حقوق الإنسان
بين الإدعاء والحقيقة
كتبه: آية الله السيد هادي المدرسي
العدد (41) السنة 18 - 1428هـ/ 2007م
التعليقات: 0
القراءات: 3523

في ميثاق الأمم المتحدة، والإعلان العالمي لحقوق الإنسان الكثير من المبادئ الجيدة.. كما أن المطالبة باحترام حقوق الإنسان، هو الآخر من إيجابيات العمل السياسي المعاصر.

ولكن لابد من ألَّا يكون هناك تمييز في تطبيق تلك المبادئ، على مستوى الكرة الأرضية.

فمن المفروض أن تكون حقوق الإنسان هي واحدة في كل مكان، ولابد أن يؤخذ الإنسان بإنسانيته، مع قطع النظر عن انتمائه العرقي أو الديني، وأن يتم الدفاع عن حقوقه بلا شروط، لا أن تكون تلك الحقوق محترمة بشرط الانتماء إلى الحضارة الغربية مثلاً، أو بشرط أن يكون الإنسان المضطهد يهوديًّا أو نصرانيًّا أو من المؤيدين للرأسمالية لتتم المطالبة باحترام حقوقه، ويُغض الطرف عن امتهان حقوق غيرهم لأنهم من ديانة أخرى، أو لأنه يعارض نظاماً غربيًّا هنا، أو نظاماً غربيًّا هناك، بحيث يتم التعامل مع حقوق الإنسان انتقائيًّا فلا يعتبر مثلاً الدم المسلم دماً، بل ماءً وإذا أريق هذا الدم يصفق له الغرب في حين يعتبر إهانة مقابر اليهود في أي مكان قضية دولية لابد من التنديد بها في كل مكان.

إن من أعجب المفارقات في العالم الغربي هو أنه ليس كل إنسان لـه حقوق متساوية لدى أصحاب القرار هناك. بل الإنسان الذي ينتمي إلى أعراق معينة، وديانات معينة. فالإنسان الأفريقي المسلم المعارض لنظام غربي في بلاده ليست له حتماً أية حقوق محترمة في نظر الغربيين ولا أحد يدافع عنه إذا تعرضت تلك الحقوق للمصادرة.. وقد رأينا كيف أن الغرب اهتم كثيراً بأحد المعارضين السياسيين في الصين وتدخلت من أجل إطلاق سراحه المؤسسات السياسية والإعلامية والحقوقية في كل مكان وتحدث الرئيس الأمريكي شخصيًّا مع الرئيس الصيني بشأن إطلاق سراحه، وقد تم له ذلك وهاجر الرجل إلى الولايات المتحدة، في حين نجد في كثير من البلاد العربية التابعة للغرب معارضين في السجون ولا أحد يتحدث عنهم، وقد مضى على اعتقالهم أكثر من عشرين عاماً، و لا أحد يسأل عنهم.

وكذلك وجدنا كيف أن انتماء أي نظام في العالم إلى الغرب يعطيه مناعة ضد رفع شعار حقوق الإنسان في بلاده، فحينما كان صدام حسين يخوض حرباً ضد إيران، وكانت السياسات الغربية تتناغم معه، لم نسمع شيئاً على الإطلاق عن حقوق الإنسان العراقي المعارض لنظام صدام، بل بالعكس كانت الدول الأوروبية لا تعطي حق اللجوء السياسي لأي عراقي معارض لطاغوت بغداد، بل وحدث لبعض تلك الدول أن سلَّمت بعض المعارضين إلى النظام العراقي كما تم ذلك لاثنين من المعارضين العراقيين اللذين سُلِّما، من قبل السلطات الفرنسية، إلى النظام العراقي.

ولكن حينما غيّر صدام حسين سياسته، ووقف في وجه الغرب، بدأنا نسمع عن حقوق الإنسان المهدورة في العراق.

إن هنالك أنظمة كثيرة لا يملك الإنسان أي حق في ظلها، ولكن لأن لها علاقات جيدة مع الغرب فلا أحد يتحدث عن هدر حقوق الإنسان هناك، ويكفي أن يختلف ملك هنا، وأمير هناك، ورئيس دولة في مكان ثالث، مع السياسة الغربية في قضية ما، حتى ترتفع الأصوات في الغرب لتتحدث عن حقوق الإنسان المهدورة في تلك البلاد.

وأيضاً لا نجد من يدافع عن حقوق الأقليات في الغرب، فالأقليات المسلمة لا حقوق لها لدى واضعي السياسة الغربيين، لأنهم مسلمون لا غير. حتى أن البرلمان النرويجي أصدر قانوناً يلزم أبناء المهاجرين المسلمين بتلقي التعاليم المسيحية في المدارس إجباريًّا، وإلا فإن السلطات هناك ستصادر الأطفال من ذويهم، ولم نسمع من احتج على هذا التمييز الديني والعنصري.

إن الامتهان لكرامة المسلمين في الغرب لا يجد من يدافع عنه، ولا أحد يقول لهم: إن من أبسط حقوق الإنسان حقه في أن يؤمن بما يريد.

والغريب أننا نسمع الكثير من اللغط حول حقوق البهائيين في البلاد الإسلامية، مع أن البهائيين لا يفرض عليهم ولا على غيرهم مبادئ معينة، فالبهائي يبقى بهائيًّا ولا يتعرض لشيء، بالرغم من أن التحول من الإسلام إلى البهائية نوع من الارتداد.

واليهود في البلاد الإسلامية محترمون كيهود، ولا أحد يفرض على أولادهم أن يتحولوا إلى مسلمين وكذلك الأمر مع المسيحيين، لكن يتم تجاهل حقوق الإنسان في الغرب إذا كان يرتبط بالمسلمين، في الوقت الذي نجد الاهتمام الشديد بحقوق الحيوانات ولها جمعيات كثيرة تدافع عن الأنواع النادرة من الدببة، والذئاب، وأنواع معينة من الحلزون من التي تعيش في الغرب، ومعنى ذلك فإن حقوق الحيوان أيضاً تخضع للعرق والانتماء، فالكلاب لها حقوقها إذا كانت فرنسية أو بريطانية أو أمريكية، أما أبقار بلادنا وأغنامها فلا أحد، بالطبع، يدافع عن حقوقها.

ويتم إعداد أنواع من الأطعمة الفاخرة للحيوانات التي تعيش في الغرب كما أعلن في هولندا على صفحات جريدة (trve) المعروفة بجديتها، أن بعض الهولنديين قاموا بإعداد غداء للكلاب سهل الهضم، ويسمح بتخفيف البراز الذي تتركه في الشارع، وأكد المخترعون لهذا النوع من الطعام أن هذا الغذاء الطازج محضّر من لحم البقر والدجاج، مع حبوب وخضار وفيتامينات مضافة وهي سهلة الهضم بنسبة تتجاوز 87% أي أفضل بمرتين من الأغذية المعلبة والمجففة التي تصدّر للبشر إلى بلاد العالم الثالث، وأوصوا بتناول هذا النوع من الغذاء من قبل الكلاب لأن هذا الطعام لا يخرّج إلا مرة واحدة في اليوم، وبرازها أسهل للتنظيف وأخف رائحة من البراز التقليدي بكثير، وبدأ هذا الغذاء يعرف على نطاق واسع، والطلب يزداد عليه ولتلبية الطلبات أنشأ المخترعون له مصنعاً ينتج مائتين وخمسين طنًّا منه سنويًّا، وقد أعلنت المؤسسة التي يشرف عليها المخترعون، أنهم بعد الكلاب سيهتمون بالقطط التي تتعرض بدورها لمشاكل في الأمعاء، وأنهم سيخترعون طعاماً مماثلاً لها.

وللكلاب في البلاد الغربية أيضاً مخابز خاصة بها، وقد افتتح في بريطانيا ثلاثة مخابز لإنتاج أنواع متعددة من طعام الكلاب، مثل فطائر بالقشدة وبسكويت بالعسل وكعك عيد الميلاد، والإقبال على المخابز شديد حيث يزيد الطلب على المعروضات، ويأمل أصحاب المخابز أن تحوز على رضا الزبائن من ذوات الأربع، كما حدث في سبع مخابز كلابية في الولايات المتحدة.

وليست الرعاية التي تتلقاها الكلاب خاصة بما يرتبط بطعامها فحسب، بل إنها تشمل أيضا ما يرتبط بالجوانب الصحية، وقضايا أخرى.

فمثلا احتاجت كلبة في ألمانيا إلى عملية قيصرية لتوليدها سبع توائم.. فأجريت لها العملية، وتم ذلك على حساب الدولة..

وللكلاب امتيازات خاصة حتى في المحاكم، فقد نقضت محكمة استئناف بريطانية حكماً بإعدام الكلب (هانكي). الذي كان السبب في جرح أحد سعاة البريد بجرح يبلغ عمقه خمسة سنتيمترات في أسفل رجله، مما دفع المحكمة إلى أن تقرر إعدامه. ونجح محامو (هانكي) في دفع المحكمة إلى تبني تقرير الطبيب البيطري (روجر ماغفورد) المتخصص في تصرفات الحيوانات الذي استعانت به الملكة البريطانية (اليزابيت الثانية) مستشاراً لتربية كلابها، وقد فحص (ماغفورد) الكلب ولاحظ بأنه كلب متسامح وليس على درجة غير طبيعية من الخطورة، لكن على ما يبدو أنه لا يحب سعاة البريد، وهذه المرة الأولى التي يحكم فيها على كلب بالإعدام بعد تعديل القانون البريطاني الخاص بالكلاب الخطيرة.

هذا، وتهتم شركات صناعة الدواء بصحة الكلاب وسلامتها، ليس فقط في الجانب الجسمي، بل والنفسي أيضاً فقد طرحت شركة (نوفارتيس) السويسرية عقاراً جديداً لعلاج القلق لدى الكلاب، وقالت الشركة في بيان لها: إن قلق ابتعاد الكلاب عن أصحابها ربما يؤدي إلى نباح متواصل وسلوك مدمر، والعقار الجديد الذي يسمى (كلومكالم) سيحسن سلوكها، وسيتم تسويق الدواء في أوروبا أولاً وبعد موافقة الاتحاد الأوروبي عليه كما ستجري محاولات لتسويقه في أمريكا أيضاً.

وللتدليل على ما تحظى به الكلاب والقطط من الاهتمام على أرفع المستويات، يكفي أن نعرف أن زوجة الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون كتبت كتابها الأول -بعد دخولها البيت الأبيض- تحت عنوان «عزيزي سوكس، عزيزتي باري» وهو عبارة عن (أسرار) حياة كلبة البيت الأبيض، ويضم الكتاب مجموعة من رسائل الأطفال الذين يستفسرون عن أخبار كل من الكلب «سوكس» والقطة «باري» وأجوبة «السيدة الأولى» في الولايات المتحدة على ذلك.

ترى من يهتم بحقوق اللاجئين القابعين في المخيمات في البلاد الغربية؟ وكيف تعيش العوائل التركية الفقيرة في ألمانيا؟ ومن يهتم بحقوق الإنسان في بلادنا؟ ومن يهتم بفقراء أفريقيا؟

لا أحد في الغرب يفرض على الكلب أن يغيّر طبيعته، بل يتعاملون معه كما هو ولكنهم يفرضون على المسلمين أن يُغيّروا دينهم، وعاداتهم، وتقاليدهم.

ولا أحد يفرض على الكلب أن يسكت عن النباح، ولكنهم فرضوا على المسلمين أن تبقى مآذنهم صامتة في البلاد الغربية، فلا يجوز أن يذكر اسم الله فيها.

أي تمييز هذا في حقوق الإنسان؟

إن كثيراً من المسلمين في الغرب تناسوا المطالبة بحقوقهم الإنسانية، وإنما يطالبون اليوم فقط ببعض حقوق الحيوان لأنفسهم!. وكل ما يريدون من الآخرين أحياناً أن يتركوهم وشأنهم، لأن تدخلاتهم اليومية في شؤونهم يسلبهم حقوقهم كبشر.


ارسل لصديق