للتقية فلا إثم عليه»[31].

وقال الإمام الصادق (عليه السلام): «إنهم أعداؤنا فمن مال إليهم فهو منهم ويحشر معهم، وسيكون أقوام يدَّعون حبنا ويميلون إليهم ويتشبهون بهم ويلقبون أنفسهم بلقبهم وأقوالهم، ألا فمن مال إليهم فليس منا وأنا منه براء، ومن تنكر منهم ورد عليهم كان كمن جاهد الكفار بين يدي رسول الله..»[32].

وروى الحسين بن أبي الخطاب، قال: كنت مع أبي الحسن الهادي (عليه السلام) في مسجد النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) فأتاه جماعة من أصحابه منهم أبو هاشم الجعفري، وكان بليغاً وله منزلة مرموقة عند الإمام (عليه السلام) وبينما نحن وقوف إذ دخل جماعة من الصوفية المسجد فجلسوا في جانب منه، وأخذوا بالتهليل، فالتفت الإمام إلى أصحابه فقال لهم: «لا تلتفتوا إلى هؤلاء الخدّاعين فإنّهم حلفاء الشياطين، ومخرّبو قواعد الدين، يتزهّدون لإراحة الأجسام، ويتهجّدون لصيد الأنعام، يتجرّعون عمراً حتى يديخوا للايكاف حمراً، لا يهللون إلاّ لغرور الناس، ولا يقلّلون الغذاء إلاّ لملء العساس واختلاس قلب الدفناس، يكلّمون الناس بإملائهم في الحبّ، ويطرحونهم بإذلالهم في الجب، أورادهم الرقص والتصدية، وأذكارهم الترنّم والتغنية، فلا يتبعهم إلاّ السفهاء، ولا يعتقد بهم إلاّ الحمقاء، فمن ذهب إلى زيارة أحدهم حيًّا أو ميتاً، فكأنّما ذهب إلى زيارة الشيطان وعبادة الأوثان، ومن أعان واحداً منهم فكـأنّما أعان معاوية ويزيد وأبا سفيان». فقال أحد أصحابه: وإن كان معترفاً بحقوقكم؟. فزجره الإمام وصاح به قائلاً: «دع ذا عنك، من اعترف بحقوقنا لم يذهب في عقوقنا، أما تدري أنّهم أخسّ طوائف الصوفية، والصوفية كلهم مخالفونا، وطريقتهم مغايرة لطريقتنا، وإن هم إلاّ نصارى أو مجوس هذه الأمة، أُولئك الذين يجتهدون في إطفاء نور الله بأفواههم، والله متمّ نوره ولو كره الكافرون»[33].

وأوضح آية الله المرعشي النجفي أحد رجال الدين الكبار من خريجي حوزة مدينة قم المقدسة حقيقة الفلسفة والتصوف الفلسفي ومفاهيمهما ومصادرهما وصفات روادهما ومريديهما، بشكل يظهر شيوعهما في حوزة قم المقدسة، فقال: «عندي أن مصيبة التصوف على الإسلام من أعظم المصائب، تهدمت بها أركان وانثلم بنيانه، وظهر لي بعد الفحص الأكيد والتجول في مضامير كلماتهم والوقوف على ما في خبايا مطالبهم والعثور على مخبياتهم بعد الاجتماع برؤساء فرقهم؛ أن الداء سرى إلى الدين من رهبة النصارى فتلقاه جمع من العامة كالحسن البصري والشبلي ومعروف وطاووس والزهري وجنيد ونحوهم ثم سرى منهم إلى الشيعة حتى رقى شأنهم وعلت راياتهم بحيث ما أبقوا حجراً على حجر من أساس الدين، أوَّلوا نص الكتاب والسنة وخالفوا الأحكام الفطرية العقلية والتزموا بوحدة الوجود، بل الموجود، وأخذ الوجهة في العبادة والمداومة على الأوراد المشحونة بالكفر والأباطيل التي لفقتها رؤساؤهم والتزامهم بما يسمونه بالذكر الخفي القلبي شارعاً من يمين القلب خاتماً بيساره معبراً عنه بالسفر من الحق إلى الخلق تارة، والتنزل من القوس الصعودي إلى النزولي أخرى. وبالعكس معبراً عنه بالسفر من الخلق إلى الحق والعروج من القوس النزولي أخرى. فيا لله من هذه الطامات...

ورأيت بعض من كان يدَّعي الفضل منهم يجعل بضاعة ترويج مسلكه أمثال ما يعزى إليهم (عليهم السلام) «لنا مع الله حالات فيها هو نحن ونحن هو» وما درى المسكين في العلم والتتبع والتثبت وضبط أن كتاب مصباح الشريعة وما يشبهه من الكتب المودعة فيها أمثال هذه المناكير مما لفقتها أيادي المتصوفة في الأعصار السالفة وأبقتها لنا تراثا...

ثم إن شيوع التصوف وبناء الخانقاهات كان في القرن الرابع حيث إن بعض المرشدين من أهل ذلك القرن لما رأوا تفنن المتكلمين في العقائد فاقتبسوا من فلسفة (فيثاغورث) وتابعيه في الإلهيات قواعد وانتزعوا من لاهوتيات أهل الكتاب والوثنيين جملاً وألبسوها لباساً إسلاميًّا فجعلوها علماً مخصوصاً ميَّزوه بعلم التصوف أو الحقيقة أو الباطل أو الفقر أو الفناء أو الكشف أو الشهود، وألَّفوا وصنَّفوا في ذلك كتباً ورسائل، وكان الأمر كذلك إلى أن حل القرن الخامس وما يليه من القرون، فقام بعض الدهاة في التصوف فرأوا مجالاً رحباً وسيعاً لأن يحوزوا بين الجهال مقاماً شامخاً كمقام النبوة، بل الألوهية باسم الولاية والغوثية والقطبية بدعوى التصرف في الملكوت بالقوة القدسية، فكيف بالناسوت. فوسعوا فلسفة التصوف بمقالات مبنية على مزخرف التأويلات والكشف الخيالي والأحلام والأوهام فألفوا الكتب المتضافرة الكثيرة، ككتاب التعرف والدلالة، والفصوص وشروحه، والنفحات والرشحات والمكاشفات، والإنسان الكامل والعوارف والمعارف والـتأويلات ونحوها من الزبر والأسفار الحشوة بحكايات مكتوبة وقضايا لا مفهوم لها البتة... فلما راج متاعهم وذاع ذكرهم وراق سوقهم، تشعبوا فرقاً وشعوباً وأغفلوا العوام والسفلة بالحديث الموضوع المفترى: «الطرق إلى الله بعدد أنفاس الخلائق». عصمنا وإياكم من تسويلات نسجة العرفان وحيكت الفلسفة والتصوف وجعلنا وإياكم ممن أناخ المطية بأبواب بيت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ولم يعرف سواهم آمين آمين»[34].

وأشار آية الله المرعشي النجفي إلى التصوف الفلسفي (العرفان) وإلى دعاته وأصحاب المؤلفات في شأنه ونظريته في وحدة الوجود والموجود، وطعن بشكل صريح في رواده وكشفهم من خلال الاطلاع على أسرارهم، وظهر له «بعد الفحص الأكيد والتجول في مضامير كلماتهم والوقوف على ما في خبايا مطالبهم والعثور على مخبياتهم بعد الاجتماع برؤساء فرقهم أن الداء سرى إلى الدين». وعجيب أمر بعض كبار علماء التشيع في الحوزة الدينية وسعيهم الدؤوب وتفاخرهم بتمثيل التصوف الفلسفي وتدريس منهجه، وجعل مفاهيمه وقواعده من القواعد والمفاهيم الأساسية على طريق معرفة الدين والإله، وتنظيم العلاقة به، وتصويب مسيرة التفكير العلمي باتجاه تخطي طاقة العقل إلى الوجدان والوحي بلا دليل شرعي أو حتى عقلي أو وجداني جلي.

وقد تخطت بعض مدارس الحوزة الدينية الشيعية النص المعتمد لديها في التعليم الديني وتبنت نظريات منبثقة عن التعليم الديني التابع للتصوف والفلسفة على اتجاه الخلافة، وهو اتجاه اتَّبع مفاهيم الفلسفة والتصوف الفلسفي وأخذ عنها في عقائده ثم انقلب عليها في قصة دراماتيكية سطَّرها تاريخ الغزالي، حتى إذا ما نامت مؤلفاته في هذا البعد العلمي في خزائن المكتبات؛ أيقظها بعض علماء الدين الشيعة وأخذوا عنها نظرية «وحدة الوجود» وشكَّلوا لها مدارسها الخاصة، وبرَّر بعضهم تبني أقوال العرفاء غريبة الأطوار والشذوذ عن النص الديني بأنها أقوال تصدر عنهم في حال اندكاكهم في ذات الله تعالى فيصبحون هو وهو هم حينها.

فمن أين وفد التصوف الفلسفي على التعليم الديني، وما هي مؤهلات معتنقيه ورواده؟ وكيف مال إلى نظرية وحدة الوجود؟ ومن هو رائده ومنظره؟

يعد ابن عربي الأندلسي الصورة الكاشفة عن الفكرة الكبرى في التصوف الفلسفي (وحدة الوجود والموجود)، وفي مدينة مرسية (Murcia) ولد ابن عربي أبو بكر محمد?بن علي الحاتمي الطائي في (17رمضان 560هـ - 28 تموز 1165م). وله من الألقاب ما يجمع بين تبجيله وتكفيره، فهو (محيي الحق والدين) و(الشيخ الأكبر) عند مريديه، وهو (أبو الشطحات) و (مميت الدين) و (مميت الدين الأول) و (ماحي الدين) عند مناوئيه.

درس ابن عربي الأدب والحديث والقرآن والسيرة وغيرها من العلوم الدينية التي كانت رائجة في المؤسسات التعليمية في مدينة أشبيلية الأندلسية. ولأنه تميز من أقرانه في مادة الأدب فقد شغل وظيفة حكومية في أشبيلية بمنصب كاتب رسمي. وقبل إتقانه معارف التصوف التي كانت رائجة في الأندلس، كان ابن عربي يعيش مترفاً ويمضي أيامه في اللذة وصيد حمر الوحش برفقة غلمانه وحشمه وخدمه حتى أطلق ابن عربي على هذه المرحلة المترفة من حياته وصف (زمان الجاهلية) لكنه لم ينقطع خلالها عن الكشف والذوق والوجد الذي كان يمارسه - بحسب اعترافاته - منذ طفولته حتى تأهُّله لدخول الطريقة الصوفية وله من العمر 21 عاماً، إذ كان يجادل شيوخ الصوفية قبل انتمائه للطريقة فيؤذيهم ويشنع عليهم اعتقاداتهم وطقوسهم وتصرفاتهم.

وقد التقى ابن عربي بالفلاسفة قبل بلورته لنظرياته العرفانية، كان من بينهم الفيلسوف ابن رشد بمدينة قرطبة حيث كان قاضيها الشهير. وفيها دار الحوار بينهما، فبادره ابن رشد بالسؤال: كيف وجدتم الأمر بين الكشف والفيض الإلهي، هل هو ما أعطاه لنا النظر؟. فرد ابن عربي: نعم ولا، وبين «نعم» و «لا» تطير الأرواح من موادها والأعناق من أجسادها».

فأظهر هذا الحوار القصير بين الفيلسوف والمتصوف عمق الخلاف في نتائج النظر والكشف وصحة كل منهما. فقد أخذ الفلاسفة الكندي والفارابي وابن سينا بــ«نظرية الفيض» الفلسفية وكانت من نتاجهم ومن متبنيات السهروردي، وأخذ ابن عربي بحال الكشف والشهود مما لا نظر فيه. فكان مقصد ابن رشد بسؤاله الانتصار للفلسفة المتقدمة منهجاً وطريقة على الكشف والشهود.

إن كل ما كسبه العرفاء من مفاهيم وظفوها ضد الفلاسفة خلصت إلى أن العقل «آلة الفلسفة» غير معصوم عن الخطأ، وأن الكشف والشهود صورة واحدة عن «آلة العرفان» وتأتي متفوقة على وظيفة العقل ومتقدمة عليها، وأن المنهج المشترك بينهما كان (نعم ولا) صوفيًّا لا فلسفيًّا بحسب توجيه إجابة ابن عربي.

ومن شطحات ابن عربي المثيرة: قوله في حديثه عن نظرية «وحدة الوجود والموجود» التي بلورها واعتنقها ودافع عنها، أنها من النظريات التي خصه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بها حيث يورد ابن عربي أنه كان في زيارة للقاهرة في عام (603هـ - 1206م) عندما جاءه الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) في حلم ليلقنه هذه النظرية بألفاظ أفادت معناها!. وفي إطار هذه النظرية عارض بشدة ظواهر الشريعة والعقائد وتظاهر في ذلك بعد تغير الأحوال في أشبيلية وخفة حروب العامة ضد المتصوفة والمتفلسفين، فكان نصيبه في ذلك التكفير في نصوص فتاوى فقهاء مصر آنذاك الذين طالبوا بقتله.

وبعد ثمان سنوات تقريباً على تبلور نظرية «وحدة الوجود والموجود» عند ابن عربي وتمكنه منها التقى ببغداد في عام (608هـ) الفيلسوف المتصوف شهاب الدين السهروردي رأس متصوفة بغداد وصاحب فلسفة «الإشراق» فبجله وعظمه وأثنى عليه وفتح الأبواب في بغداد أمام أتباعه وطلبته للتزود من نظريات ابن عربي وعلومه والتعرف على تصوفه الفلسفي. لكنه لم يحظ بمثل هذه الحفاوة والرعاية والإكرام في حلب، حيث ثارت المدينة وشيوخها وطلابها ضد كتابه «ترجمان الأشواق» الذي ألفه واصفاً عشقه لـ(النظّام) ابنة الأصفهاني (مكين الدين زاهر بن رستم أبي الرجا) من بعد رؤيته لملامح جمالها وأصبح متيماً بها وأنشد شعراً غزليًّا عرفانيًّا عبَّر فيه بما يمتلك من شطحات في جانب نظرية «وحدة الوجود والموجود» وأظهر إعجابه بـ«جمال المعبود في مرايا الأعيان» وعد ابنة أبي الرجا النظّام «تجليًّا كاملاً وبارزاً لجمال المعبود». فأضاف هذا العشق والوصف المرهف الشيء الكثير من الشطحات في التصور العرفاني للنساء ومتعلقات المرأة عند ابن عربي. فقال في وصف اعتبار الغسل وحب النساء والالتذاذ بهن في الشريعة: «لأن الحق غيور على عبده أن يعتقد أن يلتذ بغيره، فلهذا أحب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) النساء لكمال شهود الحق فيهن، إذ لا نشاهد الحق مجرداً عن المراد، فشهود الحق في النساء أعظم شهود وأكمله، وأعظم الوصلة والنكاح… وقال: «فمن جاء لامرأته أو لأنثى بمجرد الالتذاذ ولكن لا يدري بمن، قال:

(غير أنهم لا يعرفوا عشقي

لمن صح عند الناس أني عاشق)

كذلك هذا أحب الالتذاذ فأحب المحل الذي يكون فيه - هو المرأة - ولكن غاب عنه روح المسألة فلو علمها لعلم بمن التذَّ؟ ومن التذَّ؟ وكان كاملاً قال من شاهد الحق في المرأة كان شهوده في منفعل وهو أعظم الشهود ويكون حبًّا إلهيًّا»!

وكانت دمشق مصدر الهام لابن عربي فألف فيها كتابه الشهير «فصوص الحكم» الذي شُرح مائة مرة تقريباً على يد العرفاء المريدين له، وادَّعى ابن عربي في عام (627هـ) مثل دعواه في مصدر نظرية «وحدة الوجود والموجود»، فأعلن أن هذا الكتاب تلقاه عن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) في رؤيا، وأمره بكتابته ونشره بين الناس وأطلق عليه هذا الاسم. وتميز هذا الكتاب بشدة تعقيد الألفاظ حيث اتخذه العرفاء مصدراً أساسيًّا في المعرفة وتداولوه ودرسوه وفكُّوا طلاسمه في المؤسسات التعليمية الدينية والمدنية وتناولته الجامعات والكليات والمعاهد.

وعده بعض علماء حوزة قم المقدسة كتاباً عرفانيًّا دراسيًّا برغم شطحاته وانحرافاته ووضوح قوله بنظرية «وحدة الوجود والموجود» وتصريحه بالنص الخطير الذي أورده وقال فيه: «سبحان من أظهر الأشياء وهو عينها»، وهو نص ظاهر في هذه النظرية برغم التأويلات والتبريرات التي أوردها المدافعون عنه واستنادهم فيها إلى نصوص أخرى لابن عربي حاولوا من خلالها إعطاء شروحات جديدة على هذه النصوص وبينوا أن مقاصده منها واقعة بين الإطلاق وعدمه لا الإطلاق المحرم وحده. كما رجعوا أيضاً إلى نص آخر له يقول فيه ما نصه: «ما هو عين الأشياء في ذواتها، بل هو هو والأشياء أشياء» الذي فسروه باعتقاد الثنائية والتعددية بين الإله والمخلوق عند ابن عربي، والحقيقة في ذلك تضمنت الكثير من الإسراف في الدفاع عما هو واضح جدًّا بالشطحات والتأويل إلى ألفاظ لا معاني لها ولا واقع ولا حقيقة. فالنص الأول فيه دلاله قطعية على «وحدة الوجود والموجود»، في حين أن النص الآخر فيه احتمالات، وله ظاهر مؤيد للنص الأول وليس نقيضاً أو مؤوِّلاً له. وبه ميز قوله: فأصبحت الذوات في عين ذاتها الإله ما هو عينها بالنظر إلى كونه هو فهو وكونها هي فهي. فاختفاء الذات لا يعني من حيث المبدأ، بالنسبة للصوفي شيئاً آخر غير الذي يعنيه بالنسبة لبولص حينما قال: «مع المسيح صلبت، فأحيا لا أنا بل المسيح يحيا فيّ»[35].

لقد هيأت البيئة التي عاش فيها ابن عربي الأمر لصناعة الفلسفة والتصوف في مرحلة تاريخية شهدت انفتاحاً نوعيًّا رجع فيها ابن عربي إلى مدارسة كتب الأقدمين في الأندلس. فالأندلس كانت في قديمها قبل الإسلام تعرفت على العرفان والتصوف والفلسفة الناشئة عن مؤثرات مبادئ الفيثاغورثية والغنوصية المانوية والحلولية، وشهدت مقتل بعض منتميها كان من بينهم (بريسلين) الذي أخذ عنه الصوفي الشهير ابن مسرة الجبلي ومريدوه. ويعد ابن مسرة من أخطر الفلاسفة المتصوفة الذين تأثر بهم ابن عربي ورجع إليهم ومدحهم في كتابه (الفتوحات المكية).

وعُرف عن الأندلس رعايتها واهتمامها بعد فتحها من قبل الأمويين في (92هـ) بالعلوم النقلية وبعض العلوم المتصلة بها حتى شهدت بعد ذلك تطوراً في مؤسستها التعليمية الدينية التي تخرج فيها بعض الفقهاء والمفسرين والمحدثين وكثير من الحفاظ والقراء والدعاة والقضاة. وقد أدخل الحكم الأموي بعد قرن ونصف تقريباً إصلاحاً وتجديداً على التعليم الديني في الأندلس فشمل تعزيز دور العلوم العقلية وتكثيفها إلى جانب العلوم النقلية على طريقة أجداده معاوية وخالد بن معاوية بن يزيد في الشام، فدخل المنطق والرياضيات والفلك والطب من أوسع أبواب المدارس الدينية ولم تكن مادتي الفلسفة والتصوف تحتل مكاناً لهما في المراحل الأولى من هذه الفترة بحكم حساسية هذه الاتجاهات والأفكار والعقائد في الشمال الإفريقي ومؤسساته التعليمية الدينية، لكن القرن الرابع الهجري شهد انفتاحاً رسميًّا كاملاً على العلوم العقلية بمساهمة كبيرة من سلطة الأمويين في الأندلس على عهد المستنصر بالله في بغداد، فكانت من بين مواد التعليم الديني مادتا الفلسفة والتصوف اللتان وفدت كتبهما القديمة والحديثة من كل صوب وحدب وغذتها مشاريع الترجمة لتؤسس لعقد من المنافسة مع التعليم الديني على العلوم النقلية،حيث تميز هذا العقد بوصوله إلى قمة العطاء وبروز العلماء الأندلسيين الذين ساهموا إلى جانب مشاركات وجهود فعَّالة من قبل مجتمع الأندلس آنذاك في استغلال فترة وفاة المستنصر بالله وضعف خليفته ابنه هشام، حيث حاربوا كل ما كان يتعلق بالعلوم العقلية بما فيها مادتي الفلسفة والتصوف الفلسفي وحرقوا مؤلفاتها ومنها كانت مؤلفات أبي حامد الغزالي، وخرَّبوا مكتباتها وكفَّروا الفلاسفة والمتصوفة وقتلوهم وسجنوهم واتهموهم بالزندقة والانحراف عن العقيدة، حتى اضطر الأمويون بعد ذلك إلى التراجع عن دعمهم للفلسفة والتصوف وندبوا موظفيهم للمشاركة في تلك الحرب على العلوم العقلية كلها واستخرجوا كل ما حوته قصورهم من مؤلفات فلسفية والتصوف الفلسفي فأحرقوها وأتلفوها بغية الكسب الشعبي العام.

وكان من بين رواد هذه المرحلة الخطرة ابن مسرة الجبلي الذي قرأ التصوف الفلسفي للأسباني القديم (بريسلين)، ودرس عقائد المعتزلة والمتصوفة في البصرة، وآمن بأن «النبوة اكتسابية وليست اختصاصية»، ودرّس فلاسفة اليونان لمريديه، فاختلطت في نظرياته الفلسفة بالتصوف، حتى شُرّد بعد ذلك مريدوه وقتلوا وأجبروا على التوبة، فاضطر ابن مسرة للفرار إلى خارج الأندلس بعدما أحرقت كل مؤلفاته وشروح طلابه.

وأغلقت الأندلس بعد ذلك أبواب مدارسها الدينية أمام الفلسفة والمتصوفة لقرنين كاملين، إلى حين ظهور محيي الدين ابن عربي في مناخ كان فيه علماء الدين الأندلسيين قد أبدوا مرونة في علاقاتهم مع الفلاسفة الذين كشفوا نقضهم لمبادئ التصوف ونظرياته وفضلوا الابتعاد عن جانبه، وكان من بينهم (ابن باجة، وابن رشد، وابن الطفيل). وكانت هذه فرصتهم فعاد الفلاسفة المتصوفة إلى سيرتهم الأولى وكثرت كتبهم ونمت على رؤى أفلوطين هذه المرة، ما ترك الباب مفتوحاً على مصراعيه أمام ابن عربي وجيله ليصعد على ظاهرة فلسفية صوفية متنوعة المشارب ونظريات شرقية ويونانية، فاستعان ابن عربي بهذا الخليط على بلورة نظرية «وحدة الوجود والموجود» وتنميتها وتنظيمها.

وقدح في ابن عربي بعض علماء اتجاه الخلافة، كابن تيمية الذي وضعه في عداد الكفار ووصف كفره بأنه أغلظ من عبدة الأوثان ووصمه بالزندقة وقبح الباطن. ووضعه الشيخ المقدس الأردبيلي من علماء الشيعة في خانة اللصوصية وعده من لصوص الفلاسفة الذين اقتبسوا نصوصهم. واعتبره الشيخ محمد النجفي القمي ضالاً مضلاً وكافراً أشد كفراً من يزيد بن معاوية، كما كفَّره صاحب كتاب (بحار الأنوار) الشيخ محمد باقر المجلسي الذي تعدى ذلك لينتقد بعض الشيعة المتكلفين في مدح ابن عربي. وتبع المجلسي في تكفير ابن عربي الميرزا محمد التنبكاني، والمير محمد باقر الخونساري الأصفهاني، والشيخ الميرزا حسين النوري الذي ذم ملا صدرا أيضاً على مدحه لابن عربي وتبنيه لأفكاره وعقائده وتأييده لها وذكره إياه في كتابه (الأسفار) واشتراكه معه في نظرية وحدة الوجود والموجود. وإما الشيخ علي أكبر الأردبيلي فقد وصف ابن عربي بـ(مميت الدين الأول) وكفَّر ملا صدرا والمحدث الفيض الكاشاني واعتبر الفيلسوف ابن سينا ضالاً ومضلاً.

وحسب ابن عربي أنه أبعد ما يكون عن الذكر في الحوزات الشيعية لأنه أخذ بما هو خلاف عقائد الشيعة وسردهم التاريخي. فقد ادَّعى الولاية المطلقة وخص نفسه بها وبخاتميتها ونفاها عن الإمام علي (عليه السلام)، وأخذ بسيرة الشيخين الخليفتين أبي بكر وعمر، وامتدح المتوكل العباسي في كتابه (محاضرة الأبرار) واعتبره قطباً له ولاية مطلقة حيث ينظر الله تعالى إلى الكون من خلاله في زمانه، ومكلفاً بحفظ الكون جميعه، في وقت عرف عن المتوكل سعيه الخبيث المتكرر لهدم قبر الإمام الحسين (عليه السلام) والتعرض للشيعة وقتلهم والتنكيل بهم.

وكانت لابن عربي أقوال طائفية صريحة في الحقد والكراهية، فذكر أن الشيعة يُرون في الكشف بصور الخنازير، واعتبر الأشياء - في نظرياته الفلسفية الصوفية - مهما كانت صورها فهي مجالي للحق سبحانه تعالى عما يصفون فيقول: «إن المعبود ليس محصوراً في صورة، بل هو ما في الصور كلها من الحق، لأن العبادة لا يستحقها إلا الله الذي هو عين الكل وله هوية جميع الصور... إن الحق المعبود المطلق الذي أمر ألَّا يعبد إلا إياه لما ظهر بنور الوجود في كل نوع من الأنواع بل في كل شخص، لزم أن يعبد في تلك الصورة إما عبادة عبد لإله، وإما عبادة تسخير، كما عبدة الأصنام الحجر والشجر والشمس والقمر، لكون الإلهية ذاتية للوجود الحق، وعبادة التسخير ليس لها اسم العبادة عرفاً لأنها مخصوصة بمن تأله لكن العبودية متحققة في القسمين، فإنك عبد لمن ظهر عليك سلطانه»[36].

ومع كل هذه الحقيقة في النص الديني المناهض للفلسفة والعرفان والتصوف، إلى جانب طبيعة الفكر المنحرف والرؤى التاريخية الخاطئة التي يحملها ابن عربي ورموزه، إلا أن ابن عربي أحتل مكانه في الحوزات والتعليم الديني الشيعي لم يكن يستحقها فيما لو حققنا في موقفه من التشيع وما يحمل من فكر مناقض ومناهض لمروياته وحتى ذوق الشيعة العام، وأصبحت بعض مؤلفاته تتداول وتدرس في بعض مدارس حوزات الشيعة، وهناك من رجال العلم الكبار من عُرف بتمكينه لابن عربي في علومه العقلية ووجدانه ومحافله ومدارسه ومؤلفاته، وتطرف البعض الآخر ليؤكد من خلال تحقيقاته أن ابن عربي ليس متصوفاً على اتجاه الخلافة إنما يُعد أحد علماء الدين الشيعة الكبار، وكان دليله في ذلك أن ابن عربي أشار في بعض مؤلفاته إلى لقائه في الشمال الإفريقي بالإمام المهدي?بن الحسن (عليه السلام) وربما لم يشأ إظهار تشيعه تقية. وهذه واحدة من خرافات التحقيق التاريخي التي سجلتها أقلام بعض العرفاء البسطاء. فهل يغزو ابن عربي بشطحاته ورموز نظرياته المنحرفة الحوزات العريقة في العراق تحت مظلة من تشريع مؤيديه ومريديه من علماء التشيع، وهي الحوزات التي تميزت وعرفت باستقلالها العلمي وبعمق صلتها بالنص الديني ورفضها المطلق لكل دخيل على منهج التعليم الديني الأصيل؟!.

--------------------------------------------------------------------------------

[1] مقدمة ابن خلدون. ص435.

[2] المصدر السابق نفسه. ص435.

[3] مجلة لجامعة الإسلامية. ع1. 1994 ص47-48.

[4] د.عبد الهادي الفضلي. أصول البحث. ص96.

[5] المصدر السابق نفسه. ص71.

[6] مقدمة ابن خلدون. ص435.

[7] د. محمد عمارة.جمال الدين الأفغاني موقظ الشرق وفيلسوف الإسلام. ص 24.

[8] أصول البحث. ص 53-54.

[9] جمال الدين الأفغاني موقظ الشرق وفيلسوف الإسلام. ص25.

[10] المصدر السابق نفسه. ص268.

[11] مقابلة: د. السيد محمد علي الشهرستاني، أمين عام الجامعة العالمية للعلوم الإسلامية.

[12] مجلة الجامعة الإسلامية. ع1 كانون الثاني 1994م. ص226-227.

[13] مع علماء النجف الأشرف. ص197.

[14] مجلة الجامعة الإسلامية. ع1 كانون الثاني 1994. ص226-227.

[15] مجلة (البصائر) الفصلية. العدد (32).

[16] انظر مجلة لغة العرب (بغداد) س2: ج10. شباط 1913.

[17] محمد مهدي الآصفي. «مدرسة النجف وتطور الحركة الإصلاحية فيها». ص113.

[18] الشيخ محمد مهدي شمس الدين. مواقف وتأملات في قضايا الفكر والسياسة. ص216.

[19] العرفان الإسلامي. ص 83.

[20] المصدر السابق. ص 100.

[21] الفقه العقائد. السيد محمد الشيرازي. ص228-232

[22] الشيرازيون الثلاثة ومقالات أخرى. د عبد الكريم اليافي.

[23] الحكمة المتعالية، ج2. م (ل).

[24] التصوف الإسلامي. ص186

[25] الفتوحات المكية. ج1. ص715.

[26] العرفان الإسلامي. ص210.

[27] التصوف الإسلامي. تور آندريه. ص 158.

[28] محمد باقر المجلسي. بحار الأنوار. ج: 3. باب: 9. ح: 1. ص: 257.

[29] سفينة البحار. ج2 ص 58.

[30] المصدر السابق. ج2، ص57.

[31] الاثنا عشرية في الرد على الصوفية. الحر العاملي. ص17.

[32] سفينة البحار الشيخ عباس القمي. ج5. ص198.

[33] حديقة الشيعة للأردبيلي ص 602 - 603. عن المرتضى الرازي في كتاب الفصول. وابن حمزة في كتاب الهادي إلى النجاة، كلاهما عن الشيخ المفيد. وعنه في روضات الجنّات: 3/134.

[34] العرفان الإسلامي. نقلا عن إحقاق الحق م1. ص183-185

[35] التصوف الإسلامي. ص242.

[36] شرح فصوص الحكم للقاشاني. في الفص الهاروني. ص399-401.


ارسل لصديق