الحرية أو الطوفان..
قراءة في جدلية الدين والدولة
كتبه: السيد مكي المأمون
العدد (41) السنة 18 - 1428هـ/ 2007م
التعليقات: 0
القراءات: 3582

الكتاب: الحرية أو الطوفان دراسة موضوعية للخطاب السياسي الشرعي ومراحله التاريخية.

المؤلف: د. حاكم المطيري.

الناشر: المؤسسة العربية للدراسات والنشر.

يحتوي الكتاب على مقدمة وثلاث فصول، قسمها الكاتب على حسب التحول في الخطاب السياسي الشرعي (من وجهة نظره)، فشملت المرحلة الأولى الفترة من وفاة الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى وفاة آخر خليفة صحابي -على حسب تعبيره- وهو عبد الله?بن الزبير بن العوام، وهي من عام 10هـ - 73هـ، وقد سمى الكاتب هذه المرحلة بـ(بمرحلة الخطاب الشرعي المنزل).

والمرحلة الثانية هي المرحلة الممتدة من وفاة عبد الله بن الزبير عام 73هـ إلى نهاية الخلافة العثمانية 1350هـ وسماها بـ(مرحلة الخطاب الشرعي المؤول).

أما المرحلة الثالثة فهي المرحلة الممتدة من سقوط دولة الخلافة العثمانية إلى عصرنا الحاضر أي: (1350هـ/....) وسمى هذه المرحلة بـ(بمرحلة الخطاب الشرعي المبدل).

أما في مقدمة الكتاب فيوضح الكاتب الأسباب التي دعته إلى تأليفه وهي محاولة الإجابة عن الأسئلة التالية:

1- ما طبيعة الدولة الإسلامية؟ وهل للإسلام نظام سياسي واضح المعالم؟ وهل في الإمكان بعث هذا النظام من جديد؟ وهل نحن في حاجة إليه؟.

2- ما العلاقة بين المجتمع والدولة؟ وما مدى تدخلها في شؤون المجتمع؟.

3- ما الحقوق السياسية التي جاءت بها الشريعة الإسلامية؟.

4- كيف تراجع الخطاب السياسي الإسلامي؟ وما أسباب تراجعه؟ وما علاقة الفقه السياسي بالواقع؟ وما أثر هذا الفقه على ثقافة المجتمع؟.

5- كيف بدأ الإسلام ديناً يدعو إلى تحرير الإنسان من العبودية والخضوع لغير الله عز وجل إلى دين يوجب على أتباعه الخضوع للرؤساء والعلماء مهما انحرفوا وبدلوا بدعوى طاعة أولي الأمر؟.

6- لِمَ لم يعد أكثر علماء الإسلام ودعاته اليوم يهتمون بحقوق الإنسان وحريته والعدالة الاجتماعية والمساواة... إلخ، وهي المبادئ التي طالما دعا إليها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو في مكة، وأكدها في المدينة، هي التي أدت إلى سرعة انتشار الإسلام في العالم كله، إذ رأت الأمم أنه دين العدل والمساواة والحرية والرحمة؟.

7- كيف تم اختزال مفهوم الشريعة لتصبح السياسة الشرعية، وحقوق الإنسان والحريات، والعدالة الاجتماعية، والمساواة، كل ذلك لا علاقة له بالشريعة التي يراد تطبيقها والدين الذي يدعى الناس إليه اليوم؟.

هذا بعض ما ذكره الكاتب في مقدمته من الأسئلة يرى أنه اجتهد في الإجابة عنها، ويضيف في مقدمته: «وقد أخذت على نفسي والتزمت ألَّا أورد من الأحاديث إلا الصحيح، ولا من الأخبار والروايات التاريخية إلا المقبول، وقد اجتهدت في دراسة أسانيد الروايات التاريخية -مع ما في ذلك من عسر ومشقة- لأتجنب الروايات الموضوعة، فلم أورد من الأخبار التاريخية إلا ما كان صحيحاً أو مشهوراً بين المؤرخين، إذ للتاريخ والمؤرخين منهج يختلف عن منهج أهل الحديث في كثير من التفاصيل. وقد اجتهدت في تتبع مراحل الخطاب السياسي طوال التاريخ الإسلامي لمعرفة ما طرأ عليه من تغيير وتحول، وأسباب ذلك ونتائجه. ولم أُحمِّل النصوص ما لا تحتمل، كما لم أعبأ بما عليه الناس اليوم»[1].

وقد أشار الكاتب في مقدمة كتابه إلى أنه يعلم أن ما توصل إليه سيثير سخط كثير من الناس، ويشي تعليله بأن في كتابه ما يخالف المفاهيم الإسلامية التي نشأ عليها الناس حيث قال: «إذ ليس من السهل هز عقائد الناس ونسف مفاهيمهم التي نشؤوا عليها حتى غدت هي الدين ذاته في نظرهم، بينما هي في واقع الأمر ثقافة مجتمعات توارثتها على مر الأجيال وصاغت الدين وأحكامه وفق حاجاتها ومصالحها وقيمها، فآلت أمورها إلى ما آلت إليه، لا بسبب الدين ولكن بسبب انحرافها في الدين عن مبادئه وغاياته ومقاصده بالتأويل الفاسد والتحريف الكاسد، حتى لم يعد دين الناس اليوم هو الدين الذي كان عليه الصحابة، مع كون القرآن ما زال غضًّا طريًّا كما نزل».

أما الفصل الأول والذي تحدث فيه الكاتب عن المرحلة الأولى من مراحل الخطاب السياسي الشرعي، فقد ذكر فيه عشرة مبادئ اعتبرها أهم ملامح ومبادئ هذه المرحلة، وهي ترتبط ببعضها البعض، ويتوقف كل منها على الآخر وهي كالتالي:

المبدأ الأول: ضرورة الدولة للدين وأنه لا دين بلا دولة.

المبدأ الثاني: ضرورة إقامة السلطة وإنه لا دولة بلا إمام.

المبدأ الثالث: ضرورة عقد البيعة، فلا إمامة بلا عقد.

المبدأ الرابع: أنه لا عقد بيعة إلا برضا الأمة واختيارها.

المبدأ الخامس: لا رضا بلا شورى بين المسلمين في أمر الإمامة.

المبدأ السادس: أنه لا شورى بلا حرية.

المبدأ السابع: أن الحاكمية والطاعة المطلقة لله ورسوله.

المبدأ الثامن: تحقيق مبدأي العدل والمساواة.

المبدأ التاسع: حماية الحقوق والحريات الإنسانية الفردية والجماعية وصيانتها.

المبدأ العاشر: وجوب الجهاد في سبيل الله.

ويعتبر الفصل الأول من الكتاب فصل تأسيسي يحاول الكاتب من خلاله تأصيل المبادئ الأساسية للخطاب السياسي الشرعي التي يجب على المسلمين العودة إليها، والانعتاق من المفاهيم المغلوطة للدين، وهذه المبادئ في نظر الكاتب هي المضامين الحقيقية للدين الإسلامي، على عكس الدين الذي يدعو له الدعاة اليوم فهو «دين لا قيمة فيه للإنسان وحريته وكرامته وحقوقه... دين لا يدعو للعدالة الاجتماعية والمساواة والحرية، بل يرفض تغيير الواقع ويدعو لترسيمه بدعوى طاعة ولي الأمر»[2].

وقيمة الكتاب ترجع إلى المنظومة الثقافية التي ينتمي إليها الكاتب، وهي البيئة السلفية السلطانية، لذلك نجد أن ما يعتبره ثورة وسيثير سخط الكثيرين قد تجاوزته الحركة الإسلامية السنية سواء كان على مستوى التنظير أو على المستوى العملي بالمشاركة السياسية الواسعة ومعارضة السلطة الحاكمة، وظل قطاع ضيق من السنة المتمثلة في سلفية الخليج العربي الذين يعتبرون الأمراء والحكام مصداق لولاة الأمر الذين يجب طاعتهم ويحرم مخالفتهم والخروج عليهم، وبالنسبة لهذا القطاع يعتبر الكتاب ثورة على المستويين الفكري والسياسي.

وفي الكتاب محاولة جيدة لاستخراج القيم السامية للدين الإسلامي، ولكن ما عاب هذه المحاولة ووجود عبء عقائدي كبير لم يستطع الكاتب أن يتحرر من ثقله، وظهر بوضوح في تقسيمه لمراحل الخطاب السياسي الشرعي، فبجعله المرحلة الأولى تنتهي بوفاة آخر صحابي خليفة هو عبد الله بن الزبير شملت هذه المرحلة حكم يزيد بن معاوية وهو أول من بويع له في حياة أبيه، ونجد محاولة من الكاتب في هذا الإطار لتأويل ما فعله معاوية بن أبي سفيان بنقله حديث معاوية لقادة المعارضة لبيعة يزيد حيث قال لهم: «إنما أردت أن تقدموه باسم الخلافة وتكونوا أنتم الذين تنزعون وتؤمرون، وتجبون وتقسمون، ولا يدخل عليكم في شيء من ذلكم» وعلق على هذا الحديث بقوله: «فقد أرادها معاوية ملكية شورية -ملكية دستورية-، الخلافة ليزيد والحل والعقد لهؤلاء الذين هم رؤوس الناس وسادتهم، لا ينقض يزيد لهم أمراً، ولا يستبد بالأمر دونهم»[3].

ومع ذلك يمكن حمل تقسيمه على وجه آخر هو وجود هذه المبادئ على مستوى الجماهير المسلمة، وعند علمائها، وتصديهم للمعارضة.

ملاحظات على منهج الكاتب في الاستدلال:

قد تنوع ما استشهد به الكاتب بين آيات قرآنية وأحاديث نبوية ولكن أكثر ما عول عليه في استشهاده سيرة الصحابة، وهذا مبني على عقيدته في عدالة الصحابة وحيث يرى كما في مقدمته أن الصحابة «كان القرآن والرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) هما اللذين يحددان لهم الطريق فانخلعوا من ثقافة مجتمعهم وقيمه ومصالحه، وقطعوا كل علاقة تربطهم بهذه الثقافة»[4]. وهذه دعوى لا دليل عليها، بل الدليل قائم على نقيضها، فالقرآن والسنة يدلان على أن الصحابة هم أول المبدلين والمنقلبين وأنهم لم ينخلعوا من ثقافتهم قال تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللّهُ الشَّاكِرِينَ[5]، وقد قال الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) كما في صحيح البخاري: «أنا فرطكم على الحوض ليرفعن إليَّ رجال منكم حتى إذا أهويت لأناولهم اختلجوا دوني فأقول أي رب أصحابي فيقال لا تدري ما أحدثوا بعدك»[6]. وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): «وإن أناساً من أصحابي يؤخذ بهم ذات الشمال فأقول: أصحابي أصحابي؛ فيقال: إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم»[7]. وفي صحيح مسلم: «أنا فرطكم على الحوض ولأنازعن أقواماً ثم لأغلبن عليهم فأقول: يا رب أصحابي، أصحابي؛ فيقال: إنك لا تدرى ما أحدثوا بعدك»[8].

هذا مع العلم أن الكاتب عندما يتحدث عن الصحابة يقصد ما اصطلح عليه جمهور أهل السنة من معنى كلمة صحابي حيث عرفه ابن حجر بقوله: «الصحابي من لقي النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مؤمناً به ومات على الإسلام»[9]، وأضاف في شرح التعريف «ويدخل فيمن لقيه من طالت مجالسته له أو قصرت، ومن روى عنه أو لم يرو، ومن غزا معه أو لم يغزُ، ومن رآه رؤية ولو لم يجالسه، ومن لم يره لعارض كالعمى»[10]. وهذا التعريف يتسع ليشمل من ارتد وعاد إلى الإسلام قبل أن يموت سواء اجتمع به (صلى الله عليه وآله وسلم) مرة أخرى أم لا. ويقول ابن حجر: «وهذا هو الصحيح المعتمد، والشق الأول لا خلاف في دخوله (أي من رآه بعد رجوعه من الارتداد)، وأبدى بعضهم في الشق الثاني احتمالاً وهو مردود لإطباق أهل الحديث على عد الأشعث بن قيس في الصحابة وعلى تخريج أحاديثه في الصحاح والمسانيد، وهو من ارتد ثم عاد إلى الإسلام في خلافة أبي بكر. وهذا التعريف مبني على الأصح المختار عند المحققين كالبخاري وشيخه أحمد بن حنبل ومن تبعهما»[11].

أضف إلى ذلك أن استخدام الكاتب لمصطلح الصحابة في كثير من الأحيان يوحي بأن هنالك كتلة من الناس مشخصة تسمى الصحابة ذات صبغة واحدة في التعاطي مع الأحداث الدائرة، مع أن الأمر خلاف ذلك؛ والكاتب نفسه يشير لهذا الأمر عند حديثه عن الشورى والحرية في عهد عثمان بن عفان؛ حيث يقول: «لقد كانت المعارضة في هذا الطور معارضة سياسية سلمية، ترفع شعار الإصلاح السياسي ولهذا تعامل الصحابة معها على هذا الأساس، وقد كان قادة هذه المعارضة وزعماؤها من الصحابة وكبار التابعين ومشاهيرهم»[12]، فلا معنى لاستخدامه لكلمة (الصحابة) بالألف واللام في الموضع الأول إذا كان الصحابة على حسب قوله منقسمين إلى قسمين.

كما أن الكاتب لوى عنق كثير من الحقائق التاريخية في سبيل تثبيت ما ذهب إليه، ففي موضع حديثه عن الشورى في عهد عثمان والمعارضين له، حيث قال: «وطالبوا بخلع الخليفة -أي المعارضين- وأصروا على ذلك فاستشار عثمان عبد الله بن عمر فأشار عليه بعدم الموافقة على هذا الطلب، وقد علل عثمان رفض هذا الطلب -كما في أكثر الروايات- بأنه يخشى أن يؤدي هذا إلى حدوث فتنة وقتال بين الأمة، وفي بعضها بأن النبي أوصاه بالصبر وعدم خلع نفسه من الخلافة»[13] أ.هـ.

فأين أخبر الرسول عثمان بخلافته حتى يوصيه بعدم خلع نفسه منها، وإن كان هنالك مثل هذه الوصية فأين ما أراد أن يثبته الكاتب من مشروعية طلب خلع الحاكم، ثم كيف يرفض الخليفة طلبهم بخلع نفسه وفي الطالبين -كما قال الكاتب- كثير من الصحابة برأي عبد الله بن عمر، ألا يوهن هذا ادعاء الكاتب بحق الأمة في الشورى والرضا بالحاكم، وبأنه وكيل عن المحكومين إن شاؤوا عزلوه، ولكنها عقيدته التي أدخلته في كثير من التناقضات...

عرض موجز لاستدلال الكاتب في الفصل الأول:

وهنا عرض موجز لاستدلاله على هذه المبادئ التي ميزت الخطاب الشرعي المنزل والتعليق عليها.

1 و 2- ضرورة الدولة للدين وأنه لا دين بلا دولة، وضرورة إقامة السلطة وأنه لا دولة بلا إمام:

واستدل على وضوح المبدأ الأول بآيات القرآن الكريم وبسيرة الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) منذ بعثته، وحين دعا القبائل العربية للدين الجديد وإلى نصرته، وضرب مثالاً لذلك بما دار بينه صلوات الله وسلامه عليه وبني شيبان حيث اعتذر له سيدهم المثنى بن حارثة بعهدهم مع كسرى بألَّا يأووا محدثاً، وأن الأمر الذي يدعو إليه مما تأباه الملوك، وقد قبل النبي اعتذارهم بقوله: «ما أسأتم بالرد إذ أفصحتم بالصدق، وإن دين الله لا ينصره إلا من أحاطه بجميع جوانبه»[14].

كما استدل ببيعة الأنصار الثانية حيث بايعوا الرسول على السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره وهي بيعة الحرب، وفي لفظ البيعة الذي أورده عن جابر بن عبدالله خطاب سياسي واضح؛ يهدف إلى إقامة دولة.

ويؤكد أهمية الدولة للدين في الخطاب السياسي الشرعي في المرحلة الأولى عند الكاتب مبادرة الصحابة بعد وفاة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى حسم موضوع الخلافة في سقيفة بني ساعدة قبل دفن جسده الشريف «وما ذلك إلا لإيمانهم بهذا الأصل وإدراكهم لهذا المبدأ الرئيسي، إذ لا تفسير لهذا التصرف على هذا النحو إلا هذا التعليل!! وهو ضرورة إقامة الدولة بحسم موضوع الإمامة والسلطة والمحافظة عليها من أجل إقامة الدين والمحافظة عليه»[15].

وما ذكره الكاتب لا شك في اتفاق المسلمين عليه، أو لا أقل اتفاقهم على ظهوره ليس في الخطاب الشرعي فحسب وإنما كحقيقة طبقها الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) في المدينة، أما ما استدل به من فعل الصحابة فهو مبني على عقيدة الكاتب، ولا يمكنه أن يصل للخطاب الشرعي المنزل إلا من خلال خرق هذا الجدار العقائدي حول الصحابة ويتضح ذلك بجلاء عند الحديث على استشهاده على بقية المبادئ التي تميز بها الخطاب الشرعي عنده. وما يمكن أن يواجه به الكاتب في هذا المقام هو أن أهمية إقامة الدولة تستدعي أن يبين الرسول أمر الحكم والسلطة من بعده، ولم يجد الكاتب عند حديثه عن المبدأ الثاني المميز للخطاب الشرعي المنزل وهو (ضرورة إقامة السلطة وأنه لا دولة بلا إمام) دليلاً شرعيًّا على ضرورة الإمامة غير أقوال العلماء المتأخرين، والذين يدخلون حسب تصنيف الكاتب ضمن مرحلة الخطاب الشرعي المؤول حيث هم من رفعوا راية التأويل، وأقوالهم خالية من دليل شرعي غير إجماع الصحابة، وليسنا بعيدين عمَّا ذكره في مقدمة كتابه حين قال: إنه سيثير سخط الناس لأنه «ليس من السهل هز عقائد الناس ونسف مفاهيمهم التي نشءوا عليها حتى غدت هي الدين ذاته في نظرهم، بينما هي في واقع الأمر ثقافة مجتمعات توارثتها على مر الأجيال وصاغت الدين وأحكامه وفق حاجاتها ومصالحها وقيمها...»[16]؛ فكيف لنا أن نميز بين ما نشأ عليه هؤلاء العلماء وبين الدين الحقيقي، وكيف يمكننا أن نصل للدين الحقيقي عبر قراءة علماء ينسبهم الكاتب إلى مرحلة التأويل، خصوصاً أنا لا نجد في أقوالهم التي نقلها الكاتب استدلالاً يقوم على دليل شرعي سوى إجماع الصحابة، الذي يفتقر في نفسه إلى دليل شرعي يُقوِّم حجيته، وتجد ذلك واضحاً في نقله عن القرطبي حيث قال: «لا خلاف في وجوب ذلك بين الأمة ولا بين الأئمة وأجمعت الصحابة على تقديم الصديق بعد اختلاف وقع بين المهاجرين والأنصار، فلو كان فرض الإمامة غير واجب لا في قريش ولا في غيرهم لما ساغت هذه المناظرة والمحاورة بينهم... على وجوبها، وأنها ركن من أركان الدين الذي به قوام المسلمين».

ولا شك في أن الإمامة من لوازم الدولة وهذا ما يدل عليه العقل وبناء العقلاء، ويشهد له واقع الدول عبر التاريخ، ولكن الحديث عن الدولة الإسلامية يكون عن نوعية هذه الدولة، والآلية التي تفرز بها إمامها، حيث يجب أن يكون كل ذلك مستمداً من قيم الدين الإسلامي، لأنه حديث عن خلافة نبي مرسل من قبل الله عز وجل، وهذا ما كان يمكن للكاتب أن يشير إليه في المبدأ الأول من المبادئ، فعند الحديث عن بيعة الأنصار والتي نقلها عن جابر بن عبد الله الأنصاري أغفل رواية مهمة ذكرها البخاري في صحيحه عن عبادة?بن الصامت أحد النقباء الاثني عشر على الأنصار في بيعة العقبة الكبرى، وقد جاء في حديثه عن بنود البيعة «قال: بايعنا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) على السمع والطاعة في المنشط والمكره، وألَّا ننازع الأمر أهله، وأن نقوم أو نقول بالحق حيثما كنا لا نخاف في الله لومة لائم»[17]. وهذا يحدد أن للأمر (ويشار به في الروايات للحكم والسلطة بعد الرسول) أهل جاء أخذ الميثاق على عدم منازعتهم في ظرف أخذ أول بيعة لتأسيس الدولة الدينية.

وقد استدل على المبدأ الثاني: وهو ضرورة إقامة السلطة وأنه لا دولة بلا إمام بقوله: فكما أنه لا دين بلا دولة فكذلك لا دولة بلا إمامة وسلطة تقوم بإدارة شؤون هذه الدولة. وهذا الأصل محل إجماع أيضاً. ثم نقل أقوال العلماء في ذلك ومنها ما نقلناه عن القرطبي سابقاً، ونقل عن الماوردي قوله: «الإمامة موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا، وعقدها لمن يقوم بها في الأمة واجب بالإجماع». وعلق على ذلك بقوله: والمقصود هنا بالإجماع إجماع الصحابة وهو أقوى الإجماعات وأصحها. قال الشهرستاني «... الصحابة على بكرة أبيهم متفقين على أنه لابد من إمام... فذلك الإجماع دليل قاطع على وجوب الإمامة».

وقال ابن تيمية: «فالواجب اتخاذ الإمارة ديناً وقربةً يتقرب بها إلى الله تعالى، فإن التقرب إليه فيها بطاعته وطاعة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من أفضل القربات»[18].

وعلَّق الكاتب على هذه الأقوال بقوله: وهذا يفسر سبب تنافس الصحابة في هذا الباب كما في قصة السقيفة وحادثة الشورى حيث جعلها عمر في الستة فتنافسوا فيها لما علموه عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من شرف الإمامة.

وقال في تعليقه على قول الماوردي: «وليس طلب الإمامة مكروهاً فقد تنازع فيها أهل الشورى فما رد عنها طالب ولا منع منها راغب، وهذا دليل على مدى الوعي السياسي لدى الصحابة وفهمهم لطبيعة هذا الدين، وإنهم كانوا يمارسون العمل السياسي طاعةً لله ويتخذونه قربة وعبادة!!!»[19].

ونحن هنا نُسائل الكاتب إذا كان لتولي الإمامة هذه القيمة الدينية الكبيرة فبأي حق حرم أبو بكر بقية المؤمنين من التنافس عليها بتعيينه عمر بن الخطاب، وبأي حق حصر ابن الخطاب هذا الشرف الديني العظيم في ستة من المهاجرين وحرم بقية المؤمنين منه، فالدين الإسلامي جاء لرفع الإصر والأغلال عن المسلمين، وليشرع مبدأ المساواة في التنافس على الخيرات ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ[20]، ﴿فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ[21]، فلا مجال لتحكم الانتماءات القبلية على هذا المبدأ الديني بالقول: إن العرب لا ترضى أن تنقاد لغير قريش، فكيف نحكم قول العرب على مبدأ أقره الله سبحانه وتعالى وهو «حرية التنافس والتسابق إلى الخيرات».

إلا أن يقال: إن الله سبحانه وتعالى اصطفى قريش للخلافة كما اصطفى النبي للنبوة[22]، ولكن هل يمكن أن يصطفي الله قبيلة كاملة بما فيها من منافقين وطلقاء لهذا الشرف الديني العظيم، أفليس في هذا نقض لمعنى الاصطفاء، وكيف يمكن لعاقل أن يقبل ذلك ويرفض اصطفاء الله لمن هو نفس الرسول ووزيره وهارونه، وأخوه وربيبه وابن عمه.

وكيف يقول الماوردي: «إن الإمامة موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا»، ومع ذلك يصححها ببيعة شخص واحد، فهل يخلف من اختاره شخص واحد مجهول السريرة، من اصطفاه الله سبحانه وتعالى على العالمين؟ ما لكم كيف تحكمون؟

ومع أن قوم الماوردي جعلوا الخليفة أعظم من الرسول، حين جعلوا الرسول جاهلاً بأمور الدنيا حين رووا كذباً عليه أنه قال: «أنتم أعلم بأمور دنياكم».

ولنا أيضاً أن نسائل الكاتب هل يدخل سفك دماء المسلمين في حرب الجمل وقبلها ضمن التنافس على هذا الشرف الديني وقد قال أمير المؤمنين (عليه السلام) في وصف أصحاب الجمل: «فقدموا على عاملي بها وخزّان بيت مال المسلمين وغيرهم من أهلها. فقتلوا طائفة صبراً، وطائفة غدراً. فوالله لو لم يصيبوا من المسلمين إلا رجلاً واحداً معتمدين لقتله بلا جرم جره، لحل لي قتل ذلك الجيش كله إذ حضروه فلم ينكروا ولم يدفعوا عنه بلسان ولا يد. دع ما أنهم قد قتلوا من المسلمين مثل العدة التي دخلوا بها عليهم»[23].

فهل يدخل مثل هذا ضمن الوعي السياسي للصحابة؟ أم هل يمكن أن يطاع الله من حيث يعصى؟

ونحن نقول: إذا كانت الإمامة بهذه الأهمية والدرجة من الخطورة -وهو الصحيح- كان الواجب على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يبينها للمسلمين بشكل واضح لا لبس فيه، وقد فعل نفسي له الفداء ولكن القوم انقلبوا على اختياره قال تعالى: ﴿أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ[24].

3 و 4- ضرورة عقد البيعة فلا إمامة بلا عقد، وأنه لا عقد بيعة إلا برضا الأمة:

وفي المبدأ الثالث يقول الكاتب بأن: «العلاقة بين الأمة والإمام تقوم على أساس عقد بين طرفين تكون الأمة فيه هي الأصيل، والإمام هو الوكيل عنها في إدارة شؤونها فالحكم والسلطة ليسا بالتفويض الإلهي وليس بالحق الموروث»[25].

«... لقد سبق الإسلام إلى ترسيخ مبدأ العقد لا على أساس فلسفي نظري، بل على أساس واقعي عملي حيث كان أول عقد في الدولة الإسلامية هو عقد بيعة العقبة الذي على أساسه قامت الدولة الإسلامية، حيث هاجر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بعده إلى المدينة؛ ليمارس صلاحياته بموجب هذا العقد والاتفاق الذي تم برضا أهل المدينة على أن يكون النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إماماً له حق السمع والطاعة في المنشط والمكره»[26].

«وقد عقد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مع أهل المدينة بيعتين مختلفتين: أما البيعة الأولى فهي على الإيمان بالله وعدم الإشراك به وطاعته، وأما البيعة الثانية فهي على إقامة الدولة الإسلامية والدفاع عنها، وهي بيعة الحرب. وعلى هذا الأساس المتمثل في عقد البيعة قامت الدولة الإسلامية في المدينة، فلم يدخلها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بانقلاب عسكري، ولا بثورة شعبية، وإنما بعقد وتراض، وقد أكد ذلك القرآن كما في قوله تعالى: ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ[27] فقد أثبت القرآن أن المسلمين في المدينة هم الذين يحكِّمون النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بتحاكمهم إليه وإيمانهم به، وإن هذا بمقتضى عقد الشهادة له بالنبوة، وأنهم يملكون القدرة على التحاكم إلى غيره والإعراض عنه، كما أعرض أهل مكة، إلا أن هذا الإعراض يخرجهم عن دائرة الإيمان إلى دائرة الشرك بالله»[28].

ويقول الكاتب في بيعة الخلفاء: «ولوضوح هذا المبدأ وأنه لا إمامة إلا بعد عقد البيعة، بادر الصحابة لعقدها عند استخلاف الخليفة الأول، فلم يصبح أبو بكر خليفة إلا بعد عقد البيعة له، ولم يكن لديه من السلطة أو القوة ما يستطيع به أن يمارس أعماله كخليفة للمسلمين إلا بموجب هذا العقد الذي برضا الصحابة جميعاً، أهل الحل والعقد منهم في سقيفة بني ساعدة، وعامة الصحابة في البيعة العامة في المسجد»[29].

«وكذلك لم يصبح عمر خليفة على المسلمين بمجرد ترشيح أبي بكر له وهو على فراش الموت، بعد أن استشار الصحابة فرضوا، بل صار عمر خليفة للمسلمين بعد عقد البيعة له بعد وفاة أبي بكر برضا من الصحابة ولهذا قال ابن تيمية: «ولو قدر أن عمر وطائفة معه بايعوه وامتنع الصحابة عن البيعة لم يصر بذلك إماماً، وإنما صار أبو بكر إماماً بمبايعة جمهور الصحابة الذين هم أهل القدرة والشوكة». وقال: «وكذلك عمر لما عهد إليه أبو بكر إنما صار إماماً لما بايعوه وأطاعوه، ولو قدر أنهم لم ينفذوا عهد أبي بكر ولم يبايعوه لم يصر إماماً»[30].

ولا شك في أن البيعة مقدمة أساسية لتصرف الإمام السلطوي في شؤون الأمة، وما ساقه عن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) يصلح دليلاً على ذلك، أما أن تكون البيعة مؤسسة لإمامة الإمام فلا دليل عليه، وكونها مؤسسة هو ما ذهب إليه الكاتب بدليل نقله لكلمات ابن تيمية «إنما صار أبو بكر إماماً بمبايعة جمهور الصحابة الذين هم أهل القدرة والشوكة»، وقوله في إمامة عمر: «وإنما صار إماماً لما بايعوه وأطاعوه، ولو قدر أنهم لم ينفذوا عهد أبي بكر ولم يبايعوه لم يصر إماماً»، والقول بأن البيعة مؤسسة ومشرعة للإمامة يدخل الكاتب في مأزق كبير، إذ إن لازمه أن تكون كذلك في إمامة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، والقول بذلك يخرج من دائرة الإيمان، لأن إمامته ملازمة لنبوته، إذ حسب تفسير الكاتب لآية التحاكم؛ أن الفاصل بين الإيمان والكفر القبول بالتحاكم للنبي، وهو مصداق من مصاديق إمامته بل هو فرع إمامته، ومعنى ذلك أن قبول إمامته هو الإيمان ورفضها الكفر، فإن كانت كذلك لم يكن تأسيسها قائم على البيعة، وبمعنى آخر أن البيعة تكون مقدمة لبسط السلطة والحكم، وليست مولدة للشرعية، فهي بمثابة الإيمان بالرسول، فالإيمان ليس هو ما يجعله رسولاً، وإنما اصطفاء الله سبحانه وتعالى له وبعثه بالرسالة، أما تطبيق رسالته لا يمكن أن يتم إلا عبر الإيمان بها.

أما المبدأ الرابع من مبادئ الخطاب السياسي الشرعي المنزل وهو لا عقد بيعة إلا برضا الأمة واختيارها فقد قال في استدلاله عليه: فإذا كانت الإمامة لا تتم إلا بعقد البيعة بين الأمة والإمام وإذا كانت البيعة عقداً من العقود فإنه لابد فيه من الرضا والاختيار من طرفي العقد؛ إذ لا يصح عقد من العقود إلا بالرضا دون إكراه أو إجبار، وإذا كان الرضا في عقود البيع والمعاملات ركناً من أركان العقد أو شرطاً من شروط صحته كما قال تعالى: ﴿إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ[31] فكيف بعقد الإمامة»[32].

وقال: لا خلاف بين الصحابة في أنه لابد لصحة البيعة من رضا الأمة واختيارها، دون إكراه أو إجبار؛ ولهذا قال أبو بكر للصحابة: «أترضون بمن أستخلف عليكم فإني والله ما ألوت من جهد الرأي ولا وليت ذا قرابة، وإني قد استخلفت عمر بن الخطاب فاسمعوا له وأطيعوا».

وقال: ذكر الماوردي الخلاف بين الفقهاء في أنه هل يشترط رضا أهل الحل والعقد عند استخلاف الإمام لغيره من بعده؟ فقال: «ذهب علماء أهل البصرة إلى أن رضا أهل الاختيار لبيعته شرط في لزومها للأمة، لأنها حق يتعلق بهم، فلم تلزمهم إلا برضا أهل الاختيار منهم»، وهذا هو الصحيح الذي لا يسوغ غيره، وهو ما كان عليه الصحابة فقد عقد الصحابة البيعة لأبي بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي دون إكراه ولا إجبار، ولا يتصور بطلان عقد البيع في ربع دينار عند انعدام رضا أحد الطرفين وصحة عقد الإمامة مع الإكراه[33].

وكون أن الرضا ركن من أركان البيعة لا تقوم البيعة دونه أمر نوافق عليه الكاتب؛ غير أن الشواهد في التاريخ الإسلامي وخصوصاً خلافة الخلفاء الراشدين تناقض ما أراد أن يصوغه الكاتب، بل إن الإكراه على البيعة بدا مع أول بيعة بعد الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم)، وما قول الطبري: إن عمر كان يقول: ما هو إلا أن رأيت أسلم فأيقنت بالنصر[34] إلا دليل على ذلك، وهذا النصر الذي أيقن به بواسطة أسلم يشرحه لنا الشيخ المفيد؛ عن الراوي نفسه الذي يروي عنه الطبري في كتابه وهو أبو مخنف حيث يقول: رواه أبو مخنف لوط بن يحيى الأزدي عن محمد إسحاق الكلبي وأبي صالح ورواه أيضاً عن رجاله زايدة بن قدامة قال: كان جماعة من الأعراب قد دخلوا المدينة ليتماروا منها فشغل الناس عنهم بموت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فشهدوا البيعة وحضروا الأمر فأنفذ إليهم عمر واستدعاهم وقال لهم: خذوا بالحظ من المعونة على بيعة خليفة رسول الله واخرجوا إلى الناس واحشروهم ليبايعوا فمن امتنع فاضربوا رأسه وجبينه، قال: والله لقد رأيت الأعراب تحزَّموا، واتَّشحوا بالأزر الصنعانية وأخذوا بأيديهم الخشب وخرجوا حتى خبطوا الناس خبطاً وجاؤوا بهم مكرهين إلى البيعة[35]

وهؤلاء الأعراب هم أسلم التي عندما رآها عمر أيقن بالنصر على المهاجرين والأنصار الرافضين لبيعة أبي بكر.

وقصة احتجاز أهل السقيفة بالأزر الصنعانية وأجبارهم الناس على البيعة يرويه أكثر من مؤرخ، وقد نقله الجوهري في كتابه السقيفة وفدك[36]، ونقله ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة[37].

وقد أجمع المؤرخين على تحصن مجموعة من الصحابة في بيت فاطمة (عليها السلام) رافضين لبيعة أبي بكر؛ فقد روى أحمد في مسنده عن عمر قوله: «وإنه كان من خبرنا حين توفى الله نبيه أن عليًّا والزبير ومن معهما تخلفوا عنا في بيت فاطمة»[38]، وقد ذكر تخلفهم البخاري في رواية عمر ولكنه لم يذكر بيت فاطمة حيث قال: قد كان من خبرنا حين توفي الله نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) أن الأنصار خالفونا واجتمعوا بأسرهم في سقيفة بني ساعدة وخالف عنا علي والزبير ومن معهما[39]، وتفاصيل هذه المعارضة وردة فعل أهل الخلافة يمكن للقارئ أن يراجعها عند الطبري في تاريخه وفي تاريخ الخلفاء الراشدين لابن قتيبة وبقية كتب التاريخ.

ولم يتعرض الكاتب لمعارضة بيعة أبي بكر مما يفصح عن مدى أمانته العلمية، ولا يمكن أن يُعتذر له بأنه يرى ضعف هذه الروايات، إذ كان من الواجب أن يتعرض لنقدها، ولكن هذا هو مذهبه في كل الكتاب في انتقاء الشواهد ليس على أساس الصحة، وإنما على أساس خدمة الفكرة التي يريد أن يؤكدها، لذلك يستطيع أيّ من شاء أن يصوغ مبادئ تخالف ما وصل إليه الكاتب بالاستشهاد بأفعال الأشخاص أنفسهم الذين استشهد الكاتب بأفعالهم، أما ما نقله عن أبي بكر وتوليته لعمر، فكيف يجتمع طلب رضاهم مع قوله: اسمعوا وأطيعوا، وقد نقل المؤرخون هذا الكتاب دون زيادة ما أفاده الكاتب: وهو على النحو التالي: «بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما عهد أبو بكر خليفة رسول الله إلى المؤمنين والمسلمين: سلام عليكم، فإني أحمد إليكم الله، أما بعد، فإني قد استعملت عليكم عمر بن الخطاب، فاسمعوا، وأطيعوا، وإني ما ألوتكم نصحاً، والسلام»[40]. أما عن رضاهم به فسنتعرض له عند حديثنا عن مبدأ الشورى.

وأما الكتب التي يعتمدها الكاتب في نقله فيكفيك مثال عليها وعلى أمانة مصنفيها: كتاب الأموال لأبي عبيد الذي اعتمد الكاتب عليه في النقل خصوصاً في استشهاده على المبدأ الثامن وهو تحقيق مبدأي العدل والمساواة، فهو عندما يأتي إلى الحديث المشهور الذي نقله المؤرخين عن أبي بكر حين وفاته حيث قال: ما آسى إلا على ثلاث خصال صنعتها ليتني لم أكن صنعتها، وثلاث لم أصنعها ليتني كنت صنعتها، وثلاث ليتني كنت سألت رسول الله عنها، فأما الثلاث التي صنعتها، فليت أني لم أكن تقلدت هذا الأمر. وقدمت عمر بين يدي، فكنت وزيراً خيراً مني أميراً، وليتني لم أفتش بيت فاطمة بنت رسول الله وأدخله الرجال، ولو كان أغلق على حرب، وليتني لم أحرق الفجاءة السلمي، فلم يرضَ أبي عبيد بهذه الثلاث واستبدلها بقوله: «أما الثلاث التي فعلتها فوددت أني لم أكن فعلت كذا وكذا -لخلة ذكرها- قال أبو عبيد: لا أريد ذكرها» فحيَّا الله أمانة هؤلاء االمصنفين.

أما ما نقله عن الماوردي عن رضا أهل الحل والعقد، فهو من المعضلات التي لم نجد لها حلًّا، فمن هم أهل الحل والعقد؟، وما هي أوصافهم؟، ومن أين اكتسبوا هذه الشرعية في الوكالة عن الأمة والتصرف بشؤونها؟، وكيف يُقرن رضاهم برضا الأمة؟، وأنت تعلم أن كل ذلك تعمية وتمويه ساقه الكاتب كأسلافه لتصحيح خلافة الخلفاء.

5 و 6- ولا رضا بلا شورى بين المسلمين في أمر الإمامة وشؤون الأمة، وأنه لا شورى بلا حرية:

واستدل على هذا المبدأ بقوله: فالأمة مصدر السلطة ابتداءً وانتهاءً كما قال تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ[41] والمراد بذلك اختيار السلطة، كما قال عمر: «الإمارة شورى بين المسلمين»، وقال تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ[42] وهذه الآية فيما سوى ذلك من شؤون الأمة بعد اختيار السلطة، فالشورى في هذه المرحلة كانت من أسس الخطاب السياسي، ولم يطرأ على مفهوم الشورى ما طرأ بعد ذلك في: هل الشورى واجبة أم لا؟ وهل هي ملزمة أم معلمة؟

وقال: والشورى في هذه المرحلة تتضمن الأمرين: اختيار الإمام ومشاركته الرأي، وقد أجمع الصحابة على هذا المبدأ، وأن الأمة هي التي تختار الإمام وهي التي تشاركه الرأي فلا يقطع أمراً دونها كما كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يفعل[43].

ثم ذكر بعض مواقف مشاورة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لأصحابه، ثم ذكر خلافة الخلفاء وأنها جاءت عن طريق الشورى. ثم عرَّج على استشارة الخلفاء في حياتهم للمسلمين في الأمور التي لا نص فيها، وذكر فيما ذكر استشارت عثمان الناس في قتل عبيد الله بن عمر -بعد أن قتل أبا لؤلؤة المجوسي والهرمزان ثأراً لمقتل أبيه- فأجمع المهاجرون على وجوب قتله وخالفهم أكثر الناس ورأوا عدم قتله، فأخذ عثمان برأي أكثر الناس ودفع الدية من ماله[44]. انتهى.

ولا شك في أن الشورى من القيم السامية التي جاء الإسلام لترسيخها في نفوس تابعيه، وقد ذكرها الله سبحانه وتعالى في عدّه لصفات المؤمنين الفائزين حيث قال: ﴿فَمَا أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِندَ اللهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ * وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ[45].

وبما أنها من صفات المؤمنين كان من الطبيعي أن تتجلى في أعظم صورها في سيرة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وفي المجتمع الإسلامي، ولكن الأمر الذي يُناقش هنا هل أن الشورى هي النظام الذي اختاره الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) لاختيار الإمام من بعده؟وهذا ما لا يستطيع الكاتب أو غيره البرهان عليه، أما الآيات الشريفة فليس فيها برهان على ذلك من وجوه:

أولها: أنه لم نجد من الرعيل الأول من يحتج بآيات الشورى على صحة خلافة الخلفاء.

ثانيا: أن آية الشورى تبيِّن لنا مجموعة أركان للشورى هي:

1- المشاور.

2- المشاورون.

3- الموضوع المطلوب فيه الشورى.

فقد قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فالآية تقوم على وجود المشاور، بل إنها توكل للمشاور أمر حسم الشورى والعزم في إمضائه، أو رفضه، فلا يمكن أن تكون هي آلية إفراز الإمام، إذ هو ركن من أركانها لا تقوم إلا به، لذلك نجد أن الكاتب هرب من هذه الآية إلى تخصيصها بما بعد اختيار السلطة خوفاً من هذا الاعتراض، وقال: إن آية ﴿أَمْرُهُمْ شُورَى مختصة باختيار السلطة، وإن الأمر المذكور فيها هو الإمارة، ولكن يرد عليه بأن الأمر لا يختص بالإمارة لذكره هنا مع أنه يسلم بأن هذه الآية تختص بما بعد اختيار السلطة.

ومن يتدبر في الآيتين يجد أن موضوعهما واحد وأنهما تشيران إلى كيفية واحدة للشورى مع اختلاف بينهما تفصيلاً وإجمالاً، بدليل أن آية ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى نزلت في وصف المؤمنين في حياة الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) «بمعنى أنها نزلت وهو حي بين ظهراني المسلمين والعقل والشرع يمنعان أن يتشاور المسلمون في أمر كلي يخص المسلمين دون وجود الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بينهم ورجوعهم إليه، فهذا قبيح وبعيد جدًّا، مما يدل على أنه لابد أن يكون معهم وأن الضمير هم في ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى شامل لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)،...وإذا ثبت أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ضمن هذه الشورى علمت أن أمر الشورى في الآية راجع إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ولا تتم إلا بعزيمته ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ»[46] وبهذا ترجع هذه الآية إلى الآية الأولى.

ثالثاً: إذا قلنا بأن هذه الآيات دالة على أن أمر الخلافة شورى بين المسلمين وأن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بنى على الأمر الإلهي شأن الخلافة من بعده، لكان من الواجب على الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يهيئ الأمر حتى يوضع نظام الشورى موضع التطبيق بعد وفاته مباشرة «وذلك بأن يقوم بعملية توعية للأمة والدعاة على نظام الشورى وحدوده وتفاصيله وإعطائه طابعاً دينيًّا مقدساً، وإعداد المجتمع الإسلامي إعداداً فكريًّا وروحيًّا لتقبل هذا النظام، وهو مجتمع نشأ من مجموعة من العشائر لم تكن قد عاشت قبل الإسلام وضعاً سياسيًّا على أساس الشورى، وإنما كانت تعيش في الغالب وضع زعامات قبلية وعشائرية تتحكم فيها القوة والثروة وعامل الوراثة إلى حد كبير»[47]، وهذا الأمر لا يدعي أحد أن الرسول قام به، كما أنه لا يمكن أن يقوم به ويختفي أثره تماماً، فليست هنالك روايات في هذا الصدد كما أن ذهنية الرعيل الأول من المسلمين كانت خالية من هذا النوع من التفصيل.

ومع كل ذلك نجد أن الشورى في الواقع العملي لم تفرز أي إمام أو خليفة من الخلفاء فمن يراجع كيفية تولى أبي بكر للخلافة يعرف ذلك، أما عمر فقد استخلفه أبو بكر بكتاب مرّ معك، فهو الذي تحكم في الأمر بتوليته لعمر، وليس هنالك من يدَّعي أن توليته لعمر كانت بعد مشاورة المسلمين جميعاً غير الكاتب، بل إن أبا بكر كان يرى أن كل من المسلمين يرغب في أن تكون له الإمارة دون عمر؛ فقد قال لعبد الرحمن بن عوف عندما دخل عليه عائداً في مرضه: كيف أصبحت يا خليفة رسول الله؟ فقال: أصبحت مولياً، وقد زدتموني على ما بي أن رأيتموني استعملت رجلاً منكم فكلكم قد أصبح وارم أنفه، وكل يطلبها لنفسه»[48].

أما عمر فبرغم ما نقله عنه الكاتب، لم يكن يرى أن الشورى هي الوسيلة لانتخاب الإمام فقد قال عند وفاته: «لو أدركني أحد رجلين لجعلت هذا الأمر إليه لوثقت به: سالم مولى أبي حذيفة وأبي عبيدة الجراح[49]، ولو كان سالم حيًّا ما جعلتها شورى»[50].

ثم أعجب ما مثّل به في استشارة الخلفاء فيما لا نص فيه استشارة عثمان في شأن عبيد الله بن عمر، فكيف يدخل مثل هذا الأمر في الاستشارة، وفيه نص واضح بالقصاص، إذ قتل مسلمين من غير بينة، وكونه قتل أبا لؤلؤة تحريف من الكاتب، وإنما قتل ابنة أبي لؤلؤة. وكأنما ذكر ذلك للتخفيف من جريمته بالتمويه على القارئ أنه قتل قاتل والده، وأعجب من استشارة عثمان في هذا الأمر عدم عمله بإجماع المهاجرين، وأخذه برأي أكثر الناس، فهل يدور الأمر مدار الكشف عن الحكم الشرعي أم هوى الناس.

أما المبدأ السادس وهو أنه لا شورى بلا حرية، فقد قال الكاتب في تثبيت هذا المبدأ: فكما للأمة الحق في اختيار الإمام ومشاركته الرأي وحق خلعه، فكذا لها الحق في نقده ومناصحته والاعتراض على سياسته، فالحرية السياسية أحدى الأسس التي قام عليها الخطاب السياسي في هذه المرحلة التي تمثل تعاليم الدين المنزل، وقد تجلت الحرية في أوضح صورها في حياة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وعهد الخلفاء الراشدين، وقد أكد القرآن مبدأ ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ، ليؤكد مبدأ الحرية بجميع صورها، فإذا كان الله عز وجل لا يكره عباده على الإيمان به وطاعته، فكيف يتصور أن يكره عباده على الخضوع والطاعة لغيره من البشر؟

ثم أورد الكاتب مجموعة من الروايات عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عن الوقوف في وجه الظالمين، وشواهد من سيرته (صلى الله عليه وآله وسلم) مع المنافقين.

أما في عهد الخلفاء الراشدين فاستدل الكاتب بالحوار الذي جرى في السقيفة، وقال: إن فيه دليل على الحرية السياسية التي كان يمارسها الصحابة. وتعرَّض الكاتب لما جرى في عهد عثمان بن عفان من المعارضة المنظمة، فقال: وإذا كانت المعارضة الفردية لسياسة الخلفاء هي الأبرز في عهد أبي بكر وعمر فقد دخل العمل السياسي والمعارضة السياسية طوراً جديداً، وأخذ بُعداً أكثر تنظيماً في عهد الخليفتين عثمان وعلي، فقد بدأت المعارضة تأخذ طابعاً جديداً، حيث ظهرت جماعات منظمة معارضة لسياسة عثمان، وقد بدأت في البصرة والكوفة ومصر ثم أصبحت أكثر انتشاراً، واستطاعت أن تستقطب إلى صفوفها الصحابة كعمار بن ياسر الذي أرسله عثمان، لمعرفة أخبار هذه المعارضة في مصر فأنضم إلى صفوفها[51].

وقال في موضع آخر بعد أن ذكر أهداف حركة المعارضة، وما قدموه من طلبات إلى عثمان بن عفان: وقد خرجت هذه الحركة السياسية عن خطها بعد ذلك وانحرفت بعد أن رجعت مرة أخرى إلى المدينة بعد اتفاقها مع الخليفة على الإصلاح، بدعوى أنهم عثروا على كتاب موجه من عثمان إلى أمير مصر بمعاقبتهم.

وفي موضع آخر قال: لقد انحرفت الحركة عن أهدافها الإصلاحية، وتجاوزت حدود ما أنزل الله وأخطأت الطريق بعد ذلك وليست العبرة بتصرفات المعارضين وليسوا قدوة، ولا أسوة، إنما القدوة والأسوة في تعامل الخليفة الراشد عثمان معهم، وعدم استباحته قتالهم، أو اضطهادهم لعلمه بأنه لا يحل له ذلك لمجرد معارضتهم[52].

وقال: لقد كان عثمان يسير على خطا أبي بكر عندما قال: «إذ أحسنت فأعينوني وإذا زغت فقوِّموني». لقد غابت كل هذه المبادئ الواضحة تحت ركام كثير من الروايات التاريخية التي تحتاج إلى تمحيص ونقد لمعرفة لم وقع ما وقع ؟ وكيف وقع؟[53].

وعن عهد علي (عليه السلام) يقول الكاتب: وإذا كانت المعارضة الجماعية للسلطة في عهد عثمان محدودة في مجموعات محصورة في مصر والكوفة والبصرة، فقد تطور الوضع في عهد الخليفة الرابع الراشد علي بن أبي طالب إذ حدثت المعارضة له داخل المدينة نفسها، وهي عاصمة الدولة الإسلامية، وقادها نفر من كبار الصحابة، وهم طلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام، وهما من العشرة المبشرين بالجنة ومن الستة الذين اختارهم عمر للشورى، وآزرتهم عائشة ومجموعة من الصحابة، لتدخل المعارضة طوراً جديداً، فقد جاؤوا إلى علي بعد أن تمت له البيعة فقالوا: «يا علي إنا قد اشترطنا إقامة الحدود، وإن هؤلاء القوم قد اشتركوا في دم عثمان[54]، فقال: كيف أصنع بقوم يملكوننا ولا نملكهم»؟.

فطلب منهم التأني حتى تهدأ الفتنة، إلا أنهم رأوا أن عجز الإمام عن القيام بما أوكل إليه نيابة عن الأمة لا يُسقط الواجب، بل يلزم الأمة القيام به، فهي المخاطبة به في الأصل؛ إذ عامة الخطاب القرآني موجه للأمة لذا قالوا: «نقضي الذي علينا ولا نؤخره»[55].

وقال: لقد اجتهدوا جميعاً (رضي الله عنهم) ودل فعل طلحة والزبير على أن السمع والطاعة والبيعة للإمام لا تكون سبباً لسقوط الواجب على الأمة إذا عجز الإمام عن القيام به.

وقال في موضع آخر: وقد ندم علي بعد ذلك على قتالهم، وكان ابنه الحسن نهاه عن ذلك!!![56]

واستدل الكاتب كذلك بسيرة علي (عليه السلام) مع الخوارج على مدى الحرية السياسية في عهد الخلافة الراشدة.

ولنا مع الكاتب هنا وقفات:

أولاً: رغم أن الكاتب يحاول في كتابه أن يصل إلى المبادئ الأساسية التي جاء بها الإسلام في مجال السياسة، لكنه لم يستطع أن يتجاوز خلفياته الثقافية، فالإرث الثقيل الذي أوجدته المدرسة السنية في مناصرة الحكام ألقى بظلاله على قراءة الكاتب لهذه المرحلة المهمة من التاريخ الإسلامي؛ وهي المرحلة التي تعكس مدى الوعي الذي غرسه الدين الإسلامي في نفوس المؤمنين به، فكيف يحكم الكاتب على أكبر ثورة شعبية تؤيد ما أراد أن يؤصله بقوله: إنها انحرفت عن أهدافها.

ثانياً: من قرأ التاريخ علم أن الأسباب التي منعت عثمان عن التصدي لهذه الثورة ليس إيمانه بمبادئ الحرية كما أراد أن يصور الكاتب، ولكن ضعفه وقلة حيلته، وتآمر معاوية عليه، فلو كان يملك القوة لبطش بالثائرين كما بطش بالصحابة الكرام أبي ذر وعمار بن ياسر وعبد الله بن مسعود وقصصه معهم مشهورة أشار إليها المؤرخون ولكن الكاتب تجاهلها كعادته، وقد قال ابن عبد البر في الاستيعاب: «وللحلف والولاء بين بني مخزوم وبين عمار وأبيه ياسر كان اجتماع بني مخزوم إلى عثمان حين نال من عمار غلمان عثمان ما نالوا من الضرب حتى انفتق له فتق في بطنه ورغموا وكسروا ضلعاً من أضلاعه، فاجتمعت بنو مخزوم وقالوا: والله لئن مات لا قتلنا به أحداً غير عثمان»[57].

وعن ضربه ووطئه لعبد الله بن مسعود يقول اليعقوبي: اعتل ابن مسعود فأتاه عثمان يعوده فقال له: ما كلام بلغني عنك؟ قال: ذكرتُ الذي فعلته بي إنك أمرت بي فوطئ جوفي فلم أعقل صلاة الظهر ولا العصر ومنعتني عطائي[58].

وأمره مع أبي ذر أشهر من أن يذكر فقد نفاه إلى الشام، ثم حمله من الشام إلى المدينة على قتب بغير وطاء كما نقل اليعقوبي: فكتب معاوية إلى عثمان إنك قد أفسدت الشام على نفسك بأبي ذر، فكتب إليه أن احمله على قتب بغير وطاء، فقدم به إلى المدينة وقد ذهب لحم فخذيه[59].

وفي رواية المسعودي: فكتب إليه عثمان بحمله فحمله على بعير عليه قتبٌ يابس معه خمسة من الصقالبة يطيرون به حتى أتوا به المدينة قد تسلخت أفخاذه وكاد أن يتلف[60].

ومن ثم نفيه إلى الربذة ليموت وحيداً فريداً لم يجد من يكفنه، حتى أتى ركب من جهة العراق.

ومع وجود هؤلاء المعارضين كيف أمكن للكاتب أن يقول: إن الوضع تطور في عهد الإمام علي (عليه السلام) لتكون المعارضة داخل المدينة، بل إن عائشة لما قبضوا على عثمان بن حنيف في البصرة بعد أن غدروا به قالت لأبان بن عثمان عفان: قم إليه وأضرب عنقه فإن الأنصار قتلت أباك وأعانت على قتله[61]، وقد قال المؤرخون: إن أول من جرَّأ الناس على عثمان بن عفان رجل أنصاري بدري هو جبلة؛ فقد أخرج الطبري من طريق عثمان بن الشريد قال: مر عثمان على جبلة بن عمرو الساعدي وهو بفناء داره ومعه جامعة فقال: يا نعثل؟ والله لأقتلنك ولأحملنك على قلوص جرباء ولأخرجنك إلى حرة النار، ثم جاءه مرة أخرى وعثمان على المنبر فأنزله عنه وأخرج من طريق عامر بن سعد قال: كان أول من أجرأ على عثمان بالمنطق السيئ جبلة بن عمرو الساعدي، مر به عثمان وهو جالس في ندي قومه وفي يد جبلة بن عمرو جامعة، فلما مر عثمان سلم فرد القوم فقال جبلة: لِمَ تردون على رجل فعل كذا وكذا ؟ قال: ثم أقبل على عثمان فقال: والله لأطرحن هذه الجامعة في عنقك أو لتتركن بطانتك هذه[62].

والدليل على أن المعارضة شملت جميع المدينة أن عثمان دفن في مقابر اليهود ولم يرضوا بأن يدفنوه في مقابر المسلمين قال الطبري: خرج به ناس يسير من أهله وهم يريدون به حائطاً بالمدينة يقال له (حش كوكب) كانت اليهود تدفن فيه موتاهم، فلما خرج على الناس رجموا سريره وهموا بطرحه فبلغ ذلك عليًّا فأرسل إليهم يعزم عليهم لَيَكُفُنَّ عنه ففعلوا فانطلق حتى دفن (رضي الله عنه) في (حش كوكب) فلما ظهر معاوية بن أبي سفيان على الناس أمر بهدم ذلك الحائط حتى أفضى به إلى البقيع فأمر الناس أن يدفنوا موتاهم حول قبره حتى اتصل ذلك بمقابر المسلمين[63].

ومن أراد أن يعرف تفصيل موقف الصحابة من عثمان بن عفان فعليه مراجعة الجزء التاسع من كتاب الغدير للعلامة الأميني، فإنه قد ذكر فيه تفصيل مقتل عثمان، وفي حقيقة الأمر أن الكاتب أضاع على نفسه فرصة كبيرة كانت تخدم الغرض من كتابه، وهو مدى رسوخ وتغلغل مبدأ الحرية والعدل في نفوس المسلمين، فلو أتاح لنفسه الوقوف مع هؤلاء الثائرين دون عصبية لرأى الشجاعة المنقطعة النظير التي أبدوها في ثبوتهم على مبادئهم، التي هي المبادئ الحقيقية للإسلام.

أما ما نقله من اشتراط طلحة والزبير إقامة الحدود عند البيعة، فهو من مرويات سيف بن عمر الوضاع الزنديق، وانظر المصدر وهو المصدر نفسه الذي أرجع إليه الكاتب، تجد أن الطبري يقول في مقدمة هذه الرواية: كتب إلى السري عن شعيب عن سيف. ومن هنا تعرف مدى ادِّعاء الكاتب تدقيقه في النصوص التاريخية، وأنه اعتمد على الصحيح منها.

أما ندم علي (عليه السلام) فهو ما تكذبه سيرته سلام الله عليه، وكان الأجدر به أن يذكر هنا سيرته سلام الله عليه مع طلحة والزبير وكيف سمح لهم بالسفر إلى العمرة وهو يعلم أنهما يريدان الغدر به ونكث بيعته، وكان ذلك أوفق بما يريد إثباته من الحرية السياسية الموجودة في ذلك الزمان.

7 و 8- أن الحاكمية والطاعة المطلقة لله ورسوله، وتحقيق مبدأي العدل والمساواة:

قال الكاتب موضحاً هذا المبدأ: فالكتاب والسنة هما مصدرا التشريع، والدستور الذي يجب التحاكم إليه. وقد سبق الإسلام جميع الأنظمة والفلسفات الأرضية في ترسيخ مبدأ المشروعية الذي يخضع له الجميع بلا استثناء، الحاكم والمحكوم على حد سواء[64].

أو استدل الكاتب بقوله تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ[65] على أن لله الحاكمية المطلقة، أو يقوم على الاعتقاد بها توحيده في عبادته وطاعته، وقال: وبهذا تم تجريد كل من سوى الله من حق الطاعة المطلقة وإنما مهمة الرسل هي البيان والبلاغ، كما قال تعالى: ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاَغُ[66]، وقد جعل سبحانه وتعالى طاعة رسوله من طاعته؛ لكونه الواسطة بين الله وعباده فقال تعالى: ﴿أَطِيعُواْ اللهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ[67]، ففي هذه الآية جعل الله الطاعة له ولرسوله استقلالاً، وجعل طاعة أولي الأمر تبعاً، ولهذا عطفها بالواو دون أن يكرر فعل (وأطيعوا) ليؤكد أولي الأمر مقيدة بطاعة الله ورسوله ولهذا قال: ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ أي أنتم وأولي الأمر منكم أو أولي الأمر فيما بينهم ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ ليؤكد مبدأ المشروعية ويحدد المرجعية، وأنها القرآن والسنة ابتداء وانتهاء[68].

وقال: إن هنالك ثلاث إشارات في الآية السابقة:

الأولى: أنه جاء بلفظ الجمع (أولي الأمر)، ولم يقل (ولي الأمر) لبيان أن أولي الأمر هم جماعة أهل الحل والعقد من العلماء والرؤساء وقادة المجتمع، فهؤلاء هم الذين تجب طاعتهم إذا اتفقوا على رأي ولم يخالفوا الكتاب والسنة[69].

الثانية: إمكانية وقوع النزاع.

الثالثة: في قوله (منكم) إشارة إلى أنه لابد أن يكون أولى الأمر ممثلين للأمة كلها، ومن جميع طوائفها لا طائفة واحدة.

وقد وضع الكاتب قيود ثلاثة لطاعة السلطة استنبطها من الأحاديث وهي:

1- إقامة الصلاة.

2- إقامة الكتاب والحكم.

3- عدم ظهور كفر بواح من السلطة يصادم الشريعة.

وقال بعد ذلك: لقد أدرك الصحابة (رضي الله عنهم) هذا الأصل وهو مبدأ مشروعية السلطة ما يصدر عن الإمام من أوامر ولابد أن تكون مشروعة غير مصادمة للكتاب والسنة، وإلا فقدت قيمتها ووجب رفضها وعدم تنفيذها، إذ الطاعة إنما هي في المعروف، وهذا السبب هو الذي جعل طلحة والزبير وعائشة يخالفون الخليفة الراشد علي بن أبي طالب ويخرجون عن طاعته[70].

ولا خلاف حول حاكمية الله المطلقة في الكون، وأن له حق التشريع وحق الطاعة، ويلازم حق التشريع والطاعة أن له الحق في أن يقرنها بأي أمر كان، فكما قرن طاعة الملائكة له بسجودهم لآدم، وهذا الأمر مسلم به عند الجميع، إذ إن سجودهم لآدم لا يخالف الطاعة لله، بل هو عين الطاعة والتسليم لله، كما أن طاعة الرسول هي طاعة الله.

أما ما أفاده من آيات (أطيعوا الله...) فليس صحيحاً، إذ إن عدم تكرار الأمر بالطاعة يفيد أن طاعة الرسول هي عين طاعة أولي الأمر، إذ إن الواو تفيد التشريك في الحكم، وإنما تكررت جملة أطيعوا قبل لفظ الجلالة وقبل لفظ الرسول، لتبين الاختلاف بين الطاعتين، إذ إن طاعة الله استقلالاً، وطاعة الرسول بالتبع، ولأن طاعة أولي الأمر هي طاعة الرسول نفسها لم يحتج إلى تكرار كلمة الطاعة، وقد استفاد المفسرون -ومنهم الفخر الرازي- عصمة أولي الأمر من هذه الآية؛ إذ إن الأمر بالطاعة جاء على سبيل الجزم والإطلاق. وأما استدلاله بعدم ذكره لأولي الأمر في وجوب الرد إليهم عند التنازع بل اقتصر في الذكر على خصوص الله والرسول، فجوابه أنه يجوز الحذف اعتماداً على قرينة ذكرت سابقاً، وهي أن الآية ساوت بينهم وبين الله والرسول في لزوم الطاعة، ويؤيد هذا المعنى ما ورد في الآية الثانية: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ[71].

أما ما استفاده من الجمع في كلمة (أولي الأمر) فهي مبنية على إرادة العموم المجموعي منها وحملها على ذلك خلاف الظاهر، لأن الظاهر من هذا النوع من العمومات هو العموم الاستغراقي المنحل في واقعه إلى أحكام متعددة بتعدد أفراده، ومن استعرض أحكام الشارع التي استعمل فيها العمومات الاستغراقية، يجدها مستوعبة لأكثر أحكامه وما كان منها من قبيل العموم المجموعي نادر نسبيًّا، فلو قال الشارع: أعطوا زكواتكم لأولي الفقر والمسكنة -مثلاً- فهل معنى ذلك لزوم إعطائها لهم مجتمعين وإعطاء الزكوات مجتمعة أم ماذا؟ وعلى هذا فحمل (أولي الأمر) في الآية على العموم المجموعي حمل على الفرد النادر من دون قرينة ملزمة[72].

وإذا علمت هذا لم يبقَ مجال لما أفاده الكاتب من قيود لطاعة أولي الأمر (سواء كانوا حكاماً أو أهل الحل والعقد)، فالآية غير ناظرة إلى ما يعتقدهم هو من أولي الأمر، وإنما تتحدث عن فئة معصومة طاعتها مطلقة، غير مقيدة بشرط.

وفي المبدأ الثامن وهو تحقيق مبدأي العدل والمساواة فقال الكاتب: فالعدل في القضاء، والمساواة في العطاء، من أهم المبادئ التي قام عليها لخطاب السياسي في المرحلة الأولى التي تمثل تعاليم الدين المنزل.

ثم استدل الكاتب بآيات القرآن الكريم وسيرة الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم)، على وضوح هذا المبدأ واستدل بسيرة الخلفاء الراشدين في حكمهم بالعدل وتسويتهم في العطاء، حتى أنه استشهد بخطبة لمعاوية قال فيها: «إن في بيت المال فضلاً عن أعطياتكم، وأنا قاسم بينكم ذلك، فإنه ليس بمالنا إنما هو فيء الله الذي أفاء عليكم».

ونحن لا ننكر أن هذين المبدأين من المبادئ الراسخة في الإسلام، أما استشهاداته بفعل الخلفاء فالقارئ الفطن يعرف مدى مطابقة سيرتهم مع مبدأي العدل والمساواة.

9- حماية الحقوق والحريات الإنسانية الفردية والجماعية وصيانتها:

وقال في تأسيسه لهذا المبدأ: لقد رسخ الخطاب الشرعي المنزل مبدأ كرامة الإنسان وأكد ضرورة حماية الحقوق والحريات الإنسانية كما جاء في القرآن والسنة ومن ذلك:

أ- حق الإنسان في الحياة: وحمايته من الاعتداء، مسلماً كان أو غير مسلم، فقد حرم القرآن الاعتداء على النفس الإنسانية تحريماً قاطعاً إلا في حالة الجزاء ورد الاعتداء؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ[73]، و﴿مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا[74].

وقال: وقد حددت الشريعة الجرائم التي حدها القتل وحصرتها بصور محدودة لا يمكن تجاوزها، فلا تستطيع السلطة في الدولة الإسلامية أن تتجاوز هذه الصور، فلا يمكن قتل إنسان لمعارضته للسلطة، أو حتى محاولته الاعتداء على رجال السلطة دون القتل، ولهذا لم تعرف الدولة الإسلامية في المرحلة الأولى من الخطاب السياسي الممثل لتعاليم الدين المنزل لأي حادثة قتل سياسي لمن يعارض السلطة، وقد رفض النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يتعرض للمعارضين له داخل المدينة[75].

ثم أورد الكاتب مجموعة من الشواهد من حياة الخلفاء الراشدين.

ب- حق الإنسان في الحرية: لقد كان واضحاً منذ ظهور الإسلام أنه دعوة للحرية الإنسانية بمفهومها الشمولي، فشهادة (أن لا إله إلا الله) نفي صريح لكل أنواع العبودية والخضوع لغير الله عز وجل.

وقال: لقد أدرك عمر مقاصد الإسلام من هذه الدعوة، فبادر بإعلان تحرير كل العرب الأرقاء منذ الجاهلية، فكانت أول حركة تحرير للرق عرفها العالم، ودفع عمر تعويضاً لكل من كان لديه رقيق من العرب وألزمهم بتحريرهم فأصبح العرب قاطبة أحراراً[76].

وقال: فلا يحق للسلطة أن تخضع الأفراد لطاعتها بالقوة والإكراه، ولا أن تلزمهم برأي أو وجهة نظر بل للإنسان حرية في أن يؤمن أو لا يؤمن... كما له الحق في الانتماء لأي حزب أو جماعة شاء، فإذا جاز لغير المسلم الانتماء للأديان الأخرى والتحاكم إلى شرائعها الخاصة ورؤسائها في ظل الشريعة الإسلامية، فالانتماء إلى الجماعات الفكرية والسياسية جائز من باب الأولى.

وقال المقصود بالجواز والحق هنا الجواز والحق القضائي الذي لا تستطيع السلطة مصادرته، لا الجواز ديانة وإفتاء؛ إذ يحرم الانتماء للخوارج وفرق البدع. فمن باب أولى الانتماء للجماعات السياسية التي تطرح برامج إصلاحية، وتسعى للوصول إلى السلطة بالطرق السلمية دون مصادمة لدين الدولة[77].

ثم أورد الكاتب مجموعة من الشواهد من سيرة الخلفاء الراشدين والصحابة.

ومبدأ الحريات من المبادئ التي جاء بها الدين الإسلامي، ولكن لم يخلُ واقع المسلمين من مصادرتها بحجج مختلفة، سواء كان ذلك في الصدر الأول أو غيره من العصور، ورغم اختلاف الحجج إلا أن النتيجة واحدة وهي خلو الواقع العملي من الحرية سواء كانت حرية فكرية أو حق في الحياة، فبحجة ألَّا يفرق جماعة المسلمين حكم عمر بقتل من عاد لبيعة كبيعة أبي بكر، كما حكم على أصحاب الشورى الستة بالقتل إذا لم يتفقوا خلال مدة معينة، وحكم بقتل المخالف منهم، سواء كان واحداً أو أكثر، وقد نفذ أول اغتيال سياسي في عصر عمر بن الخطاب، إذ اغتيل سعد بن عبادة بحوران في الشام؛ فقد نقل عن البلاذري وابن عبد ربه مع اختلاف قليل في النص «أن سعد بن عبادة لم يبايع أبا بكر وخرج إلى الشام فبعث عمر رجلاً، وقال: ادعه إلى البيعة واحتل له فإن أبى فاستعن الله عليه، فقدم الرجل الشام فوجد سعداً في حائط بحوارين فدعاه إلى البيعة. فقال: لا أبايع قرشيًّا أبداً. قال: فإني أقاتلك. قال: وإن قاتلتني. قال: أفخارج أنت مما دخلت فيه الأمة؟ قال: أما من البيعة فإني خارج فرماه بسهم فقتله»[78].

ولا ندري ما قام به عمر بتحرير الرقيق العرب لفهمه لمقاصد الإسلام، أم أنه بداية لدعوة قومية، فمن المعلوم أن الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) أول من وقف في وجه الدعوات القومية إذ قال: «لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى»، فكان الأجدر به أن يحرر كل رقيق مسلم، خصوصاً أنه لم يدفع من جيبه الخاص وإنما من أموال المسلمين، وفي زمن عمر لم يكن العرب قاطبة مسلمين، بل إن فيهم إلى وقتنا الحالي مسيحيين، كما أن المسلمين لم يكونوا قاصرين على العرب فقط، ولكنها العصبية، التي حاول الكاتب أن يغطيها بالتأويل.

10- وجوب الجهاد في سبيل الله:

وقد قال في تثبيت هذا الأصل: هذا هو الأصل العاشر من أصول الخطاب الشرعي السياسي المنزل، وقد أكد الخليفة الأول أبو بكر هذا الأصل في أول خطبة له بعد اختياره خليفة حيث جاء فيها: «ولم يدع قوم جهاد في سبيل الله إلا ضربهم الله بالذل»، ولهذا أجمع هو والصحابة على قتال أهل الردة وهو جهاد الدفع لحماية الدين والدولة والأمة من الأخطار الداخلية التي هددت وحدتها السياسية والتشريعية فقاتلوا من ارتد عن الإسلام ومن امتنع عن أداء الزكاة.

أما العبارة المنسوبة إلى أبي بكر فهي من أقوال علي (عليه السلام) من خطبته الشهيرة في الحث على الجهاد التي أولها «أما بعد فإن الجهاد باب من أبواب الجنة فتحه الله لخاصة أوليائه...»، أما قتال مانعي الزكاة والمرتدين، فمن راجع كتب التاريخ علم أنها حرب سياسية تحت غطاء ديني زائف

ومن هذا الفصل الذي أراد فيه الكاتب أن يبين لنا المبادئ الأساسية للخطاب الشرعي المنزل، مقدمة لذكر المراحل التالية وهي مرحلة الخطاب المؤول، ثم الخطاب المبدل، يستطيع القارئ الفطن أن يعرف من أين بدأ التأويل وأن مرحلة الخطاب المؤول امتداد لهذه المرحلة التأويلية، وأن ما حدث في المراحل اللاحقة ما هو إلا نتائج تراكمات هذه الرؤية التأويلية للعصر الأول للإسلام، وهذا التراكم الكمي هو الذي أنتج لنا تلك التحولات النوعية في الخطاب السياسي الشرعي.

--------------------------------------------------------------------------------

[1] الحرية أو الطوفان، ص 8.

[2] الحرية أو الطوفان، ص 9.

[3] الحرية أو الطوفان، ص 112.

[4] الحرية أو الطوفان، ص 113.

[5] آل عمران 144.

[6] صحيح البخاري - البخاري، ج 8، ص 87.

[7] صحيح البخاري - البخاري ج 4، ص 110.

[8] صحيح مسلم - مسلم النيسابوري، ج 7، ص 68.

[9] الإصابة في معرفة الصحابة 1/ 7-8.

[10] المصدر 1/ 7-8.

[11] المصدر 8.

[12] الحرية أو الطوفان، ص 51.

[13] الحرية أو الطوفان، ص 51.

[14] الحرية أو الطوفان، ص 14.

[15] الحرية أو الطوفان، ص15.

[16] الحرية والطوفان، ص 14.

[17] صحيح البخاري - البخاري ج 8 ص 122، صحيح مسلم ـ مسلم النيسابوري ج 6 ص 16.

[18] الحرية أو الطوفان ص 18.

[19] المصدر ص 18.

[20] المطففين 26.

[21] المائدة 48.

[22] رفض الكاتب القول بحصر الخلافة في قريش، ولكن من المعلوم أنه القول السائد وسط أهل السنة، وأرجع الكاتب الإجماع عليه إلى العصر العباسي.

[23] نهج البلاغة ج 2 ص 85 شرح الشيخ محمد عبده.

[24] آل عمران 144.

[25] الحرية أو الطوفان ص 21.

[26] المصدر ص 2.

[27] النساء 65.

[28] الحرية أو الطوفان ص 22..

[29] الحرية أو الطوفان ص 22..

[30] المصدر ص 23..

[31] النساء 29.

[32] الحرية أو الطوفان ص 26.

[33] الحرية أو الطوفان ص 26-27..

[34] تاريخ الطبري - الطبري ج 2 ص 459..

[35] الجمل- الشيخ المفيد ص 59.

[36] السقيفة وفدك - الجوهري ص 48.

[37] شرح نهج البلاغة ج 1ص 219.

[38] مسند أحمد بن حمل ج 1 ص 55.

[39] صحيح البخاري البخاري ج 8 ص 26.

[40] تاريخ اليعقوبي - اليعقوبي ج 2 ص 136.

[41] الشورى 38.

[42] آل عمران 159.

[43] الحرية أو الطوفان ص 29 - 30.

[44] الحرية أو الطوفان ص 37 - 38.

[45] الشورى الآيات من 36 - 39.

[46] الحقيقة الضائعة - الشيخ معتصم سيد أحمد، ص 135.

[47] بحث حول الولاية ـ السيد محمد باقر الصدر ص 28.

[48] تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 137.

[49] مسند أحمد بن حنبل ج 1 ص 20، الطبقات الكبرى ـ محمد ابن سعد ج 3 ص 343.

[50] أسد الغابة ـ ابن الأثير ج 2 ص 246.

[51] الحرية والطوفان 49 - 50.

[52] الحرية والطوفان ص 52.

[53] المصدر ص 52 - 53.

[54] ابن جرير الطبري ج 2 ص458.

[55] الحرية أو الطوفان ص 53.

[56] المصدر ص 54.

[57] الاستيعاب بهامش الإصابة 2/477 ترجمة عمار بن ياسر. وتجد ابن عبد البر ينسب الحادثة لغلمان عثمان، ولم يتعرض لعثمان. لكن واقع الحال يغني عن إفصاحه، وكلام بني مخزوم يؤكد أن غلمانه فعلوا ذلك بإشرافه.. المؤلف.

[58] تاريخ اليعقوبي 2/170.

[59] اليعقوبي 2/172.

[60] مروج الذهب 1/438.

[61] شرح نهج البلاغة ج 9 ص 321.

[62] تاريخ الطبري - الطبري ج 3 ص 399ـ 400.

[63] تاريخ الطبري - الطبري ج 3 ص 438.

[64] الحرية أو الطوفان ص 62.

[65] يوسف 40.

[66] النور 54.

[67] النساء 59.

[68] الحرية أو الطوفان ص 63.

[69] الحرية أو الطوفان ص 64.

[70] الحرية أو الطوفان ص 67.

[71] النساء 83.

[72] الفقه المقارن ـ محمد تقي الحكيم.

[73] الأنعام، الآية 151.

[74] المائدة، الآية 32.

[75] الحرية أو الطوفان ص 87 - 88.

[76] الحرية أو الطوفان ص 91.

[77] الحرية أو الطوفان ص 93.

[78] أنساب الأشراف 1 589، العقد الفريد 3 64 - 65 باختلاف يسير.

السيد مكي المأمون
عالم دين، كاتب، السودان.


ارسل لصديق