التفسير الموضوعي والكلام الحديث
عند الشهيد الصدر الأول
كتبه: الشيخ شكيب علي بن بديرة
العدد (40) السنة 18 - 1428هـ/ 2007م
التعليقات: 0
القراءات: 3629

1-نظرية التفسير الموضوعي: أبعادها وحدودها:

منذ ظهور الكتابات الأولى لروّاد عصر النهضة في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، بدأت ملامح النقص والمحدودية تظهر في التراث الإسلامي المندرج تحت عنوان علم الكلام: فإذا كان علم الكلام -كما يعرّفه الفارابي- الصناعة التي يقتدر بها على نصرة الأقوال والأفعال التي صرّح بها واضع الملّة وتزييف ما يخالفها بالأقاويل[1]، فإن هذه النصرة لم تكن محرزةً بمجرّد العودة إلى ذلك التراث، فكانت بعض مقالات وكتب جمال الدين الأفغاني ومحمّد عبده أوّل البوادر لما يمكن تسميته بمحاولات تجديد علم الكلام. ثم ظهر تيّار الإخوان المسلمين وطرح في الساحة الثقافية كتاباتٍ أكثر شعبية وجماهيريةٍ يمكن اعتبارها هي الأخرى محاولةً لتجديد المباحث الكلامية طبقاً لاقتضاءات الصراع الثقافي مع الغرب الاستعماري.

1/1/ دواعي التحديث الكلامي وتجديد المنهج في تفسير القرآن

يمكن القول إذن -بلسان السيد المحقق الشهيد الصدر- إنّه «... حينما وقع هذا التفاعل بين إنسان العالم الإسلامي وإنسان العالم الغربي وجد الإنسان المسلم نفسه أمام نظريّات كثيرة في مختلف مجالات الحياة، فكان لا بدّ لكي يحدّد موقف الإسلام من هذه النظريات، كان لا بدّ وأن يستنطق نصوص الإسلام، لابدّ وأن يتوغّل في أعماق هذه النصوص لكي يصل إلى مواقف الإسلام الحقيقية سلباً وإيجاباً، لكي يكتشف نظريات الإسلام التي تعالج نفس هذه المواضيع التي عالجتها التجارب البشريّة الذكيّة في مختلف مجالات الحياة»[2].

في هذا الإطار من السجال الثقافي والصراع الفكري، ظهر للعيان أنّ هناك حاجةً ماسّةً لتجديد المنهج في التعامل مع أقدس النصوص الإسلامية وأصحّها: القرآن الكريم. فالمنهج المتعارف في التفسير لم يكن يفي بالحاجات المتجددة للمباحث الكلامية الحديثة، فاتّخذ المحقق السيد الشهيد محمد باقر الصّدر (قدس سره) منذ أواخر ستينات القرن المنصرم وبشكلٍ تصاعدي تدريجي، في الكثير من كتاباته[3]، منهجاً جديداً في تفسير القرآن الكريم يتجاوز محدوديات المنهج القديم التجزيئي دون أن يستغني عن فوائده الجمّة. والحقيقة أنّ المنهج التجزيئي كان مهيمناً مطلقاً على ساحة التفسير «ومما ساعد على شيوع الاتّجاه التجزيئي للتفسير وسيطرته على الساحة قروناً عديدة النزعةُ الروائية والحديثية للتفسير؛ حيث إنّ التفسير لم يكن في الحقيقة وفي البداية إلّا شعبة من الحديث بصورة وأخرى، وكان الحديث هو الأساس الوحيد تقريباً مضافاً إلى بعض المعلومات اللغوية والأدبية والتاريخية، كان هو الأساس الوحيد مضافاً إلى بعض هذه المعلومات التي يعتمد عليها التفسير طيلة فترة طويلة من الزمن...»[4].

فما هي إذن ملامح هذا المنهج الجديد الذي أسماه صاحبه بالموضوعي أو التوحيدي. والذي أراده أن يكون أداةً علمية تساعده في مهمته الكبرى في تحديث الكلام الإسلامي.

1/2/ المنهج الموضوعي وخصائصه

«... الاتجاه التوحيدي أو الموضوعي في التفسير: هذا الاتجاه لا يتناول تفسير القرآن آية فآية بالطريقة التي يمارسها التفسير التجزيئي، بل يحاول القيام بالدراسة القرآنية لموضوع من موضوعات الحياة العقائدية أو الاجتماعية أو الكونية، فيبيّن ويبحث ويدرس مثلاً عقيدة التوحيد في القرآن، أو يبحث عن النبوّة في القرآن، أو عن المذهب الاقتصادي في القرآن، أو عن سنن التاريخ في القرآن، أو عن السماوات والأرض في القرآن الكريم وهكذا...»[5].

هكذا يتخذ التفسير طبقاً للمنهج الموضوعي غايةً كلاميةً واضحةً: فلا يعود للألفاظ والمركبات اللفظية مدلولات لغويةٌ فقط، بل إنّ تجميعها ضمن منظومةٍ صغيرةٍ متمحورةٍ حول موضوعٍ واحد سوف يكسبها دلالاتٍ جديدةٍ كلامية، لم تكن الألفاظ لتكشفها في إطار المنهج التجزيئي.

«...التفسير كان بطبعه تفسيراً لفظيًّا، تفسيراً للمفردات، لما استبدل من المفردات، وشرح بعض المستجدّ من المصطلحات وتطبيق بعض المفاهيم على أسباب النزول، ومثل هذه العملية لم يكن بإمكانها أن تقوم بدور اجتهادي مبدع في التوصّل إلى ما وراء المدلول اللغوي واللفظي، التوصّل إلى الأفكار الأساسية التي حاول القرآن الكريم أن يعطيها من خلال المتناثر من آياته الشريفة...»[6].

وحتى تتضح خصائص المنهج الجديد، قدّم المصنّف (قدس سره) مقارنةً مختصرةً بينه وبين المنهج التجزيئي. وأول عناصر هذه المقارنة هو موقف المفسّر في كلا المنهجين:

1/2/1/ الحوار مع القرآن بدلاً من الاستماع إليه:

«المفسّر التجزيئي دوره في التفسير على الأغلب سلبي، فهو يبدأ بتناول النّص القرآني المحدّد آية مثلاً أو مقطعاً قرآنيًّا دون أيّ افتراضات أو طروحات مسبقة، ويحاول أن يحدّد المدلول القرآني على ضوء ما يسعفه به اللفظ مع ما يتاح له من القرائن المتّصلة والمنفصلة. العملية في طابعها العام عملية تفسير نصّ معيّن، وكأنّ دور النّص فيها دور المتحدّث ودور المفسّر هو الإصغاء والتفهّم، وهذا ما نسمّيه بالدور السلبي. المفسّر هنا شغله أن يستمع لكن بذهن مضيء، بفكر صافٍ، بروح محيطة بآداب اللغة وأساليبها في التعبير، بمثل هذه الروح، بمثل هذه الذهنية وبمثل هذا الفكر يجلس بين يدي القرآن ليستمع، فهو ذو دور سلبي والقرآن ذو دور إيجابي، والقرآن يعطي حينئذٍ، وبقدر ما يفهم هذا المفسّر من مدلول اللفظ يسجّل في تفسيره...»[7].

وفي مقابل ذلك كله فإنّ المفسّر الموضوعي «لا يجلس ساكتاً ليستمع فقط بل يجلس محاوراً، يجلس سائلاً ومستفهماً ومتدبّراً، فيبدأ مع النّص القرآني حواراً حول هذا الموضوع، وهو يستهدف من ذلك أن يكتشف موقف القرآن الكريم من الموضوع المطروح والنظرية التي بإمكانه أن يستلهمها من النّص، من خلال مقارنة هذا النّص بما استوعبه الباحث عن الموضوع من أفكار واتّجاهات...»[8].

«... ومن هنا كانت نتائج التفسير الموضوعي نتائج مرتبطة دائماً بتيّار التجربة البشرية؛ لأنّها تمثّل المعالم والاتّجاهات القرآنية لتحديد النظرية الإسلامية بشأن موضوع من مواضيع الحياة.

ومن هنا أيضاً كانت عملية التفسير الموضوعي عملية حوار مع القرآن الكريم واستنطاق له، وليست مجرّد استجابة سلبية، بل استجابة فعّالة وتوظيفاً هادفاً للنّص القرآني في سبيل الكشف عن حقيقة من حقائق الحياة الكبرى...»[9].

1/2/2/ هل يمكن استنطاق القرآن:

قد يقال أن ادِّعاء القدرة على محاورة القرآن الكريم، أمرٌ خطير قد نهت عنه العديد من الروايات الصحيحة وبعض الآيات الصريحة. وقد أدّى هذا الرأي في الماضي غير البعيد إلى ظهور ردّ فعل غير متطرّف ينفي حجّية القرآن من رأس. إلّا أنّ المصنّف (قدس سره) -وهو من هو في التحقيق والتبحّر في شتّى العلوم الإسلامية-لم يكن غافلاً عن هذا الإشكال القديم، بل هو قد أورد شاهداً من كلام أمير المؤمنين علي (عليه السلام) قد يقال بأنه نصٌّ صريحٌ في الإشكال المتقدّم، ولكنه يعقّب عليه بما يجعله لفائدة نظريّته:

«... «ذلك القرآن فاستنطقوه ولن ينطق، ولكن أخبركم عنه»... التعبير بالاستنطاق الّذي جاء في كلام ابن القرآن عليه الصلاة والسلام أروع تعبير عن عملية التفسير الموضوعي بوصفها حواراً مع القرآن الكريم وطرحاً للمشاكل الموضوعية عليه بقصد الحصول على الإجابة القرآنية عليها...»[10].

هنا، يبدو المصنف (عليه السلام) غير معتقدٍ بأنّ الاستنطاق هو طلب الخطاب الواضح والصّريح، فهذا أمرٌ أكّد أمير المؤمنين (عليه السلام) بأنّه غير ممكنٍ إلّا بواسطة المعصوم. بل هو لا يزعم أكثر من أنّ المفسّر طالبٌ للمدد من القرآن ومستعينٌ به على أمرٍ فُرضَ عليه بحكم الصّراع. فليس المفسّر الموضوعي مستجوباً للقرآن «وإنما وظيفة التفسير الموضوعي دائماً وفي كلّ مرحلة وفي كلّ عصر أن يحمل كلّ تراث البشرية الّذي عاشه، يحمل أفكار عصره، يحمل المقولات التي تعلّمها في تجربته البشرية ثم يضعها بين يدي القرآن...»[11].

«...إذاً هذا العطاء الذي لا ينفد للقرآن، هذه المعاني التي لا تنتهي للقرآن، التي نصّ عليها القرآن نفسه ونصّت عليها أحاديث أهل البيت عليهم الصلاة والسلام، هذه الحالة من عدم النفاد، تكمن في هذا المنهج، في منهج التفسير الموضوعي؛ لأنّنا نستنطق القرآن...»[12].

1/3/ التفسير الموضوعي والتركيب النظري:

إنّ أهمّ مكاسب المنهج الموضوعي في التفسير قد لا تظهر إلّا في ساحة تجديد علم الكلام، أمّا حقل الفقه فمن الصعب إقحامه فيه إلّا بعد ثورةٍ في منهج أصول الاستنباط، وهو ما لم يسعف العمر به المصنّف (قدس سره) وإن كانت بوادر مثل هذه الثورة قد لاحت باحتشام منذ كتاب اقتصادنا[13]. أما هذا المكسب العلمي الكبير فهو إضافة بعدٍ تركيبي قوي في المنهج النصوصي العقلي المعتمد في علم الكلام وفي أصول الفقه أيضاً. ولا يمكن فهم عمق هذه الإضافة وأهمّيتها إلّا بمقارنةٍ ثانيةٍ بين المنهج الموضوعي والمنهج التجزيئي: «...التفسير التجزيئي يكتفي بإبراز المدلولات التفصيلية للآيات القرآنية الكريمة، بينما التفسير الموضوعي يطمح إلى أكثر من ذلك، يتطلّع إلى ما هو أوسع من ذلك، يحاول أن يستحصل أوجه الارتباط بين هذه المدلولات التفصيلية، يحاول أن يصل إلى مركّب نظري قرآني، وهذا المركّب النظري القرآني يحتلّ في إطاره كلّ واحد من تلك المدلولات التفصيلية موقعه المناسب، وهذا ما نسمّيه بلغة اليوم بالنظرية. يصل إلى نظرية قرآنية عن النبوّة، نظرية قرآنية عن المذهب الاقتصادي، نظرية قرآنية عن سنن التاريخ، وهكذا عن السماوات والأرض...»[14].

1/4/ شبهة التأويل وردّها:

إنّ أهم الشبهات التي تعترض سبيل المنهج الموضوعي في التفسير هي صياغةٌ أشدّ حدّةً من شبهةٍ طالما حامت حول التفسير التجزيئي: التأويل. وخلافاً للمعنى اللغوي للتأويل الذي هو مطلق الحمل على خلاف الظاهر، فإن المعنى المعاصر للتأويل الذي تدور حوله مباحث ما يسمّى بالهرمنوطيقا هو إسقاط ذاتيات الباحث على موضوع البحث. في هذا الإطار تصبح شبهة التأويل أقوى وأشدّ عندما يتعلق الأمر بالتفسير الموضوعي، لأنه من السهل اتّهام المفسّر بأنّه يطوّع الدلالات اللفظية لاختياراته الإيديولوجية: فإذا كان المفسّر -مثلاً- اشتراكيّاً فإنّه سوف يخرج لنا اشتراكية القرآن من قوله تعالى: ﴿كَيْ لاَ يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاء مِنكُمْ وما يعاضدها من الآيات التي تذمّ الثروة. أمّا إذا كان ليبراليًّا، فسوف يخرج لنا رأسمالية القرآن انطلاقاً من قوله تعالى: ﴿لَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ وما يدور حول هذا المعنى مثل ﴿قُل مَن حَرَّمَ زينَةَ الله... وقس على ذلك في سائر الموضوعات! ويجيب المصنّف (قدس سره) عن هذه الشبهة بقوله: «...فنعبّر عن التفسير بأنّه موضوعيٌّ على ضوء الأمر الأوّل باعتبار أنّه يبدأ من الموضوع الخارجي وينتهي إلى القرآن الكريم، وتوحيديٌّ باعتبار أنّه يوحّد بين التجربة البشرية وبين القرآن الكريم، لا بمعنى أنّه يحمل التجربة البشرية على القرآن، لا بمعنى أنّه يخضع القرآن للتجربة البشرية، بل بمعنى أنّه يوحّد بينهما في سياق بحث واحد؛ لكي يستخرج نتيجة هذا السياق الموحّد من البحث، يستخرج المفهوم القرآني الّذي يمكن أن يحدّد موقف الإسلام تجاه هذه التجربة أو المقولة الفكرية التي أدخلها في سياق بحثه...»[15].

هكذا لا تبدو الإجابة شافية للغليل ويبقى المحك العملي وحده هو الحكم، وهو ما سنشير إليه في آخر هذا البحث. ومهما يكن من أمر فإنّ الضرورة الكلامية المعاصرة قد فرضت نفسها بإلحاح ولم يكن أمام المصنّف (قدس سره) إلّا أن يقدم على هذا المشروع الشجاع متأسّياً بالجيل المسلم الأول، فها هو يقول: «الحقيقة أنّ هناك اليوم ضرورة أساسية لتحديد هذه النظريات ولتحصيلها، ولا يمكن أن يفترض الاستغناء عن ذلك. النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يعطي هذه النظريات ولكن من خلال التطبيق، من خلال المناخ القرآني العام الذي كان يبنيه في الحياة الإسلامية، فكان كلّ فرد مسلم في إطار هذا المناخ، كان يفهم هذه النظرية ولو فهماً إجماليًّا ارتكازيًّا؛ لأنّ المناخ والإطار الروحي والاجتماعي والفكري والتربوي الذي وضعه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان قادراً على أن يعطي النظرة السليمة، والقدرة السليمة على تقويم المواقف والمواقع والأحداث...»[16]. وللتأكّد من هذه الضرورة، لا أفضل من مقارنة بحثين للمصنف نفسه: أحدهما قبل التجديد والثاني معه، وهو الآتي.

2- المفهوم القرآني للحرية قبل نضج نظرية التفسير الموضوعي:

يعتبر مقال «الحرية في القرآن» الّذي نشره الشهيد الصدر (قدس سره) في بداية الستينات القرن الماضي، إحدى المحاولات الممهدة لتطبيق المنهج الموضوعي لتفسير القرآن، وذلك قبل سنوات من تبلوره الّذي تشكل الدروس المشار إليها تجسيداً له. وهذا المقال مستوحى إلى حدّ كبير من أدبيات سيد قطب ومحمّد قطب، التي كانت سباقة إلى منهج استنطاق القرآن الكريم. فلا نجد في هذا المقال إضافة علمية تذكر في باب الكلام الإسلامي الجديد:

ففي مقدمة المقال جمع السيد الشهيد الصدر بعض الآيات التي تشكل الإطار العام للفكرة المحورية: موقع الحرية في الإسلام وماهيتها فذكر الآيات التالية: (آل عمران: 64) و(آل عمران: 14-15) و(الجاثية: 13) و(البقرة: 29) و(البقرة: 256).

أما الآية الأولى ففيها دعوة صريحة إلى الإيمان بربوبية الله ونفي ربوبية غيره. وفي الثانية مقابلة بين متاع الدنيا وشهواتها الزائفة الزائلة والسعادة الأبدية الأخروية التي تنتظر المتقين دون غيرهم. وفي الثالثة والرابعة تصريح بتسخير ما في السماوات والأرض للناس جميعاً. أما في الخامسة فنجد تصريحاً ظاهراً في حرية المعتقد وإتمام الحجة على الناس.

وابتداءً، يمكن القول بأن هذه الآيات المعدودة ليس بمقدورها أن تؤمن جميع ما يحتاجه هذا البحث. هكذا فإن كاتب المقال (قدس سره) كان مضطراً إلى أكبر قدر ممكن من المسامحة في استنطاق الآيات الكريمة. فهل ستصل هذه المسامحة إلى حدّ تحميل النصّ القرآني معاني، ليس فقط لم ينص عليها، بل على خلاف ما يمكن أن يستظهره مفسرون آخرون؟ والحقيقة أن هذه التخوفات مستوحاة -بدورها- من أهمّ الإشكالات التي واجهها تفسير سيد قطب المعروف باسم «في ظلال القرآن». وهي تواجه كلّ محاولة متحررة لاستنطاق آيات القرآن الكريم، رغم أن المنهج الموضوعي -ولو في طوره الجنيني هذا- قد يؤمن حماية إضافية مهمة تعصم المفسر من السقوط في التأويل المتحرر.

2/1/ أصالة قيمة الحرية:

منذ بداية المقال يتورط الكاتب (قدس سره) في مقولة سوف يسعى إلى إسباغ الشرعية عليها بالاستعانة بمسامحة كبرى في استنطاق القرآن: «... وإنما تعبّر هذه الصلة العاطفية عن عاطفة أصيلة في النفس البشرية تشعّ من كلّ ثنايا التاريخ...»[17]. وفي الحقيقة لم يكن الكاتب مضطراً إلى الاستعانة بالقرآن الكريم مع وجود استدلال فلسفي يربط بين الإرادة الإنسانية وأصالتها وحب الحرية إلّا أنه يكتفي من هذا الاستدلال بتشبيه وقياس خطابي لا يمت إلى البرهان بصلة: «...كما يسوء الإنسان أن يتعطّل أي جهاز من أجهزته عن العمل، يسوؤه بطبيعة الحال أن يُشلّ جهازه الإداري بانتزاع الحرية منه...»[18].

هنا، يقدم الكاتب استدراكاً شائعاً على إطلاق الحرية وهو يعود إلى التحديد الاجتماعي للحرية الفردية[19]، وهذا هو المفهوم نفسه الذي تبنّته الحضارة الغربية[20] إلّا أنّه قد تحوّل إلى عامل تفسيخ اجتماعي لغياب الضمانات التي يقدّمها الدين الإلهي[21]. وبهذه الملاحظة يتخلّص الكاتب (قدس سره) إلى المفهوم الإسلامي للحرية.

2/2/ المفهوم الإسلامي للحرية:

تبعاً لما تردد في أدبيات الإخوان المسلمين (خاصة سيد قطب ومحمد قطب)، قدّم السيد الشهيد الصدر (قدس سره) للمفهوم الإنساني للحرية بمقابلة دقيقة بينه وبين مفهومها الغربي: «... ولئن كانت الحرية في الحضارات الغربية تبدأ من التحرّر لتنتهي إلى ألوان من العبودية والأغلال -كما سنعرف- فإنّ الحرّية الرحيبة في الإسلام على العكس فإنها تبدأ من العبودية المخلصة لله تعالى، لتنتهي إلى التحرّر من كلّ أشكال العبودية المهيمنة...»[22]. لكن الاستدلال بالقرآن الكريم على هذه المقابلة كان لا يخلو من مسامحة كبرى: فقصور الآية الأولى عن الدلالة المطلوبة واضح، لهذا لجأ الكاتب (قدس سره) إلى الاستدلال الأخلاقي المؤيّد بالآية الثانية فتتحول المقابلة بين المفهومين الغربي والإسلامي للحرية إلى مقابلة أخرى بين حرية الإنسان المتحلّي بمكارم الأخلاق وحرية الحيوان. وحيث أن المساواة بين الإنسان الغربي والحيوان ظلت بحاجة إلى إثبات فقد وجد الكاتب (قدس سره) نفسه مضطراً للتمثيل بحادثة شهيرة وهي عجز الحكومة الأمريكية عن تحريم الخمر وفشلها في تطبيق هذا القانون رغم تبيّن مساوئ «أمّ الخبائث» لدى الخاص والعام[23]، في مقابل الانصياع التلقائي للمسلمين لأمر تحريم الخمر. ولكن هل ينفع مثل هذا الاستدلال مع الدّهريين الماديين المتعبدين باستقصاء اللذة الحسّية؟ ولو جازت المناقشة في المثال لأمكن النقض ببعض الصحابة الّذين رفضوا الانصياع لأمر التحريم. رغم عظمة شخص الرسول!

2/3 الأبعاد الاجتماعية والسلوكية للمفهوم الإسلامي للحرية:

بعد أن أوضح المفهوم الإسلامي للحرية، إجمالاً، انطلق الكاتب (قدس سره) في عملية تحليلية يصعب القبول بانتسابها إلى دلالات تلك الآيات، إلّا الالتزامية منها، فيقول:

«...فعبودية الإنسان لله تجعل الناس كلهم يقفون على صعيد واحد بين يدي المعبود الخالق، فلا توجد أمّة لها الحق في استعمار أمّة أخرى واستعبادها، ولا فئة من المجتمع يباح لها اغتصاب فئة أخرى وانتهاك حريتها، ولا إنسان يحقّ له أن ينصب نفسه صنماً للآخرين...»[24].

فما من شك أن لازم إخلاص العبودية لله هو ترك أي تعلق بغيره ورفض لأيّة هيمنة لأيّ مُدّعٍِِ للربوبية غيره، سواء كان هذا المدعي شعباً متفوقاً أو طبقة متمكنة أو فرداً مُشْرَئِبًّا للصنمية. أما على المستوى العملي الّذي هو محك الصدق في أي مفهوم فمن الواضح أن هذه الأقسام الثلاثة من العبوديات الانحرافية قد هيمنت على مجمل تاريخ الأمّة. فيصبح أي ادِّعاء بتنزيه الأمّة منها في غاية الضعف. ولعمري، إن مثل هذه المسامحات المغرقة في التفاؤل لهي من أهم مبررات الموجة التشكيكية المعاصرة المهيمنة على الكلام الجديد. أما تحميل الآيات الكريمة مثل هذه المقولات المبالغة في التفاؤل، فهو أمر يرفضه المنهج الموضوعي التوحيدي كما سيأتي.

أما فيما يرتبط بالبعد السلوكي الفردي لمفهوم الحرية في الإسلام، فقد اجتهد الكاتب (قدس سره) في الربط بين ما استقر عنده من تصور أخلاقي لسلوك الفرد المسلم وبعض الآيات التي جعلها محاور أساسية في الفضاء المعرفي المشكل للمفهوم القرآني للحرية فيقول: «... فالإسلام يهتم قبل كلّ شيء -كما عرفنا- بتحرير السلوك العملي للفرد من عبودية الشهوات أو عبودية الأصنام ويسمح بمجال التصرف للفرد كما يشاء، على ألَّا يخرج عن حدود الله، فالقرآن يقول: ﴿خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً، ﴿وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ. وبذلك يضع الكون بأسره تحت تصرف الإنسان وحرّيته، ولكنها حرّية محدودة بالحدود التي تجعلها تتفق مع تحرّره الداخلي من عبودية الشهوة وتحرّره الخارجي من عبودية الأصنام...». ولعلّه من أغرب ما يمكن أن يلاحظ هنا موقع فاء التفريع في قوله: فالقرآن...، وكذلك عطف الاستثناء في قوله:، ولكنها حرية... فمن الصعب التسليم بهذه المسامحات في مقام الاستدلال الّذي يقتضيه الطابع الكلامي للموضوع. كلّ هذه الملاحظات وغيرها مما يضيق عن ذكره المجال تجعل من هذا البحث المختصر محاولة غير موفقة بالقياس إلى ما سبقها وما لحقها من أعمال شامخة لهذا المحقق الفذ (قدس سره). أما السبب في هذا الإخفاق، -وهو علّة اختيارنا لهذا المقال- فهو القصور في المنهج حيث إنه قد كتب قبل أن تنضج نظرية التفسير الموضوعي والتوحيدي للقرآن الكريم عند صاحبها بسنوات عديدة.

3- التحليل الاجتماعي في ضوء التفسير الموضوعي للقرآن:

تقدم أن أهمّ مكاسب نظرية المحقق السيد الشهيد الصدر (قدس سره) في التفسير الموضوعي للقرآن الكريم، هو تقوية الجانب التركيبي في المنهج العلمي المعتمد في العلوم الشرعية بعد أن كان يغلب عليه الجانب التحليلي. وقد برزت هذه الخاصية بالتدريج فكانت تشتد ظهوراً وبروزاً في أعمال المحقق الشهيد كلما ازدادت نظرية التفسير الموضوعي نضجاً: فبعد أن كان غيابها ملموساً في بداية الستينات -كما لاحظناه في المقال المتقدم- ظهر كتاب «اقتصادنا» في آخر ذلك العقد حاملاً معه تباشير بداية التبلور لهذه النظرية، لكن، قد منع من بروز هذا التبلور كثرة الاعتماد على الروايات والأحاديث في ذلك الكتاب القيّم. وكانت المرحلة الأخيرة من حياة هذا العلَم الكبير حاملةً معها أوج عطائه في هذا المجال فكانت دروسه في التفسير الموضوعي للقرآن الكريم في أواخر السبعينات موضحة لهذه النظرية كأحسن ما يكون التوضيح: فإلى جانب العرض النظري حرص المحقق السيد الشهيد (قدس سره) على تطبيق نظريته في موضوع لم يكن للفقهاء ولا للمفسرين كثير عهد به من قبل: السنن التاريخية والتحليل الاجتماعي. وفي الأسطر الآتية سوف نلقي بعض الأضواء على أهمّ الإنجازات المناهجية لهذا العمل انطلاقاً من قراءة تقييمية لتحليل عناصر المجتمع طبقاً للتفسير الموضوعي للقرآن الكريم.

3/1/ القرآن وعناصر التحليل الاجتماعي:

بعد أن أوضح المصنّف (قدس سره) مفهوم السنن التاريخية في ضوء التفسير الموضوعي للقرآن الكريم ركّز بحثه على تحليل الواقع الاجتماعي بما هو مجال تحقّق تلك السنن والمحكّ العملي الذي يمكن تقييم جريانها عليه. فانطلق في هذا التحليل من مقدّمةٍ اعتمدت على تقسيمه الثلاثي للسنن. فوضع الظاهرة الدينية في إطارها الاجتماعي باعتبارها من القسم الثالث من أقسام السنن التاريخية، أي ذلك القسم الذي يمكن للإرادة الإنسانية أن تؤثّر فيه سلباً أو إيجاباً إلى حدّ التعطيل، فيقول: «﴿فأقِم وجْهَكَ للدينِ حَنِيفاً فِطرَةَ اللهِ الّتي فَطَرَ النّاسَ عَلَيها لا تبديلَ لخلقِ اللهِ ذلِكَ الِدينُ القيّمُ ولكنّ أكَثَرَ النّاسِ لا يَعلمُونَ[25].

هذه الجملة الأخيرة إشارة إلى أنّ هذه السنّة من الشكل الثالث، أي أنّ للناس أن يتّخذوا مواقف سلبية وإهمالية تجاه هذه السنّة، ولكنه إهمال على الشوط القصير لا على الشوط الطويل»[26].

هذا هو الإطار العام الذي اختاره المصنّف (قدس سره) للتحليل الاجتماعي: إنّه الاستثناء القرآني: ﴿ولكنّ أكَثَرَ النّاسِ لا يَعلمُونَ. فكون أكثر الناس غافلون عن فطرية الظاهرة الدينية وتكوينيتها هو الذي يوقعهم في المخالفة وهو الذي يؤدي بالمجتمع البشري إلى التشتّت الذي قد يصل إلى حدّ التفسّخ. هنا يطرح المصنّف مجموعةً من الأسئلة التي ستوجّه البحث:

«ما هي عناصر المجتمع من زاوية نظر القرآن الكريم؟ ما هي مقوّمات المركّب الاجتماعي؟ كيف يتم التركيب بين هذه العناصر والمقومات؟ وضمن أيّ إطار؟ وأيّ سنن؟»[27].

3/1/1/ عناصر التركيب الاجتماعي:

ينطلق المصنّف (قدس سره) في تحليله من ضمّ آية أخرى إلى الآية المتقدّمة: ﴿وإذ قَالَ رَبُّكَ لِلمَلَائِكَةِ إنّي جَاعِلٌ فِي الأَرضِ خَلِيفَةً[28]، ثم يشرع في عمليةٍ تحليليةٍ من الآيتين معاً رغم كونه لا يشير إلّا إلى هذه الأخيرة.

«هناك ثلاثة عناصر يمكن استخلاصها من العبارة القرآنية:

أوّلاً: الإنسان.

ثانياً: الأرض أو الطبيعة على وجه عام: ﴿إنّي جَاعِلٌ فِي الأَرضِ خَلِيفَةً، فهناك أرض أو طبيعة على وجه عام وهناك الإنسان الّذي يجعله الله سبحانه وتعالى على الأرض.

ثالثاً: العلاقة، العلاقة المعنوية التي تربط الإنسان بالأرض، بالطبيعة وتربط من ناحية أخرى الإنسان بأخيه الإنسان. هذه العلاقة المعنوية التي سمّاها القرآن الكريم بالاستخلاف. هذه هي عناصر المجتمع: الإنسان والطبيعة والعلاقة المعنوية التي تربط الإنسان بالطبيعة من ناحية وتربط الإنسان بأخيه الإنسان من ناحية أخرى، وهي العلاقة التي سمّيت قرآنياً بالاستخلاف»[29].

3/1/2/ مفهوم الاستخلاف:

ينطلق المصنّف (قدس سره) من تحليل العنصر الأخير ليصل بنا إلى أهم مفاهيم التحليل الاجتماعي القرآني وهو الاستخلاف:

«... وهذه العلاقة التي هي العنصر الثالث، العنصر المرن والمتحرّك في تركيب المجتمع لها صيغتان أساسيتان:

إحداهما: صيغة أطلق عليها اسم الصيغة الرباعية، والأخرى: صيغة ثلاثية.

الصيغة الرباعية: هي الصيغة التي ترتبط بموجبها الطبيعة والإنسان مع الإنسان، هذه أطراف ثلاثة، فالعلاقة إذا اتّخذت صيغة تربط بموجبها بين هذه الأطراف الثلاثة وهي: الطبيعة والإنسان مع أخيه الإنسان ولكن مع افتراض طرف رابع أيضاً في هذه العلاقة فأسمّي هذه الصيغة بالصيغة الرباعية. الصيغة الرباعية تربط بين هذه الأطراف الثلاثة ولكنها تفترض طرفاً رابعاً، بُعداً رابعاً للعلاقة الاجتماعية، وهذا الطرف الرابع ليس داخلاً في إطار المجتمع، خارج عن إطار المجتمع، ولكن الصيغة الرباعية للعلاقة الاجتماعية تعتبر هذا الطرف الرابع مقوّماً من المقومات الأساسية للعلاقة الاجتماعية على الرغم من أنّه خارج إطار المجتمع، هذه الصيغة الرباعية للعلاقة الاجتماعية ذات الأبعاد الأربعة هي التي طرحها القرآن الكريم تحت اسم الاستخلاف»[30].

هكذا يظهر الاستخلاف منتزعاً، لا من الآية الثانية فقط التي ورد فيها لفظ خليفة بالنّص بل من الآية المتقدّمة التي تضع هذه الخلافة في سياقها: «فطرة الله» و«الدّين القيّم». ورغم كون المصنّف لم يشر إلى هذا المعنى بشكلٍ مباشر إلّا أنّه واضحٌ بالملازمة: فلو لا هذا السياق لأمكن تصوّر إطلاق يد الإنسان في الأرض، وهو ما يلزم منه نفي البعد الرابعي في الصّيغة.

3/1/3/ الأمانة والاستخلاف:

إلى حد هذا المستوى يبدو عمل المصنّف وكأنّه قد غلب عليه الجانب التحليلي، وهذا خلاف ما اعتبرناه المكسب الأكبر في منهجه الموضوعي. إلّا أنّه سرعان ما يردف هذه العملية التحليلية بعمليةٍ تركيبيةٍ تجعل مفهوم الاستخلاف أكثر عملانية وتعطيه قابلياتٍ نظريةً أوسع في حقل التحليل الاجتماعي. هذه العودة التركيبية يجسّدها ضمّ آية ثالثةٍ إلى الإطار القرآني للبحث وهي قوله تعالى: ﴿إنّا عَرَضنَا الأمَانَةَ على السماوات والأرضِ والجِبالِ فأبَينَ أن يحَمِلنَها وأشفَقنَ مِنها وحَمَلَها الإنسانُ إنّه كان ظَلُوماً جَهُولاً[31]، ومن هذه الآية، إلى جانب ما تقدّم، يقوم المصنّف (قدس سره) بانتزاع الوجه الثاني لمفهوم الاستخلاف: الأمانة، فيقول:

«الأمانة هي الوجه التقبّلي للخلافة. الخلافة هي الوجه الفاعلي والعطائي للأمانة. الأمانة والخلافة عبارة عن الاستخلاف والاستئمان وتحمّل الأعباء، عبارة عن الصيغة الرباعية...»[32].

أما العرض المذكور في صدر الآية الكريمة فقد كان مصدر إلهامٍ للمصنف إذ «إنّه عرض تكويني لا عرض تشريعي، هذا العرض معناه أنّ هذه العطية الربانية كانت تفتّش عن الموضع القابل لها في الطبيعة، الموضع المنسجم معها بطبيعته، بفطرته، بتركيبه التاريخي والكوني. الجبال لا تنسجم مع هذه الخلافة، السماوات والأرض لا تنسجم مع هذه العلاقة الاجتماعية الرباعية، الكائن الوحيد الذي كان بحكم تركيبه، بحكم بنيته، بحكم فطرة الله التي قرأناها في الآية السابقة، كان منسجماً مع هذه العلاقة الاجتماعية ذات الأطراف الأربعة التي بها -بالأطراف الأربعة- تصبح أمانة، وتصبح خلافة...»[33].

3/1/4/ الإرادة الإنسانية في مقابل السنّة الإلهية:

أشرنا في بداية هذا العرض إلى أنّ الإطار العام لهذا التحليل الاجتماعي القرآني هو مفهوم السنّة الإلهية القابلة للتعطيل. وهنا يعود المصنّف (قدس سره) لاستكمال ربط عناصر التحليل بإطارها العام مستفيداً من القابليات التركيبية الجديدة فيقول: «...هذه العبارة الأخيرة: ﴿إنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً تأكيد على طابع هذه السنّة وأنّ هذه السنّة على الرغم من أنّها سنّة من سنن التاريخ ولكنّها تقبل التحدّي، تقبل أن يقف الإنسان منها موقفاً سلبياً، هذا التعبير يوازي تعبير: ﴿وَلَكِنَّ أَكَثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ في الآية السابقة...»[34].

هنا قد تطرح مسألةٌ مهمّة: كيف يمكن الجمع بين الظاهر الإلزامي لفطرة الله، وقابلية هذه السنّة الإلهية للتعطيل بإرادة الإنسان. ويقدّم المصنّف (قدس سره) حلّاً تحليليًّا لا تركيبيًّا: الفصل بين البعد التكويني والبعد التشريعي. فيقول: «...﴿فأقِم وَجهَك للدِّينِ حَنِيفاً فِطرَةَ اللهِ التي فَطَرَ الناسَ عَلَيْهَا لا تَبدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ[35] التعبير بالدين القيّم تأكيد على أنّ ما هو الفطرة، وما هو داخل في تكوين الإنسان وتركيبه وفي مسار تاريخه هو الدين القيّم، يعني أن يكون هذا الدين قيّماً على الحياة، أن يكون مهيمناً على الحياة. هذه القيمومة في الدين هي التعبير المجمل في تلك الآية عن العلاقة الاجتماعية الرباعية التي طرحت في الآيتين: في آية ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً وآية ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ»[36].

ولكن يبقى السؤال مطروحاً: ما فائدة أن يكون الدين قيّماً تكويناً ومعطّلاً تشريعاً بإرادة الإنسان؟ لا يمكن للمعالجة التحليلية أن تكون ذات جدوى هنا. ولا شكّ أنّ المصنّف (قدس سره) لو أسعفه العمر لأمكنه أن يستدرك هذا النقص ويواصل عمله التركيبي فيصل إلى حلٍّ قرآنيٍّ ينسجم مع الحلّ الفلسفي المعروف[37].

3/2/ تكامل النص القرآني مع الواقع المعرفي:

من أهمّ المسائل المطروحة أمام نظرية التفسير الموضوعي هو تفسير معنى استنطاق القرآن، وقد تقدّم أنّ العرض النظري الذي قدّمه المصنّف (قدس سره) لحلّ هذه المسألة لم يكن بالوضوح الكافي لدفع شبهة التأويل. وفي هذا البحث سوف نقوم بعملية تقويم لإحدى تطبيقاتها التي وضعت النظرية على المحكّ العملي.

3/2/1/ من الاستقراء التاريخي إلى تركيب القرآني:

في عملية استكشاف العلاقة بين موقف الإنسان من أخيه الإنسان وموقعه في الطبيعة، ينطلق المصنّف (قدس سره) من عملية استقرائية تاريخية يلخّصها في دفع شبهة الماركسية التي تقول بأنّ علاقات الإنسان مع الإنسان تخضع لدرجة تطور وسائل إنتاجه وكيفية تعامله مع الطبيعة.

يقول المصنّف (قدس سره): «كلّما نمت خبرة الإنسان على الطبيعة واتّسعت سيطرته عليها وازداد اغتناءً بكنوزها ووسائل إنتاجها، تحققت بذلك إمكانية أكبر فأكبر للاستغلال على خط علاقات الإنسان مع أخيه الإنسان: ﴿كَلاَّ إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى، أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى[38](...) وهذا هو الفرق بيننا وبين المادية التاريخية، المادية التاريخية اعتقدت بأنّ الآلة هي التي تصنع الاستغلال، هي التي تصنع النظام المتناسب لها، ولكننا نحن لا نرى أنّ دور الآلة هو دور الصانع، وإنّما دور الآلة هو دور الإمكانية، دور توفير الفرصة والقابلية، وأمّا الصانع الذي يتصرّف إيجاباً وسلباً، أمانة وخيانة، صموداً وانهياراً، إنّما هو الإنسان وفقاً لمحتواه الداخلي، لمثله الأعلى، لمدى التحامه مع هذا المثل الأعلى. هذه هي العلاقة الأولى...»[39].

هكذا يبدو الاستقراء مدعوماً دعماً مباشراً بالاستدلال القرآني الذي يبيّن أنّ علّة الطغيان هي شعور الإنسان بالاستغناء. ولكن هل يصطدم حقًّا هذا الاستدلال القرآني مع المادّية التاريخية؟ لو وقف الأمر عند هذه الآية لكان الأمر مشكلاً حقًّا! وهنا تكمن قوّة المنهج الموضوعي الذي لا يترك آيةً واحدةً في مواجهة مسألة متشعبّة كهذه.

«...كلّما جسّدت علاقات الإنسان مع أخيه الإنسان العدالة، وكلّما استطاعت أن تستوعب قيم هذه العدالة وأن تبتعد عن أي لون من ألوان الظلم والاستغلال من الإنسان لأخيه الإنسان، كلّما وقع ذلك، ازدهرت علاقات الإنسان مع الطبيعة وتفتّحت الطبيعة عن كنوزها وأعطت المخبوء من ثرواتها ونزلت البركات من السماء، وتفجّرت الأرض بالنعمة والرخاء.

هذه العلاقة القرآنية هي العلاقة التي شرحها القرآن الكريم في نصوص عديدة، قال سبحانه وتعالى: ﴿وأن لَّو استَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأسْقَيناهُم مَاءً غَدَقاً[40].

﴿ولو أَنّهم أقَامُوا التَوراة والإنجِيلَ وما أُنزِلَ إليهِم مِن رَبِّهم لأكَلُوا مِن فَوقِهِم ومِن تَحت أرجُلِهِم[41].

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ وَلَكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ[42]

هذه العلاقة مؤدّاها أنّ علاقات الإنسان مع الطبيعة تتناسب (طرداً) وعكساً مع ازدهار العدالة في علاقات الإنسان مع أخيه الإنسان، فكلّما ازدهرت العدالة في علاقات الإنسان مع أخيه الإنسان أكثر فأكثر ازدهرت علاقات الإنسان مع الطبيعة، وكلّما انحسرت العدالة عن الخط الأوّل انحسر الازدهار عن الخط الثاني...»[43].

هكذا تندفع شبهة الماركسية بشكلٍ بنائي: البديل القرآني يطرد النظرية المادية التاريخية تلقائياً. هكذا تجتمع آياتٌ قرآنيةٌ متعدّدةٌ ضمن مقولةٍ جامعةٍ يصدق عليها اسم المركب النظري وهي معلولية الرخاء للعدالة. هنا تقف أمام المتكلّم المعاصر شبهةٌ متشعّبة الجذور: فمن جهةٍ قد تنتقض هذه المقولةُ عكساً ببعض حالات التعايش الظاهري بين الظلم والرخاء. ومن جهةٍ أخرى قد يقال بأنّ هذه المعلولية هي بين أمرين لا سنخية بينهما، إذ العدالة أمرٌ معنوي بينما الرخاء أمرٌ مادّي. وقد يعبّر عن هذه الشبهة الثانية بأنّ تلك المقولة تحكّمٌ غيبي محض لا دليل عليه. وأمّا الوجه الأول من الشبهة فمن السهل دفعه وخلاصة ذلك أنّ التعايش الظاهري وهمٌ محض أما إثباته فخارجٌ عن هذا المجال.

3/2/2/ دفع شبهة الغيبية:

يبدو أنّ الأجواء الثقافية المحيطة بالمصنف (قدس سره) قد فرضت عليه أولوية الإجابة عن شبهة الغيبية دون غيرها، فيقول: «... وهذه العلاقة ليست ذات محتوى غيبي فقط، نعم نحن نؤمن أيضاً بمحتواها الغيبي، ولكن إضافة إلى محتواها الغيبي الرباني هي تشكل سنّة من سنن التاريخ بحسب مفهوم القرآن الكريم؛ وذلك لأن مجتمع الظلم، لأن مجتمع الفراعنة على مرّ التاريخ، مجتمع ممزّق مشتّت...»[44].

وقد فصّل المصنّف (قدس سره) الكلام في تحليل المجتمع الفرعوني، كما يأتي.

3/3/ التحليل المعاضد للاستدلال:

عندما يتطرّق المصنّف (قدس سره) إلى تحليل المجتمع الفرعوني وبيان كيفية تشتّته، يبدو أنّه قد فقد الشعور بالحاجة إلى المحافظة على أولوية التركيب. فغلبت النزعة التحليلية المرتبطة بالتفسير التجزيئي على بعض مقاطع البحث.

3/3/1/ المجتمع الفرعوني في ضوء القرآن الكريم:

ينطلق المصنف أولاً من عصارة استقرائه التاريخي فيقرّر: «...الفرعونية على مر التاريخ حينما تتحكم في علاقات الإنسان مع أخيه الإنسان تستهدف تمزيق طاقات المجتمع، تشتيت فئاته، بعثرة إمكانياته، ومن الواضح أنه في تشتيت وبعثرة وتفتيت وتجزئة من هذا القبيل لا يمكن لأفراد المجتمع أن يحشدوا قواهم الحقيقية، وأن يجنّدوا كل بذور إبداعهم لكي تنمو نمواً طبيعيًّا في مجال التفاعل مع الطبيعة والسيطرة على الطبيعة...»[45].

ثمّ يجد في القرآن الكريم مؤيّداً قويًّا لذلك التقرير: «...انظروا، استمعوا إلى المثل المنخفض، إلى مجتمع الظلم وآلهة مجتمع الظلم كيف يقولون؟ أو كيف يتحدث عنهم القرآن الكريم: ﴿إنَّ فِرعَونَ عَلا في الأرضِ وجَعَلَ أهْلَها شِيَعاً[46]، فرعون المثل الأعلى المنخفض، الفرعونية على مرّ التاريخ التي تبني العلاقات بين الإنسان وأخيه الإنسان على أساس الظلم والاستغلال، الفرعونية تجزّئ المجتمع، تبعثر إمكانيات المجتمع وطاقات المجتمع، ومن هنا تهدر ما في الإنسان من قدرة على الإبداع والنمو الطبيعي على ساحة علاقات الإنسان مع الطبيعة...»[47].

إلى هنا تبدو عملية الاستنطاق سليمةً تماماً من شبهة التأويل. ولكن هذا النجاح مرتهنٌ إلى حدٍّ كبير بمتانة الواقع المعرفي الذي يستند إليه المستنطق المفسّر. فإذا كان استقراؤه تامًّا كانت نتائجه يقينيةً. أمّا إذا كان ناقصاً فإنّ الثقل الأكبر في إثبات المطلوب سيقع على عاتق المفسّر التجزيئي، الذي عليه أن يتجنّب الوقوع في التأويل بمعناه الاصطلاحي التفسيري، أي الحمل على خلاف الظاهر.

3/3/2/ من مزالق غلبة التحليل:

من أهم ما قد تسببه غلبة التحليل على التركيب الوقوع في منزلق نظري يكون منشؤه الأول توهم الاختلاف بين مدلولين لآيتين هما متساويان في المصداق الخارجي وهذا ما يبدو أن المحقق السيّد الشهيد قد وقع فيه عندما ميّز بين الظالمين المستضعفين من جهة (الطائفة الأولى في م/3/ح) والظالمين المحرضين من جهة ثانية (الطائفة الثانية في م/3/ح) والحال أن هاتين الطائفتين مندرجتان تحت عنوان أعوان الظلمة الذي جاء في كلمات أهل البيت (عليهم السلام). وقد أشار المصنف (قدس سره) إلى هذا العنوان معتقداً أنه لا يشمل إلّا الطائفة الأولى.

3/3/3/ الاستعانة بالروايات في التركيب النظري:

يعتبر بحث «الطائفة الثالثة»[48] من أهم الأمثلة على ضرورة استيعاب العملية التركيبية للقدر الأكبر الممكن من مصادر المعرفة، وعدم اكتفائها بالمصدر الأعلى والأسمى، أي القرآن الكريم. وقد مرّت الإشارة على لسان أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى أن استنطاق كتاب الله دون الاستعانة بالمعصوم الناطق عمل عقيم: «ذلك القرآن فاستنطقوه ولن ينطق، ولكن أخبركم عنه». لهذا فقد كان المزج بين الآيات الكريمة وكلمات المعصوم منتجاً لمفهوم متجانس ومتماسك: الرعاع. وهو العنوان الذي أطلقه المعصوم (عليه السلام) على أخطر طوائف المجتمع وأكثرها عدداً. ومن الواضح أن استخراج ما يعادل هذا المفهوم بالاقتصار على الآيات الكريمة أمر صعب.

3/3/4/ ملاحظات جزئية:

من أجل استكمال هذه النظرة التقييمية الخاطفة، لابد من لفت النظر إلى ظاهرتين الأولى سلبية والثانية إيجابية:

الظاهرة الأولى خطر الوقوع في شراك التفسير اللّغوي التجزيئي وهو ما نلاحظه في اعتبار الرهبنة عنواناً لطائفةٍ خامسةٍ[49] لا وجودَ متجانساً لها في الخارج؛ فبعض المترهبنين هم جزء من الطائفة الرابعة والبعض الآخر يكون من الطائفة الجامعة للطائفتين الأولى والثانية.

الظاهرة الثانية كفاية آية واحدة أحياناً لاستخراج مفهوم مهم -كما نجده في الطائفتين الرابعة[50] والسادسة[51]- وهذا لا ينقص شيئاً من القيمة التركيبيّة لتقسيم طوائف المجتمع في مثالنا. وهذا ما حرص المصنف (قدس سره) على التأكيد عليه عندما نوَّه في بداية طرحه للنظرية إلى التكامل بين النوعين من التفسير التجزيئي والموضوعي.

الملاحق

1-ملحق المبحث الأول

م/1/أ/

«... وخلافاً لذلك المفسّر التوحيدي والموضوعي فإنّه لا يبدأ عمله من النّص، بل من واقع الحياة، يركّز نظره على موضوع من موضوعات الحياة العقائدية أو الاجتماعية أو الكونية، ويستوعب ما أثارته تجارب الفكر الإنساني حول ذلك الموضوع من المشاكل، وما قدّمه الفكر الإنساني من حلول، وما طرحه التطبيق التاريخي من أسئلة ومن نقاط فراغ، ثم يأخذ النصّ القرآني، لا ليتّخذ من نفسه بالنسبة إلى النّص دور المستمع والمسجّل فحسب، بل ليطرح بين يدي النّص موضوعاً جاهزاً مشرّباً بعدد كبير من الأفكار والمواقف البشرية، ويبدأ مع النّص القرآني حواراً، سؤالاً وجواباً، المفسّر يسأل والقرآن يجيب، المفسّر على ضوء الحصيلة التي استطاع أن يجمعها من خلال التجارب البشرية الناقصة، من خلال أعمال الخطأ والصواب التي مارسها المفكّرون على الأرض، لا بدّ وأن يكون قد جمع حصيلةً ترتبط بذلك الموضوع، ثم ينفصل عن هذه الحصيلة ليأتي ويجلس بين يدي القرآن الكريم، لا يجلس ساكتاً ليستمع فقط بل يجلس محاوراً، يجلس سائلاً ومستفهماً ومتدبّراً، فيبدأ مع النّص القرآني حواراً حول هذا الموضوع، وهو يستهدف من ذلك أن يكتشف موقف القرآن الكريم من الموضوع المطروح والنظرية التي بإمكانه أن يستلهمها من النّص، من خلال مقارنة هذا النّص بما استوعبه الباحث عن الموضوع من أفكار واتّجاهات...»[52].

م/1/ب/

«...قال أمير المؤمنين (عليه السلام) -وهو يتحدّث عن القرآن الشريف-: «ذلك القرآن فاستنطقوه ولن ينطق، ولكن أخبركم عنه: ألا إنّ فيه علم ما يأتي، والحديث عن الماضي، ودواء دائكم، ونظم ما بينكم»[53]. التعبير بالاستنطاق الّذي جاء في كلام ابن القرآن عليه الصلاة والسلام أروع تعبير عن عملية التفسير الموضوعي بوصفها حواراً مع القرآن الكريم وطرحاً للمشاكل الموضوعية عليه بقصد الحصول على الإجابة القرآنية عليها.

إذاً فأوّل أوجه الاختلاف الرئيسية بين الاتّجاه التجزيئي في التفسير والاتّجاه الموضوعي في التفسير أنّ الاتّجاه التجزيئي يكون دور المفسّر فيه دوراً سلبيًّا: يستمع ويسجّل، بينما التفسير الموضوعي ليس هذا معناه وليس هذا كنهه، وإنما وظيفة التفسير الموضوعي دائماً وفي كلّ مرحلة وفي كلّ عصر أن يحمل كلّ تراث البشرية الّذي عاشه، يحمل أفكار عصره، يحمل المقولات التي تعلّمها في تجربته البشرية ثم يضعها بين يدي القرآن...»[54].

م/1/ج/

«... المسألة هنا ليست مسألة تفسير لفظ، طاقات التفسير اللغوي ليست طاقات لا متناهية، بينما القرآن الكريم دلّت الروايات على أنّه لا ينفد[55]، وصرّح القرآن الكريم بأن كلمات الله لا تنفد[56].

القرآن الكريم عطاؤه لا ينفد بينما التفسير اللغوي ينفد؛ لأنّ اللغة لها طاقات محدودة، وليس هناك تجدّد في المدلول اللغوي، ولو وجد تجدّد في المدلول اللغوي فلا معنى لتحكيمه على القرآن، ولو وجدت لغة أخرى بعد القرآن لا معنى لأن يفهم القرآن من خلال لغة جديدة أو مصطلحات جديدة أو ألفاظ تحمل مدلولات وضيعة استحدثت بعد القرآن.

إذاً هذا العطاء الذي لا ينفد للقرآن، هذه المعاني التي لا تنتهي للقرآن، التي نصّ عليها القرآن نفسه ونصّت عليها أحاديث أهل البيت عليهم الصلاة والسلام، هذه الحالة من عدم النفاد، تكمن في هذا المنهج، في منهج التفسير الموضوعي؛ لأنّنا نستنطق القرآن...»[57].

م/1/د/ ما هو المراد بالموضوعيّة

«...اصطلاح الموضوعية هنا على ضوء الأمر الأوّل، كون التفسير موضوعيًّا على ضوء الأمر الأوّل، بمعنى أنّه يبدأ من الموضوع، من الواقع الخارجي، من الشيء الخارجي، ويعود إلى القرآن الكريم، فنعبّر عن التفسير بأنّه موضوعيٌّ على ضوء الأمر الأوّل باعتبار أنّه يبدأ من الموضوع الخارجي وينتهي إلى القرآن الكريم، وتوحيديٌّ باعتبار أنّه يوحّد بين التجربة البشرية وبين القرآن الكريم، لا بمعنى أنّه يحمل التجربة البشرية على القرآن، لا بمعنى أنّه يخضع القرآن للتجربة البشرية، بل بمعنى أنّه يوحّد بينهما في سياق بحث واحد؛ لكي يستخرج نتيجة هذا السياق الموحّد من البحث، يستخرج المفهوم القرآني الّذي يمكن أن يحدّد موقف الإسلام تجاه هذه التجربة أو المقولة الفكرية التي أدخلها في سياق بحثه.

إذاً التفسير موضوعي وتوحيدي على أساس الأمر الأوّل، [و]على أساس الأمر الثاني أيضاً كون التفسير موضوعيًّا باعتبار أنّه يختار مجموعة من الآيات تشترك في موضوع واحد. وهو توحيدي باعتبار أنّه يوحّد بين هذه الآيات، يوحّد بين مدلولات هذه الآيات ضمن مركّب نظري واحد. إذاً اصطلاح الموضوعية واصطلاح التوحيدية في التفسير ينسجم مع كلّ من هذين الفارقين بما بيّناه...»[58].

م/1/هـ/

«... هذا هو الطريق الوحيد للحصول على النظريات الأساسية للإسلام وللقرآن تجاه موضوعات الحياة المختلفة.

وقد يقال بأنّه ما الضرورة إلى تحصيل هذه النظريات الأساسية؟ ما الضرورة إلى أن نفهم نظرية الإسلام في النبوّة مثلاً بشكل عام؟ أن نفهم نظرية الإسلام في سنن التاريخ وفي التغيّر الاجتماعي بشكل عام؟ أن نفهم سنن الإسلام في الاقتصاد الإسلامي بشكل عام؟ أن نفهم مفهوم الإسلام عن السماوات والأرض؟ ما الضرورة إلى أن ندرس ونحدّد هذه النظريات، فإنّنا نجد بأنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يعط هذه النظريات على شكل نظريات محدّدة وبصيغ عامة، وإنّما أعطى القرآن بهذا الترتيب للمسلمين؟ ما الضرورة إلى أن نتعب أنفسنا في سبيل تحصيل هذه النظريات وتحديدها بعد أن لاحظنا أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) اكتفى بإعطاء هذا المجموع هذا الكلّ المتراكم بهذا الشكل؟ ما الضرورة إلى أن نستحصل هذه النظريات؟

الحقيقة أنّ هناك اليوم ضرورة أساسية لتحديد هذه النظريات ولتحصيل هذه النظريات، ولا يمكن أن يفترض الاستغناء عن ذلك. النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يعطي هذه النظريات ولكن من خلال التطبيق، من خلال المناخ القرآني العام الذي كان يبنيه في الحياة الإسلامية، فكان كلّ فرد مسلم في إطار هذا المناخ، كان يفهم هذه النظرية ولو فهماً إجماليًّا ارتكازيًّا؛ لأنّ المناخ والإطار الروحي والاجتماعي والفكري والتربوي الذي وضعه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان قادراً على أن يعطي النظرة السليمة، والقدرة السليمة على تقويم المواقف والمواقع والأحداث...»[59].

م/1/و/

«... حينما وقع هذا التفاعل بين إنسان العالم الإسلامي وإنسان العالم الغربي وجد الإنسان المسلم نفسه أمام نظريّات كثيرة في مختلف مجالات الحياة، فكان لا بدّ لكي يحدّد موقف الإسلام من هذه النظريات، كان لا بدّ وأن يستنطق نصوص الإسلام، لابدّ وأن يتوغّل في أعماق هذه النصوص لكي يصل إلى مواقف الإسلام الحقيقية سلباً وإيجاباً، لكي يكتشف نظريات الإسلام التي تعالج نفس هذه المواضيع التي عالجتها التجارب البشريّة الذكيّة في مختلف مجالات الحياة.

إذاً فالتفسير الموضوعي في المقام هو أفضل الاتّجاهين في التفسير، إلّا أنّ هذا لا ينبغي أن يكون المقصود منه الاستغناء عن التفسير التجزيئي...»[60].

2- ملحق المبحث الثاني:

م/2/أ/ الحرية في القرآن[61]:

«﴿قُل يا أهلَ الكتابِ تَعَالَوا إلى كَلِمةٍ سَوَاء بَيننا وبَينكُم ألّا نَعبُد إلّا الله ولا نُشرِكَ بِه شَيئاً ولا يتَّخذَ بعضُنا بعضاً أربَاباً من دُونِ اللهِ[62].

﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ * قُلْ أَؤُنَبِّئُكُم بِخَيْرٍ مِّن ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللهِ وَاللهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ[63].

﴿وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ[64].

﴿خَلَقَ لَكُم ما في الأرضِ جَمِيعاً[65].

﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ[66]»[67].

م/2/ب/ الحرية عاطفة أصيلة:

«... مفهوم الحرّية من تلك المفاهيم التي تلتقي عندها مشاعر الناس جميعاً، وهذه الصلة العاطفية التي تربط الإنسان بالحرية ليست ظاهرة حديثة في تاريخ الإنسانية، ولا من نتائج الكيانات الحضارية التي يعيشها الإنسان الرأسمالي والاشتراكي اليوم، وإن استغلّت بعض الحضارات الحديثة عاطفة الإنسان تجاه الحرّية إلى أبعد حدود الاستغلال. وإنما تعبّر هذه الصلة العاطفية عن عاطفة أصيلة في النفس البشرية تشعّ من كلّ ثنايا التاريخ حتّى تبدو قصة الإنسان نفسه، وكأنها معركة تحرّر وتحرير يخوضها على مرّ الزمن منذ أعماق التاريخ إلى يوم الناس هذا، بالرغم من اختلاف أشكال المعركة وألوانها وأهدافها وأساليبها باختلاف القيم الفكرية التي ترتكز عليها.

وهذه الظاهرة العاطفية العامّة نجد تفسيرها في جانب ثابت من تكوين الإنسان وهو الإرادة، فالإنسان مجهز ضمن تركيبه العضوي والنفسي بالإرادة، وهو لذلك يحبّ الحرية ويهواها، لأنها تعبير عملي عن امتلاكه لإرادته وإمكان استخدامها لمصالحه، وكما يسوء الإنسان أن يتعطّل أي جهاز من أجهزته عن العمل، يسوؤه بطبيعة الحال أن يُشلّ جهازه الإداري بانتزاع الحرية منه...»[68].

م/2/جـ/ تحديد الحرّية:

«... غير أنّ الإنسان آمن منذ البدء بأنّ الحرية المطلقة لا يمكن أن توفّر للفرد الاعتيادي الذي يعيش ضمن مجتمع مترابط، لأن الحرية المطلقة لكلّ فرد في المجتمع تصطدم بحرّيات الآخرين، وبالتالي يستقطب التناقض في الجهاز الاجتماعي، حتّى يتفسخ، فلكي يحتفظ كلّ فرد بنصيب من حريته بعيداً عن تدخّلات الآخرين، لا بدّ له أن يتنازل عن شيء منها، وينعكس هذا التنازل على الصعيد الاجتماعي في القوانين التي تشرّع لتنظيم المجتمع وضبط تصرفاته.

وهكذا تصبح الحرية المطلقة فكرة خيالية، حين يبدأ الإنسان حياته الاجتماعية، ويصبح الشيء المهم هو تحديد النصيب الذي يجب أن يحتفظ به لكلّ فرد من الحرية...»[69].

م/2/د/ الحرية في الحضارات الغربيّة:

«... وقد حرصت الحضارات الغربية الحديثة على تقليص هذا التحديد -تحديد الحرية- إلى أبعد الحدود، وتوفير أكبر نصيب ممكن من الحرية لكلّ فرد في سلوكه الخاص، وهذا النصيب هو القدر الذي لا يتعارض مع حرّيات الآخرين، فلا تنتهي حرية كلّ فرد إلا حيث تبدأ حرّيات الأفراد الآخرين.

وليس من المهم بعد توفير هذه الحرية لجميع الأفراد طريقة استعمالها والنتائج التي تتمخض عنها وردود الفعل النفسية والفكرية لها، ما دام كلّ فرد حرًّا في تصرفاته وسلوكه وقادراً على تنفيذ إرادته في مجالاته الخاصة، فالمخمور مثلاً لا حرج عليه أن يشرب ما شاء من الخمر، ويضحّي بآخر ذرّة من وعيه وإدراكه، لأن من حقه أن يتمتع بهذه الحرية في سلوكه الخاص، ما لم يعترض هذا المخمور طريق الآخرين أو يصبح خطراً على حرياتهم بوجه من الوجوه...»[70].

م/2/هـ/:

«... بدأت الإنسانية تستيقظ ببطءٍ وتدرك بصورة تدريجية ولكنها مرعبة أنّ هذه الحرية ربطتها بقيود هائلة، وقضت على آمالها في الانطلاق الإنساني الحر؛ لأنّها وجدت نفسها مدفوعة في عربة تسير باتجاه محدّد، لا تملك له تعبيراً ولا تطويراً، وإنما كلّ سلوتها وعزائها وهي تطالع مصيرها في طريقها المحدد: إن هناك من قال لها أنّ هذه العربة عربة الحرية بالرغم من هذه الأغلال وهذه القيود التي وضعت في يديها.

أما كيف عادت الحرية قيداً، وكيف أدّى الانطلاق إلى تلك الأغلال التي تجرّ العربة في اتجاه محدد محتوم؟! وكيف أفاقت الإنسانية على هذا الواقع المُرّ في نهاية المطاف؟! فهذا كله ما قدّره الإسلام قبل أربعة عشر قرناً، فلم يكتف بتوفير هذا المعنى السطحي من الحرية للإنسان الذي مني بكلّ هذه التناقضات في التجربة الحياتية الحديثة للإنسان الغربي، وإنما ذهب إلى أبعد من ذلك، وجاء بمفهوم أعمق للحرية، وأعلنها ثورة تحريرية كبرى للإنسان، ولكنها ليست ثورة على الأغلال والقيود بشكلها الظاهري فحسب، بل على جذورها النفسية والفكرية، وبهذا كفل للإنسان أرقى وأسمى أشكال الحرية التي ذاقها الناس على مرّ التاريخ...»[71].

م/2/و/ الحرّية الإسلامية:

«... ولئن كانت الحرية في الحضارات الغربية تبدأ من التحرّر لتنتهي إلى ألوان من العبودية والأغلال -كما سنعرف- فإنّ الحرّية الرحيبة في الإسلام على العكس فإنها تبدأ من العبودية المخلصة لله تعالى، لتنتهي إلى التحرّر من كلّ أشكال العبودية المهيمنة:

﴿تَعَالَوْاْ إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللهِ.

أرأيت كيف يقيم القرآن التحرر من كلّ العبوديات على أساس الإقرار بالعبودية المخلصة لله تعالى؟!

أرأيت كيف يجعل من علاقة الإنسان بربّه الأساس المتين الثابت لتحرره في علاقاته مع سائر الناس ومع كلّ أشياء الكون والطبيعة؟!...»[72].

م/2/و/1/ التحرير الداخلي للإنسانية:

«... يبدأ الإسلام عمليته في تحرير الإنسانية من المحتوى الداخلي للإنسان نفسه لأنه يرى أن منح الإنسان الحرية ليس أن يقال له: هذا هو الطريق قد أخليناه لك فسر بسلام، وإنما يصبح الإنسان حرًّا حقيقةً حين يستطيع أن يتحكم في طريقه ويحتفظ لإنسانيته بالرأي في تحديد الطريق ورسم معالمه واتجاهاته، وهذا يتوقف على تحرير الإنسان قبل كلّ شيء من عبودية الشهوات التي تعتلج في نفسه لتصبح الشهوة أداة تنبيه للإنسان إلى ما يشتهيه لا قوّة دافعة تسخّر إرادة الإنسان دون أن يملك بإزائها حولاً أو طولاً؛ لأنّها إذا أصبحت كذلك خسر الإنسان حريته منذ بداية الطريق ولا يغيّر من الواقع شيئاً أن تكون يداه طليقتين ما دام عقله وكلّ معانيه الإنسانية التي تميزه عن مملكة الحيوان معتقلة ومجمّدة عن العمل.

ونحن نعلم أن الشيء الأساسي الذي يميّز حرّية الإنسان عن حريّة الحيوان بشكل عام أنهما وإن كانا يتصرفان بإرادتهما غير أن إرادة الحيوان مسخرّة دائماً لشهواته وايحاءاتها الغريزية، وأما الإنسان فقد زُوِّد بالقدرة التي تمكّنه من السيطرة على شهواته وتحكيم منطقه العقلي فيها، فسرّ حريته بوصفه إنساناً إذاً يكمن في هذه القدرة، فنحن إذا جمدناها فيه واكتفينا بمنحه الحرية الظاهرية في سلوكه العملي ووفّرنا له بذلك كلّ إمكانيات ومغريات الاستجابة لشهواته، كما صنعت الحضارات الغربية الحديثة فقد قضينا بالتدريج على حرّيته الإنسانية، على حرّيته في مقابل شهوات الحيوان الكامن في أعماقه وجعلنا منه أداة تنفيذ لتلك الشهوات حتّى إذا التفت إلى نفسه في أثناء الطريق وجد نفسه محكوماً لا حاكماً ومغلوباً على أمره وإرادته.

وعلى العكس من ذلك إذا بدأنا بتلك القدرة التي يكمن فيها سرّ الحرية الإنسانية فأنميناها وغذّيناها وأنشأنا الإنسان إنشاء إنسانيًّا لا حيوانيًّا، وجعلناه يعي أنّ رسالته في الحياة أرفع من هذا المصير الحيواني المبتذل الذي تسوقه إليه تلك الشهوات، وإنّ مثله الأعلى الذي خلق للسعي في سبيله أسمى من هذه الغايات التافهة والمكاسب الرخيصة التي يحصل عليها في لذاته المادية، أقول: إذا صنعنا ذلك كله حتّى جعلنا الإنسان يتحرّر من عبودية شهواته وينعتق من سلطانها الآسر ويمتلك إرادته فسوف نخلق الإنسان الحرّ القادر على أن يقول: لا أو نعم دون أن تكمّم فاه أو تغلّ يديه هذه الشهوة الموقوتة أو تلك اللذة المبتذلة.

وهذا ما صنعه القرآن حين وضع للفرد المسلم طابعه الروحي الخاص وطوّر من مقاييسه ومثله وانتزعه من الأرض وأهدافها المحدودة إلى آفاق أرحب وأهداف أسمى، فلنستمع إليه يقول:

﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ * قُلْ أَؤُنَبِّئُكُم بِخَيْرٍ مِّن ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللهِ وَاللهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ[73].

هذه هي معركة التحرير في المحتوى الداخلي للإنسان، وهي في نفس الوقت الأساس الأوّل والرئيس لتحرير الإنسانية في نظر الإسلام، وبدونها تصبح كلّ حرّية زيفاً وخداعاً وبالتالي أسراً وقيداً.

ونحن نجد في هذا الضوء القرآني أنّ الطريقة التي استعان بها القرآن على انتشال الإنسانية من ربقة الشهوات وعبوديات اللذّة هي الطريقة العامّة التي يستعملها الإسلام دائماً في تربية الإنسانية في كلّ المجالات، طريقة التوحيد، فالإسلام يحرّر الإنسان من عبودية الأرض ولذائذها الخاطفة بربطه بالسماء وجنانها ومثلها ورضوان من الله، وهكذا نعرف أنّ التوحيد هو سند الإنسانية في تحرّرها الداخلي من كلّ العبوديات.

ويكفينا مثل واحد لنعرف النتائج الباهرة التي تمخض عنها هذا التحرير ومدى الفرق بين حرّية الإنسان القرآني الحقيقية وهذه الحريات المصطنعة التي تزعمها شعوب الحضارات الغربية الحديثة، فقد استطاعت الأمّة التي حرّرها القرآن حين دعاها في كلمة واحدة إلى اجتناب الخمر أن تقول: لا وتمحو الخمر من قاموس حياتها بعد أن كان جزءاً من كيانها وضرورة من ضروراتها، لأنّها كانت مالكة لإرادتها، حرّة في مقابل شهواتها ودوافعها الحيوانية، وبكلمة مختصرة كانت تتمتع بحرية حقيقية تسمح لها بالتحكم في سلوكها.

وأما تلك الأمّة التي أنشأتها الحضارة الحديثة ومنحتها الحرّيات الشخصية بطريقتها الخاصة فهي بالرغم من هذا القناع الظاهري للحرّية لا تملك شيئاً من إرادتها ولا تستطيع أن تتحكّم في وجودها؛ لأنّها لم تحرّر المحتوى الداخلي لها وإنّما استسلمت إلى شهواتها ولذاتها تحت ستار من الحرية الشخصية حتّى فقدت حرّيتها إزاء تلك الشهوات واللذات، فلم تستطع أكبر حملة للدعاية ضد الخمر جنّدتها حكومة الولايات المتحدة الأمريكية أن تحرّر الأمّة الأمريكية من الخمر، بالرغم من الطاقات المادية والمعنوية الهائلة التي جنّدتها السلطة الحاكمة ومختلف المؤسسات الاجتماعية في هذا السبيل، وليس هذا الفشل المريع إلا نتيجة فقدان الإنسان الغربي للحرية الحقيقية، فهو لا يستطيع أن يقول، لا كلما اقتنع عقلياً بذلك، كالإنسان القرآني، وإنما يقول الكلمة حين تفرض عليه شهوته أن يقولها، ولهذا لم يستطع أن يعتق نفسه من أسر الخمر؛ لأنه لم يكن قد ظفر في ظل الحضارة الغربية بتحرير حقيقي في محتواه الروحي والفكري...»[74].

م/2/و/2/ تحرير الإنسان في النطاق الاجتماعي:

«... وخاض القرآن بعد معركة التحرير الداخلي للإنسانية -بل وإلى صفها أيضاً- معركة التحرير في النطاق الاجتماعي. فكما حطّم في المحتوى الداخلي للإنسان الأصنام التي تسلبه حرّيته الإنسانية، كذلك حطّم الأصنام الاجتماعية وقضى على عبادة الإنسان للإنسان:

﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللهِ.

فعبودية الإنسان لله تجعل الناس كلهم يقفون على صعيد واحد بين يدي المعبود الخالق، فلا توجد أمّة لها الحق في استعمار أمّة أخرى واستعبادها، ولا فئة من المجتمع يباح لها اغتصاب فئة أخرى وانتهاك حريتها، ولا إنسان يحقّ له أن ينصب نفسه صنماً للآخرين.

ومرّة أخرى نجد أنّ هذه المعركة القرآنية الثانية من معارك التحرير قد استعين فيها بنفس الطريقة التي استعملت في المعركة الأولى وتستعمل دائماً في كلّ ملاحم القرآن، وهي التوحيد. فمادام الإنسان يقرّ بالعبودية لله وحده فهو يرفض بطبيعة الحال كلّ صنم وكلّ تأليه مزوّر لأي إنسان وكائن، ويرفع رأسه حرًّا أبيًّا، ولا يستشعر ذلّ العبودية والهوان أمام أي قوّة من قوى الأرض أو صنم من أصنامها؛ لأنّ ظاهرة الصنميّة في حياة الإنسان نشأت عن سببين: أحدهما عبوديته للشهوة التي تجعله يتنازل عن حرّيته إلى الصنم الإنساني الّذي يقدر على إشباع تلك الشهوة وضمانها له، والآخر: جهله بما وراء تلك الأقنعة الصنميّة المتألهة من نقاط الضعف والعجز. والإسلام حين حرّر الإنسان من عبودية الشهوة، وزيّف تلك الأقنعة الخادعة كان طبيعيًّا أن ينتصر على الصنميّة ويمحو من عقول المسلمين عبودية الأصنام بمختلف أشكالها وألوانها...»[75].

م/2/و/3/ الحرّية في مجال السلوك العملي:

«... وبعد تحرير الإنسان داخليًّا من عبوديات الشهوة وتحريره خارجيًّا من عبوديات الأصنام، سواء كان الصنم أمّة أم فئة أم فرداً يجيء دور الحرّية في مجال السلوك العملي للفرد، وهنا يختلف الإسلام عن الحضارات الغربية الحديثة التي لا تضع لهذه الحرية العملية للفرد حدًّا إلا حرّيات الأفراد الآخرين، فالإسلام يهتم قبل كلّ شيء -كما عرفنا- بتحرير السلوك العملي للفرد من عبودية الشهوات أو عبودية الأصنام ويسمح مجال التصرف للفرد كما يشاء، على ألَّا يخرج عن حدود الله، فالقرآن يقول:

﴿خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً.

﴿وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ.

وبذلك يضع الكون بأسره تحت تصرف الإنسان وحرّيته، ولكنها حرّية محدودة بالحدود التي تجعلها تتفق مع تحرّره الداخلي من عبودية الشهوة وتحرّره الخارجي من عبودية الأصنام، وأمّا الحرّية العملية في عبادة الشهوة والالتصاق بالأرض ومعانيها والتخلّي عن الحرّية الإنسانية بمعناها الحقيقي، وأما الحرّية العملية في عبادة الأصنام البشرية والتقرب لها والانسياق وراء مصالحها والتخلّي عن الرسالة الحقيقية الكبرى للإنسان في الحياة، فهذا ما لا يأذن به الإسلام؛ لأنّه تحطيم لأعمق معاني الحرّية في الإنسان ولأنّ الإسلام لا يفهم من الحرية إيجاد منطلق للمعاني الحيوانية في الإنسان، وإنما يفهمها بوصفها جزءاً من برنامج فكري وروحي كامل يجب أن تقوم على أساسه الإنسانية...»[76].

3- ملحق المبحث الثالث

م/3/أ/ عناصر المجتمع في القرآن الكريم:

«... إنّ القرآن الكريم يقدّم الدين لا بوصفه مجرّد قرار تشريعي، بل يقدّمه بوصفه سنّة من سنن الحياة والتاريخ ومقوّماً أساسيًّا لخلق الله، ولن تجد لخلق الله تبديلاً، ولكنها سنة من الشكل الثالث، سنّة تقبل التحدّي على الشوط القصير، ولكن المتحدّي يعاقب بسنن التاريخ نفسها، وقد أشير في الآية الكريمة التي نصّت على أنّ الدين سنة من سنن التاريخ، أشير إلى هذه الخاصة أيضاً بقوله: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ.

هذه العبارة التي ختمت بها تلك الآية الكريمة: ﴿فأقِم وجْهَكَ للدينِ حَنِيفاً فِطرَةَ اللهِ الّتي فَطَرَ النّاسَ عَلَيها لا تبديلَ لخلقِ اللهِ ذلِكَ الِدينُ القيّمُ ولكنّ أكَثَرَ النّاسِ لا يَعلمُونَ[77].

هذه الجملة الأخيرة إشارة إلى أنّ هذه السنّة من الشكل الثالث، أي أنّ للناس أن يتّخذوا مواقف سلبية وإهمالية تجاه هذه السنّة، ولكنه إهمال على الشوط القصير لا على الشوط الطويل.

قلنا بأنّ توضيح واقع هذه السنة القرآنية من سنن التاريخ يتطلّب منا أن نحلّل عناصر المجتمع، ما هي عناصر المجتمع من زاوية نظر القرآن الكريم؟ ما هي مقوّمات المركّب الاجتماعي؟ كيف يتم التركيب بين هذه العناصر والمقومات؟ وضمن أيّ إطار؟ وأيّ سنن؟

هذه الأسئلة نحصل على جوابها في النّص القرآني الشريف الّذي تحدّث عن خلق الإنسان الأوّل: ﴿وإذ قال ربُّك للملائكةِ إنّي جاعلٌ في الأرض خَليفةً قالوا أتجعَلُ فيها مَن يُفسدُ فيها وَيَسفِكُ الدماءَ ونَحنُ نُسبّحُ بحمدِك ونُقدّسُ لكَ قالَ إنّي أَعلَمُ ما لا تَعلمُونَ[78].

حينما نستعرض هذه الآية الكريمة نجد أنّ الله سبحانه وتعالى ينبّئ الملائكة بأنّه قرّر إنشاء مجتمع على الأرض، فما هي العناصر التي يمكن استخلاصها من العبارة القرآنية التي تتحدّث عن هذه الحقيقة العظيمة؟

هناك ثلاثة عناصر يمكن استخلاصها من العبارة القرآنية:

أوّلاً: الإنسان.

ثانياً: الأرض أو الطبيعة على وجه عام: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً، فهناك أرض أو طبيعة على وجه عام وهناك الإنسان الّذي يجعله الله سبحانه وتعالى على الأرض.

ثالثاً: العلاقة، العلاقة المعنوية التي تربط الإنسان بالأرض، بالطبيعة وتربط من ناحية أخرى الإنسان بأخيه الإنسان. هذه العلاقة المعنوية التي سمّاها القرآن الكريم بالاستخلاف. هذه هي عناصر المجتمع: الإنسان والطبيعة والعلاقة المعنوية التي تربط الإنسان بالطبيعة من ناحية وتربط الإنسان بأخيه الإنسان من ناحية أخرى، وهي العلاقة التي سمّيت قرآنيًّا بالاستخلاف.

ونحن حينما نلاحظ المجتمعات البشرية نجد أنّ المجتمعات البشرية جميعاً تشترك بالعنصر الأوّل والعنصر الثاني. لا يوجد مجتمع بدون إنسان يعيش مع أخيه الإنسان، ولا يوجد مجتمع بدون أرض أو طبيعة يمارس الإنسان عليها دوره الاجتماعي. وفي هذين العنصرين تتّفق المجتمعات التاريخية والبشرية.

وأمّا العنصر الثالث وهو العلاقة، ففي كل مجتمع علاقة كما ذكرنا، ولكن المجتمعات تختلف في طبيعة هذه العلاقة وفي كيفية صياغة هذه العلاقة. فالعنصر الثالث هو العنصر المرن والمتحرّك من عناصر المجتمع، وكلّ مجتمع يبني هذه العلاقة المعنوية التي تربط الإنسان بأخيه الإنسان من جانب وبالطبيعة بالجانب الآخر، يبني هذه العلاقة بشكل قد يتّفق وقد يختلف مع طريقة بناء المجتمع الآخر لهذه العلاقة»[79].

م/3/ب/ العلاقة وصيغتاها:

«... وهذه العلاقة التي هي العنصر الثالث، العنصر المرن والمتحرّك في تركيب المجتمع لها صيغتان أساسيتان:

إحداهما: صيغة رباعية أطلق عليها اسم الصيغة الرباعية، والأخرى: صيغة ثلاثية.

الصيغة الرباعية: هي الصيغة التي ترتبط بموجبها الطبيعة والإنسان مع الإنسان، هذه أطراف ثلاثة، فالعلاقة إذا اتّخذت صيغة تربط بموجبها بين هذه الأطراف الثلاثة وهي: الطبيعة والإنسان مع أخيه الإنسان ولكن مع افتراض طرف رابع أيضاً في هذه العلاقة فأسمّي هذه الصيغة بالصيغة الرباعية. الصيغة الرباعية تربط بين هذه الأطراف الثلاثة ولكنها تفترض طرفاً رابعاً، بُعداً رابعاً للعلاقة الاجتماعية، وهذا الطرف الرابع ليس داخلاً في إطار المجتمع، خارج عن إطار المجتمع، ولكن الصيغة الرباعية للعلاقة الاجتماعية تعتبر هذا الطرف الرابع مقوّماً من المقومات الأساسية للعلاقة الاجتماعية على الرغم من أنّه خارج إطار المجتمع، هذه الصيغة الرباعية للعلاقة الاجتماعية ذات الأبعاد الأربعة هي التي طرحها القرآن الكريم تحت اسم الاستخلاف.

الاستخلاف هو العلاقة الاجتماعية من زاوية نظر القرآن الكريم، والاستخلاف لدى التحليل نجد أنّه ذو أربعة أطراف؛ لأنّ الاستخلاف يفترض مستخلِفاً أيضاً. لابدّ من مستخلفٍ ومستخلَفٍ عليه ومستخلَف. فهناك إضافة إلى الإنسان وأخيه الإنسان والطبيعة يوجد طرف رابع في طبيعة وتكوين علاقة الاستخلاف وهو المستخلف؛ إذا لا استخلاف بدون مستخلِف، فالمستخلف هو الله سبحانه وتعالى، والمستخلَف هو الإنسان وأخوه الإنسان، أي الإنسانية ككل الجماعة البشرية، والمستخلف عليه هو الأرض وما عليها ومن عليها.

فالعلاقة الاجتماعية ضمن صيغة الاستخلاف تكون ذات أطراف أربعة، وهذه الصيغة ترتبط بوجهة نظر معينة نحو الحياة والكون، بوجهة نظرٍ قائلة بأنّه لا سيّد ولا مالك ولا إله للكون وللحياة إلّا الله سبحانه وتعالى، وأنّ دور الإنسان في ممارسة حياته إنّما هو دور الاستخلاف والاستئمان، وأيّ علاقة تنشأ بين الإنسان والطبيعة فهي في جوهرها ليست علاقة مالك بمملوك وإنّما هي علاقة أمين على أمانة استؤمن عليها، وأيّ علاقة تنشأ بين الإنسان وأخيه الإنسان -مهما كان المركز الاجتماعي لهذا أو لذاك- فهي علاقة استخلاف وتفاعل بقدر ما يكون هذا الإنسان أو ذاك مؤدّياً لواجب هذه الخلافة، وليست علاقة سيادة أو ألوهية أو مالكية...»[80].

«... وجدت الألوان المختلفة للملكية وللسيادة، لسيادة الإنسان على أخيه الإنسان بأشكالها المختلفة التي استعرضها التاريخ بعد أن عطّل البعد الرابع وبعد أن افترض أنّ البداية هي الإنسان، حينئذٍ تنوّعت على مسرح الصيغة الثلاثية أشكال الملكية وأشكال السيادة، سيادة الإنسان على أخيه الإنسان...»[81].

«... إذاً أمامنا للعلاقة الاجتماعية صيغتان صيغة رباعية وصيغة ثلاثية، والقرآن الكريم آمن بالصيغة الرباعية كما رأينا في الآية الكريمة، الاستخلاف هو الصيغة الرباعية للعلاقة الاجتماعية، لكن القرآن الكريم أكثر من أنّه آمن بالصيغة الرباعية في المقام اعتبر الصيغة الرباعية سنة من سنن التاريخ، كما رأينا في الآية السابقة كيف اعتبر الدين سنة من سنن التاريخ، كذلك اعتبر الصيغة الرباعية للعلاقة الاجتماعية التي هي صيغة الدين في الحياة، اعتبر هذه العلاقة بصيغها الرباعية سنة من سنن التاريخ. كيف؟»[82].

م/3/جـ/ الاستخلاف سنة من سنن التاريخ:

هذه الصيغة الرباعية عرضها القرآن الكريم على نحوين:

عرضها تارة بوصفها فاعلية ربانية من زاوية دور الله سبحانه وتعالى في العطاء، وهذا هو العرض الذي قرأناه: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً، هذه العلاقة الرباعية معروضة في هذا النص الشريف باعتبارها عطاءً من الله، جعلاً من الله يمثّل الدور الإيجابي والتكريمي من رب العالمين للإنسان.

وعرض الصيغة الرباعية نفسها من زاوية أخرى، عرضها بوصفها وبنحو ارتباطها مع الإنسان بما هي أمر يتقبّله الإنسان، عرضها من زاوية تقبّل الإنسان لهذه الخلافة، وذلك في قوله سبحانه وتعالى: ﴿إنّا عَرَضنَا الأمَانَةَ على السماوات والأرضِ والجِبالِ فأبَينَ أن يحَمِلنَها وأشفَقنَ مِنها وحَمَلَها الإنسانُ إنّه كان ظَلُوماً جَهُولاً[83]، الأمانة هي الوجه التقبّلي للخلافة. الخلافة هي الوجه الفاعلي والعطائي للأمانة. الأمانة والخلافة عبارة عن الاستخلاف والاستئمان وتحمّل الأعباء، عبارة عن الصيغة الرباعية.

(...)

وهذه الأمانة التي تقبّلها الإنسان وتحمّلها الإنسان عُرضت على الإنسان فتقبّلها الإنسان بنصّ هذه الآية الكريمة، هذه الأمانة أو هذه الخلافة أو بالتعبير الذي قلناه: هذه العلاقة الاجتماعية بصيغتها الرباعية، هذه لم تعرض على الإنسان في هذه الآية بوصفها تكليفاً، بوصفها طلباً، ليس المقصود من عرضها على الإنسان هو العرض على مستوى التكليف والطلب، وليس المقصود من تقبّل الأمانة هو تقبّل هذه الخلافة على مستوى الامتثال والطاعة، ليس المقصود أن يكون هكذا العرض وأن يكون هكذا التقبّل، بقرينة أنّ هذا العرض كان معروضاً على الجبال أيضاً، على السماوات والأرض والجبال، من الواضح أنّه لا معنى لتكليف الجبال والسماوات والأرض.

هذا العرض نعرف من ذلك أنّه عرض تكويني لا عرض تشريعي، هذا العرض معناه أنّ هذه العطية الربانية كانت تفتّش عن الموضع القابل لها في الطبيعة، الموضع المنسجم معها بطبيعته، بفطرته، بتركيبه التاريخي والكوني. الجبال لا تنسجم مع هذه الخلافة، السماوات والأرض لا تنسجم مع هذه العلاقة الاجتماعية الرباعية، الكائن الوحيد الذي كان بحكم تركيبه، بحكم بنيته، بحكم فطرة الله التي قرأناها في الآية السابقة، كان منسجماً مع هذه العلاقة الاجتماعية ذات الأطراف الأربعة التي بها -بالأطراف الأربعة- تصبح أمانة، وتصبح خلافة...»[84].

م/3/د/ الاستخلاف سنّة من الشكل الثالث:

«... ونلاحظ أنّه في هذه الآية الكريمة أيضاً جاءت الإشارة إلى هوية هذه السنّة التاريخية وأنّها سنّة من الشكل الثالث، سنّة تقبل التحدّي وتقبل العصيان. ليست من تلك السنن التي لا تقبل التحدّي وتقبل العصيان. ليست من تلك السنن التي لا تقبل التحدّي أبداً ولو لحظة، لا، هي سنة، هي فطرة ولكن هذه الفطرة تقبل التحدي. كيف أشار القرآن الكريم إلى ذلك بعد أن وضّح أنّها سنّة من سنن التاريخ؟

قال: ﴿وحَمَلَها الإنسانُ إنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً هذه العبارة الأخيرة: ﴿إنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً تأكيد على طابع هذه السنّة وأنّ هذه السنّة على الرغم من أنّها سنّة من سنن التاريخ ولكنّها تقبل التحدّي، تقبل أن يقف الإنسان منها موقفاً سلبيًّا، هذا التعبير يوازي تعبير: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ في الآية السابقة.

(...)

بل الحقيقة أنّ الآية الأولى والآية الثانية متطابقتان تماماً في مفادهما؛ لأنّه في الآية السابقة قال: ﴿فأقِم وَجهَك للدِينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللهِ التي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ[85] التعبير بالدين القيّم تأكيد على أنّ ما هو الفطرة، وما هو داخل في تكوين الإنسان وتركيبه وفي مسار تاريخه هو الدين القيّم، يعني أن يكون هذا الدين قيّماً على الحياة، أن يكون مهيمناً على الحياة. هذه القيمومة في الدين هي التعبير المجمل في تلك الآية عن العلاقة الاجتماعية الرباعية التي طرحت في الآيتين: في آية ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً وآية ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ.

إذاً فالدين سنّة الحياة والتاريخ، والدين هو الدين القيّم، والدين القيّم هو العلاقة الاجتماعية الرباعية الأطراف التي يدخل فيها الله بعداً رابعاً لكي يحدث تغييراً في بنية هذه العلاقة، لا لكي تكون مجرّد إضافة عددية...»[86].

م/3/هـ/ التأثير المتبادل بين علاقة الإنسان مع الطبيعة وعلاقة الإنسان مع الإنسان:

«...إنّ خط علاقات الإنسان مع الطبيعة مختلف مشكلةً وقانوناً عن خط علاقات الإنسان مع أخيه الإنسان، وذكرنا أنّ هذين الخطين كل واحد منهما مستقل استقلالاً نسبيًّا عن الخط الآخر، لكن هذا الاستقلال النسبي لا ينفي التفاعل والتأثير المتبادل إلى حدّ ما بين هذين الخطين، فلكل منهما لون من التأثير الطردي أو العكسي على الخط الآخر.

وهذا التأثير المتبادل بين الخطين يمكن إبرازه ضمن علاقتين قرآنيتين بين هذين الخطين:

العلاقة الأولى: تبرز مدى تأثير خط علاقات الإنسان مع الطبيعة على خط علاقات الإنسان مع أخيه.

والعلاقة القرآنية الثانية: تبرز من الجانب الآخر مدى تأثير علاقات الإنسان مع أخيه الإنسان على علاقات الإنسان مع الطبيعة.

العلاقة الأولى: أما العلاقة الأولى التي تبرز تأثير علاقات الإنسان مع الطبيعة على الخط الآخر، فمؤدّى هذه العلاقة هو أنّه كلّما نمت خبرة الإنسان على الطبيعة واتّسعت سيطرته عليها وازداد اغتناءً بكنوزها ووسائل إنتاجها، تحققت بذلك إمكانية أكبر فأكبر للاستغلال على خط علاقات الإنسان مع أخيه الإنسان: ﴿كَلاَّ إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى، أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى[87] هذه الآية الكريمة تشير إلى هذه العلاقة، إلى أنّ الإنسانية بقدر ما تتمكن وتستقطب الطبيعة وتتوصّل إلى وسائل إنتاج أقوى وأدوات توليد أوسع، تكون انعكاسات ذلك على حقل علاقات الإنسان مع أخيه الإنسان، انعكاساته على شكل إمكانيات وإغراءات وفتح الشهية للأقوياء لكي يستثمروا أداة الإنتاج في سبيل استغلال الضعفاء.

تصوّروا مجتمعاً يعيش على الصيد باليد والحجارة والهراوة، مثل هذا المجتمع لا يتمكن من أن يمارس بذور الأقوياء فيه، بذور الوحوش فيه، لا يتمكنون على الأغلب من أن يمارسوا أدواراً خطيرة من الاستغلال الاجتماعي؛ لأنّ مستوى الإنتاج محدود والقدرة محدودة وكل إنسان لا يكسب عادة بعرق جبينه إلّا قوت يومه، فلا توجد إمكانية الاستغلال بشكله الاجتماعي الواسع وإن كان توجد ألوان أخرى من الاستغلال الفردي.

ولكن لاحظوا من الجانب الآخر مجتمعاً متطوراً استطاع الإنسان فيه أن يصنع الآلة البخارية والآلة الكهربائية، استطاع فيه أن يخضع الطبيعة لإرادته، في مثل هذا المجتمع سوف تكون الآلة البخارية والآلة الكهربائية المعقّدة المتطورة الصنع تكون أداةً، إمكانيةً على ساحة علاقات الإنسان مع أخيه الإنسان، تشكّل بحسب مصطلح الفلاسفة ما بالقوة للاستغلال، ويبقى أن يخرج ما بالقوة إلى ما بالفعل، وذلك على عهدة الإنسان ودوره التاريخي على الساحة الاجتماعية.

فالإنسان هو الذي يصنع الاستغلال، هو الذي يفرز النظام الرأسمالي المستغل حينما يجد الآلة البخارية والكهربائية، ولكن الآلة البخارية والكهربائية هي التي تعطيه إمكانية هذا الاستغلال، هي التي تهيّئ له فرصة، تفتح شهيته، توقظ مشاعره، تحرّك جدله الداخلي وتناقضه الداخلي من أجل أن يبرز صيغة تتناسب مع ما يوجد على الساحة من قوى الإنتاج ووسائل التوليد.

وهذا هو الفرق بيننا وبين المادية التاريخية، المادية التاريخية اعتقدت بأنّ الآلة هي التي تصنع الاستغلال، هي التي تصنع النظام المتناسب لها، ولكننا نحن لا نرى أنّ دور الآلة هو دور الصانع، وإنّما دور الآلة هو دور الإمكانية، دور توفير الفرصة والقابلية، وأمّا الصانع الذي يتصرّف إيجاباً وسلباً، أمانة وخيانة، صموداً وانهياراً، إنّما هو الإنسان وفقاً لمحتواه الداخلي، لمثله الأعلى، لمدى التحامه مع هذا المثل الأعلى. هذه هي العلاقة الأولى...»[88].

م/3/و/ العلاقة الثانية:

«... وأمّا العلاقة القرآنية الثانية التي تمثّل وتجسّد تأثير علاقات الإنسان مع أخيه الإنسان على ساحة علاقات الإنسان مع الطبيعة، فمؤدّى هذه العلاقة القرآنية هو أنّه كلّما جسّدت علاقات الإنسان مع أخيه الإنسان العدالة، وكلّما استطاعت أن تستوعب قيم هذه العدالة وأن تبتعد عن أي لون من ألوان الظلم والاستغلال من الإنسان لأخيه الإنسان، كلّما وقع ذلك، ازدهرت علاقات الإنسان مع الطبيعة وتفتّحت الطبيعة عن كنوزها وأعطت المخبوء من ثرواتها ونزلت البركات من السماء، وتفجّرت الأرض بالنعمة والرخاء.

هذه العلاقة القرآنية هي العلاقة التي شرحها القرآن الكريم في نصوص عديدة، قال سبحانه وتعالى: ﴿وأن لَّو استَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُم مَاءً غَدَقاً[89].

﴿وَلَو أَنّهُمْ أقَامُوا التَّورَاة والإنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إلَيهِم مِنْ رَبِّهم لأكَلُوا مِنْ فَوقِهِم ومِنْ تَحْتِ أرجُلِهِم[90].

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ وَلَكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ[91].

هذه العلاقة مؤدّاها أنّ علاقات الإنسان مع الطبيعة تتناسب (طرداً) وعكساً مع ازدهار العدالة في علاقات الإنسان مع أخيه الإنسان، فكلّما ازدهرت العدالة في علاقات الإنسان مع أخيه الإنسان أكثر فأكثر ازدهرت علاقات الإنسان مع الطبيعة، وكلّما انحسرت العدالة عن الخط الأوّل انحسر الازدهار عن الخط الثاني، أيّ أنّ مجتمع العدل هو الذي يصنع الازدهار في علاقات الإنسان مع الطبيعة، ومجتمع الظلم هو الذي يؤدّي إلى انحسار تلك العلاقات، علاقات الإنسان مع الطبيعة...»[92].

م/3/ز/ الفرق بين المثل الأعلى والمثل الفرعوني:

«... وهذه العلاقة ليست ذات محتوى غيبي فقط، نعم نحن نؤمن أيضاً بمحتواها الغيبي، ولكن إضافة إلى محتواها الغيبي الرباني هي تشكل سنّة من سنن التاريخ بحسب مفهوم القرآن الكريم؛ وذلك لأن مجتمع الظلم، لأن مجتمع الفراعنة على مرّ التاريخ، مجتمع ممزّق مشتّت. الفرعونية على مر التاريخ حينما تتحكم في علاقات الإنسان مع أخيه الإنسان تستهدف تمزيق طاقات المجتمع، تشتيت فئاته، بعثرة إمكانياته، ومن الواضح أنه في تشتيت وبعثرة وتفتيت وتجزئة من هذا القبيل لا يمكن لأفراد المجتمع أن يحشدوا قواهم الحقيقية، وأن يجنّدوا كل بذور إبداعهم لكي تنمو نمواً طبيعيًّا في مجال التفاعل مع الطبيعة والسيطرة على الطبيعة.

وهذا هو الفرق بين المثل العليا المنخفضة الفرعونية وبين المثل الأعلى الحق، مثل توحيد الله سبحانه وتعالى، فإن المثل الأعلى يوحّد الجامعة البشرية ويلغي كل الفوارق والحدود باعتبار شمولية هذا المثل الأعلى، باعتبار شموليته فهو يستوعب كل الحدود وكل الفوارق، يهضم كل الاختلافات، يصهر البشرية كلها في وحدة متكافئة، لا يوجد ما يميز بعضها عن بعض، لا من دم ولا من جنس ولا من قومية ولا من حدود جغرافية أو طبقية.

المثل الأعلى بشموليته يوحّد البشرية، ولكن المثُل العليا المنخفضة تجزئ البشرية وتشتت البشرية. انظروا إلى المثل الأعلى كيف يقول: ﴿إنَّ هَذه أمَّتُكُم أُمَّةً واحدةً وأنا رَبُّكُم فاعبُدُونِ[93].

ويقول سبحانه:﴿إنَّ هَذِهِ أمَّتُكُم أُمَّةً واحِدةً وأَنَا رَبُّكُم فاتَّقُونِ[94].

هذا هو منطق شمولية المثل الأعلى التي لا تعترف بحدٍّ وبحاجز في داخل هذه الأسرة البشرية. انظروا، استمعوا إلى المثل المنخفض، إلى مجتمع الظلم وآلهة مجتمع الظلم كيف يقولون؟ أو كيف يتحدث عنهم القرآن الكريم: ﴿إنَّ فِرعَونَ عَلا في الأرضِ وجَعَلَ أهْلَها شِيَعاً[95]، فرعون المثل الأعلى المنخفض، الفرعونية على مرّ التاريخ التي تبني العلاقات بين الإنسان وأخيه الإنسان على أساس الظلم والاستغلال، الفرعونية تجزّئ المجتمع، تبعثر إمكانيات المجتمع وطاقات المجتمع، ومن هنا تهدر ما في الإنسان من قدرة على الإبداع والنمو الطبيعي على ساحة علاقات الإنسان مع الطبيعة...»[96].

م/3/ح طوائف المجتمع الفرعوني:

وعملية التجزئة الفرعونية للمجتمع تقسم المجتمع إلى فصائل وجماعات:

الطائفة الأولى:

الجماعة الأولى: ظالمون مستضعفون، هذه الجماعة الأولى في التقسيم الفرعوني هم الظالمون المستضعفون، في نفس الوقت الظالمون الثانويون أو بحسب تعبير أئمتنا عليهم الصلاة والسلام «أعوان الظلمة». هؤلاء الظالمون المستضعفون يشكلون حماية لفرعون وللفرعونية وسنداً في المجتمع لبقاء الفرعونية واستمرار وجودها وإطارها. قال الله سبحانه وتعالى: ﴿ولو تَرى إذِ الظالِمون موقُوفُون عِندَ رَبِّهم يَرجِعُ بَعضُهم إلى بَعضٍ القولَ يقُولُ الذِينَ استُضعِفُوا للذِينَ استَكبَرُوا لولا أنتُم لكُنّا مُؤمنينَ[97]. هنا القرآن يتحدث عن الظالمين يقول: ﴿إذِ الظالِمون موقُوفُون لكن الظالمين صنفهم إلى قسمين: إلى من استضعف منهم، ومن استكبر منهم. إذاً فالظالمون فيهم مستكبرون، وهم الذين يمثلون الفرعونية في المجتمع، وفيهم المستضعفون...

الطائفة الثانية:

... الطائفة الثانية في عملية التمزقة الفرعونية لمجتمع الظلم: ظالمون يشكلون حاشية ومتملّقون، أولئك الذين قد لا يمارسون ظلماً بأيديهم بالفعل، ولكنهم دائماً وأبداً على مستوى نزوات فرعون وشهوات فرعون ورغبات فرعون، يسبقونه بالقول من أجل أن يصححوا مسلكه ومسيرته. قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَونَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ[98]»[99].

م/3/ط ... الطائفة الثالثة:

الطائفة الثالثة في عملية التجزئة الفرعونية لمجتمع الظلم: أولئك الذين عبّر عنهم الإمام عليّ عليه الصلاة والسلام بـ«الهمج الرعاع»، جماعة هم مجرّد آلات مستسلمة للظلم، لا تحسّ حتى بالظلم، لا تدرك أنّها مظلومة ولا تدرك أنّ في المجتمع ظلماً. هي آلات تتحرك تحركاً آليًّا، تحركاً يشبه التحرك الميكانيكي للآلة...

وأمّا هذه الفئة فلم تعد أناساً وبشراً يفكرون ويتدبّرون لكي يستطيعوا أن يحقّقوا لوناً من الإبداع على هذه الساحة. قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلاَ(الأحزاب: 67). لا يوجد في كلام هؤلاء ما يشعر بأنّهم كانوا يحسّون بالظلم، أو كانوا يحسّون بأنّهم مظلومون، وإنّما هو مجرد طاعة، مجرد تبعية.

هؤلاء هم القسم الثالث في تقسيم مولانا أمير المؤمنين (عليه السلام) حينما قال: الناس ثلاثة: عالم رباني، ومتعلّم على سبيل النجاة، وهمج رعاع ينعقون مع كل ناعق[100].

وهذا القسم الثالث يشكّل مشكلة بالنسبة إلى أيّ مجتمع صالح، وبقدر ما يمكن للمجتمع الصالح أن يستأصل هذا القسم الثالث بتحويله إلى القسم الثاني، بتحويله إلى متعلّم على سبيل النجاة على حد تعبير الإمام، إلى تابع بإحسان[101] على حدّ تعبير القرآن، إلى مقلِّد بوعي وتبصّر على حدّ تعبير الفقه، بقدر ما يمكن تحويل هذا القسم الثالث إلى القسم الثاني يمكن للمجتمع الصالح أن يستمر وأن يمتد، ولهذا كان من ضرورات المجتمع الصالح في نظر الإمام عليه الصلاة والسلام هو شجب هذا القسم الثالث، هؤلاء همج رعاع ينعقون مع كل ناعق، ليس لهم لبّ مستقل، عقل مستقل، وإرادة مستقلة...

.. وخلافاً لذلك الفرعونية، الفرعونية تحاول أن توسّع من هذا القسم الثالث. هؤلاء الهمج الرعاع الذين ينعقون مع كل ناعق تحاول الفرعونية أنّ توسع منهم، وكلّما توسّعت هذه الفئة أكثر فأكثر قدّمت المجتمع نحو الدمار خطوة بعد خطوة؛ لأنّ هذه الفئة لا تستطيع بوجه من الوجوه أن تدافع عن المجتمع إذا حلّت كارثة في الداخل أو طرأت كارثة من الخارج، فكلّما توسّعت هذه الفئة، هذا القسم الثالث، هؤلاء الذين ينعقون مع كل ناعق، كلّما توسّعوا في المجتمع ازداد خطر فناء المجتمع، وبهذا تموت المجتمعات موتاً طبيعيًّا.

مفهوم الموت لدى القرآن للمجتمعات وللأقوام وللأمم، الموت الطبيعي للمجتمع لا الموت المخروم. المجتمع له موتان: موت طبيعي وموت مخروم. الموت الطبيعي للمجتمع يكون عن طريق توسّع هذه الفئة الثالثة وازديادها نوعيًّا وعدديًّا في المجتمع إلى أن تحلّ الكارثة فينهار المجتمع.

هذه هي الطائفة الثالثة في عملية التجزئة الفرعونية...»[102].

م/3/ي الطائفة الرابعة:

«... الطائفة الرابعة: هم أولئك الذين يستنكرون الظلم في أنفسهم، أولئك الذين لم يفقدوا لبّهم أمام فرعون والفرعونية، فهم يستنكرون الظلم ولكنهم يهادنون الظلم ويسكتون عن الظلم، فيعيشون حالة التوتر والقلق في أنفسهم، وهذه الحالة -حالة التوتر والقلق- أبعد ما تكون عن حالة تسمح للإنسان بالإبداع والتجديد والنموّ على ساحة علاقات الإنسان مع الطبيعة. هؤلاء يسمّيهم القرآن الكريم بـ«ظالمي أنفسهم». قال الله سبحانه وتعالى: ﴿إنّ الذينَ تَتوَفّاهُم الملائِكَةُ ظالمي أنفُسِهِم قَالُوا فِيمَ كُنتُم قَالُوا كُنّا مُستَضعَفِينَ في الأرضِ قَالُوا أَلَم تَكُن أرضُ اللهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيهَا (النساء: 97)، هؤلاء لم يظلموا الآخرين، ليسوا من الظالمين المستضعفين كالطائفة الأولى، وليسوا من الحاشية المتملقين، وليسوا أيضاً من الهمج الرعاع الذين فقدوا لبّهم، لا بل بالعكس هم يشعرون بأنّهم مستضعفون: ﴿قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ، هؤلاء لم يفقدوا لبّهم، يدركون واقعهم ولكنهم كانوا عمليًّا مهادنين، ولهذا عبّر عنهم القرآن بأنّهم ظلموا أنفسهم. هذه الطائفة هل يترقب منها أن تساهم بإبداع حقيقي في مجال علاقات الإنسان مع الطبيعة؟ طبعاً كلا...»[103].

م/3/ك الطائفة الخامسة:

«... الطائفة الخامسة في عملية التجزئة الفرعونية للمجتمع هي: الطائفة التي تتهرّب من مسرح الحياة، تبتعد عن المسرح وتتهرّب منه وتترهّب، وهذه الرهبانية ظاهرة موجودة في كل مجتمعات الظلم على مرّ التاريخ، وهي تتخذ صيغتين:

الأولى صيغة جادّة، رهبانية جادّة تريد أن تفرّ بنفسها لكيلا تتلوّث بأوحال المجتمع، هذه الرهبانية الجادّة هي التي عبّر عنها القرآن الكريم بقوله: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا(الحديد:27) هذه الرهبانية يشجبها الإسلام، لأنّها موقف سلبي تجاه مسؤولية خلافة الإنسان على الأرض.

وهناك صيغة مفتعلة للرهبانية: يترهّب ويلبس مسوح الرهبان ولكنه ليس راهباً في أعماق نفسه، وإنّما يريد بذلك أن يخدّر الناس ويشغلهم عن فرعون وظلم فرعون ويسطو عليهم نفسيًّا وروحيًّا، وهذا هو الذي عبّر عنه القرآن الكريم بقوله: ﴿إنّ كَثِيراً من الأحبَارِ والرهبَانِ ليأكُلُونَ أموالَ الناسِ بالباطِلِ ويَصُدُّونَ عَن سبيلِ الله (التوبة:34)»[104].

م/3/ل الطائفة السادسة:

«... الجماعة السادسة والأخيرة في عملية التجزئة الفرعونية للمجتمع: هم المستضعفون. الفرعونية حينما جزّأت المجتمع إلى طوائف، فرعون حينما اتّخذ من قومه شيعاً استضعف طائفة معينة منهم، خصّها بالاستضعاف والإذلال وهدر الكرامة؛ لأنّها كانت هي الطائفة التي يتوسّم هو أن تشكّل إطاراً للتحرّك ضدّه، ولهذا استضعفها بالذات:

﴿وإذ نجَّينَاكُم مِن آلِ فِرعَونَ يَسُومُونَكُم سُوءَ العذابِ يُذَبِّحونَ أبنَاءَكُم ويَستَحيُونَ نِساءَكُم وفي ذَلِكُم بَلاءٌ من ربِّكُم عَظيمٌ (البقرة: 49)...»[105].

«...إذاً فإلى هنا استخلصنا هذه الحقيقة: وهي أنّ المجتمع يتناسب مع مدى الظلم فيه تناسباً عكسياً مع ازدهار علاقات الإنسان مع الطبيعة، ويتناسب مدى العدل فيه تناسباً طردياً مع ازدهار علاقات الإنسان مع الطبيعة.

مجتمع الفرعونية المجزّأ المشتّت مهدور القابليات والطاقات والإمكانيات، ومن هنا تحبس السماء قطرها وتمنع الأرض بركاتها، وأمّا مجتمع العدل فهو على العكس تماماً، هو مجتمع تتوحّد فيه كل القابليات وتتساوى فيه كل الفرص والإمكانيات. هذا المجتمع الذي تحدّثنا الروايات عنه، تحدّثنا عنه من خلال الروايات، تحدّثنا عنه من خلال ظهور الإمام المهدي عليه الصلاة والسلام، تحدّثنا عمّا تحتفل به الأرض والسماء في ظلّ الإمام المهدي (عليه السلام) من بركات وخيرات، وليس ذلك إلّا لأنّ العدالة دائماً وأبداً تتناسب طرداً مع ازدهار علاقات الإنسان مع الطبيعة.

هذه هي العلاقة الثانية بين الخطين...»[106].

النظرة القرآنية للمجتمع هي الأساس في اتجاهات التشريع:

«... وهذه النظرية القرآنية في تحليل عناصر المجتمع وفهم المجتمع فهماً موضوعيًّا تشكّل أساساً للاتّجاه العام في التشريع الإسلامي، فإنّ التشريع الإسلامي في اتّجاهاته العامة وخطوطه يتأثّر وينبثق ويتفاعل مع وجهة النظر القرآنية والإسلامية إلى المجتمع وعناصره وأدوار هذه العناصر والعلاقات المتبادلة بين الخطين.

... هذه النظريات هي في الحقيقة الأساس النظري للاتّجاه العام للتشريع الإسلامي، فإنّ الاستقلال النسبي بين الخطين: خط علاقات الإنسان مع أخيه الإنسان وخط علاقات الإنسان مع الطبيعة، هذا الاستقلال النسبي يشكّل القاعدة لعنصر الثبات في الشريعة الإسلامية والأساس لتلك المنطقة الثابتة من التشريع التي تحتوي على الأحكام العامة المنصوصة ذات الطابع الدائم المستمر في التشريع الإسلامي، بينما منطقة التفاعل بين الخطين: بين خط علاقات الإنسان مع الطبيعة وخط علاقات الإنسان مع أخيه الإنسان، منطقة التفاعل والمرونة تشكّل في الحقيقة الأساس لما أسميناه في كتاب «اقتصادنا» بمنطقة الفراغ، تشكّل الأساس للعناصر المرنة والمتحرّكة في التشريع الإسلامي، هذه العناصر المرنة والمتحرّكة في التشريع الإسلامي هي انعكاس تشريعي لواقع تلك المرونة وذلك التفاعل بين الخطين، والعناصر الأولى الثابتة والصامدة في التشريع الإسلامي هي انعكاس تشريعي لذلك الاستقلال النسبي الموجود بين الخطين: بين خط علاقات الإنسان مع أخيه الإنسان وخط علاقات الإنسان مع الطبيعة.

ومن هنا نؤمن بأنّ الصورة التشريعية الإسلامية الكاملة للمجتمع هي في الحقيقة تحتوي على جانبين: تحتوي على عناصر ثابتة، وتحتوي على عناصر متحرّكة ومرنة، وهذه العناصر المتحركة والمرنة التي ترك للحاكم الشرعي أن يملأها، فُرضت أمامه مؤشّرات إسلامية عامة أيضاً، لكي يملأ هذه العناصر المتحركة وفقاً لتلك المؤشرات الإسلامية العامة...»[107].

المصادر:

1- القرآن الكريم.

2- السيّد محمد باقر الصدر: «التفسير الموضوعي للقرآن الكريم». (1)-في المنهج- منشورات شامخ، طبلبة - تونس 1989.

3- السيّد محمد باقر الصدر: «التفسير الموضوعي للقرآن الكريم». (2) -في فلسفة التاريخ- منشورات شامخ، طبلبة - تونس 1991.

4- السيّد محمد باقر الصدر: «المدرسة القرآنية». نشر: مركز الأبحاث والدراسات التخصّصية للشهيد الصدر. قم - 1421هـ.ق.

5- السيّد محمد باقر الصدر: «اقتصادنا». دار التعارف للمطبوعات، بيروت 1991.

6- السيّد محمد حسين طباطبائي: «الإنسان والعقيدة». نشر: باقيات، قم 2005.

7- السيّد محمد حسين طباطبائي: «تفسير الميزان». نشر: إسماعيليان، قم 1989.

8- سيّد قطب: «التصوير الفنّي في القرآن الكريم». نشر: دار الشروق، بيروت 1979.

9- سيّد قطب: «كيف نستوحي الإسلام». نشر: دار الشروق، بيروت 1979.

10- شكيب بن بديرة: «الأسس النظرية لتجديد علم الكلام». نشر: حوزة الإمام الخميني 2005.

11- شكيب بن بديرة: «دراسات كلامية». ج1 وج4 -تحت الطبع- 2006.

12- شكيب بن بديرة: «محاضرات في الاقتصاد الإسلامي». نشر: حوزة الإمام الخميني 2005.

13- محمّد قطب: «الإنسان بين المادية والإسلام». نشر: دار الشروق، بيروت 1980.

14- محمّد قطب: «جاهلية القرن العشرين». نشر: دار الشروق، بيروت 1980.

--------------------------------------------------------------------------------

[1] في جميع ما يرتبط بتعريف علم الكلام، قديمه وحديثه، يراجع الأسس النظرية لتجديد علم الكلام (2005م)، أو الجزء الأول من مجموعة دراسات كلامية (2006م).

[2] م/1/ و.

[3] كان كتاب اقتصادنا (1968م) أوّل فرصةٍ جدّيةً لامتحان هذا المنهج الذي استوحاه السيد الشهيد (قدس سره) من بعض كتابات سيّد قطب.

[4] المدرسة القرآنية: ص 24.

[5] المدرسة القرآنية: ص 23.

[6] المدرسة القرآنية: ص 24 - 25.

[7] المدرسة القرآنية: ص 28 - 29.

[8] م/1/أ.

[9] المدرسة القرآنية: ص 29 - 30.

[10] م/1/ب.

[11] م/1/ب.

[12] م/1/ج.

[13] يمكن الإطلاع على بعض أبعاد هذه المحاولة في كتابنا «محاضرات في الاقتصاد الإسلامي» (2005م).

[14] المدرسة القرآنية: ص34.

[15] م/1/د.

[16] م/1/هـ.

[17] م /2/ب.

[18] م/2/جـ.

[19] م/2/د.

[20] م/2/هـ.

[21] م/2/و.

[22] م/2/ز.

[23] م/2/ز/1.

[24] م/2/ز/2.

[25] الروم الآية 30.

[26] م/3/أ.

[27] م/3/أ.

[28] البقرة: 30.

[29] م/3/أ.

[30] م/3/ب.

[31] الأحزاب الآية 72.

[32] م/3/جـ.

[33] م/3/جـ.

[34] م/3/د.

[35] الروم الآية 30.

[36] م/3/د.

[37] تحت عنوان نظرية الولاية. راجع مثلاً «رسالة الولاية» للعلامة الطباطبائي (ضمن كتاب «الإنسان والعقيدة». نشر باقيات. قم 2005) وتعليقتنا عليها في الجزء الرابع من دراسات كلامية (2006).

[38] م/3/هـ.

[39] م/3/هـ.

[40] الجن: 16

[41] المائدة: 66.

[42] الأعراف: 96.

[43] م/3/و.

[44] م/3/ز.

[45] م/3/ز.

[46] القصص: 4.

[47] م/3/ز.

[48] م/3/ط.

[49] م/3/ك.

[50] م/3/ي.

[51] م/3/ل.

[52] نفس المصدر: ص 29.

[53] نهج البلاغة: الخطبة 158.

[54] «المدرسة القرآنية»: ص30.

[55] راجع نهج البلاغة: الخطبة 198.

[56] انظر قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ لقمان: 27.

وقوله تعالى: {قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا» الكهف: 109.

[57] «المدرسة القرآنية»: ص 31 - 32.

[58] نفس المصدر: ص 35.

[59] نفس المصدر: ص 39 - 40.

[60] نفس المصدر: ص 41 - 42.

[61] من مقال نشر في مجلة الأضواء، العدد الأوّل، السنة الثانية، 15 ربيع الأول 1381هـ. وطبع ضمن كتاب «المدرسة القرآنية» ص 355 - 364.

[62] آل عمران الآية: 64.

[63] آل عمران الآية: 14-15.

[64] الجاثية الآية: 13.

[65] البقرة الآية: 29.

[66] البقرة الآية: 256.

[67] «المدرسة القرآنية» ص355.

[68] «المدرسة القرآنية» ص356.

[69] ن. م. ص 356 - 357.

[70] ن. م. ص 357.

[71] ن. م. ص 357 - 358.

[72] ن. م. ص358 - 359.

[73] آل عمران الآية 14 - 15.

[74] ن. م. ص 359 - 362.

[75] ن. م. ص 362 - 363.

[76] ن. م. ص 363 - 364.

[77] الروم الآية: 30.

[78] البقرة الآية: 30.

[79] نفس المصدر: ص 105 - 107.

[80] ن. م. ص107 - 108.

[81] ن. م. ص109.

[82] نفس المصدر: ص 109 - 110.

[83] الأحزاب الآية: 72.

[84] ن. م. ص110 - 111.

[85] الروم الآية: 30.

[86] ن. م. ص 112 - 113.

[87] العلق: 6 - 7.

[88] ن. م. ص171 - 173.

[89] الجن: 16

[90] المائدة: 66.

[91] الأعراف: 96.

[92] ن. م. ص173 - 174.

[93] الأنبياء: 92.

[94] المؤمنون: 52.

[95] القصص: 4.

[96] ن. م. ص 175-176.

[97] سبأ: 31.

[98] الأعراف: 127.

[99] ص 176 - 177.

[100] يراجع نهج البلاغة، قصار الحكم: 147، وفيه: «الناس ثلاثة: فعالم رباني، ومتعلّم على سبيل النجاة، وهمج رعاع أتباع كل ناعق...».

[101] انظر قوله تعالى: {وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ...» التوبة: 100.

[102] ص178 - 180.

[103] ص180- 181.

[104] ص 181.

[105] ص 182.

[106] ص183.

[107] ن. م. صص 185 - 186.

الشيخ شكيب علي بن بديرة
عالم دين، باحث، تونس.


ارسل لصديق