حرية الرأي.. وتأصيل الاستبداد
كتبه: الشيخ زكريا داوود
العدد (40) السنة 18 - 1428هـ/ 2007م
التعليقات: 0
القراءات: 2117

المتأمل في الأحداث التي تقع في عصرنا الراهن يخرج بنتيجة أن النخب السياسية والفكرية لا تقرأ التجارب بشكل صحيح، ومن المهم جدًّا لكل أمة تطمح للرقي الحضاري أن تكون قادرة على وعي المتغيرات وقراءة تجارب الفشل والنجاح، وما لم تصبح قراءتنا لتاريخنا وواقعنا وفق أسس موضوعية بعيدة عن التحيز والتعصب فإن نتائجها تكون خاطئة، بل وفي كثير من الأحيان مدمرة لمنجزاتنا ومكتسباتنا التي تراكمت عبر أجيال عديدة.

وأبرز الأزمات التي تعيشها أمتنا في عصرنا الراهن مسألة الطائفية.. والتعامل مع الرأي الآخر، ومن الواضح أن الطائفية كموضوع يمثل في أحد جوانبه أزمة في النظر للآخر وطرق التعامل معه فكريًّا واجتماعيًّا وسياسيًّا، فالموضوعان الأزمة مترابطان ومتداخلان وأحدها يمثل وجهاً للآخر، وينبغي أن نتعامل معهما بشكل دقيق كي لا تتفاقم الأزمات.

في البعد الطائفي تتداخل عوامل عدة لتزيد الواقع تأزُّماً، فالاستعمار تاريخيًّا والأنظمة السياسية وتأصل قيم الاستبداد كلها ساهمت بشكل واضح في تشكيل الأزمة الطائفية، إذ ليس الواقع المر الذي نعيشه سوى نتيجة لكل تلك الممارسات الخاطئة في التعامل مع واقع الاختلاف داخل الأمة، فالاستعمار كان مدركاً وعارفاً بشكل كبير بتنوع النسيج الاجتماعي والعرقي والثقافي الذي تعيشه أمتنا الإسلامية، وأن ذلك التنوع يعيش بسلام ووئام، وأن تداخلاً عميقاً يجري بينها حتى ليكاد يمحو التمايزات والفروق فيما بينها.

ولأن السياسة الاستعمارية تهدف بالدرجة الأولى للقضاء على كل مقومات النهوض الحضاري لأمتنا ومن ثم السيطرة على مواردها؛ فإن أفضل الطرق لذلك هي إذكاء وتأجيج الفتن الداخلية من خلال إحياء وتضخيم أسس الاختلاف الطائفي في أمتنا، وبالطبع أرضية التخلف التي تعانيها الأمة تساعد بشكل كبير في تفاعل تلك الأسس في تشكيل الأزمة وإعادة صياغتها، إذ ليس للقوى الاستعمارية قدرة على تمرير مخطط الفتنة لو لم تكن الأرضية والنفسية العامة مهيأة لها، وهنا لا بد من قراءة دقيقة لمنظومة المعرفة التي تتحكم في عقلية الأمة، حتى نضع أيدينا على مكمن الخلل وأسّ الأزمة.

وفي ظني أن تأصل قيم الاستبداد في عقلية الأمة هي التي تشكل الأرضية الخصبة لنمو كل أزماتنا سواء في تاريخنا أو عصرنا الراهن، وتتضح الصورة بشكل جلي من خلال تأملنا في كيفية تعامل النخب الدينية والفكرية والسياسية مع الرأي المختلف، أيًّا كان سبب الاختلاف، ولعل ما ساعد على تأصل الاستبداد هي الأنظمة السياسية التاريخية كالأمويين والعباسيين والعثمانيين الذين مارسوا البطش والإرهاب مع من يختلفون معه، وكان السيف أصدق أنباءً من الكتب كما يقول شاعرنا العربي أبو تمام، بل سعت تلك الأنظمة لتسخير المعرفة وروادها من أجل تأصيل قيم الاستبداد وتدجين عقلية الأمة لتتعايش مع النظم المستبدة، ليصبح السيف هو الحاكم الأوحد في حل كل قضايانا والتعامل مع أزمات واقعنا، يقول أبو تمام:

السيف أصدق أنباءً مـن الكتب

في حده الحد بين الجد واللعب

بيض الصفائح لا سود الصحائف

في متونهن جلاء الشك والريب

ويقول أبو الطيب المتنبي:

حتى رجعت وأقلامي قوائلُ لي

المجد للسيف ليس المجد للقلم

وقد شعر العديد من أحرار أمتنا بالأزمة التي تعانيها الأمة في تعاملها مع الرأي المختلف، وأن البطش والإرهاب متأصل في سلوكيات الحاكم والمحكوم، فالحاكم بما أنه يملك القوة والسلطة فإنه زعم أنه يملك الحق والحقيقة، وأن كل ما يقوم به هو الصواب والرشد، وأن في خلافه الضلال والتيه والبعد عن الدين، لأنه دشن في عقلية الأمة أنه يمثل الله في كل ما يقوم به، وأنه لا يمكن أن يخطئ، ولعل عصرنا الراهن شاهد على ذلك فلم نسمع أن شخصاً وقف أمام حاكم عربي ليقول له: إن سياستك خاطئة، بل جلّ ما نسمعه من إعلامنا العربي هو تسبيح وحمد لحاكمنا العربي الأوحد في قدراته الخارقة، وأفضل تعبير عن حالة كهذه ما قاله الشاعر العربي أبو العلاء المعري وهو ينتقد إملاء الحاكم أفكاره الخاطئة ورؤاه السقيمة على الأمة التي لا تملك إلا أن تقر وهي ترى السيف مسلّط على رقبتها وتقول: نعم لكل ما يريد حاكمنا العربي.

يقول أبو العلاء المعري وهو يصف ذلك بأبلغ أسلوب وأجمله:

جلوا صارماً وتلوا باطلاً

وقالوا: صدقنا، فقلنا: نعم

وما ساعد على تأصل قيم الاستبداد في واقع الأمة هو التحالف بين الاستبداد السياسي والديني، حيث فتح السلطان أبوابه للوعاظ وأنصاف العلماء، ومدهم بالمال والسلطة؛ ليفرض أولئك آراءهم وثقافتهم وما يؤمنون به على الأمة تحت غطاء الدين، ليكرسوا في عقلية الأمة مبدأ الطاعة التامة وحرمة المساءلة والمناقشة لأي رأي سواء في مجال السياسة أو الدين، فالسلطان يهمه إطاعة أوامره وما يقرره من سياسات، والمؤسسة الدينية المرتبطة به تسعى لفرض تفسيرها للدين وقضاياه حسب رؤاها وما تؤمن به، وهنا تلتقي المصالح وتتوافق الرغبات ليتم التحالف الصريح أو الخفي على حساب الرأي الآخر الذي غالباً ما يمثل الحقيقة لبعده عن الهوى والمصالح والسلطة.

ولعل أبرز مثال له في عصرنا الراهن بالنسبة لتحالف المؤسسة الدينية والسياسية هو تخويفهم من الرأي الآخر الذي يعطي لقضايا الدين قراءة أخرى ويسعى للتأصيل لمبدأ الحرية في التعبير والاعتقاد والسياسة ويرفض وصاية السلطان على معتقد الناس وأرائهم الدينية، لأن الإيمان بالدين لا يتم من خلال التقليد أو الجبر والإكراه بل يدشن الدين والقرآن الكريم أصل التعقل في تعاملنا مع كل قضايانا وبالأخص ما يمس العقيدة والإيمان الديني، ويأمر الأمة أن تكون قناعاتها منطلقة ومبنية وفق أسس منطقية وعقلية وليس من خلال تقليد الآباء أو العرف الاجتماعي أو رأي السلطة، فالدين أمر يرسم مسار الإنسان في الحياة كلها دنياً وآخرة، لذا فإن من الخطورة بمكان أن نجعل السلطة التي لم تؤتمن على مواردنا المادية أمينة على معتقداتنا الدينية، وهنا تكمن ضرورة التعقل في القرآن الكريم.

وليست مسألة تخويف الأمة من التشيع وتهويل القضية تحت مسمى التبشير الشيعي إلا سلسلة تندرج ضمن تحالف السلطة المستبدة ورجال الدين الذين تشربوا الاستبداد لطمس وإخفاء الرأي الآخر المختلف، كما أنه يمثل عجزهم عن الحوار والنقاش الحر وضعف الحجج والبراهين التي تستند عليها السلطتان الدينية والسياسية، وإلا فما هو مبررهما من كل هذا التهويل إذا كانت السلطتان تملكان القدرة على إقناع الأمة برؤيتهما وتفسيرهما لما هو ديني أو سياسي، وما الضير من تعرُّف الأمة على عقيدة الشيعة من خلال علمائهم ومفكريهم وتأمل أدلتهم وحجج معتقداتهم وأرائهم عبر قنواتهم هم وليس عبر قنوات تختلف معهم أو تحاربهم.

إن الأمة مدعوة الآن أكثر من أي وقت مضى لتفحص عقيدة أهل البيت (عليهم السلام) التي يؤمن بها الشيعة الإمامية من خلال مصادرهم وكتبهم وعلمائهم ومفكريهم، وليكن الحكم من خلال إعمال العقل والفكر وليس التخويف والتشويه والكبت وقمع الرأي الآخر، وعند ذاك يمكن أن نضع أيدينا على حل أزمة الطائفية؛ لأن الفكر والمعرفة أكثر قدرة على تحقيق التقارب والتآلف بين أبناء الأمة، فالفكر والرأي المختلف لا يمكن التعامل معهما إلا بأدوات فكرية ومعرفية وليس من خلال التخويف، لأن التخويف يدل بشكل صريح على العجز والاستبداد.

قال الله تعالى في محكم كتابه العزيز: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ[1].

--------------------------------------------------------------------------------

[1] سورة آل عمران، الآية 64.

الشيخ زكريا داوود

ــ ‬عالم‭ ‬دين،‭ ‬باحث‭ ‬إسلامي‭.

ــ من‭ ‬مواليد ‭‬1388هـ،‭ ‬التحق‭ ‬بالمدارس‭ ‬الأكاديمية،‭ ‬حتى‭ ‬سن‭ ‬الخامسة‭ ‬عشرة،‭ ‬ثم‭ ‬هاجر‭ ‬إلى‭ ‬طهران‭ ‬سنة ‬1404هـ‭ ‬والتحق‭ ‬بحوزة‭ ‬الإمام‭ ‬القائم‭ ‬العلمية،‭ ‬وتتلمذ‭ ‬على‭ ‬ابرز‭ ‬أساتيذها‭ ‬آنذاك،‭ ‬نذكر‭ ‬منهم: * ‬سماحة‭ ‬العلامة‭ ‬الحجة‭ ‬الشيخ‭ ‬نمر‭ ‬النمر * سماحة‭ ‬العلامة‭ ‬الحجة‭ ‬السيد‭ ‬علي‭ ‬أصغر‭ ‬المدرسي .  * آية  الله السيد علي المددي. * الفقيه العارف آية الله السيد كاظم المدرسي.‬

ــ ‬في‭ ‬العام‭ ‬1410هـ‭ ‬سافر‭ ‬إلى‭ ‬مدينة‭ ‬الشام،‭ ‬السيدة‭ ‬زينب (عليها السلام)،‭ ‬وحضر‭ ‬أبحاث‭ ‬أصحاب‭ ‬السماحة‭ ‬آيات‭ ‬الله:  * ‬السيد‭ ‬إبراهيم‭ ‬الزنجاني.‬  * الشيخ‭ ‬المحمدي‭ ‬البامياني‭ ‬الأفغاني.‬ وفي‭ ‬أبحاث‭ ‬خارج‭ ‬الفقه‭ ‬حضر‭ ‬عند * ‬آية‭ ‬الله‭ ‬العظمى‭ ‬السيد‭ ‬محمد‭ ‬علي‭ ‬الطباطبائي.‬ * ‬آية‭ ‬الله‭ ‬السيد‭ ‬عباس‭ ‬المدرسي.‬

ــ  مستشار في ‬مجلة‭ ‬البصائر‭ ‬الدراساتية،‭ ‬التي‭ ‬تصدر‭ ‬عن‭ ‬مركز‭ ‬البحوث‭ ‬والدراسات‭ ‬الإسلامية‭ ‬في‭ ‬حوزة‭ ‬القائم‭ ‬العلمية‭.‬

ــ من‭ ‬مؤلفاته‭ ‬المطبوعة: * ‬برنامج‭ ‬بناء‭ ‬الشخصية‭ ‬الإسلامية. * ‬تأملات‭ ‬في‭ ‬الحديث‭ ‬عند‭ ‬الشيعة‭ ‬والسنة‭.

ــ كما‭ ‬أن‭ ‬له‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الدراسات‭ ‬الثقافية‭ ‬والفكرية‭ ‬المنشورة‭ ‬في‭ ‬مجلة‭ ‬البصائر‭ ‬الدراساتية،‭ ‬وما‭ ‬زال‭ ‬يواصل‭ ‬عطاه‭ ‬الفكري‭ ‬والثقافي‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬المجلة‭.‬

 1 2 3


ارسل لصديق