خواطر في الجمال والفن
كتبه: إبراهيم محمد جواد
العدد (41) السنة 18 - 1428هـ/ 2007م
التعليقات: 0
القراءات: 5176

المقدّمة

أولاً: لماذا هذا العنوان؟!.

أ- لأن ما هو مدوّنٌ في هذه الوريقات، لا يزيد في حال من الأحوال، عن كونه مجرد خواطر مرّت بالبال، ثم صيغت قبل أن يُسبَرَ غورُها، ويُعلَمَ صدقُها وسلامتُها من الشوائب، فهي أوراقٌ تُفرَد على طاولة البحث، وأفكارٌ توضع على محكّ الاختبار والنقد.

ب- والجمال وإن كان محور الفن، وكان الفن مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بالجمال، إلاّ أنهما مفردتان مستقلتان عن بعضهما تمام الاستقلال، بحيث لا يمكن الاستغناء عن أيٍّ منهما.

فالجمال قانونٌ إلهيٌّ سارٍ في الكون، مبثوثٌ في كل جزئيةٍ من جزئياته، سواءٌ خفي عن الأبصار أو ظهر لها.

والفن هو الجهد الإنساني والدأب المستمر للكشف عن هذا القانون الإلهي، وإبراز ما خفي منه، وزيادة إظهار ما ظهر، وتوليد مظاهرَ جديدةٍ منه كلما كان ذلك ممكناً.

ج- إن كلاًّ من الفن والجمال مغروزان بشكلٍ أو بآخر، وبنسبٍ متفاوتةٍ في فطرة الإنسان، وهما -كما يقول أفلاطون- كامنان في طبيعة الإنسان، لأنه الوحيد -من بين سائر الموجودات في الكون- المزوّد بالشعور الحقيقي بالنظام والتناسق، حيث «منحه الله سبحانه ميلاً طبيعيًّا نحو النظام والتناسق، وقرَن هذا الميل في كيانه بلذّةٍ خاصةٍ»[1].

ثانياً: ولماذا هذه الخواطر؟.

لأن لكل شيءٍ في الكون الذي أبدعه الخالق سبحانه وتعالى نظاماً وقانوناً، يعبر عنه القرآن الكريم بتعبيرٍ فنيٍّ جميلٍ، فيسميه (الفطرة) أو (السّنّة)، وإذن فلكلٍ من الجمال والفن قوانين أو سننٌ لابد من فهمها وتمثلها في عقل الإنسان وقلبه، وقد سعى الإنسان منذ وُجد على ظهر هذه الأرض لفهم وتمثّل سنن الفن والجمال، وسلك للوصول إلى هذه الغاية أحد سبيلين:

الأول: سبيل الواقعية، أي الاكتفاء بالوقوف على هذه الظواهر، وتمثّل الأشياء المادية كما هي.

الثاني: سبيل المثالية، أي الغوص إلى الأعماق وسبر البواطن، وذلك بركوب سفينة الروح، والسياحة في عالم المثل والمعنويات.

وعندما جاء الإسلام لم يلغ أيًّا من السبيلين، لكنه قرنهما معاً بشكلٍ تكامليٍّ، بحيث تصل إلى المثالية أو نسبةٍ منها من خلال الواقع، وتسبر غور الواقع بروحٍ مثالية، وبذلك تمزج بين المادة والروح بشكلٍ منسجمٍ متوازنٍ لا ميل فيه ولا خلل.

ولقد أخذ علم الجمال والفن حظّه الكامل من الوجهتين المادية الواقعية والروحية المثالية، وبقي أن يأخذ حظّه الشامل من وجهة النظر الإسلامية، التي تمزج المادة بالروح، وتقرن المثالية بالواقعية.

ومن هنا فقد جاءت هذه الخواطر لا لتقوم بهذه المهمة، وإنما لتحث أرباب الفكر والقلم من الروّاد المسلمين، وتحفّزهم على صياغة قوانين علم الجمال والفن الإسلاميين، مستمَدّةً من روح القرآن الكريم وجوهر السنّة النبوية المطهّرة، دون أن تحجر على آراء الآخرين ووجهات نظرهم في هذا المجال، فالبحر واسعٌ والقعر عميقٌ، ولا يقتنص الدرر الفريدة إلاّ المهرة من الغواصين.

1- الجمال الطبيعي والجمال الفني

إن علم الجمال المادي -في أرقى حالاته- يربط الجمال بالكائن دون التفاتٍ إلى المكوِّن، فهو يبحث عن الجمال في الوجود دون أن يرقى في نظره وبحثه إلى الموجد.

ويفرق علم الجمال المادي بين الجمال الفني والجمال الطبيعي، لكنه لا يضعهما في وضع التضاد والتعارض، بل يعتبر أن عالم الفن إنما هو امتداد لعالم الطبيعة، يستند إليه، ويكشف كنوزه، ويعمل على السعي إلى النجاح أكثر منه، بمعنى أنه يسعى إلى تعدّيه وتخطّيه، وإبداع نماذج فنيةٍ أجمل مما تقدمه الطبيعة.

إن جمال الطبيعة غير ناتج عن جهدٍ إنساني، ولذلك فكل ما هو جميلٌ في الطبيعة مقدّمٌ على الجهد الفني الإنساني، إذا نظرنا إليه من أبعاده الثلاثة:

- أنه جزءٌ من اللوحة الكبرى وهي الطبيعة.

- وأنه متحرّكٌ وفقاً لسنّةٍ معينةٍ تقتضي تحوّله من حالٍ إلى حال.

- وأنه ضروريٌّ ولازمٌ ومفيدٌ لحياة الإنسان.

هذا عدا عن كونه المادة الخام والنموذج الأول للجمال الفني الإنساني، ومن هنا كان لدى الفنان الإنسان حركتان تجرّ إحداهما الأخرى دون تضادٍّ بينهما ولا تعارض: فعلى الفنان -من ناحية- أن يستخلص بحسّه وذوقه الفني ما يتضمنه الشيء الطبيعي من كيانٍ وجمال، وعليه من ناحيةٍ أخرى أن يضيف إلى هذا الجمال وذلك الكائن شيئاً يمليه عليه حسّه وذوقه الفني، وذلك بأن يضع في العمل الفني الإنساني ما هو غير ظاهرٍ للعيان في النموذج الطبيعي، أي ما هو موجودٌ لكنه غير مرئيٍّ فيه إلاّ من قبل الفنان المبدع.

وأتساءل، هل سيكون دور الفنان في عمله هذا أبعد من دورٍ انتقائيٍّ التقاطيٍّ مبدعٍ، يلملم فيه الأجزاء الجميلة من اللوحة الكبرى-الطبيعة- ويحشرها بتناسقٍ فنيٍّ جميلٍ في لوحةٍ صغيرة؟.

وليس من المستحيل في هذه الحال، إيجاد العلاقة الضرورية بين دور الفنان في الكشف عن الواقع، وبين الوسائل المتاحة التي يستخدمها في العمل الفني، كيما يكتمل ويصبح جديراً بجذب الرائي له، وهل الفنان وأدواته والرائي للعمل الفني المكتمل إلاّ جزءٌ لا يتجزّأ من اللوحة الكبرى؟!.

والحقيقة أن أصالة الفن الإنساني إنما تنبع من أنه رؤيةٌ كونيةٌ وإبداعٌ إنسانيٌّ طبيعيٌّ في آنٍ واحد، فالفنان كما هو مغرمٌ بالطبيعة.. بجمال الدنيا، وحسّاسٌ إزاء أقل ما يقدمه الواقع، هو في الوقت نفسه يحاول أن يعيد خلق الطبيعة من جديدٍ وفق تصوّره، وحسب معرفته الجمالية، تلك المعرفة التي هي معرفةٌ شاعريةٌ، أو إن شئت فقل معرفةٌ فنيةٌ شاعريةٌ، أي معرفةٌ ترتبط بالنشاط الإبداعي، الذي لا يمكن ممارسته من قبل الإنسان العادي.

وإذا أردنا أن نزيد الفكرة إيضاحاً نقول: المعرفة الشعرية ليست رؤيةً تسبق الفعل، ولا تصوراً يسبق النشاط الإبداعي، بل هي داخلةٌ فيه دخول امتزاجٍ، مشتركةٌ وإياه اشتراك فعلٍ وتفاعل، لا تنفكّ عنه في التحرك نحو العمل الفني، وهذا الفهم الوثيق، والمزج بين الرؤية والفعل، والاشتراك بين التصور والنشاط، يميّز المعرفة الفنية الجمالية تمييزاً جذريًّا عن المعرفة العلمية.

فهناك معرفةٌ للمعرفة، وهذه هي المعرفة العلمية، التي قد يتخلف العمل عنها في بعض الأحيان، وقد لا يكون بحجمها في أحيانٍ أخرى، وإن كانت الأخلاق والشرائع تتطلّب ألَّا يتخلف العمل عن العلم، وألَّا يقل عنه في الحجم والمستوى، فقد روي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال: «من عمل بما علم أورثه الله علم ما لم يعلم».

وهناك معرفةٌ للإبداع، وهذه هي المعرفة الجمالية، التي لا يمكن أن تُعرف إلاّ به ولا يمكن أن تُحَسّ إلاّ من خلاله، فهو -أي الإبداع- ملازمٌ لها، لا يتخلف عنها في حالٍ من الأحوال.

إن الإبداع يفرض نفسه فرضاً على المبدع، بل لا يُدرَك الإبداع ولا يُعرَف المبدع، إلاّ من خلال فنه البديع، حتى المبدع لا يعرف نفسه مبدعاً حتى ينتصب إبداعه أمامه عملاً منجَزاً مكتملاً، يجتذب إليه الأنظار، ويشد إليه العقول والقلوب والمشاعر.

وبقدر ما تتميّز المعرفة الجمالية عن المعرفة العلمية من هذا الجانب، فإنها من جانبٍ آخر تقترب من الصناعة اليدوية اقتراباً محدوداً، دون الاختلاط بها والاتحاد معها، ومردّ ذلك الشبه والاقتراب، أن الصناعة اليدوية تقوم أساساً على وجدانات تنفتح عند الاتصال بالمادة والرغبة في تشكيلها، وليست مجرد تطبيقٍ لقوانين نظرية، فالصانع اليدوي الفني كالفنان في كثيرٍ من نواحيه، وعندما يقوم باختراع شيءٍ ما، فإنما يفعل ذلك من خلال ممارسته العمل، أي حين يمارس تشكيل المادة، تماماً كالفنان الذي لا يجد ما يبحث عنه إلاّ حين يبدأ تنفيذ عمله الفني.

على أن هذا لا ينبغي أن يسوقنا إلى نفي أيّة أسبقيةٍ للمعرفة -سواء كانت جماليةً أو علميةً- عن مظهرها وهو العمل والإبداع، فنحن لا ننكر أن جزءاً مهمًّا من المعرفة يسبق العمل، وهذا الجزء هو الهبة الإلهية والمنحة الربانية للإنسان، وذلك حينما خلق الله سبحانه وتعالى الإنسان الأول -آدم- وعلّمه الأسماء كلها، قبل أن يواجه أيّ موقفٍ أو يمارس أيّ عمل.

إن الفنان في الحقيقة يعبّر عن نفسه عن طريق الإبداع، ويبدع عن طريق التعبير عن نفسه، وإن كان هناك من يظن أن الفنان إنما يبدع ليعبّر عن نفسه، ويعبّر عن نفسه لكي يبدع، والفرق بين النظرتين واضحٌ، فالنظرة الأولى تقول: إن الفنان يبدع ليكشف عن حقيقة الأنا ويعرفها، في حين ترى النظرة الثانية أن الفنان إنما يبدع -حين يبدع- ليعبّر عن هذه الأنا ويخدمها ويكرّسها.

وحسب التفكير الأول فإن الكاتب إنما يكتب ليَرَى نفسه ويُرِيَها رؤيةً أوضح من خلال الكتابة، وليَرَى الكون ويُرِيَه مَن حوله رؤيةً أوضح كذلك، أي أن عمل الفنان يمثل كشفاً عن نفسه لنفسه وللآخرين، وكشفاً عن الآخرين لنفسه ولهم في آنٍ معاً.

ولذلك فرغم التشابه بين المعرفة الجمالية والمعرفة الصناعية اليدوية، فثَمّ فرقٌ بينهما، ففي حين تهتم الصناعة اليدوية حين تغطس في المادة بالسيطرة عليها وتشكيلها -وهي إنما تستخدمها لهذا الغرض كما يتضح من رسومٍ أو مخططاتٍ، يقدمها مهندسٌ لصانعٍ فنيٍّ يدويٍّ، ليقوم بتشكيلها وفق تلك الرسوم والمخططات-، فإن المعرفة الجمالية غير قابلة للتشكل على صورة أفكارٍ أو أقوالٍ أوليةٍ من قبل خبيرٍ أو مهندسٍ، ثم يأتي فنانٌ مبدعٌ ليصوغها بشكلٍ نهائيٍّ عملاً فنيًّا مبدعاً، وإنما هي تعبّر عن نفسها مباشرةً من قبل الفنان المبدع نفسه، في صورة عملٍ فنيٍّ بديعٍ، ولذلك فهو يتمتع ويلتذّ لذةً محسوسةً من خلال ممارسته لعمله الفني، ويبلغ قمة اللذة بعد إكماله وإنجازه بالشكل الذي يُرضِي حسه وذوقه الفني.

ومن هنا يمكننا أن ندّعيَ أن المعرفة الجمالية تكشف عن الإنسان وعن الأشياء في واقعها العميق الذاتي، وفي أشد علاقاتها خصوصيةً، ولذا فهي تسمح لنا بأن نتنبّأ بما وراء الإنسان والأشياء.

إن ما سبق يقودنا إلى إثارة سؤالٍ مهمٍّ: أيمكن أن يكون الفن إذن قمة الفلسفة؟ وبالتالي هل تستطيع المعرفة الجمالية أن تنافس المعرفة الفلسفية؟!، وجوابنا عن هذا السؤال هو النفي الجازم القاطع، لأن المعرفة الجمالية هي انعكاسٌ وأثرٌ للمعرفة الفلسفية، ولهذا كان الفن دائماً وأبداً في خدمة الفلسفة، وهو أهم وسائلها لتقريب الأفكار والآراء إلى التصور.

حتى في حال التطابق التام بين المعرفتين، تبقى كلٌّ منهما متميّزةً عن الأخرى تميّز الظلّ عن الشاخص، أو تميّز الصورة عن الخيال، أو تميّز المعكوس عن المنعكس، فالمعرفة الفلسفية فكرةٌ.. قانونٌ.. علاقةٌ، والمعرفة الجمالية صورتها.. صداها، والعمل الفني هو التعبير المحسوس عنها، يصوّرها في المشاعر والأحاسيس، ويقرّبها إلى الأذهان، فالشعر مثلاً غير التفكير، لكنه يثير فينا الحنين إليه، ويعطينا مرادفاً له، وكذلك الرسم والتصوير والموسيقى وبقية أنواع الفن.

ومهما يكن الأمر، فالمعرفة الجمالية والمعرفة الفلسفية ليستا من الصنف نفسه، فالفلسفة هي البحث عن الحقيقة، التي يتم التعبير عنها على هيئة أفكارٍ واضحةٍ مسلسلةٍ تبعاً لقوانين المنطق وبَدَهِيَّات العقل، أما الفن فهو يفرّ من الأفكار ومن المنطق، ولا يهتم بالحقيقة التي تصاغ صياغةً مجرّدةً واضحةً، ولا يعتني بدقة البرهان وصوابية الدليل، إنما الذي يهم الفن هو امتلاك الواقع، والتعبير عما في المشاعر والأحاسيس، فيما يلتقطه ويختاره للتعبير عنه في رمز العمل الأدبي أو الفني، وحينئذٍ يكون الإناء ومحتواه -أي الشكل والمضمون- غير متميّزين عن بعضهما البعض.

إذن هنالك فرقٌ واضحٌ بين القدرات التي تصنع الفيلسوف من ناحيةٍ، وتلك التي تصنع الفنان من ناحيةٍ أخرى، فالفيلسوف بارعٌ من جهة قدرته على التفكير المنطقي المنتظم، والنقد المبني على الأدلّة والبيانات والبراهين، أما الفنان فتنحصر موهبته في القدرة على العودة إلى الذات، مادام عمله الفني مستمراً، وبتعبيرٍ آخر، إن الفيلسوف ينتج نظرياته وآراءه في النور، وعلى ضوء المنطق وفي رحاب الشعور، أما الفنان فإنه يهرب من التسلسل المنطقي إلى القفز على حبال اللاشعور، ويفر من الوضوح إلى رحاب الرمز، لكنهما في النتيجة يصلان -كلٌّ من المكان الذي هو فيه، والزاوية التي يطلّ منها- إلى الحقيقة التي تعبّر عن الواقع كما هو كائنٌ، وكما ينبغي أن يكون.

تُرى كيف يكون شكل الفن هذا، لو ارتقى من ربط الجمال بالكائن، إلى ربط الجمال بالمكوّن؟، تُرى كيف يكون أثر الفن لو انطلق من سجن الموجود، وانفتح بشفافيةٍ وصفاءٍ على الموجِد؟!، وما يضير هذا الفن لو فتح نافذةً له على الوحي، يطلّ من خلالها على حركة الكون الفسيح، وعلى الروح المحركة له، تنقله من الصدفة إلى التدبير، ومن العبثية إلى التقدير، ومن المراوحة في الفوضى إلى السير الحثيث نحو المصير؟!.

2- هل الفن للفن أم هو للإنسان؟

هنالك مقولةٌ انطلقت من الغرب ولم تنغلق دونها أبواب الشرق، وكان القرن العشرون الظرف الذي احتوى تلك المقولة التي انطلقت كالنار في الهشيم، ورغم أن نيرانها قد خمدت في الغرب، ولم تخلّف وراءها غير الرماد المتناثر والمتطاير في الهواء أو المطمور في التراب، فإن هذه النيران لازالت متأجّجةً تأكل الأخضر واليابس في شرقنا البائس، فقد تلقّفها المتغرّبون من أنصاف المثقفين، وراحوا يجرون بها في كل مكان، ويرمون بذارها في حقول الحنطة لتخنق سنابل القمح وتغتال محصولها الخيّر.

- قد يكون الفن للفن واقعيةً، ولكنها واقعيةٌ تكثّف أغلال الإنسان، وتضاعف القيود التي تحجبه عن الحق والخير والجمال، لأن الجمال الحقيقي ربما يكمن في عملية الانطلاق من الواقع إلى المثال، والجمع بينهما في صورة ما هو واقعٌ اليوم، وما ينبغي أن يكون عليه الواقع غداً، ربما يكون الحق كل الحق، والخير كل الخير للإنسان، أن يَفرَغ العمل الفني من رسم جمال الواقع إلى رسم جمال ما ينبغي أن يكون عليه هذا الواقع.

- قد يكون الفن للفن متعةً للفنان المبدع، وإنه لكذلك فعلاً، لكن الفن للإنسان والحياة متعةٌ أكبر وأكثر خلوداً، أضف أن المتعة فقط ليست هي الهدف، لأن المتعة وحدها مؤقتةٌ وزائلةٌ، وإذا كانت محرّمةً فما أسرع ما تزول لذّاتها وما أطول ما تدوم حسرتها وعذابها.

- قد يكون الفن للفن حريةً للفنان المبدع، يمنحه انعتاقاً من كل قيدٍ والتزامٍ وارتباطٍ حتى بقواعد الفن ذاته، لكنها حريةٌ تضر بالآخرين من بني الإنسان، لأنها تنفتح على الأنا فقط دون التفاتٍ للنحنُ، وهي في الحقيقة انعتاقٌ من قيودٍ أخفّ وأهون، للوقوع في أسر أغلالٍ أثقل وأصعب، لأنها تطل واقعاً على الفوضى والعبثية، والتخبط حسب هوى النفس وشهوات الذات ومتطلبات الأنا، ولذلك يقول «هوجو»: «إن الفن للفن قد يكون جميلاً، ولكن الفن للتقدم أجمل».

إن الإنسان الفرد لا يعيش لوحده، وإنما يعيش مع غيره من البشر، الذين يشكّلون ما يسمّى بالمجتمع، ولذلك فإن الفن -كما تقول جورج صاند- اجتماعيٌّ بالضرورة، أي ينبغي أن يراعيَ مصلحة وخير وتقدم المجتمع ككل، من هنا كان لابد أن تكون للفن وظيفةٌ اجتماعيةٌ أخلاقيةٌ يؤديها، وكان لابد أن يكون الجمال الفني خادماً للمجتمع والأخلاق لا هادماً لهما.

إن كل أدبٍ -كما يقول (اسكندر توماس الابن)- لا يأخذ في اعتباره نواحي الكمال والنصح بالأخلاق والمثل العليا وفائدة المجتمع الإنساني أدبٌ مريضٌ، ولا بد أنه يولد ميّتاً.

إن فكرة الحرية والانعتاق في الفن خدعةٌ شيطانيةٌ موجّهةٌ ضد الإنسان وتقدمه وكماله، ولذلك وجب أن يكون الفن للإنسان، وأن يساعد النشاط الإبداعي على تحقيق الخير للإنسان، وأن تكون هناك رابطةٌ متوازنةٌ ومتينةٌ بين الجمال الفني والأخلاق الفاضلة، لينبعث العمل الفني من الضمير الأخلاقي، فإنه لا يكفي أن تكون فناناً جيداً لتكون إنساناً طيباً، إن الفنان إنسانٌ قبل كل شيءٍ، وعليه أن يقوم بعمله الإبداعي كإنسانٍ، فيتابع الهدف الذي وضعه خالق الإنسان للحياة الإنسانية، ومن هنا ينطلق «لامارتين» ليؤكد: «إن مهمة الشعر هي نشر الحب والحقائق وعواطف الدين بين الشعوب».

إن الفن نشاطٌ إبداعيٌّ إنسانيٌّ، فينبغي أن يكرَّس لخدمة الإنسان، وأن يأخذ بيده للوصول إلى نور الحق وفضيلة الخير وقدس الجمال، وإن الفصل بين علم الجمال ومعاني الحق والخير فصلٌ معتسفٌ لا مبرّر له على الإطلاق.

وإن الفنان المنتمي جزءٌ من الحياة، وعضوٌ في المجتمع الذي ينتمي إليه، أما اللامنتمي فهو عالةٌ على المجتمع، وعقبةٌ في طريق الحياة، وإن كان كل منهما يتذوق الجمال ويتمتع بالفن، ويلتذ بطعم الحياة.

كيف لا نصرخ ملء أفواهنا قائلين: إن الحق بذاته هو الجمال؟ وإن الخير بذاته هو الجمال؟!، أما الجمال المادي المجرّد عن معاني الحق والخير فلا معنى له مطلقاً، وهو غثاءٌ كغثاء السيل، يجري إلى لا غايةٍ ولا هدف، ويسيل بلا فائدةٍ ولا نفع.

لدينا كتاب الله المزبور وهو الكون، وكتاب الله المسطور وهو القرآن، وهما مصدر الحكمة ومنبع العلم وفيض الجمال، ولكل عالمٍ وفيلسوفٍ وفنانٍ وأديبٍ، أن ينهل من نمير هذين الكتابين، ويتذوّق كوثرهما العذب، ثم يفيض على الناس من علمه وفلسفته وحسّه الفني وذوقه الأدبي، بقدر ما نهل من النمير الصافي والكوثر العذب، على أن صاحب الاختصاص في كل علمٍ وفنٍّ هو الأولى بالتقديم على غيره في مجال علمه وفنه.

3- الفن والقدر

يقول (جان برتليمي): «النشاط الفني إجمالاً يبين قدرة الإنسان على قهر القدر، بدلاً من أن يقع تحت تأثيره، وخلف كل عملٍ فنيٍّ كبيرٍ يتسكّع قدرٌ قهره الفنان»[2].

يقع الإنسان في خطأٍ قاتلٍ عندما يظن أن مهمته في هذه الحياة أن يصارع الطبيعة، وأن يكدّ ويضبح حتى يتمكّن من قهرها:

أولاً: لأنه سيكد ويتعب بلا أية فائدةٍ أو جدوى، لأن القدر لا يمكن أن يُقهر، ولأن أحداً لا يستطيع أن يصارع الطبيعة.

ثانياً: لأن الطبيعة ليست غولاً يتربّص بالإنسان، ذلك مجرد وهمٍ ناتجٍ عن عدم فهمٍ لحقيقة الحياة والكون، فالإنسان جزءٌ من هذه الطبيعة، خلقه الله تعالى ليتناغم معها ويصطحبها وينسجم مع سنن الله فيها.

ثالثاً: الطبيعة خادمٌ أمينٌ للإنسان، وعليه أن يتعلم قوانينها الثابتة التي لا تتغيّر، ليتمكن من ركوب سفينتها ويمخر بها عباب بحر الحياة، والإنسان سيد الطبيعة إذا هو فهم الثابت والمتغير من سننها وقوانينها، وصريع الطبيعة الذليل إذا هو تجافى عن تلك السنن والقوانين وتغافل عنها.

إن الخطأ الذي وقع فيه (جان برتليمي) وكثيرٌ غيره من الفنانين والفلاسفة والمفكّرين، ناجمٌ أساساً عن انحراف نظرتهم الأساسية للكون والإنسان، ذلك الانحراف في النظرة هو الذي أدّى -ولا يزال يؤدّي- إلى ما يصيب الإنسان من بؤسٍ وشقاءٍ، وتعبٍ ونصبٍ، وما يقع عليه من جورٍ وظلمٍ واستعبادٍ.

وما محاربة القدر ومعاندته إلاّ جزءٌ من النتيجة المؤسفة لهذه النظرة المنحرفة، ذلك أن الإنسان عموماً -والفنان ضمناً- يستطيع أن يهرب أو حتى يقهر قدراً يتصوره هو، ويكبّل به نفسه بنفسه، أما القدر الذي قضاه الله الخالق فلا سبيل للهروب منه ولا قهره والقضاء عليه.

وفي الحقيقة فإن كل عملٍ فنيٍّ -كبيراً كان أو صغيراً- إنما يعبّر أعمق التعبير عن مبدع الفن والجمال، ويعكس الرسوخ الأبدي للاستسلام إلى قضاء الله تعالى وقدره، وعدم قدرة أي مخلوقٍ على القضاء على هذا القدر، أو حتى مجرد الوقوف في وجهه أو الهروب منه.

إن قضاء الله كائنٌ لا مفرّ منه، وإن قدره مبرمٌ لا يمكن أن يفلت منه أحدٌ كائناً من كان، لكن الإنسان إنما يستطيع الهروب من قدرٍ أو التصديَ لقدرٍ يتصوره هو أولاً، أو يصوره له مخلوقٌ مثله بصورة كاهنٍ أو قدّيسٍ أو نبيٍّ مزيّفٍ أو حتى فنان، ثم يفكر بعد ذلك بالتمرد على هذا القدر الذي تصوّره وتخيّله، ولربما يرسم في ذهنه أو يتخيّل في نفسه معركةً بطوليةً استطاع أن يتخلص بنتيجتها من هذا القدر الموهوم، وأن يتحرر منه أو حتى يقضيَ عليه، ذلك أن خيال الإنسان واسعٌ، وتصوراته الذهنية لا يحدها عقلٌ، ولا يحصرها منطقٌ، ولا يغلبها قيدٌ أو رباط.

والحقيقة أن القدر قدران:

قدرٌ قضاه الله سبحانه وتعالى على الكون وما فيه من أشياءٍ وأشخاص، فهذا القدر سنّةٌ إلهيةٌ في الكون وقانونٌ ثابتٌ من قوانينه، وهو كائنٌ لا محالة، لا يمكن التصدي له والوقوف في وجهه، ولا التحرر والهروب منه أو القضاء عليه، وكل جهدٍ في هذا السبيل ضارٌّ بالإنسان، ومحكومٌ عليه بالفشل والضياع، قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ[3]، وقال سبحانه: ﴿أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ[4].

ومن رحمة الله ولطفه بعباده أن هذا القدر مغيَّبٌ عن العباد غير مكشوفٍ لهم، ليكونوا في أعمالهم وأفعالهم متحررين منعتقين، لا يرهبهم إقدامٌ ولا يسوؤهم إحجامٌ، ولا يقعون فريسة قدرٍ مسلّطٍ عليهم كالسيف القاطع.

- وقدرٌ موهومٌ تخيّلته الأديان البشرية الأرضية، ومدّعو النبوّة الكذابون المزيّفون، والأديان السماوية التي أصابها التحريف من قبل الكهنة والقسّيسين، والمذاهب الفلسفية والاجتماعية الموضوعة من قبل من يطلق عليهم اسم الفلاسفة أو الحكماء أو العلماء ومن إليهم.

وهذا القدر غالباً ما يكون قاسياً مرهقاً ظالماً، يستخدم طبقةً من الناس في مصلحة طبقةٍ أخرى، ويستغل جهود جمهورٍ من الناس لخدمة النخبة صاحبة النفوذ الأكبر في المجتمعات البشرية، والمتمثلة عبر التاريخ في طبقة الملوك والحكام والأمراء أصحاب الدم الإلهي والعروق الممتازة -كما يدّعون طبعاً-، ومن يرتبط بهم ويكون في خدمتهم من الكهنة والرهبان والقساوسة والأحبار ومن إليهم.

هذا القدر ليس فقط يمكن الهروب منه، بل ينبغي مواجهته وبذل أكبر الجهد للتحرر منه والخلاص من ربقته، والفنان المبدع يجب أن يكون في الطليعة من الجهاد ضد هذا النوع من القدر، وكم يكون جميلاً لو ارتبط تاريخ الفن والإبداع الفني بفريضة الجهاد ضد هذا القدر الغاشم الظالم!.

من الضروري جدًّا أن يكون تاريخ الفن هو تاريخ الكفاح والجهاد للخلاص والتحرر من ربقة قدرٍ يرسمه البشر أو يصوره الوهم البشري، ولعلم الجمال أن يرصد بشاعة هذا القدر وشناعته، وأن يرسم مشروعية الجهاد وأساليبه الناجعة لمواجهته والقضاء عليه، وتخليص البشرية من قيوده وأغلاله.

4- الفن والإنسان المتألّه

الارتفاع نحو الهاوية، أو السقوط من تحت، ذلك هو ما تجري إليه الجاهلية الغربية، إنه الارتكاس الكبير والسقطة القاتلة، ليس في حلبة الفن فقط، وإنما في كل الحلبات، دعونا نقرأ معاً هذه العبارة للمفكر الغربي (جان برتليمي): «والآن يرتفع الإنسان بنفسه لكي يصبح إنساناً أعلى يجمع بين الصفتين الإنسانية والإلهية، ويصل إلى القدسية، ولكنها قدسيةٌ هو سيدها، مادام هو الذي أبرزها، إنه يسجد أمام اللوحة، لكن سجوده هذا خضوعٌ لا يدل على أنه عبدٌ، حيث إنه هو بعينه مؤلف اللوحة، هذه نتيجة طبيعية للإنسانية الملحدة، إنها تنكر المطلق وتقيم نفسها بصفتها مطلقاً، إنها تتخلص من الآلهة وتجعل من نفسها إلهاً»[5].

خلطٌ عجيبٌ وتناقضٌ غريبٌ، وهو فوق ذلك كلامٌ مريبٌ، إنه لا يعدو أن يكون شهادة زورٍ، إذ كيف للفاني أن يصبح أبديًّا؟ وكيف للمحدود أن يكون مطلقاً؟ كيف للعاجز أن يتحرر من القادر؟ وكيف للمخلوق أن يلغي الخالق؟ بل وأن يجعل من نفسه خالقاً؟!.

هذه الأفكار كلها لا تعيش إلاّ في الأوهام، ولا تتحقق إلاّ في الأحلام، أوهام وأحلام الجاهلية الحديثة المنطلقة من الغرب، لكنها ليست من الحقيقة والواقع في شيء، إن معركة الإنسان في هذا المجال خاسرةٌ ومؤلمةٌ، وإن السقوط بعدها مريعٌ ومفجعٌ.

أما من طريقٍ آخر؟.

إن من حق الإنسان بل من واجبه -وهو مُهيَّأٌ ومُعَدٌّ- أن يسعى إلى الارتقاء في معارج السمو والكمال، فما هو الطريق إلى ذلك؟.

ليس هناك سوى طريقٌ واحدٌ رحبٌ سهلٌ ممهّدٌ معبّدٌ، إنه طريق الاعتراف والتسليم بالحقيقة والواقع، فالإله إلهٌ والإنسان إنسانٌ، الإله خالقٌ والإنسان مخلوقٌ، الإله كاملٌ وحيٌّ وقادرٌ وعالمٌ ومحيطٌ، والإنسان جزئيٌّ وفانٍ وعاجزٌ وجاهلٌ ومحدودٌ، لكنه يستطيع -وهو مهيّأٌ ومُعَدٌّ- أن يسعى نحو الكمال والحياة والقدرة والعلم والإحاطة، أو بشكلٍ أدقّ، يستطيع أن يطويَ مراحلَ كثيرةً، وأن يرقى معارجَ عاليةً في طريق هذه الصفات السامية، إنه يستطيع أن يسير في طريق الله فيصبح ربّانيًّا، لكن ذلك كله لا يمكن أن يتم إلاّ بالله وإلى الله وفي الله.

وسواء في بداية سلّم الرقيّ أو نهايته، وأول معارج السير أو آخرها، يبقى الله هو الله، والإنسان هو الإنسان، لكنه إنسانٌ إلهيٌّ، أي عبدٌ خالصٌ لله تعالى.

إن قيمة الإنسان إنما تنبع من عبوديته وعبادته، وفي اللحظة التي تسوّل للإنسان نفسه أن يتحرر من العبادة والعبودية، ويطمح لأن يتسنّم سدّة الربوبية، يأتيه السقوط في هوّة الجهل، والوقوع في مهاوي الانحطاط والضلال.

إن الإنسان لا يمكن في الحقيقة والواقع إلاّ أن يكون عبداً، فإن لم يكن عبداً لله تعالى كان عبداً لهواه وما ينتج عن هذا الهوى، ومن بعض ضروريات العبودية للهوى الخضوع للتصورات البشرية، وما ترسمه له من أهداف وطموحاتٍ، وما يعبَّر به عن هذه التصورات وتلك الأهداف والطموحات، بشكل إبداعٍ فنيٍّ من شعرٍ أو رسمٍ أو نحتٍ أو تصوير.

فإذا رأيت الإنسان ينحطّ إلى درك السجود أمام قصيدةٍ ينظمها، أو لوحةٍ يرسمها بريشته، أو وثنٍ ينحته بأدواته، فاعلم أنه قد وصل إلى أدنى دركات الانحطاط والذل والضياع، إنها العبودية للذات وهوى الذات، ولن ينفكّ حينئذٍ عن أن يكون عبداً، لكنها أسوأ وأحطّ أنواع العبودية، إنها عبودية الأنا، عبودية الهوى، إنها عبادة الذات وهوى الذات، وفي هذه الحال، سيكون لكل إنسانٍ إلهه الخاص، وصنمه الشخصي، وستكون تلك العبودية مدعاةً للتفرق والاختلاف والتنافس الدموي، والخصام العنيف، في مقابل العبودية لله الواحد، التي هي مدعاةٌ للتجمّع والتوحّد والتآلف والتعاون.

إن الإنسان في حال العبودية للذات وهوى الذات، لم يتحرر من عبودية الله ويجعل من نفسه إلهاً كما يظن، وإنما إذ انعتق من العبودية لله الواحد، فقد ارتكس في قاع العبودية لآلهةٍ شتى متناقضةٍ متصارعةٍ، وسيتغلّب في هذا الصراع القويُّ على الضعيف، والغنيُّ على الفقير، والحاكم على المحكوم، وستحل شريعة الغاب محل شريعة الله، وسيستقر الظلم والجور مكان القسط والعدل.

هما طريقان إذن، وللإبداع الفني المجال الرحب للتعبير عن كلا الطريقين، وللفنان المبدع أن يقود الإنسان بفنه الجميل في أيٍّ من الطريقين: طريق العروج والتسامي والكمال، أو طريق الهبوط والسقوط والانحطاط.

5- الإحساس بالجمال

أنى التفتَّ في هذا الكون الواسع، تجد الجمال مبثوثاً في مكوناته، منتشراً في جزئياته، موزَّعاً على أفراده وآحاده، والفنان المبدع هو الذي يكشف الغوامض ويجمع المتفرقات ويحلّل المركّبات، ويلتقط من هنا وهنالك نماذج الكمال والجمال، ويقدمها بشكلٍ أو بآخر للإنسان، الذي يأسره الجمال ويأخذ بقلبه وفؤاده، ولبّه وبصره.

والفن الإبداعي منحةٌ إلهيةٌ وموهبةٌ لم يُحرَم منها إنسانٌ، والإحساس بالفن والجمال منحةٌ أخرى يشترك فيها كل الناس، والتفاوت لا شكّ فيه في كلتا المنحتين، هنالك متعةٌ تشترك فيها الفتاة الصغيرة التي تحدّث دميتها، والطفل الذي يدفع بقطاره الطويل أو بحصانه الخشبي، والشاب الذي يقوم بدورٍ في لعبة كرة القدم،أو يطارد في حلبة سباقٍ على حصانٍ أو دراجةٍ أو على رجليه، والرجل الذي يغرق تفكيره في لعبة شطرنجٍ أو حلّ مسألة رياضياتٍ، والكيميائي وهو يراقب أو يسجل بلهفةٍ وانتصارٍ نتائج عمليةٍ مخبريةٍ، والعابد في محرابه يقف على سجّادة الصلاة، متجهاً إلى القبلة وهو يناجي ربه ويدعوه، والصوفي وهو غارقٌ في تأملاته الفكرية وتسبيحاته القلبية، وذلك المحسن الخفيُّ يحمل على كتفيه أكياس الدقيق وعلب الحلوى أو ثياب العيد، ويوزّعها في ظلام الليل على بيوت الفقراء والمحتاجين، وذلك الموظف اليقظ وقد قام بدوره في العمل، وأدّى واجبه على الشكل المطلوب، والشيخ الذي أنهى خطبته التي أمر فيها بالمعروف ونهى فيها عن المنكر، ونصح لقومه وأبناء مجتمعه، والشاعر الذي أتم بناء قصيدةٍ رفّت لها روحه وجاشت بها مشاعره، والفنان الذي انتهى به الجهد إلى رسم لوحةٍ أو نحت تمثالٍ أو عزف سيمفونيةٍ جديدة.

إن كل أولئك فنانون حساسون للجمال، يشعر كل منهم على طريقته، وبحسب رهافة حسّه ورفعة ذوقه الفني، بلذّةٍ حيّةٍ عارمةٍ وراحةٍ عجيبةٍ، إنهم جميعاً يحسون بجمال ما فعلوا، ومع ذلك فهنالك فرقٌ في درجة إحساس كل منهم بالمتعة واللذة والجمال، بحسب المرتبة الكمالية التي وصل إليها، والحجب التي انزاحت عن قلبه وعينيه، وهكذا فإن الإحساس بالجمال وكذلك الإبداع الفني يكونان بقدر الكمال الإنساني صعوداً وهبوطاً، وهذا ما يفرّق فناناً عن آخر.

6- القمر ومقاييس الجمال

ذات مساءٍ وأنا عائدٌ إلى البيت، حانت مني التفاتةٌ نحو السماء، كان القمر ساعتئذٍ بدراً مشرقاً يمتطي صهوة السماء، وخيل لي في تلك اللحظة أنه يرمقني بعينين متألقتين، ويكاد يفترّ ثغره عن ابتسامةٍ حلوة.

بدا القمر في ذلك المساء سعيداً جدًّا يضحك للسعداء، قلت في نفسي: سبحان الله الذي صوّرك أيها القمر السعيد، ما أجملك وما أحلاك؟، كم تسامَرَ في ضوئك العشّاق؟ وتسابَقَ في رسمك الفنانون؟ كم تغنّى بجمالك الشعراء؟ وكم استوحاك الأدباء وخاطبوك بأعذب الألحان والأنغام؟ ورغم تعاقب العصور وتوالي الدهور، فإنك مازلت أيها القمر الجميل أنت أنت، رمز الجمال الآسر والصنع الإلهيِّ البديع، لم يستنفذ الفنانون أغراضهم في وصف جمالك الأخاذ، ولا وصلوا من ذلك إلى غاية القصد والمرام، فما زلت توحي لكل مبدعٍ ما يخطف الأبصار ويسحر البصائر، ويدهش العقول ويأسر القلوب ويحيّر الألباب.

كنت وأنا أجيل هذه اللمحات في ذهني، قد وصلت إلى البيت، وانقطع التفكير بما كنت فيه أو هكذا خيل إليَّ، وفيما أنا مستلقٍ على فراشي، شرد ذهني ثانيةً نحو القمر السعيد، وتصورت نفسي أمام جمعٍ غفيرٍ وأنا أقول لهم: انتظروني هنا، أنا صاعدٌ إلى هذا القمر الجميل، أريد أن أحصل منه على مقاييس الجمال!!.

فغر الجميع أفواههم وراحوا ينظرون إليّ مندهشين، ماذا يقول؟ ما الذي حصل لعقله؟ يصعد إلى القمر ليحصل على مقاييس الجمال؟ ماذا جرى له؟ عهدنا به رصين الفكرة متّزن الكلام عاقلاً، فماذا جرى له اليوم؟.

تخيّلتُ أني تركت الجميع في دهشتهم ولم أحفل بنظراتهم، ولم أُلقِ بالاً إلى تصوراتهم عني، فتحت درج مكتبي وتناولت ورقاً وقلماً ومتراً طوليًّا و «فرجالاً ومنقلةً» وأدواتٍ هندسية أخرى، وامتدّت يداي إلى حبل قد تدلى من السماء، وركبت الطريق الأقصر إلى القمر.

لم يكن الطريق -كما تخيلته- صعباً، ولا وعراً، ولا بعيداً، بل كان معبّداً بإتقانٍ فائقٍ، مضاءً بعنايةٍ بالغةٍ، وكان إلى هذا قصيراً جدًّا لم يستغرق الغدوّ إليه والرواح منه أكثر من دقائق معدوداتٍ، لكن الغريب والمدهش حقًّا، أنني عندما وصلت إلى القمر، وتأمّلته من كافة جوانبه، أنكرت نفسيَ واتّهمت عينيّ، وأُصبت بخيبة الأمل، لم يكن القمر عن قُربٍ كما كنا نراه عن بُعدٍ، لم يكن كما يصفه السُّمّار من الأدباء، ولا كما يتخيله العشاق من الشعراء، ولا كما يفكر به الحالمون من الحكماء، ولا كما يقول عنه العقلاء والحلماء من الظرفاء.

عندما عاينت القمر عن قُربٍ، لم أجد له فماً وعينين، ولا أنفاً ولا أذنين، كما رسمه الفنانون المبدعون، وكما كان يبدو لي أنا شخصيًّا قبل قليلٍ، عندما كنت أنظر إليه وأنا أمشي على الأرض، بل لم أجد له وجهاً ولا ظهراً ولا بطناً.

عندما تأملت القمر عن قُربٍ، وجدته شيئاً آخر لا يمكن أن يعجب الشعراء والأدباء، ولا يمكن أبداً أن يروق للسُّمّار والعشاق والظرفاء، وجدته شيئاً آخر سينكرونه ولا يعرفونه لو رأوه كما رأيته وعاينوه كما عاينته.

ما الذي تغيّر؟ من الذي سيصدق ما أقول؟ وما جدوى أن أقول للناس ما ينكرون ولا يعرفون؟!.

وتذكّرت في تلكم الحال، أمثال الظرفاء وأقوال الحكماء والعلماء، فعدتُ إلى الأرض راضياً، وولجت البيت مبتسماً، دون أن أواجه أولئك المتجمهرين المنتظرين في الخارج، وعندما أفقت من شرودي وجدتُني أردد قول أحد الشعراء الناطقين بالحكمة:

أيها الشاكـي وما بـك داءٌ

كن جميلاً ترى الوجود جميلاً

نعم هذا هو مقياس الجمال، وليس الأمر كما يدّعي الفارغون، إن الجمال الحقيقي لا يقاس بالأدوات الهندسية التي يستخدمها هؤلاء المأفونون، ولا بالقواعد العقلية الجامدة التي اصطلحوا عليها، إن للجمال مقياساً واحداً لا يخيب أبداً، وقاعدةً ثابتةً لا تتخلفّ في يومٍ من الأيام، وهي أن ما كان من صنع الخالق الحكيم فهو في غاية الجمال والإتقان، كيفما كان شكله، وكيفما بدا لونه، وأيًّا كانت آثاره، وما كان من صنع المخلوق، فكل امرئٍ ينظر إليه بعيني نفسه، فإذا رأته عيناه جميلاً، لم تفقد عينا غيره حريتهما في أن ترياه كما تريدان جميلاً أو غير جميل.

هكذا نرى فطرة الناس تنظر إلى القمر وإلى الشمس، وإلى السماء وإلى البحر، وكذلك إلى باقي مخلوقات الله سبحانه وتعالى في الكون الفسيح الجميل، وهذه هي النظرة الصحيحة السليمة.

7- الجميل المطلق وعلم الجمال

الله جميل ويحب الجمال، وهو الجمال المطلق، ولذلك فإنه سبحانه عندما خلق الكون وهبه الجمال.

فالكون جميلٌ، وكل ما فيه جميلٌ كذلك، فالسماوات والأرضون، الشموس والأقمار والكواكب والنجوم... جميلةٌ بأشكالها، بنظامها، بترتيبها، بارتباطاتها، بحركتها، بفعالياتها، كل ما فيها بديعٌ وجميل، النبات والشجر، الطيور والهوام، الحيوانات والوحوش، جميلةٌ كلها جزءاً وكلاًّ، جنساً وفصيلةً، فرداً وجماعة، والإنسان أجمل ما في هذا الكون الجميل، خلقه الله الجميل بيديه، ونفخ فيه من روحه، وصوّره فأحسن صورته، فهو مثال الجمال، لأنه من الله بدأ، وإليه يعود.

فالكون كله -والإنسان أغلى وأعلى مفرداته- هو موضوع علم الجمال، والفن الحقيقي والجميل -نحتاً كان أو رسماً أو تصويراً، موسيقى كان أو غناءً وحداءً، نثراً أو شعراً- هو الذي يستمد من هذا الجمال، يحاكيه كما هو، يصوّر واقعه، وينظر إليه متحرّكاً نحو الله تعالى، يسير نحو جماله وكماله، ينطلق هادفاً ويسعى قاصداً -بكل الجمال والجلال والبهاء والكمال- نحو الجمال المطلق والجلال المطلق والكمال المطلق والبهاء المطلق، نحو الله البهيِّ الكامل، الجميل المطلق.

لقد بثّ الله سبحانه الجمال والجلال في مخلوقاته بتوازنٍ عجيبٍ، وإتقانٍ بديع، فعلم الجمال هو البحث عن بديع صنع الله تعالى في مخلوقاته، عن النظام العجيب في الكون، عن قانون الكينونة في الجمادات، عن سرّ النموّ ومغزى الحياة في الأشجار والنباتات، عن سر الحركة والتكاثر في الطيور والحشرات والحيوانات، عن سر الموران والفوران في المنابع والأنهار والبحار والمحيطات، عن النور الذي يشد الإنسان جسداً وروحاً وعقلاً وقلباً إلى الله سبحانه ﴿يا أَيُّهَا الإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ[6].

علم الجمال الحقيقي، هو الكشف عن هذا الإتقان في الصنع، عن عدم العبثية في الخلق، هو إزالة الركام عن هذا الرباط الوثيق الذي يشد المخلوق إلى الخالق، هو إماطة اللثام وإزالة الحجاب عن هذا السير الحثيث المستمر نحو الله الجميل الجليل.

إذن مع الواقع ومنه ينطلق علم الجمال، لا ليظلّ في الواقع ولا ليكرّسه كما هو، وإنما ليتسامى به، ليزيد في إشراق جمال الخالق على الخلق، وليساعد الإنسان على تلقّي النور الإلهي، وليزيل عنه ما لحق به من الشوائب والأدران والكدورات، وليزوّده بالطاقة والقدرة على السمو، والارتقاء، والكمال، ومواصلة الرحلة إلى الله.

هذا هو علم الجمال على حقيقته، وهكذا ينبغي أن يكون، وهكذا فهمه المسلمون، فهو خلاصة كل العلوم الأخرى، وفارسها المجلّي في ميدان الحياة، ومصباحها الهادي في ظلمات الطريق.

أما الذين تناولوا هذا العلم من الغربيين والمتغرّبين على السواء، فقد جعلوا منه علماً غامضاً، طلسماً من الطلاسم لا يُفهَم أوله من آخره، ولا مضمونه من هدفه، ذلك أنهم جعلوا اللذة هي المقياس، وهي الغاية والهدف، وهي الوسيلة والنتيجة، فتاهوا في نظرياتٍ متناقضةٍ بحثوا فيها كل شيءٍ سوى الجمال وعلم الجمال:

- فمنهم من ردّه إلى الإبداعات الطبيعية في الكون، بما هي طبيعةٌ خلاّقةٌ مبدعةٌ، رغم أنه لا يرى في هذه الطبيعة سوى المادة.

- ومنهم من حصره في الإبداعات البشرية، من مختلف فنون الرسم والنحت والتصوير والتشكيل والموسيقى والغناء والشعر، وما إلى ذلك.

- ومنهم من سجنه في إطار الواقع البشري، أيًّا كانت درجة هذا الواقع ومستواه من الجمال أو القبح، وما يحتويه من الخير والشر، أو العدل والجور.

- ومنهم من انطلق به من إسار الواقع، فربطه باكتمالٍ معيّنٍ للوجود، دون تحديد هذا الاكتمال وذلك الوجود.

- ومنهم من ضيّق عليه كثيراً، فحدّدة بضوابط العقل وقواعد الفلسفة ومقاييس المنطق.

- ومنهم من ارتقى به فجعله فوق العقل وضوابطه، ووراء الفلسفة وقواعدها، وخارج إطار المنطق ومقاييسه، شأنه في ذلك شأن الحق والخير.

- ومنهم من استقى مفهوم علم الجمال من الفلاسفة، ومنهم من خصّ به الفنانين أنفسهم، وأصحاب الاختصاص في شؤون الجمال ومقاييسه، وشجونه وفنونه، إلى آخر ما هنالك من نظرياتٍ متناقضةٍ متضاربة.

أما نحن -المسلمين- فيعلّمنا إسلامنا أن نربط الجمال بالخالق الجميل، الذي له وحده الجمال والجلال، وأن ننظر إلى مخلوقاته كلها على أنها في غاية الجمال لصدورها عن الجميل الجليل، وأن نعتبر أن علم الجمال هو البحث الجادّ الدائم المستمر عن ظلال الجمال والجلال والكمال في مخلوقات الله عزّ وجلّ، المبسوطة في الكون، بأشكالها وصورها وألوانها وروحها وجوهرها، وتوازنها والنظام الذي يسري فيها، وحركتها الدائبة الهادفة، ووحدة توجهها نحو السمو والارتقاء، والعروج نحو الخالق الجميل الجليل.

إن علم الجمال إذن هو خلاصة العلوم، وعصارة الجهود الإنسانية المتلاحقة، وإن خير من نقتبس منهم أسس وأصول ذلك العلم هو الأنبياء والرسل، وأوصياؤهم وأولياؤهم.

وبين أيدينا اليوم الذكر المحفوظ، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ألا وهو القرآن الكريم ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ[7]، فهل نستطيع اليوم أن نتلمّس الجمال ومواطنه، وعلم الجمال وأسسه وقواعده في هذا القرآن الكريم؟!.

8- الفن ومعالم الجمال

هنالك سؤالٌ مهمٌّ لا يزال يلحّ على الفكر الإنساني بشكلٍ دائمٍ، فهو سؤالٌ مستمرٌّ في كل زمانٍ ومكانٍ، وينطلق على كل شفةٍ ولسانٍ، وهو السؤال لذي يتعلق بالجمال: ما هو؟ وما هي معالمه؟ وكيف يمكن شدّ الأنظار إلى هذه المعالم وإبرازها؟.

ولقد تخبطت المذاهب الفكرية والفلسفات الوضعية ولا تزال، في الإجابة عن هذا السؤال تخبطاً كبيراً، وأجابت إجاباتٍ كثيرةً متناغمةً ومتناقضةً، كان أبرزها ما قدمته الفلسفة المادية المعاصرة، عن الجمال المادي الظاهري في الكون، والذي تظهر معالمه على السطح الخارجي للشيء أو للجسد، والذي يعبّر في الأعم الأغلب عن النواحي الشهوانية والترفيهية للإنسان المادي المعاصر، ويحاول أن يشبعها.

أما نحن المسلمين فنرى في الجمال نواحيَ أخرى أهم، تكمن خلف هذه المظاهر السطحية، ونلمح له معالمَ أعمق، تختلف عن المعالم الخارجية للشيء أو الجسد وتغايرها.

لنقف أمام لوحةٍ تعبّر عن غروب الشمس أو شروقها مثلاً، ولتكن اللوحة أمينةً للواقع، بحيث تشعرنا وكأننا فعلاً أمام الظاهرة الطبيعية لشروق الشمس عند الصباح، أو غروبها عند المساء، وبغض النظر عن اختلاف المنظر في كل يومٍ تبعاً لزاوية الشروق أو الغروب، وتبعاً لكل فصلٍ من فصول السنة، فإننا نكون أمام منظرٍ ليس بحد ذاته جميلاً أو غير جميل، وإنما هو كذلك بما يرمز إليه ويمهّد له من حقائقَ وأفكارٍ وأحاسيس.

فشروق الشمس مثلاً، بما يرمز إليه من يومٍ جديدٍ يحمل في طياته أملاً جديداً، ويتيح للإنسان متابعة طريق الكدّ والسعي والعمل، فهو من هذه الناحية جميلٌ، لأنه يفيض بالأمل ويبعث على العمل، إذ إن شروق الشمس بهذا المعنى في الأفق، يمثل إشراقة النور في القلب، ويرمز إلى الولادة التي تفضي إلى الفتوّة المتفتحة، وإلى الشباب المتوثب، ثم إلى الرجولة المشحونة بالعزم المشبوب، للسير في دروب التحصيل للعلم أو للعمل أو لكليهما معاً.

أما بالنسبة للمريض اليائس من الشفاء، أو العاجز الكاره للحياة وعبئها الثقيل عليه، المتطلع إلى الخلاص من هذه الدنيا، فإن شروقاً آخر يعني عبئاً جديداً عليه، وحملاً ثقيلاً على كاهله، فهو في أعماقه يكره هذا الشروق ويتمنى ألَّا يتكرّر.

وغروب الشمس هو الآخر، قد يثير في الإنسان لأول وهلةٍ مشاعر الحزن والانقباض، بما يرمز إليه من انقضاء العمر وقرب الأجل، وانقطاع العمل وموت الأمل، أو غياب الأحباب وغروب شمس الأحلام والأماني العذاب، لكن الإنسان إذا نظر إلى الوجه الآخر لغروب الشمس، لوجد أنه ربما يرمز إلى أفول نجم الاستكبار، والخلاص من المعاناة، وإلى التحرر من طوق العبودية، والتخلص من ذل التبعية، وإلى الراحة بعد التعب والاستكانة بعد النصب، وإلى الخلود لنومٍ لذيذٍ في ظلامٍ مطبِقٍ أو ضوءٍ خافتٍ، بعد نهارٍ يعجّ بالكدّ والسعي، ويمور بالحركة، ويطفح بالنور المبهر، ويشتد في العجيج والضجيج، فتتوتّر الأعصاب وتضطرب الأفئدة وتتحفّز الأحاسيس، حتى ليبدوَ الإنسان في أشد الحاجة إلى خلوةٍ أو هدنةٍ، يعيد خلالها لأعصابه هدوءها، ولفؤاده طمأنينته، ولأحاسيسه راحتها، استعداداً ليومٍ جديدٍ وشأنٍ جديدٍ.

ومثالٌ آخر، دعونا نراقب -من بعيدٍ طبعاً- أسداً في غابة، تلاحظ أبصارنا أعضاءه المتناسقةَ، وتراكيبَ جسمه البديع، ويلفت انتباهنا هيبة لبدته وجمال لونه، وتنشدّ أحاسيسنا إلى مظاهر جرأته وقوته وسرعته، إلى آخر ما تسوقنا إليه التأملات في ماهيته الخارجية، والمظهر السطحي لجسده وتكوينه البدني، فلا شكّ ولا ريبَ أننا سنراه جميلاً، وسنراه أجمل من ذلك بكثيرٍ إذا شاهدناه قرب عرينه، يداعب لبوته ويلاعب جراءه، ويسابق أشباله ويدربهم لتكون لهم مثل قوته وهيبته، وجرأته وسرعته، وحنكته في الصيد.

لكن دعونا نرى هذا الأسد في حالةٍ أخرى، وهو يعدو خلف فريسته الوادعة الأنيقة الجميلة، يطاردها بلا هوادةٍ ويضيّق عليها الخناق فلا تجد لها منه مفراً، ويتحفّز للوثوب عليها وافتراسها عند اللحظة الحاسمة، وقد وثق أنها قد أصبحت في قبضته وتحت سيطرته، ثم يجرّها -بعد أن يشبع نهمه منها- إلى لبوته وجرائه، ثم لا يصدر عنها إلاّ بشدقٍ مصطبغٍ بالدماء الحمراء، تُرى هل سنراه في هذه الحالة جميلاً كما رأيناه من قبل؟، أم سنراه وحشاً مفترساً مرعباً يهزّ بزئيره أعماق النفوس، ويخلع الخوفُ منه الأفئدةَ من القلوب؟ وسترتعد فرائصناً رعباً وخوفاً وتطير أفئدتنا هلعاً لو تصورنا أنفسنا بين يديه بدلاً من تلك الفريسة المسكينة؟!.

هذا مع علمنا وتسليمنا أنه إنما يمارس دوره وحقه الطبيعي في الحياة، ويأخذ من الكون حصته وحصة أشباله وجرائه ولبوته، من الغذاء الذي لا سبيل له إليه إلاّ بهذه الطريقة التي ليس له سواها، إذ لا سبيل له إلى البقاء والغذاء وممارسة الحق الطبيعي في الحياة، إلاّ بافتراس ما يقع تحت يديه من هذه الطرائد، صغيرةً كانت أم كبيرةً، مسالمةً أم معتديةً، وديعةً أم مؤذيةً، جميلةً أم قبيحةً.

هذه الحال نفسها تنطبق على الإنسان تمام الانطباق، فالإنسان بما هو مخلوقٌ حيٌّ يتمتع بجمالٍ كجمال الأسد، بل هو أتمُّ خلقةً وأكمل تكويناً، وأكثر جمالاً من الأسد، بل ومن كافة المخلوقات الأخرى بلا استثناء، بما حباه الله تعالى من نعمة العقل والتفكير، وبما أودع فيه من خصال الرأفة والرحمة.

هذا الإنسان عندما يلاطف زوجته ويلاعب أطفاله، ويكون رفيقاً بأهله وإخوته، وديعاً مع أهله وجيرانه، مسالماً لبني قومه وبني جلدته، يصبح أكثر جمالاً وأبهى رونقاً، وكذلك عندما يقاتل دفاعاً عن نفسه أو أسرته، أو بني وطنه وقومه، أو بني جلدته وجنسه، حتى ولو اضطرّ أحياناً إلى الجرح بل إلى القتل، لكنه عندما يقاتل غيره معتدياً على نفسٍ أو مالٍ أو أرضٍ أو عرضٍ، فقد تجرّد حينئذٍ من كل جمال الإنسان، بل وحتى الحيوان، وغدا وحشاً مفترساً مرعباً، والإنسان في هذه الحال قبيحٌ، وقبيحٌ جدًّا، لأنه تجرّد من إنسانيته، وخالف فطرته، وخرج عن دوره المرسوم له في الحياة.

لنمض الآن إلى مثالٍ آخر، البناء جميلٌ والهدم قبيح، هذا بشكلٍ عام، إلاّ أنه لن يتأكّد هذا الجمال وذاك القبح قبل أن نعرف الغاية التي سيؤدي إليها كلٌّ من البناء والهدم، والمصير الذي سيؤولان إليه.

فإذا كان هدم دارٍ -مثلاً- يتم عن رضاً تامٍّ من صاحبها، لإقامة دارٍ جديدةٍ أفضل من سابقتها وأنسب له منها، أو لشقّ طريقٍ عامّة للسيارات، تجمّل المدينة وتخفف من زحام المواصلات فيها، فهو إذن عملٌ جميلٌ وحضاريٌّ، أما إذا أفاق أهل قريةٍ أو مدينةً فلسطينيةٍ على وقع المعاول تهدم داراً من دورها، أو حيًّا من أحيائها، وتشرّد منه أهله لأنهم -مثلاً- يقومون بواجب الدفاع المشروع المقدّس عن أرضهم ومقدّساتهم، وأنفسهم وإخوانهم، أو لأن إسرائيل الغاصبة تخطط لإقامة مستوطَنةٍ يهوديةٍ على أنقاض هذا الحي أو القرية الفلسطينية، فهو عمل لا شكّ ولا ريبَ شنيعٌ وقبيحٌ جدًّا، وهو عملٌ وحشيٌّ لا حضاري، لأنه اعتداءٌ صارخٌ على الغير، واغتصابٌ سافرٌ لحقوقه وممتلكاته.

الحرب والسلام كمثالٍ أخير، السلام هو حالة الأمن والاستقرار الأساسيين والضروريين لكافة المجتمعات الإنسانية، وهو لهذا جميلٌ جدًّا، أما الحرب فهي حالةٌ عارضةٌ واستثناءٌ مؤقّت، ولهذا فهي قبيحةٌ جدًّا ومستنكرةٌ وغير مشروعةٍ إذا كانت عدواناً على الغير، كالعدوان الصهيوني الغاشم على الأرض والشعب والمقدّسات، الذي قلع الشعب الفلسطيني من أرضه وطرده منها، وزرع اليهود المستدرَجين من آفاق الأرض وأقطارها محلّه، ومحا اسم فلسطين من خارطة العالم، وأحل محلها دولة إسرائيل، ولا زالت إحدى عيني الصهيونية حتى اليوم على الفرات، والعين الأخرى على النيل، ولازال شعار الصهيونية القديم هو شعارها الجديد: حدودكِ يا إسرائيل، من الفرات إلى النيل.

وتكون الحرب مقبولةً ومشروعةً -على ما فيها من آلامٍ ومآسٍ وتضحيات- إذا كانت تصدّياً للغزو وردًّا للعدوان، ودفاعاً عن النفس والأرض والمقدّسات، ومن الجميل والمناسب أن تنتهيَ كل حربٍ إلى سلام، سلامٍ يقوم على العدل وإنصاف المظلوم، وإعادة الحق إلى صاحبه، وبالتالي العودة إلى العيش بسلامٍ ومودّةٍ مع الآخرين، أما السلام الذي يقوم على تكريس الاعتداء، وإقرار نتائجه وإضفاء صفة الشرعية عليها، ليعيش المعتدي بسلامٍ على الأرض التي اغتصبها، وبديلاً عن الشعب الذي شرّده منها، أو شريكاً له فيها، فهذا أمرٌ شنيعٌ وقبيحٌ، إنه ليس بسلامٍ أبداً، إنما هو مجرّد هدنةٍ مؤقتةٍ، وحربٍ مؤجّلةٍ إلى حين، بمعنى أن هذا السلام ليس عادلاً ولا شاملاً ولن يدوم طويلاً، لأنه لن يلبث أن يتصدّع، لتشبّ نيران الحرب من جديد، لاستعادة الحق أو لاستكمال الاعتداء.

لقد ظهر لنا جليًّا -في كل ما قدمنا من أمثلةٍ- أن الجميل إنما هو خلقُ الله، أي الكون بما يحويه من كواكبَ سيارةٍ ونجومٍ لامعةٍ، ومن ظواهرَ وأشياءٍ، ومن جبالٍ وبحارٍ وجماداتٍ، ونباتاتٍ وحيوانٍ وإنسان، وأن الجمال في كل هذه المخلوقات كامنٌ في الفطرة الربانية وفي السنن الكونية، التي أودعها الخالق عزّ وجلّ في خلقه، وأن القبح -بمعنى الخروج عن معاني الجمال ومعالمه- إنما يظهر على هذه المخلوقات عند مخالفتها للفطرة الإلهية، ومعاكستها للسنن السارية في الكون.

والفن -بكل أشكاله وأنواعه- هو المسؤول عن إزالة الركام القبيح عن معالم الجمال ومظاهره في خلق الله تعالى، وإبرازها جليةً واضحةً، نقيةً صافيةً، تتناغم مع الفطرة، وتنسجم مع السنن، ولا تصادم الواقع وإن لم تتجرّد عن الخيال.

والفنان هو من يلتزم القيام بدوره الرائد في إظهار الفطر السوية، وتمييزها عن الفطر المنحرفة، وفي الكشف عن السنن الكونية الثابتة، وتحريرها من تزييفات المدلّسين وتخرّصات المبطلين وتلبيسات المفسدين، وتبرز حقائق الكون وجواهر الوجود عاريةً عن أهواء المنحرفين وأباطيل المحرّفين.

وإنه لا يمكن -بحالٍ من الأحوال- الاستغناء عن الفن أو تجاهل دور الفنان، في تمحيص الحق من الباطل، والخير من الشر، والعدل من الجور، وفي كشف معالم الجمال ومظاهر القبح في الأشياء والفطر والسنن، وإبرازها بشكلٍ واضحٍ يشدّ الإنسان للحفاظ على معالم الجمال، والعودة إلى محورها الثابت كلما حصل الانحراف عنه قليلاً أو كثيراً، وينفّره من مظاهر القبح المتمثل في الاعتداء على خلق الله تعالى، ومعاداة السنن الكونية الثابتة، والانحراف عن الفطر الإلهية السوية، ويدعوه دائماً لمجانبة كل مظاهر القبح، والتمحور حول معالم الجمال في الخلق والفطر والسنن.

--------------------------------------------------------------------------------

[1] (رسالة القوانين) لأفلاطون، عن كتاب الدكتور علي لاريجاني (تأملات في ماهية الفن الديني)، نقلاً من صحيفة (كيهان العربي) الأسبوعية، عدد 3545 ص 7.

[2] جان برتليمي، (بحث في علم الجمال) ص 585.

[3] سورة الجمعة، الآية 8.

[4] سورة النساء، الآية 78.

[5] جان برتليمي، (بحثٌ في علم الجمال) ص 586.

[6] سورة الانشقاق، آية: 6.

[7] سورة الحجر، آية 9.


ارسل لصديق