منهج الدراسات القرآنية الاستشراقية الأخيرة
كتبه: د. عبد الكريم الشبلي
العدد (40) السنة 18 - 1428هـ/ 2007م
التعليقات: 0
القراءات: 3664

بسم الله الرحمن الرحيم ﴿وَلَنْ تَرْضى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصارى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللهِ هُوَ الْهُدى[1]. ﴿وَقالَ الرَّسُولُ يا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً[2].

لا يدخر الأعداء المتربصون جهداً في الجرأة على كتاب الله العزيز بالدس وبثّ الشبهات وتحريف معانيه، أو الاتهام القديم الجديد بالانتحال والتحريف والنقص وغيره في إطار بحوث خاصة أو دراسات جامعية.. يتم هذا في غفلة أو تجاهل من المسلمين، وفي تناء عن دستورهم الإلهي..

يجب أن نعترف بأنّ أبحاث الاستشراق ودراساته الغزيرة هي التي تحدّد اليوم نظرة الغرب، وتصوغ بوسائلها العديدة موقف الرأي العام العالمي من الإسلام والمسلمين وتراثهم، وتساهم بشكل غير مباشر في تأجيج النعرات والعداء والخوف من الإسلام.. وهذه الأبحاث تستبطن دوافع سياسية وإيديولوجية وعلمية متفاوتة.. وهي أعمال كثيرة ومتنوعة الأغراض واللغات، ولا يمكن الإلمام بها كلها، ولذا ركزت على أهم منابر الاستشراق، وخاصة الدوريات الجامعية الصادرة في الكيان الصهيوني ومن والاه[3]، وأساساً دائرة المعارف الإسلامية The Encyclopedia of the Islam الناطق الفعلي باسم الاستشراق اليوم[4].

ونرى الاستشراق يدَّعي الالتزام بالمناهج العلمية المعاصرة في دراساته وفي تناوله للمواضيع القرآنية، والتحرّي في اختيار مواضيع البحث والأخصائيين.. ولقد نجح في تأسيس مراكز بحوث عريقة ونشيطة جدًّا في مختلف حواضر الدول الغربية لها إشعاعها ووزنها العالمي، ولها مريدوها حتى من الجامعات الإسلامية وتلامذة الاستشراق وفي صفوف النخبة المثقفة المنبهرة بالأعمال الغربية..

تهدف هذه الدراسة إلى كشف اللثام عن أخطر هذه المدارس وأشدها عداوة للإسلام، وعن أهم رموزها، مع محاولة استعراض مناهجها وأهم المواضيع التي استغرقت اهتماماتها، والعوائق المعرفية التي تحول دون استكمال الشروط الموضوعية للبحوث العلميّة التي تصدرها.. مع استخلاص الدوافع الحقيقية من وراء هذه الدراسات، وعلاقتها بالحركة الصهيونية..

تاريخ الدراسات الاستشراقية حول القرآن

يرجع البعض عناية أهل الكتاب بالإسلام وبالقرآن الكريم إلى منتصف القرن الأول للهجرة السابع للميلاد[5].. ولئن انتفى أي فارق جوهري فيما بينها على مرّ العصور، ومع وجود بعض الأعمال الموضوعية التي اقتصرت على الإنجازات العلمية والمادية للحضارة الإسلامية، إلاّ أنهم تشابهت قلوبهم، فاتفقت تهجماتهم وافتراءاتهم على القرآن الكريم، ولم يذّخروا أيّ وسيلة للنيل من قداسة كتاب الله الكريم، خاصة أنّ هذه الدراسات ارتبطت بالحركة التبشيرية والاستعمارية والصهيونية العالمية[6]، وتعددت إفرازاتها وافتراءاتها على مر التاريخ، وليست آيات سلمان رشدي الشيطاني والفرقان الأمريكي وصولاً إلى الرسوم الاستهزائية الدانمركية.. سوى صدى وترديد لهذه الهجمات.

تعددت المكتبات ومراكز البحوث التي تعتني بكل ما يتعلق بعلوم الإسلام أو الإسلاميات Islamologie، وانتشرت في جميع العواصم الأوروبية والغربية، ولكنها ارتبطت اليوم بشكل أو بآخر بالحركة الصهيونية[7].. وخاصة ما يعرف بمراكز البحوث الاستراتيجية الأمريكية وغيرها، لأنّ هذه الدراسات حسب رأيي تروج ويتكاثف نشاطها عند استعار أي عدوان استعماري أو استكباري على الإسلام، بحيث نراها اليوم تنشط في خدمة الحركة الصهيونية..

هذه المراكز تسخّر لها إمكانات مادية هائلة، وتستحوذ على نوادر ودرر التراث والمخطوطات الإسلامية التي فرَّطنا فيها، نجدها تخصص المنح السخية لاستقطاب أعلام المستشرقين والأخصائيين للحثّ على دراسة التراث والحضارة الإسلامية من منظور معين.. لتأكيد الجذور اليهودية وأبوّتها لكل إنجازات الحضارة الإسلامية.

كانت المدرسة الألمانية من أهم وأعرق مراكز الاستشراق، وكونت أكبر رموزها في القرن العشرين، وتمخضت المدارس الأوروبية عموماً عن فريقين لخَّصا موقف الغرب:

* فريق من الحاقدين المعلنين، يتحاملون على الإسلام وحضارته، وينحو إلى القول بأن القرآن الكريم مقتبس ومنقول عن الكتاب المقدس..وعلى رأسه هرشفلد وهوروفيتز وسباير[8]..

* فريق أكثر اعتدالاً وإنصافاً يدعي الموضوعية، ولكن تتضارب استنتاجاته.. ومثّل هذا التيار جولدتسيهر ونولدكه وشواليه ومرجوليوث..

أما اليوم فتعتبر ليدين ولندن والكيان الإسرائيلي والولايات الأمريكية أنشط مراكز البحث العلمي في مجال الإسلاميات، ويجدر بنا أن نشير إلى تطرف المدرسة الإنجليزية وأهمّ رموزها باتريسيا كراون التي تعتبر أن الإسلام في الأصل كان مجرد «بضع من فرقة (Sous secte)» أو فريقة يهودية، وهرطقة وجدت لها مناخاً ملائماً في الجزيرة العربية لتحقق ذلك النجاح الباهر تحت اسم الإسلام!![9]، وضمّت هذه المدرسة م. كوك وج.ر.هاوتن وم.هايندز.. ونراها تركّز، إلى جانب المدرسة الصهيونية، على دراسة مظاهر «الدولة العربية» التي أسّسها بنو أمية في الشام في القرن الأول الهجري السابع للميلاد، وتعظّم الشخصيات الأموية وإنجازاتها الحضارية والسياسية على أساس أنها أسمى مراحل التطور والثورة القومية لقبائل الجزيرة العربية[10].

هذه المدرسة تسعى لإثبات أنّ هذه التطورات إنّما انطلقت مع انتحال محمد بن عبدالله (صلى الله عليه وآله وسلم) للقرآن المستوحى بزعمهم من التراث اليهودي والمسيحي..!! وتعود هذه الأفكار إلى أرنست رينان ويوليوس فلهاوزن اللذين دافعا عن المجتمع والثقافة العربية قبل الإسلام، مع رفض مفهوم الجاهلية حضاريًّا وتاريخيًّا، لأنّ هذا المجتمع كان يعيش تطورات متعددة الأبعاد ومخاضاً دينيًّا أفرز الإسلام وحركته العظيمة..

ولكن هذه الدراسات الأخيرة نجدها في الحقيقة تسترجع التهم والافتراءات الجاهلية القديمة للاستكبار القرشي، بل هي تعيد صياغتها وتضخّمها في آذان الذين لا يفقهون، وفي كل مناسبة يغيب عنها البرهان العقلي نجدها تتهم المصادر الإسلامية بالتعتيم والتستر على الوقائع!!

ما هو مصدر القرآن الكريم عند هؤلاء المستشرقين؟

من الدلالات التي يجب أن نتوقف عندها أنّ أوّل ترجمة لكتاب الله العزيز للغة الألمانية صدرت سنة 1770م حملت عنوان الكتاب المقدس التركي (Die Turkische Bibel)[11]. والمقصود به حينذاك تحقير كل ما هو «مسلم وعربي بغيض»!!

في حين أنّ الفكرة التي توارثها الاستشراق وأجمع عليها أعداء الإسلام، فتحولت إلى مسلّمة بديهية تنطلق منها دراساته، وهي أنّ هذا القرآن اكتتبه الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) واقتبسه أو استفاده من اطّلاعه على الكتاب المقدّس. وهذا الاكتشاف الخارق يرجعه بعضهم إلى إليوس شبرنجر ثم تيودور نولدكه وصولا إلى وليام موير وفرنس بول ومكسيم رودنسون[12].. لكن هذا الافتراء استند بشكل أعمى إلى الآية الكريمة ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ[13].

وأحيا البعض اتهامات قريش، فاعتبر أنّ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) تلقّى القرآن عن أحد الموالي العجم الموجودين بمكة، وهي فئة منتشرة بوفرة في المراكز التجارية الكبيرة وخاصة بأم القرى، ولم تهتم المصادر الإسلامية بهذه الشخصية الهامشية في أسفل السلم الاجتماعي وقتذاك، رغم تهم قريش بأنّ أحد أفرادها علّم الرسول ولقَّنه القرآن رغم أعجميته! واختلف في اسمه: بلعم أو يعيش أو بسر أو أبو اليسر أو أبو بشر أو أبو فكيهة.. وهل كان مولى للمغيرة أو عبدة بن الحضرمي؟ والبعض اتَّهم سلمان الفارسي بالقيام بهذا الدور رغم تأخّر إسلامه!!

والمرجح أنه كان عبداً أعجميًّا نصرانيًّا له دراية بالتوراة والإنجيل، وربما كان لديه أجزاء منها ولكنها كتبت بالرومية أي اليونانية[14]،.. مع أنّ الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يتردد على مناطق متنصّرة في أطراف الجزيرة خلال التجارة، كما أن هناك من المتنصرين القرشيين المعروفين ولم يتّهم الرسول بالأخذ عنهم، لأنه لم تثبت لنا المصادر تردده عليهم، بل تؤكّد فقط رأفته وإشفاقه على الشرائح الاجتماعية الفقيرة التي لم يأنف من التردد عليها لمساعدتها..

وبما أنّ الدراسات الاستشراقية عجزت عن إثبات وجود ترجمة عربية للكتاب المقدس قبل القرن الثاني للهجرة الثامن للميلاد، فإنها لا زالت تصرّ على البحث بتعصّب شديد عن النسخة السريانية القديمة التي يفترض أن يكون اعتمد عليها الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم) في زعمهم[15].. فلنا أن نسأل هؤلاء إن كان الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) يتقن اللغة اليونانية أو السريانية حتّى يستفيد من هذه الوثيقة المزعومة؟![16] أم أنّه احتاج مع ذلك إلى معلم يهودي أو مسيحي؟ وهذا مردود باعتبار الروايات المستفيضة تؤكد اطلاع بعض القرشيين على الكتاب المقدّس، ولن يحتاج الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى واسطة أعجمية إذا دفعه الفضول إلى ذلك، وهذا ما أحبط مكر قريش ولم تكن لهم الحجة لاتهامه..

هذه الخيبة دفعت الدراسات الاستشراقية الأخيرة إلى تطبيق مقارنات عديدة بين القصص القرآني ومصطلحاته وبين ما يقابلها في الكتاب المقدّس، ونجدها انتهجت أسلوبا ومنهجا متقاربا، واستخدمت آليات متشابهة[17].

منهج الدراسات القرآنية الاستشراقية

هيمنت على هذه الدراسات طيلة تاريخها، فكرة رئيسة ومسلّمة لا تقبل النقاش، وهي نسبة القرآن الكريم إلى الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)! فكان همها إيجاد وإثبات الرابطة الوهمية أو الموضوعية بينه وبين الكتاب المقدس! ومع هذا الحرص الذاتي وغير الموضوعي نلاحظ ادِّعاء الاستشراق المتكرر التزامه المنهج العلمي الصارم!! إلاّ أنه تحوَّل دون استكماله شروط الموضوعية والنزاهة العلمية عوائق معرفية كثيرة لا يمكنه تجاهلها:

* أولاً عائق اللغة وصعوبة إلمامه وتذوقه لبديع وبلاغة اللغة العربية، مما نتج منه سوء الفهم وتحريف المعاني المترجمة، فنجد مثلاً باتريسيا كراون تصر عكس كل التفاسير المتقدمة أو المعاصرة، على أن المقصود بالكتاب في الآية الكريمة ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ[18] إنّما هو الزواج وليس عقد المكاتبة[19]..

* ثانياً لم يستطع المستشرق أن يحول بين ذاته الغربيّة وبين الغريب والعجيب الإسلامي.. فنجده يسترجع في كل مرة الأفكار المسبقة الغربيّة وافتراءاتها. وهي تنطلق من الأنا المسيحية، فتجد نفسها حبيسة الرد على فضح القرآن الكريم لتحريفات اليهود والمسيحيين.

* التركيز على التفاصيل الدقيقة، وفصلها عن إطارها الكلي العام في القرآن أو الدين الإسلامي في إطار مونوغرافيات (دراسات جزئية) معزولة عن سياقها وإطارها الكلي كما سنتبين.. مما أسقطه في رؤى أحادية ضيقة وغير علمية.

* بقدر ما قلَّلت هذه الدراسات من قيمة ومصداقية المصادر الإسلامية بمختلف أغراضها وخاصة مدوّنات الحديث الشريف والتفسير[20]، فإننا نجدها تحيي المصادر اليهودية والمسيحية الوسيطية المهملة لدينا، وخاصة السريانية والعبرية واليونانية.. وتبوّئها مكانة الصدارة في التوظيف المغرض..

* نلاحظ أن هذه الدراسات تتحامل بشكل فج على كتب التفسير والروايات المبينة لمحكم الآيات، وتؤاخذها على تماهيها وتصديقها الكامل لكتاب الله العزيز.

ويبقى الهاجس الأول لهذه الأعمال العدوانية هو تجاوز القرآن وقراءته التاريخية، والبحث عن جذوره التوراتية والإنجيلية بزعمهم، أو ما يعرف بـ«النسخة السريانية» القديمة للقرآن التي استنسخها الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) حسب مكرهم وادِّعائهم[21].

أهم محاور الدراسات القرآنية الاستشراقية

يمكن أن نجمل اهتمامات هذه الدراسات المتأخّرة في ثلاثة محاور رئيسة:

أولاً: قضية الأمية

بالعودة إلى الآيات الكريمة:

﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ[22].

﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ[23].

﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ للهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَاللهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ[24].

يرفض المستشرقون وعدد من الدارسين إصرار معظم التفاسير والمصادر الإسلامية على أنّ المقصود بالنبي الأمي جهل القراءة والكتابة، أولاً لأنّ القبول بهذا المفهوم يجعل كل العرب من « الأمّيّين» جاهلين للقراءة والكتابة، وثانياً لأنّ مصطلح أمّي وأمّيّين في اللغة العبرية مرادف لأمم العالمين من غير بني إسرائيل[25]. ولهذا يكون المقصود من الآيات الكريمة هو إرسال نبي من غير بني إسرائيل إلى الأمم والعالمين. ولكن المستشرقين يذهبون أبعد من ذلك، ويحاولون تأكيد معرفة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بالكتاب المقدس، وقد فشلوا في إثبات هذه العلاقة، وهو ما أكّده القرآن الكريم منذ أربعة عشر قرن: ﴿وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لاَرْتابَ الْمُبْطِلُونَ[26].

ومن هنا استندت هذه الدراسات إلى بعض المصطلحات المذكورة في القرآن الكريم لتبحث عن جذورها العبرية متجاهلة الجذور السامية المشتركة للغتين، فتتضارب وتتباين قوائمها التي تطول وتقصر دون أن تحظى بالإجماع أو بالمصداقية: المؤتفكة، أمانة، بركة، تبارك، بهيمة، مثاني، خلاق، درس، رب العالمين، سكينة، صدقة، عزّر، قيوم، ماعون، منهاج، جبار، رباني، أحبار، سفك الدماء، قدّوس، سورة، نبوّة، بعير، عبادة، بور، صدّيق، جنات عدن، عليّين، تزكّى[27].. في حين ذهبت كراون إلى دقة معرفة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) للمصطلحات الغريبة غير المتداولة في قومه، كما تتهمه بعدم ضبط مفهومها أو المقصود منها مثل: كلالة، الصمد، إيلاف، الجزية عن يد.. وترى أنّ «الشيطان الرجيم» أصلها حبشي[28].

قضية الأمية دفعت الكثير من المستشرقين إلى التوقف عند شخصية الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم) قبل الدعوة، وتأكيد الصلة المتينة بين نشاطه الديني والتجاري، وخاصة مسألة تحنّثه في الغار كما ورد في مصادر السيرة[29]. ويعرّض بعض المستشرقين باستعمال القرآن لمصطلح «حنفاء»، لأنّ المقصود بهم لدى اليهود وبعض المؤرخين مثل الكندي والبيروني والمسعودي، طائفة من صابئة حران كانت تتّبع يوحنا المعمداني.. وصاروا يعبدون الكواكب وخاصة العزّى المتخذ على اسم القمر، وكوّنت مدرسة فكرية نشيطة أثّرت على بعض علماء الإسلام[30].

ثانياً: مقارنة القرآن بالكتاب المقدّس:

ليس من التعسّف إذا قلنا إنّ الدراسات القرآنية الاستشراقية انكبت اليوم على مقارنة القصص القرآني بالتراث اليهودي-المسيحي، ولا يمكن أن نلمّ بكل المقالات الواردة على الأقلّ في دائرة المعارف الإسلامية[31]. ونجدها تخلص إلى عمومية وعدم وضوح النص القرآني، وتلجأ آليًّا إلى كتب التفسير والروايات التي تعجّ بالإسرائيليات لدعم نظرياتها..

وأريد أن أتوقّف عند فهم المستشرقين اليوم للآية الكريمة: ﴿إِلاَّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنا فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى وَكَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيا وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ[32]. فقد وظفت هذه الآية التي يسمونها بآية الغار في سياقين[33]:

أوّلاً: للهجوم على كتب التفسير المتأخّرة التي اتخذت حسب زعمهم من العون الإلهي والنصر والسكينة حجة لتشريع الجهاد والقتال تماهياً مع طابع الدين الإسلامي!!

وثانياً: لتفنيد قيمة الهجرة أساساً، لأنّ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) اقتبسها في ادعائهم من قصة لجوء داود إلى الكهف فراراً من شاؤول أو جالوت كما وردت في الكتاب المقدس[34].

ثالثاً: قضية تحريف أو نقص القرآن الكريم:

تستند هذه الاتهامات إلى أعمال نولدكه وخاصة أطروحته: «تاريخ النص القرآني أو أصل وتركيب سور القرآن» ومقالته عن القرآن في دائرة المعارف البريطانية[35]. ونرى أن استشكالاتها على بعض المصطلحات واختلاف الفرق الإسلامية في فهمها، أو في بعض القراءات، وظفت لتأكيد تهمة تحريف أو نقص في القرآن الكريم، ظهر مباشرة بعد وفاة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، ويتوهمون أنّ الخلافات السياسية أو المذهبية يمكن أن تفضي إلى ذلك! ولكن يعوزهم إثبات الدليل في القرآن الكريم الذي ﴿لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ[36].

وفي الختام يبقى القرآن الكريم، بما هو دستور المسلمين، والمؤسس الفعلي للأمة الإسلامية وبداية وكذلك نهاية تاريخها، يبقى دائماً مجالاً ثريًّا للبحث، وميداناً فسيحاً للجدل الفكري والعلمي.. وهو في رأيي ليس في حاجة لندافع عنه بقدر حاجتنا إلى التوصّل إلى فهم رسالته ومقاصده لتبلغ صادقة للإنسانية كافة، ولإحباط كيد المتربصين.. ويحتاج هذا الهدف إلى الإلمام بعلوم العصر ولغاته، وإلى مواكبة كل ما تصدره هذه المراكز من أعمال[37]، للتصدّي للتهم العشوائية والردّ عليها..

فقد دفع عدم فهم بعض المستشرقين للمصطلح القرآني إلى التنقيب في التراث اليهودي-المسيحي، والاستناد إلى بعض التفاسير التي نقلت الإسرائيليات، للوصول إلى استنتاجات خاطئة ولتشويه صورة الإسلام والنبي الأمي الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم).

--------------------------------------------------------------------------------

[1] سورة البقرة الآية 120.

[2] سورة الفرقان آية 30.

[3] رجعت خصوصاً إلى الأعداد الأخيرة من مجلتي Israel Oriental Studies و Jerusalem Studies in Arabic and Islam..

[4] دائرة المعارف الإسلامية أو (EI`) صدرت منذ منتصف القرن العشرين بليدين في هولندا وتمت مراجعتها وتنقيحها خلال العقدين الأخيرين تحت إشراف كبار المستشرقين المعاصرين. والغريب أنّها صدرت في 11 مجلداً ضخماً يضم آلاف المقالات وبمختلف اللغات العالمية باستثناء العربية!! والملاحظ أن عدد الكتّاب المنتسبين إلى الكيان الصهيوني يقدر بأضعاف المساهمين العرب!

[5] A. BADAWI, Defence du Coran contre ses critiques, Coll ISLAMICA, ed l.Unicite, Paris. 1989.p9-10.

[6] انظر الدكتور الزيادي، الاستشراق أهدافه ووسائله، كلية الدعوة الإسلامية، بيروت. 2002. ص 80-85. د م.ح.ع. الصغير، المستشرقون والدراسات القرآنية، ص4 - 75.

[7] من باب المقارنة مثلاً تقوم مراكز الدراسات الصهيونية اليوم بتصنيف وترجمة ما يعادل عشرات الأضعاف ما تصدره دور النشر العربية كلها مجتمعة!

[8] انظر:A. BADAWI, Defence du Coran contre ses critiques, Op. Cit.

وللمؤلف نفسه: موسوعة المستشرقين.

[9] انظر:

Patricia CRONE, Meccan trade and of the Islam, Princeton. 1987. p 95-7.

[10] انظر The Encyclopedia of the Islam مقالات لهم عن : الأمويين، معاوية بن أبي سفيان، زياد ابن أبيه، يزيد، الوليد..

[11] د م.ح.ع.الصغير، المستشرقون والدراسات القرآنية، ص85.

[12] GILLIOT(Cl), «Les informateurs juifs et chretiens du Mohamed, reprise d un probleme traite par A. Sprenger et T.Noldeke», in Journal of Studies Arabic and Islamic, vXXII(1998). p 86.

[13] سورة النحل الآية 103.

[14] اعتمد جيليو على السيوطي، الدر المنثور، ج4 ص131. وتوصل إلى عدد من أسماء الموالي، إلاّ أنه تاه في تحديد معالم هذه الشخصية (الاسم، الكنية، الوظيفة، اللغة..) ونجد بعض هذه الروايات في تفسير العياشي. انظر السيد الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، ج 12 ص1 - 352.

[15] يرجع الدكتور الزيادي أسطورة النسخة السريانية القديمة إلى الدكتور فيجانا. انظر الاستشراق أهدافه ووسائله، كلية الدعوة الإسلامية، بيروت. 2002. ص 120.

[16] عمد بعضهم إلى استخدام الدليل الأثري دون إثبات علاقة مباشرة بين بداية ظهور الإسلام وبين أي نشاط مسيحي أو يهودي، لسبب واضح وهو الأزمة التي كانوا يعيشونها في تلك المرحلة. انظر مثلاً: RUBIN (Uri), «Iqraa bismi rabbika?», In Israel Oriental Studies vXIII,(1993). p 45.

[17] غلبت الدراسات المقارنة على أعمال المستشرقين المتأخّرين، وكأنّها تسعى إلى الدفاع عن الرواية التوراتية والإنجيلية التي اتهمها القرآن الكريم بالتحريف. انظر مثلاً: KISTER(M.J.), «Adam: a study of some legend..», In Israel Oriental Studies vXIII,(1993). p 74-6.

[18] سورة النور آية 33.

[19] توصلت كراون إلى هذا الاكتشاف بالاستناد إلى المفهوم الدارج في بعض اللهجات، وقد دفعها إلى هذا الاستنتاج اتِّباع تصنيف معيّن لسور القرآن الكريم!!.. CRONE(P.), «Two legal problems on the early history of the quran», in Journal of Studies Arabic and Islamic, vXVIII(1994). p 8-6.

[20] انظر مثلاً: هشام جعيط، الوحي والقرآن والنبوة، دار الطليعة بيروت. 1999. ص 7.

[21] تعيدنا هذه الادعاءات إلى مكر وتهم الاستكبار القرشي وإلى الأباطيل المتكررة من حين إلى آخر. د ف.الزيادي، الاستشراق أهدافه ووسائله، م.ن.، ص 120-122.

[22] سورة الأعراف الآية 157.

[23] سورة الجمعة الآية 2.

[24] سورة آل عمران آية 20.

[25] هشام جعيط، الوحي والقرآن والنبوة، 2-43، 6-117. A. BADAWI, Defence du Coran contre ses critiques, Op. Cit.p 8.

[26] سورة العنكبوت الآية 48.

[27] تعود معظم هذه المصطلحات إلى دراسة سابقة لهوروفيتز: A. BADAWI, Defence du Coran contre ses critiques, Op. Cit. p3-44.

[28] CRONE(P.), «Two legal problems on the early history of the quran», Op. Cit., p 7-8. وذهبت الكاتبة إلى أنّ المقصود القرآني من «كلالة» ألغي أو حرّف لأسباب سياسية بعيد وفاة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم).

[29] تعود هذه الفكرة إلى جولدتسيهر. انظر: د ع. دراز، مدخل إلى القرآن الكريم، دار القلم، الكويت. 1984. ص 5-136.

[30] المرجع نفسه، ص 132. lEVY (M.), «On the polemical usage of term Hanif», In Journal of Studies Arabic and Islamic,vXXVIII (2003). P 222-3 HAWTING, «Tahannuth», In EI` vX (2002). P 106..

[31] انظر مثلاً مقالات ر.فايرستون من معهد الاتحاد العبري في شيكاغو (يعقوب، يوسف، زبور..) In EI` vXI (2002). P 254, 354-6, 372..

[32] سورة التوبة الآية 40.

[33] انظر مقال أوري رابن من جامعة تل أبيب:

«The life of Mohammed, the higra in the Quran», In Journal of Studies Arabic and Islamic,vXXVIII (2003). P 40-64.

[34] اعتمدت هذه الدراسة على سفر صامويل، 24. وسفر الملوك، 6: 15-18. انظر:

«The life of Mohammed,..», Idem. P 57-8.

[35] انظر: د م.ح.ع.الصغير، المستشرقون والدراسات القرآنية، ص2-83.

[36] سورة فصلت/ الآية 42.

[37] تصدر هذه المجلات دوريًّا دليلاً لكل الأعداد السابقة، كما تصدر إحدى المراكز الإنجليزية منذ بداية القرن العشرين وسنويًّا فهرساً شاملاً لكل ما ينشر حول الإسلام. انظر: index islamicus


ارسل لصديق