قيم الشريعة ومقاربة إشكالية الثابت والمتغير
كتبه: السيد جعفر العلوي
العدد (40) السنة 18 - 1428هـ/ 2007م
التعليقات: 0
القراءات: 4357

تمهيد

إن تمامية الشريعة تطرح تساؤلاً عن كيفية تلبية نصوص محدودة لوقائع لا تنتهي. والإجابة نظرياً واضحة. وهي أن النصوص صياغة للقوانين الثابتة والكلية التي تندرج تحتها الجزئيات وتستوعب المتغيرات.

والسؤال المقارب لموضوع الورقة هو عن محورية القرآن الكريم في مقاربة الإشكالية!، بغرض استيحاء بصائر جديدة وأحكام للوقائع الحادثة.

وبعبارة مساوقة؛ هل ثمة ثوابت في الشريعة ومساحة للمتغيرات بحيث يمكن المواءمة بينهما، بحيث تكون الثوابت ضابطة وموجهة للتشريع والثقافة في المتغيرات.

وسنتعرض لهذا الموضوع في مقدمة غرضها الإشارة إلى ضرورة الفهم المتجدد، ونعرض مقاربة سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد تقي المدرسي (دام ظله) في كتابه التشريع الإسلامي خصوصاً الجزء الثاني في معالجة مشكلة الثابت والمتغير ضمن نظريته في القيم. ونختم الحديث بإشارة موجزة تقويمية للمجتمع العلمي.

مقدمات في ضرورة التطور

المقدمة الأولى: مراجعة في الحداثة والمعاصرة..

يسود اعتقاد في أوساط المثقفين وعلماء الاجتماع الغربيين بأن الحداثة ستؤدي إلى إقصاء الدين عن الحياة. ومن ثم دأب هؤلاء على التأكيد على «أفول الدين».

بينما يُظهر الإسلام بوضوح أن من الممكن إقامة نظام للحياة بمختلف شؤونها يستند إليه ويتعاطى بكفاءة مع متطلبات الحياة المعاصرة.

من هذه المفارقة نود التمهيد للحديث عن بعض الأمور في هذا السياق:

إن الحداثة تحكي القيم المحركة نحو التحديث من قيم العلم والعمل والانفتاح على الواقع مشاكله ومعطياته بغية تحقيق الرفاه والتقدم للحياة البشرية. وقد ارتبط مفهوم الحداثة بحقبة زمنية معاصرة استطاعت البشرية أن تحقق فيها الكثير من التقدم بما هو غير معهود في التاريخ، حيث كانت سمة الحداثة المعرفية العقلانية بمعنى تقديس العلم المؤسس على الاتجاه الحسي المستهدف السيطرة على الكون لصالح الإنسان. ومن هنا يتأتى اصطلاح ما بعد الحداثة المؤسس على النسبية المعرفية والأخلاقية، وتقويض العقلانية الصارمة.

ونلاحظ أن النظر الشمولي لتاريخ المدنيات البشرية ومشتركاتها يتيح التأسيس لقيم تتيح للإنسان الاستجابة المستمرة لمعطيات عصره، والذي هو في صيرورة مستمرة لا تهدم كل شيء، لاستقرار كينونة الإنسان الفطرية والقيم الإنسانية على أقل تقدير. ومن هنا الحداثة الماسكة بالسنن الناظمة للصيرورة لا ترتبط بحقبة زمنية بهذا المعنى.

من هنا يمكن الإشارة لبعض التداعيات:

1ـ في مفهوم التجديد:

السؤال عن إمكانية تجديد ومعاصرة وحداثة بعيداً عن الاستلاب لصالح الحداثة الغربية.

إن إمكانية ذلك تتم بدءاً برفض المقابلة الرائجة أي «التقليد والحداثة»، حيث ينتمي الإسلام للماضي، بينما الحداثة هي لغة العصر. ولهذه المقابلة الخاطئة أكثر من مبرر، لكن ما يختص بالمسلمين هو الخلط بين الدين والتراث، مدعوماً بالتعريف للحداثة بما هو متواضع عليه بالانصراف للأنموذج الغربي العلماني.

فإذن الصحيح فك ترابط علاقة التجديد بالحداثة الغربية، حيث إن التجديد بنظرنا:

1ـ التجديد آلية منهجية لتحقيق المعاصرة، تعتمد على مرجعية، هي بالنسبة لنا الإسلام.

وتستند إلى خيار حضاري إيماني يرى إمكانية واقعية في معالجة مشاكل الواقع وتحقيق الحياة الكريمة للإنسان استناداً للدين الإلهي بمعنى تنقية الدين بفصله عن التراث البشري، وتجسير العلاقة معه بلا واسطة من خارجه، ثم الانفتاح على الخارج بهديه. فهو إطلالة على العصر والتحرر من الغربة التاريخية والاستلاب للغرب.

إن جوهر الحداثة هو القدرة على المعاصرة؛ لذا فإن تنمية الوعي بالعصر والتحرر من الآصار والأغلال وخلق قيم الفاعلية والانفتاح الرشيد في الإنسان هو المدخل الصحيح.

فلا يستقيم في إطار الإيمان بالله العليم الحكيم مفهوم التجديد المنتزع من اللغة، فالدين لا يبلى. نعم التطبيقات التاريخية للمسلمين وما يصدق عليه التراث البشري هو عرضة لذلك بلا ريب.

2- إن مفهوم التجديد يتضمن صلاحية الدين، كما تتكئ الصلاحية على حقيقة أنه ثمة سنن دائمة تمسك بالصيرورة التاريخية.

فهذه الصيرورة لن تبدل حقيقة الإنسان، ولن تنسف سنن التاريخ والاجتماع وتحيل الحراك فيهما إلى فوضى عبثية. وهذا الثبات في السنن المستقرة للوعد الإلهي هو المؤسس للعقلانية والمؤسس للعلم في حقل الإنسان، والمؤسس للقيم الإنسانية وحقوق الإنسان.

بينما يرتكز مفهوم التجديد في الفكر الغربي -خصوصاً في إطار ما بعد الحداثة- على أساس نسبية القيم وغياب العلاقة الواضحة بين الثابت والمتغير؛ إذ تعتبر كل قيمة قابلة للإصابة بالتبدل والتحول، وعلى الإنسان أن يستجيب لهذه التغيرات، لذا التجديد في الفكر الغربي هو عملية التجاوز المستمرة للماضي أو حتى الواقع المزامن.

2ـ في العقلانية:

أُسُّ الحداثة الغربية العقلانية، لكنها عقلانية حسية تستثني ما وراء الحس، مضمونها (أي العقلانية) هو النشاط الذهني والبحثي الملتزم بالمناهج العلمية الحديثة، فالمعقولية لشيءٍ ما تساوق أن يكون معطىً للمنهج العلمي. ويبدو أن العقلانية محل توافق بين التجديدين على مختلف مذاهبهم، إلا أن الاختلاف يتصل بالمضمون. فالنظر الفلسفي للـ«العقل» هو ما يرسم الرؤية الفلسفية المعرفية.

ويجدر بنا أن نعرض للعقلانية بما يتصل بموضوع البحث.. لذا نعرض لجملة أمور:

إمكان المعرفة الموضوعية:

يمكن القول إن المعارف الدينية تسوق إلى الإيمان بالعقل والثقة به. والعقل وبإيجاز:

قوة مستقلة يتمتع بها الإنسان، وهي إحدى مقومات هويته الإنسانية. ووظيفة هذه القوة هو كسب المعرفة عبر ما يُسمى بالنشاط التعقلي، وتتمتع هذه القوة بالمعيارية والتوجيه.

يتوافر لدى هذه القوة -بغض النظر عن التفسير- مسلمات بديهية يثق بها بمجرد الالتفات لها.. واعتماداً على هذا العلم الضروري القائم يستطيع الإنسان بناء المعرفة التي توصف بـ«المكتسبة».

وعلى هذا يتأسس أولاً الحاجة للمنهج والبرهان في المعارف المكتسبة، وثانياً إمكانية المعرفة المتراوحة من الظنون العلمية إلى اليقين العقلائي.

ولاحقاً مع بداية النهضة الغربية تم اختزال وظيفته إلى إدراك الظواهر الحسية. إن مقولة عجز العقل عن «إدراك الغيب» وانحصار المعرفة في «الحس» هو التأسيس للعقل في العقلانية الغربية.

وكنتيجة منطقية أصبح الدين خارج العقلانية، أو على أقل تقدير غير قابل للبرهنة. ويترسخ طلاق الدين والعقلانية الغربية لتأسس النهضة على أساس العداء للكنيسة.

والعقلانية هاهنا يقينية ترى الغائية والسببية في النظام الكوني، فيكون النشاط العلمي استكشاف قوانينه لاستثماره لصالح الإنسان. ويبدو أن الإنجازات العلمية خلقت ثقة بالمناهج العلمية لا تتيحها قاعدتها الفلسفية. حيث إن «التعميم واليقين» يتطلب إيماناً بمبدأ العليَّة ويقيناً بثبات العلاقة، ويقيناً بتحديد أطراف العلاقة العلية.

وبينما تغلبت ظاهريًّا الفلسفة الحسية على مشكل اليقين بالمبدأ بإرجاع الثقة بالعليَّة للخبرة البشرية الحسية المتراكمة عبر تاريخها الطويل، إلا أنها تفشل في ضمان ثبات العلاقة بين طرفي العلية، لما يتطلبه من مبرر لا يخرج عن أحد اثنين؛ الذاتية أو الجعلية المستقرة بالوعد الإلهي بثبات السنن، وكلاهما لا يفسر حسيًّا. وهذان يتعلقان بالتأسيس الفلسفي لليقين للمناهج العلمية بينما الأمر الثالث يرتبط بالمناهج العلمية نفسها، أي كيف يتأتى للإنسان التأكد وبصورة جازمة أن «أ» هو السبب لـ«ب». وبما أن السبيل لذلك متعذرة إلا في ضوء الإحاطة التامة بموضوع المعرفة تولد «الاحتمال» كبديل للثقة الموضوعية في تشخيص طرفي العلاقة، والاستعاضة بالثقة الذاتية مع درجات الاحتمال الكبيرة.

وبين عجز الحسية في تأسيس أو تفسير اليقين وصدمة الفيزياء الحديثة التي كشفت زيف الغرور العلمي البشري مع تحطيم كثير من اليقينيات.. بدأ نجم النسبية المعرفية بالصعود كسمة للقرن العشرين.

ويتولد من «النسبية المعرفية» فيما يتصل بموضوعنا:

المبرر المعرفي لنسبية القيم وذاتيتها وتفاوتها، بل لعدم استقرار لحقيقة الإنسان أو وحدتها. وهذا له انعكاساته الهدامة في مجال القانون والعلم.

وافتراض الثوابت للدين أو الإنسان لا يجدي، فلا يمكن إدراك ذلك بوصفها ثوابت. بل إن السؤال عن الحقيقة والثوابت إنما هو في منطق الحداثة أي العقلانية، بينما ما بعد الحداثة ومنطق النسبوية فالسؤال لا معنى له، ويستبدل بالسؤال عن الجديد.

إن المساجلة مع النسبية المعرفية محلها علم الكلام. ويهمنا الإشارة إلى عبثية مقولة الثوابت ومعيارية الصواب والخطأ في إطار النسبية المعرفية بغض النظر عن التبرير الفلسفي المستندة إليه.

إننا نعتمد بصورة أساسية على الثقة المطلقة بالعقل وبقدرته على المعرفة الموضوعية، فالمعرفة الدينية ليست بدعاً من المعارف والعلوم التي تعتمد على الثقة بالعقل بمعنى الثقة بحصول المعرفة العلمية.

التعبد وإشكالية العقلانية:

من الشائع أن التعبد خارج العقلانية، وبعيداً عن الاسترسال فإن التعبد هو الخضوع لله تعالى بمعنى الاستجابة لأوامره بوصف أنه المولى الحق. ومن ثم إن العقلانية هاهنا تتحقق بمجرد أن تكون مولوية الرب تعالى قابلة للبرهان العقلاني كما هو الحق. أما بشأن تفصيل الاستجابة أي الالتزام بالشريعة الإلهية فيمكن الإشارة إلى:

الأولى: إن العقلانية تقتضي غائية الفعل البشري لإخراجه من حد العبثية. ومن الواضح أن الأوامر الإلهية مغياة في الجملة.

وهذا يشمل العبادات الشرعية بالمعنى المصطلح، فالذكر والتقوى من باب المثال يردان في سياق غاية تشريعها.

الثانية: إن العقلانية لا تقتضي الإحاطة التفصيلية بالسلوك، وإلا لزم من ذلك إخراج مثل «رجوع غير الجاهل إلى العالم» من حريم العقلانية. حيث إن أصل الرجوع قضية عقلائية، إلا أن ترتيب الأثر عليه يتضمن ممارسة فعل يعلم في الجملة بتحقيق غرضه مثل الاستشفاء دون معرفة تفصيل كيفية ذلك.

نعم إن العقلانية تتطلب تشخيص أهل الخبرة، وتوثيق أمانتهم ونصحهم لمن استنصحهم. ولا يخفى أنه بعد الغض عن مولوية الرب تعالى فإنه العليم الحكيم، وأنه اللطيف الخبير.

الثالثة: إن شرط السماع والاستناد ناشئ من حق المولوية، ويبرره اللطف الإلهي بالعباد حيث تكفل تعالى بالهداية. بيد أن «السماع» عن المعصوم (عليه السلام) لا يلغي العقل الوظيفي [الفقاهة والاستنباط]، والسماع إنما هو في الوصايا لا في أصول المعارف العقائدية.

كما أن الوحي لا يكون بديلاً عن العقل، حيث هو «تذكرة» فيستثير دفائنه. أما معيارية العقل في المعارف العقائدية لا معنى لها في الفهم وإنما في القبول. واعتماد معيارية العقل في الوصايا يساوق الابتداع، ومن حق الإنسان ألَّا يؤمن حيث لا إكراه وليس له أن يتقول على الله.

التعارض بين العقل والنقل:

مسألة التعارض تعتبر أحد الفوارق الأساسية بين نزعة العقلانية في المذاهب الإسلامية ونزعة النصوصية!. ونلخص ما نود تسجيله في التالي:

المتسالم عليه أن بحث التعارض مرجعه لأقوائية أحدهما، وبحسب عبارة الشيخ يوسف البحراني في مقدمة الحدائق: «إن كان الدليل العقلي المتعلق بذلك بديهيًّا فلا ريب في صحة العمل به، وإلا فإن لم يعارضه عقلي ولا نقلي وإن عارضه دليل عقلي آخر فإن تأيد أحدهما بنقلي كان الترجيح للمؤيد بالنقلي... أما لو أريد به المعنى الأخص وهو الفطري الخالي من شوائب الأوهام الذي هو حجة من حجج الملك العلام وإن شذ وجوده في الأنام ففي ترجيح النقلي عليه إشكال». كما أنه من المتسالم عليه بحسب عبارة الشيخ الأنصاري[1]: بأن لا تعارض بين قطعيٌّ عقليٌّ وقطعيٌّ شرعيٌّ مطلقاً.

لكن الحق أن ثمة لبس في استعمال مصطلح (العقل) ليشمل العلم، بل المعارف. فما يسمى هاهنا بالعقل يراد به الدليل غير النقلي ليس إلا، ومن ثم يمكن افتراض التعارض. والحق أن العقل محايد في هذا التعارض ومهيمن عليه.

فينبغي بدءاً التفكيك بين العقل المكَوِّن والعقل المكَوَّن (المعارف) لنلحظ بأنه تعارض بين معطيات لنوعين من المناهج أو الأدلة النقلية والنظرية. فعليه يقيم العقل بدءاً صلاحية المنهج (نقليًّا، أو نظريًّا) للموضوع المعرفي، ومن ثم يُقوم خصوص الدليل ومدى دلالته، وثالثاً في حال التعارض مع دليل آخر يُقَوم أقوائية أحدهما.

إذ حجية العقل تأبى المزاحم له. ومع التفكيك بين العقل والمناهج يستبين أن حجية العقل لا تنسحب لتشمل المناهج. وواضح أن حجية المناهج هي عقلائية علمية، نعم في البديهيات قوة الوثوق القريبة من مستوى الثقة بالعقل ذاته.

وعوداً للتعارض، فالمتعارف والشائع أنه لم يقع، وغير متصور، وعلى فرض الحصول فالحجية للعقل، بعد إعادة الفحص والتأمل في كلا الدليلين. أما على التفكيك بين العقل والمعارف فهو متوقع ولا مانع منه، فالاشتباه في الأدلة النقلية والنظرية كثير. وضرورة المراجعة وإعادة الفحص من الوضوح بمكان.

ومن جملة المسائل التي يتضح حالها مع الالتفات للتفكيك هي شبهة حظر بعض الدوائر على العقل. فتحديد دوائر للعقل وأخرى للنقل أيضاً مبني على دمج العقل بالمعارف والمناهج غير النقلية. أما على التفكيك فليس ثمة دوائر محرمة على العقل. نعم ينبغي التنبيه على أمرين:

الأول: أن المناهج تختلف بحسب موضوع المعرفة، فتحديد الدوائر تبعاً للمناهج المناسبة عقلائي، بل وضروري، والعمدة في المنهج أن يصنع الجسر المعرفي بين الإنسان وموضوع المعرفة بحيث يتيح المعرفة الواقعية. لذا شؤون الآخرة جسرها المعرفي هو النقل ليس إلا.

الثاني: أن هيمنة العقل لا تعني التخرص والحكم بلا علم، ومن ثم التسليم بعجز العقل عن الحكم لعدم توافر المعرفة ولو لعدم توافر الأدوات المنهجية المجسرة لموضوع المعرفة هو عين العقلانية.

المقدمة الثانية: التجديد ضرورة الدين:

ليس من قبيل المصادرة افتراض أن التجديد ضرورة ذاتية أو خاصة لازمة لرسالة الإسلام. إذ إنها رسالة خاتمة، وإن نبيها آخر الأنبياء، وإنها رسالة عامة للناس جميعاً، تتخطى حدود الزمان والمكان إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. وعمومية الرسالة ضرورة لختم النبوة لعموم الهداية للبشر جميعاً. كما أن «الخاتمية» تعني استمرار رسالة النبي الخاتم إلى آخر الزمان.

إذن الإسلام الدين الخاتم ليكون فاعلاً مؤثراً في حياة الإنسانية في كل الأزمنة والعصور -بوصف رساليته- لا بد أن يقدم حلولاً ناجعة وأجوبة مناسبة لما يستجد من مشاكل ولما تستثار من أسئلة، بل ويفتح آفاق جديد للتقدم في مختلف العصور والمجتمعات.

ويؤكد هذا المعنى جملة أمور.. منها:

أولاً: الإسلام دين العقل:

حينما يكون العقل والذكر والفقه والبصيرة هدفاً أساسيًّا للوحي، مثل ﴿أَفَلاَ تَعْقِلُونَ، ومثل ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ. فإن ذلك يبين أهمية العقل ودوره في فهم الشريعة ودور الوحي في إثارة العقل وتكميله. والإرشاد للعقل إنما ليُتّبع.

إن الاعتراف بالصيرورة والتطور وترتيب الأثر المعرفي والتشريعي هو وليد حقيقة الإيمان والعقلانية. فالإيمان هو التسليم بالحق، أي الاعتراف بخلق الله جميعاً وسننه في الكون، والعقلانية المؤسسة على الثقة بالعقل تنتج الإيمان بالواقع الموضوعي. إن هذا الاعتراف ليشمل بجانب السنن الثابتة سنن الصيرورة.

ثانياً: الإسلام دين الحياة:

الإنسان أكرم خلق الله تعالى في هذه الدنيا، وقد وأتاح الله له الطبيعة ليستعمرها. وقد جعل القرآن الكريم عبادة الله غاية خلقه، وهدف وجوده. والعبادة هي وسيلة التكامل، إذ تؤسس التحرر من الجبت والطاغوت، وتجعل التطلع للأسماء الحسنى -والتي هي قيم الخير والجمال والكمال- غاية. ومن هذين المنطلقين فإن هذا الدين ستُبنى أسس تشريعاته بحيث يفتح المجال للإنسان للنمو واستيعاب تطور الحياة.

ومن جملة هذه الوصايا التي تعزز الانفتاح وتقلل من القيود:

- قاعدة الحلية: قال الله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الأرْضِ حَلاَلاً طَيِّباً وَلاَ تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ[2].

قاعدة نفي الحرج: قال ربنا سبحانه: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللهِ هُوَ مَوْلاَكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ[3].

النهي عن الغلو في الدين والتكلف والتحريم من عند أنفسهم. ﴿ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الإِنْجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلاَّ ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ[4].

القسم الثاني

إذن.. إن مسألة الثابت والمتغير من الواضحات في الجملة. ففي صورته الدنيا نلاحظ (العناوين الثانوية، والأمور الموكلة للعرف مثل الإحسان والبر والنفقة..).

لكن المستجد في هذا العصر سعة وسرعة التغيرات الحادثة. لذا إن مشكل الفقه في عصرنا ليست في الثوابت (كصلاة الجماعة مثلاً) بل في المتغيرات. إن فقه الدولة يطغى فيه المتغير، والإصلاح والتغيير الاجتماعي وهكذا.

ومن هنا فالسؤال الجدي عن «الثابت والمتغير» وآليات استكشافهما والمواءمة بينهما.

وسنحاول مقاربة بعضٍ من نظرية السيد المدرسي، وسنعرضها في ثلاث أمور: تمهيد في الثوابت، وفي ركيزة التطوير في المنهج لمقاربة المشكلة، وأخيراً في دور القيم في علاج المشكلة:

أولاً: مراجعة في ثوابت الشريعة:

أ: منشأ ثبات القوانين:

إن الشرائع تستهدف في قوانينها تحقيق الأمن والعدالة، وتحقيق تنظيم للعلاقات بين الناس يكفل حريتهم ويمنع اختلافهم أو يوجد له الحلول. كما تستهدف تأمين تطلعات الإنسان العليا في التقدم الحضاري والتكامل المعنوي، وهذه جملة أهداف ثابتة في حياة البشر.

إن الثبات جزء مقوم لهوية القانون، وشرط لهيبته واستقراره. بيد أن السر الأعمق وراء الثبات خصوصاً بعيد المدى هو استناده لأحد الشرعيتين أو كلتيهما، أي شرعية القانون الطبيعي الفطري، وشرعية الدين الإلهي. ويؤازر هذا الاستناد قدرته على تحقيق أهدافه.

والرسالة الإلهية جعلت الثبات الركيزة الأولى للتشريع، وذلك لرعاية الإسلام منظومة متكاملة من القيم التي لا تتأثر بالتطور لأنها قائمة على السنن الإلهية الحقة التي لا تجد لها تحويلاً، قال الله سبحانه: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ سُنَّةَ الأوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلاً وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَحْوِيلاً[5].

ب: معرفة الثابت:

ويذكر السيد المدرسي ثلاثة سبل لتشخيص الثوابت:

أولاً: ما اعتبره الرب سبحانه ثابتاً، وهو المعارف والسنن الإلهية، وما شرعه في القرآن الكريم.

ثانياً: ما هدانا إلى ثباته الاستقراء. حيث درسنا كل الأنظمة والقوانين فرأينا قواعد الأمن والعدل والمسؤولية من الثوابت التي لا تتغير فيها، بلى قد تتغير صور التعبير عنها وأساليب تطبيقها، ولكنها لا تتغير جوهريًّا أبداً.

ثالثاً: المستقلات العقلية التي عرفنا بعقولنا الفطرية أنها من الحقائق الحسنة بذاتها، مثل الوفاء والإنصاف والإحسان والإيثار وما أشبه.

ويلاحظ أنه:

1ـ أن هذه المناهج لا نستطيع بواسطتها كشف الثوابت كلٍّ على حدة، فالاستفادة من الدين ومصادر وحي الله، ومعرفة ما اعتبره الوحي ثابتاً، لا يمكن من دون استثارة العقل. وإنما ينفع العقل المتأدب بالوحي المتذكر بمعارفه. والاستقراء إنما يستهدف معرفة السنن والقيم فهو نافع بمعية العقل المتأدب بالوحي.

2ـ أن ما شرعه الله تعالى في كتابه هو:

- شعائر الدين التي هي صبغة حياة الأمة، ورمز شخصيتها، كالصلاة والحج والصيام وإعمار المساجد، وولاية النبي وأهل بيته والمؤمنين، والتبرؤ من أعداء الله.

- حدود الله وفرائضه الواردة كتوصيف لما يعرف بقانون العقوبات وقانون الأحوال الشخصية.

- القواعد العامة في الأخلاق، والمعاملات والعلاقات مع غير المسلم والطعام والشراب والقضاء.. وهكذا.

- قيم الشريعة وحكمها.

ج: مقاربة أخرى للثابت:

ثمة تصوير للثابت بأنه الذاتي (الجوهر) مقابل العرض[6]؛ الذي هو اللباس والقشور. حيث يكون اللباس عارية يمكن استبداله بحسب ما يلائم الظروف الاجتماعية والثقافية. فيكون الثابت من الدين والعرضي موكول للخبرة البشرية في استكشاف تحقيق الجوهر بما يتلاءم مع ثقافاتهم وظروفهم.

وفي هذا الإطار تكون المعارف القرآنية وتشريعاته الفقهية وإشاراته العلمية بل واللغة والأمثال والقصص مجرد عرض اقتضته البيئة الثقافية التي نزل فيها الوحي.

لكن لنراجع هذه المقولة في تبيان حقيقة الثابت (الجوهر) الذي ربطته بالدين بدواً، ولنسأل ما الذاتي إذن!. وما الذي يتبقى من هذا الدين!.

المحطة الأولى: أن الذاتي هو الغايات، لكن المحققات المنصوصة هي العرضي وهي محل الاستبدال.

فجوهر الصلاة (الذكر، التطهير الداخلي) وهذه الغاية من ذاتيات الدين، بينما محققاتها (الكيفية المعروفة المقررة فقهيًّا) هي من العرضي، والذي يتأسس من خلال البيئة الاجتماعية الثقافية.

المحطة الثانية: معرفة الغايات. وبعد سقوط الاعتبار عن القرآن في هذا الشأن لأنه أي (آياته ومعارفه ووصاياه) مجرد عرض. فالنفاذ للغايات يكون في إحدى وسيلتين أو بهما؛ الأولى المشتركات بين الأديان بالمعنى الأعم من السماوية، والثانية فيما يتوقع الإنسان من الدين. وما يتوقعه الإنسان ترسمه تطلعاته المؤسسة على الفهم الإنساني لإنسانيته (علم الاجتماع). ونظريًّا لا بد أن يسقط مشترك الأديان فبحسب التحليل فإن المشترك لن يكون إلا عرضاً.

ونلاحظ:

نعم الغايات من الثوابت. لكن لا نحصر الثابت فيها، ثم إن الغايات ما جعله الله في سننه غاية وكشف عنه في تشريعه لا ما يتوقعه الإنسان، وعلى الإنسان أن يكون صادقاً مع نفسه فإما أن يقبل دين الله ثم لا يبتدع فيه شيئاً وإما ألَّا يؤمن.

العرضي يصدق في بعض التشريعات لا المعارف[7]، بمعنى أنها محققة لغاياتها لا بمعنى أنها ليست من الدين، وكونها محققات لا يعني كونها عرضية بمعنى قابلية الاستبدال بوصفها تشريعاً إلهيًّا. ونخص الحديث عن المحققات المنصوصة.

إن إطلاقية (عرضية المحققات) يخل بالحقيقة الإنسانية النغم الذي يعزفونه بجهل منقطع النظير.

فكون كل المحققات عرضية (لا فرق بين المنصوصة والمسكوت عنها أي الموسعات) يعني أن لا ثابت (ذاتي) في الإنسان يسمح بثبات محقق ما. والنسبويون ملتفتون لهذا، ويقرون بأن من يؤمن بثبات جوهر الإنسان يتقبل فكرة ثبات الدين ومن لا يؤمن لا يتقبل. إن أصالة البيئة الثقافية الاجتماعية لتهدم وحدة النوع الإنساني، وتنفي حقوق الإنسان، كما لا معنى حينها للعلوم الإنسانية.

فأي إنسان يتحدثون عنه، وأي تواصل يكون ممكناً إذا اختلفت البيئة الثقافية بين البشر. نعم النسبويون يصدحون بمقولاتهم، بينما هم في حياته اليومية كسائر البشر يعتمدون اليقين والإيمان بالكينونة الإنسانية بطبيعتها البشرية.

إن دعوى ثبات الدين نتكئ فيها على التالي:

1- ثبات الحقيقة الإنسانية (ثمة قدر من الثبات) بحاجاتها وقابلياتها وطبيعتها.

2- إن بعض المحققات تكتسب الثبات لكونها الحل المناسب والأفضل. (مثال الزواج).

3- إن العلم الإلهي والحكمة الإلهية يسمحان بفهم صحيح وتام للإنسان، ومعرفة ثوابته ومتغيراته. ومن ثم الدين صالح وثابت لفطريته أي (مناسبته للإنسان).

ثانياً: في المنهج:

يحتل القرآن موقعاً متميزاً، وتحيطه قداسة النسبة الإلهية، لذا من المستغرب أن يكون الحديث عن اعتبار القرآن محور الاستنباط، إذ من المتوقع أن يكون هذا متسالماً عليه معمولاً به. بيد أنه من المؤسف أن يكون القرآن أكثر الغائبين عن المجتمع العلمي. فلا غرو أن يكون اعتماد القرآن الكريم منبعاً للمعارف في شتى الحقول عند السيد المدرسي علامة فارقة، وأن يكون المدخل لإشكالية الثابت والمتغير.

وقبل أن نتماشى في مفردات يتوضح معها محورية القرآن الكريم؛ نشير إلى المدخل الأساس لهذه المحورية، ألا وهو الإيمان بالقرآن الكريم. بمعنى الثقة بمعارفه ووصاياه، وحسن الظن بالهداية الإلهية.

إمكانية المعرفة العلمية للقرآن:

محورية القرآن في تشكيل المعرفة الدينية في شتى حقولها بما يشمل الشريعة يعتمد على إمكانية حصول المعرفة الموضوعية. وهذه الإمكانية قد تتصل بخصوص القرآن الكريم، وقد تتصل بالقرآن بوصفه موضوعاً معرفيًّا. ونود التوقف عند الثانية في بعض اتجاهاتها:

النسبية المعرفية:

إن الفهم نشاط عقلي إنساني. لكن نحن إزاء مقولتين: الأولى: ما يسميه البعض بالفهم الكانتي، وهي مقولة النسبية المعرفية. الثانية: الثقة بقدرة العقل الإنساني على المعرفة الواقعية في الجملة. ولفظ (الجملة) نريد بها الإشارة لمسألتين: الأولى أن المعارف تتنوع في الوضوح والظن بحسب المناهج وأدوات المعرفة وتراكم المعرفة. والثانية بناء على مقولة (التخطئة) ثمة صواب وثمة خطأ، نعم المناهج العقلائية تورث المنجزية والمعذرية في سائر حقول المعرفة[8].

ومقولة النسبية المعرفية في منحاها الكلامي بعيدة عن موضوعنا. والاستعانة برصد الاختلاف في التاريخ لا يجدي لوضوح أن الفهم نشاط إنساني، ولم يدَّعِ أحد العصمة، وأسباب الخطأ الذاتية والموضوعية نقرها ونعتبرها تحديات يمكن للإنسان تجاوزها.

مبررات تعددية الفهم:

وواضح أن ثمة نوعين من المبررات (ذاتية، موضوعية)، والذاتية هي (الهوى وسائر تجلياته، والعقد النفسية)، وهذا المبرر أولاه القرآن أهمية قصوى. والمبررات الموضوعية متعددة، نشير لأهمها، ونتوقف عند ما له مساس حثيث بموضع كلامنا:

1- طبيعة النص الديني. (محكم ومتشابه ومجمل ومبين وظاهر ونص، وتعارضات بدوية، وإثارات)، ويمكن مراجعة مبحث عوامل نشأة علم الكلام الداخلية في الكتب المعنية به.

2- طبيعة الزمان، وما يخلق من مواضيع مستجدة ومشاكل مستحدثة لا نصوص مباشرة فيها. وهاهنا محل (الموسعات) والتحول هاهنا مشروع بل وضروري لاستحداث المواضيع. لكنه تحول في المتشابهات «المفصلات» لا المحكمات التي تنظم عملية التحول وتستوعب الحوادث الواقعة.

3- بعض مفردات مناهج دراسة اللسانيات الحديثة. ونتوقف عند مفردتين؛ ما يسمى «موت المؤلف» و «مركزية القارئ».

نظرية القصد:

للمؤلف أهمية كبرى في الثقافات البشرية. نظراً للدور الهام الذي يقوم به في عملية إثبات الانتماء الثقافي، وتأكيد الهوية. ونجد في العرف البشري أهمية تشخيص (أهل الخبرة)، كما نجد أهمية التوازن مع (القول لا المقول)، حيث: اعرفوا الحق تعرفوا أهله. لكن الأهمية النصية تكمن من تجاوز عشوائية الفهم، إذ إن تحديد «المؤلف» يضمن للنص اتساقه وانسجامه ووحدته الدلالية والسياقية. فعن طريق رصد نصوص المؤلف الأخرى، يتمكن المحلل من فهم النصوص وتأويلها: شرحاً وتفسيراً.

ولاحقاً أعلنت البنيوية موت المؤلف والمرجع، واستبدلته بالنص اللغوي مستبعدة كل مرجعية خارجية تضبط المعنى.

والتأسيس لحظر المدلول النهائي للنص. فالنص لا ينشأ عن «رصف كلمات تولد معنى وحيداً، وإنما هو فضاء متعدد الأبعاد. ومن النتائج المنطقية لموت المؤلف إفساح المجال لولادة القارئ.

وبعيداً عن المساجلة التفصيلية مع هذه المقولة.. لنتوقف عند ما يتناسب مع موضوع الورقة:

فالسؤال ما الذي يعنيه حضور وغياب المؤلف في غير معطى «الثقة، القدسية» وعدمها.

ويبدو أن أساس الأهمية هو غرض وقصد المؤلف الذي دفعه لإنشاء النص. وأيضاً الفضاء الدلالي الذي يسبح فيه المؤلف ويستعين به لإنشاء النص. والأخيرة مبرر لمثل التاريخانية. ونسجل ملاحظاتنا بالتالي:

1- قصد المتكلم: وهو مبحث تناوله الأصوليون لتثبيته، وإذا كانت هذه مفارقة مع نظرية موت المؤلف المستبطنة إلغاء القصدية، فإن اكتشاف القصد كما يقرره الأصوليون هو من خلال النص. فالمتكلم الحكيم يكشف عن مراداته في خطاباته. ومن هنا فالسؤال عن أهمية المؤلف تكون في مستويين الأول تثبيت القصد، والثاني في تشخيص القصد.

أ: وتثبيت القصد تنزيهاً للمتكلم الحكيم عن اللغوية والعبثية، ولأن الخطاب متوجه لمخاطب هو الإنسان وفي إطار تحقيق الرحمة له.

ويبدو أن لا خلاف بين المسلمين في تثبيت القصدية، نعم في مستويات القصد المتراوحة بين مستوى التكليف الفردي إلى أهداف الشريعة العامة وحكمها فثمة اختلاف وتعدد في الاجتهاد.

ب: إن تشخيص القصد بحسب البحوث الأصولية وعمل المفسرين يتجه إلى إرساء رؤية مخالفة لما هو دارج، أي أن مكمن القصدية ومحل اكتشافه والذي يُنبئ عنه هو النص بالدرجة الأولى، بوصفها المقصدية الوحيدة الممكنة، والشرعية.

ومن هنا تُدرج مباحث الأصول والمفسرين في أدوات وآليات فهم النص، وبحوثهم المتعلقة بمساحة العقل والتساؤل عن مدخليته في نظام النص وعدمه، ومرتبة السنة وعلاقتها بالقرآن.

لكن من جهة أخرى يتجلى -خصوصاً في مجال العقائد- أن الاتجاه يؤسس لدور ما للمؤلف أيضاً في تشخيص القصد.

2- أصالة المؤلف: كون القرآن كلاماً إلهيًّا، يفرض نمطاً من التعامل مع القرآن ونعني بذلك:

التسليم والتصديق والتتلمذ. كما يعني أن هذا النص يعيش القطيعة الثقافية مع البيئة البشرية، مما يفقد المناهج غير البنيوية التي تعتمد أصالة البيئة الثقافية شرعيتها في النص القرآني. وطبعاً هي ليست قطيعة مع الفطرة والعقل. لكن المهم هاهنا هو في الدلالة، ونلخصه في أمرين:

الأول: الاستبدال: أي استبدال البيئة الثقافية والعوامل النفسية وما شاكلها التي تعتمدها الكثير من المناهج غير البنيوية بـ«معرفة الأسماء الحسنى» فهي تشكل ضوابط أساسية في فهم الكتاب، كما تشكل موجهات جديَّة لفهم الكون. وهذا الموجه واضح في البحوث الكلامية خصوصاً في تحكيمهم العقل.

إن عدم الاختلاف في الكتاب، والتدقيق اللغوي مثالان يوضحان ذلك، لأن القرآن من (العليم الحكيم) والتسليم للقرآن كذلك، لأنه من الله الملك المعبود الحق. وقد يلاحظ أن هذه الضوابط قد تلقى قبولاً ولو ظاهراً، لعموميتها، وهذا لا يفقدها الأهمية فهي المفتاح لمزيد من الضوابط الأكثر تفصيلاً تتدرج وتتفرع من الأمهات من قبول المحكم وتحكيم الرسول وفهم السنة الإلهية.

الثاني: التوجيه لا التأسيس: وهذا يصدق تماماً على العقل. فالمعنى يكشفه النص. وهذه المعايير تشكل موجهات للفهم ولا تصنع المعنى. فالعقل يمنع الفهم المعوج، وبالتالي يرجح معنا محتملاً آخر للنص.

نظرية التلقي:

للقارئ أهمية لما له من صلة وثيقة بفهم النص ودور المبدع وطبيعة اللغة. وعماد النسبية المعرفية ومناهج القراءة المفتوحة هو أصالة القارئ المولود بموت المؤلف. ومن جملة ما يُطرح في السوق الثقافي ما يُسمى بـ«القبليات» التي يعتمدها القارئ في فهم النص. ومع التأصيل للبيئة الثقافية وحتمية الأطر المحيطة بالإنسان فإن هذا الفهم لن يكون واحداً بين الناس، ويؤسس للتعددية، بل لامتناع الاتفاق ومن ثم تعذر التصويب لأحدها.

وربما يستشهدون بتاريخ المذاهب واضطراب الآراء وتأثير المذهبيات وما إلى ذلك، والأمثلة وافرة لا تحصى.

ونحن هاهنا لا ننفي تأثير القبليات، فهذا غباء حاد. لكن لنا رؤية تختلف استراتيجيًّا، نوجز القول فيها:

أولاً: ندعو للتفكيك بين الفهم والقبول. ودليلنا عليه واضح، يكفيك قابلية الفهم لهذا الدين وغيره لمن لا يؤمن به. والخلط بينهما يورث سلسلة من الأخطاء.

ثانياً: الرؤية الدينية ترى قدرة الإنسان العاقل على تجاوز سائر التحديات المعرفية وتؤسس لحجية العقل. بمعنى قبولنا بتأثير القبليات على (الفهم والقبول) بمعنى أن هذا التأثير ليس حتميًّا، وأن قدرة التجاوز لدى العقل هو معنى ومبرر حجيته ومسوغ المسائلة الإلهية له. إننا ننظر للتحديات ضمن منظار حكمة الابتلاء.

وتجدر الإشارة إلى أن مقولة «الحوار العقلاني مستحيلة ما لم يتقاسم المتحاورون إطاراً مشتركاً من الافتراضات المنهجية الأساسية» هي تصنف ضمن إطار حتمية البيئة الثقافية، والمناسب استبدال الاستحالة بأن الاشتراك يسمح بحوار أفضل. وأن إمكانية تجاوز مشكل التنوع الثقافي واردة جدًّا.

وربما من المناسب التنويه إلى تأسيس هذه الإمكانية:

1- ثمة إطار بشري مشترك قوامه الإنسان العاقل، أي العقل والفطرة. بما يؤسس لوحدة النوع البشري، والأطر اللاحقة كالعرق والثقافة المكتسبة ليست سجون حتمية يستعصي على العاقل تجاوزها.

2- أن روح التسامح والانفتاح والنقد تؤسس لتواصل المختلفين، وتجعل الاختلاف مثاراً لتنمية الفكر. ومن الغريب حقًّا أن يجعل القرآن الاختلاف غايته التعارف.

ثالثاً: تصنيف القبليات:

1- المستوى المعرفي التأسيسي لسائر المعارف والمشترك بين البشرية، المبرر لوحدة نوعهم الإنساني (المعرفة العرفية)[9].

2- مناهج المعرفة، وآليات الفهم المتناسبة مع موضوع المعرفة: ويمكن تفصيل هذا لمستويين: أحدهما يرجع للمعرفة العرفية، وثانيهما يرجع للمعرفة العلمية[10].

إن دور القبليات المنتسبة للمعرفة العرفية مما لا ريب فيه، كما لا ريب في تأسيس الشارع المقدس خطاباته على المناهج العرفية والتي يسميها الأصوليون الطرق العقلائية مثل ظواهر اللغة. وبالتالي إن الفهم العرفي مشترك بين البشرية للنص الديني. ولذا خطاب الشارع يخاطب العرف العقلائي أي عامة البشر، ويخاطب العلماء. وهذا القدر من القبليات لا حزازة فيه[11].

رابعاً: في ولادة المنهج العلمي:

بلا ريب أن المعرفة العلمية تنشأ بالتأمل النقدي للوسائل العرفية ضمن تجربة الصواب والخطأ لدى السعي نحو معرفة تتجاوز العرفيات.

ودعوى القبليات هاهنا لها مجال. إذ حتى مع التفكيك بين الفهم والقبول فإن المناهج تحدد المعطى المعرفي الناتج عنها. فالرهان على اكتشاف المنهج الملائم للموضوع المعرفي القادر على صناعة الجسر بين الإنسان وبين موضوع البحث بصورة أمينة. ومن هنا فإن «اللطف الإلهي» تكفل للبشرية في مجال دينه بتعليمهم إياه، فبعث رسولاً معلماً[12].

ومن جملة وظائف الرسول إيجاد نخبة متعلمة (العلماء) يؤهلهم لمعرفة دينه في غير المعرفة العرفية، إنا نعتقد أن أحد الأشياء التي حققها الأئمة (عليهم السلام) هو تهيئة الطائفة والأخذ بيدها عبر تأسيس مجتمع النخبة (العلمي) وأدوات ديمومته وفاعليته ومحوريته.

هيمنة الكتاب:

أولوية الكتاب وتقدمه على السنة ليس أمراً محسوماً بصورة نهائية. وليس محصوراً بالاتجاه النظري، فمن الناحية التطبيقية هذه سمة عملانية تشكل الناتج المنطقي للبحث عن الفقه الفردي الذي يلاحق المفردات الجزئية، مع غياب الاهتمام الكافي بتأسيس الكليات الذي يكون القرآن الكريم الأساس فيه.

ومن الشواهد على ضعف مرجعية القرآن عملانيًّا هو محدودية عَرضِ الأحاديث على محكمات الكتاب الكريم وإهمال حقيقة أنّ القرآن الكريم مرجعية التقييم والتقويم. نعم في المعارف العقائدية كان الحال أفضل خصوصاً فيما يتعلق فيما اختلفت المذاهب فيه.

كما أن المسلمين لحاجتهم اليوم للكليات المستوعبة للمستجدات اضطرهم لمراجعة القرآن من جديد.

إن المشكل يكمن ليس في إعادة تحديد الأدوار بين النّص القرآني والسنة، وإنما إن قواعد التعامل مطلوب منها تحقيق التوازن بين مسلمتين «هيمنة الكتاب» و «بيانية السنة»، لأن المشكل في دائرة المؤمنين لا يتعدى التوازن. ومن هذا المنطلق نعرض لرؤية تقارب هذا المشكل:

1ـ تمامية القرآن:

فـ(تمامية الشريعة) بإكمالها وأن كل شيء في القرآن، فعن الإمام الصادق (عليه السلام) «إن الله تعالى أنزل في القرآن تبيان كل شيء حتى والله ما ترك الله شيئاً يحتاج إليه العباد حتى لا يستطيع عبد يقول: لو كان هذا في القرآن، إلا وقد أنزله الله فيه»[13].

مما يُرشد إلى تأصيل المحكمات (الكليات) التي هي أصول الشريعة، ومن خلالها تُعرض الأحاديث على الكتاب، بل ويرتفع جملة من التعارض بين الروايات.

2ـ السنة بين العلماء والمعلمين:

إنّ الفقهاء المستنبطين من القرآن هم بعض الأمة وليسوا كل المسلمين. ويتصل بهذا التصنيف للمُخاطب (العالم والعامي) أن يختلف الخطاب إلى تعليمي للمجتمع العلمي بتبيان (الأصول)، وإلى إفتائي جزئي يتعلق بعامة الناس بحسب ابتلاءاتهم. ومن هنا في الروايات محكم ومتشابه.

فالسنة:

(ألف) تفسير للكتاب.

ويشمل التفسير تفصيل الحقائق المتصلة بالغيب، وتفاصيل العبادات، وبيان حدود وقواعد الشريعة. وهذا القسم حقائق مطلقة تجري مع الزمان كما تجري الشمس، مثلها في ذلك مثل القرآن الحكيم، وهذا القسم لا يتحدد بزمان ولا مكان.

(باء) التأويل، ما كان يتصل بالمتغيرات في حياة كل إمام.

وهي كثيرة أبرزها: ما يتصل بتأديب الناس وتزكيتهم، أو يتعلق بإدارة شؤون المجتمع، أو يرتبط بالفتوى في الحوادث الواقعة.

3ـ السنة محكم ومتشابه:

كما الكتاب محكم ومتشابه. والمحكم من السنة -كما من الكتاب- هو الأصول والقواعد والبصائر والحكم، بينما المتشابه هي الفروع والفتاوى والتطبيقات. ورد المتشابه إلى المحكم معناه رد الفروع إلى الأصول. والواقع هو المتشابه، بينما الحقيقة هي المحكم، فإذا تشابه حكم الوضوء أو التيمم، عند الخوف يرجع إلى قوله سبحانه: ﴿مَا يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ[14].

والخوف من مصاديق الحرج فهو مرفوع عنا شرعاً، فتلك القاعدة العامة التي هي الحقيقة (نفي الحرج) طبقت على هذه الموضوعة الخاصة، الوضوء عند الخوف (الواقع) كما أن الموضوعة الخاصة أُوِّلت ورُدّت إلى تلك القاعدة.

أما فائدة رد الفروع التي بيّنها المعصومون (النبي وأهل بيته) ردها إلى الأصول الموجودة في الكتاب أو في السنة، فائدته تتمثل في معرفة حدود الأحكام في الفروع، كما معرفة أبعاد الأصول، مما يسمح باستنباط سائر الأحكام منها، فالفروع أمثلة توضيحية للأصول، تزداد بها وضوحاً، وهذا القياس السليم -رد الفرع إلى الأصل-. بخلاف القياس الباطل -عندنا- وهو رد الفرع إلى الفرع.

وفي حال العجز عن رد الفرع إلى الأصل، يلزم التوقف عند المتشابه (النص الجزئي) ونسلم بها في حدود علمنا به ولا يقاس عليه.

وتجدر الإشارة إن هاهنا توسعة لفقه القواعد للابتناء على وفرتها في القرآن، وأن هاهنا رسم جديد للعلاقة بين السنة والقرآن. فمحكمات السنة هي لا تعدو أن تكون فروعاً لمحكم قرآني أو كشفاً عنه وتبياناً له.

في آليات التفسير:

إن مرجعية القرآن يجعل فهمه بصورة صحيحة وعميقة مسألة أساسية للفقيه. ونلاحظ أن سماحة السيد في التشريع اعتمد على بعض الآليات بشكل متميز:

1ـ التأويل: آلية الاستنطاق:

فالنص يكون مستبطناً لقيم كلية (السنن العلمية في الكون والاجتماع، وكليات التشريع) صالحة للجري مدى الزمان والانطباق على المتغيرات. إن كشف النص عن السنة العلمية يكون بمثابة النور الذي يكشف المجاهيل.

ومن هنا فالتأويل هو الجسر الموصل بين سطح النص وبين بواطنه المختبئة، ومن ثم بين النص والواقع. فالتأويل يتضمن الاستنباط (الكشف عن المحكم والسنة)، ويتضمن الفتيا (التطبيق الخارجي الجزئي)، وواضح أن التطبيق يتطلب فهمان؛ فهم المحكم، وفهم الواقع الخارجي.

2ـ الدلالة القرآنية:

إن المدخل الصحيح للتفسير الموضوعي بل لعموم التفسير، يبدأ من مقاربة ملائمة للمفردات القرآنية.

وهذه كانت حاضرة في جهد الكثير من المشتغلين بالتفسير، وقد تُسُولِمَ على فرادة وخصوصية الدلالة القرآنية. وهنا من الضروري التمييز بين مستويين من الدلالة:

الأول: الدلالة الأساسية القرآنية، ولنشر لها باسم المصطلح، وهو موازٍ للمعنى المعجمي، لذا هو سيَّال في القرآن.

وهدف البحث الدلالي استكشاف الإضافة أو الحذف لعناصر المعنى، بل والتصرف في ظلال المعنى. فإذن هو معنى محدد إلى حدٍّ ما، يبدأ استكشافه بالتحرر بالشك في المعلومات اللغوية السائدة، واستكناه الجذر اللغوي، ومن ثم الدخول به كأساس لسبر الاستعمال القرآني.

الثاني: الدلالة المعرفية، المتولدة من شبكة العلاقات في منظومة معرفية ما. فثمة توالد ومفاعيل دلالية، ولنعبر عن هذا بالمفهوم.

فمفردات (الفساد، التوبة، السنن) كمثال لا تحصر في الدلالة المعجمية حتى القرآنية، بل لا نستطيع أن نستفيد منها أو أن نلاحقها دلاليًّا إلا باكتشاف شبكة العلاقات والنسق المعرفي الذي تنتمي له، فالتوبة مرتبطة بشبكة دلالية مثل المعصية، المولى الحق، الجزاء، المغفرة، وهكذا.

فإذن المستهدف في المستوى الثاني هو الكشف عن شبكة العلاقات الدلالية والتفاعل الدلالي. ويعتمد بصورة أساسية الترابط الدلالي القرآني، بمعنى ليس التوقع أو الافتراض للعلاقة هو الراسم للتفاعلات الدلالية. بل إن الباحث يستقصي في موارد الاستعمال ترابط المفردة مع غيرها، ويتماشى معها.

والهدف من هذه المنهجية تحقيق أمرين:

أ: التحرر من القبليات والمذهبيات والتراث، لإسلاس القياد للصيرورة الدلالية القرآنية.

ب: استكشاف النسق المعرفي للموضوع القرآني وهيكله الدلالي بعيداً عن المألوف.

وبعبارة إن مزاوجة الدلالة القرآنية والسبر الموضوعي في التأسيس للمفاهيم والكليات والقواعد العامة يتيح التحرر من القوالب الموروثة من اجتهاد الأقدمين. ومن ثم هدم الفاصل التراثي بين النص والعصر، ويكون التراث مجرد تجربة معرفية بشرية.

ثالثاً: في قيم الشريعة:

وهو المفتاح الأساس في نظر السيد المدرسي لمقاربة (الثابت والمتغير) مع صنو القيم أي «فقه القواعد»، وهو مفتاح يتكئ على مرجعية القرآن. ومن هنا نتوقف عنده بشيء من الإيضاح الموجز في بعض مفرداته.

وبدءاً إن هناك أسماء عديدة لهذه الموضوعة عند من تناولها. فالفقهاء سمّوها قديماً بـ(مصالح الشريعة)، ويسميها بعض الكتّاب بـ(مقاصد الشريعة)، وبعضهم أسماها بـ(روح الدين).

ويرى سماحة السيد أن الاسم الأقرب إلى الأدب الحديث هو قيم الشريعة. لأن القيمة هي الهدف الذي يسعى إليه الإنسان، ولما تتسم به من معيارية. وهي الكلمة الشائعة في فقه القانون عند بيان أهدافه.

مع أن التعبير القرآني القريب من موضوعنا هو: الحكمة، حيث قال سبحانه بعد بيان جملة من قيم الشريعة ومقاصدها قال: ﴿ذَلِكَ مِمّآ أَوْحَى إِلَيْكَ رَبّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ.. وذلك في الآيات (29-39) من سورة الإسراء. وللسيد إطلالة على دلالة مفردة (الحكمة) في الجزء 5.

أما الآيات التي تبين هذه الحكمة فهي تسمى بالمحكمات التي أمرنا الله بأن نرجع إليها لمعرفة المتشابهات قال ربنا سبحانه:

﴿هُوَ الّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مّحْكَمَاتٌ هُنّ أُمّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمّا الّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ[15].

كما تسمى هذه الآيات (التي تنطوي على الحكمة) بالفرقان أي الآيات الواضحة التي تفرق بين الحق والباطل!

أما النصوص الشرعية فإنها قد تسمي هذه القيم بـ(علل الشريعة) كما نقرؤها في كتاب علل الشرائع للشيخ الصدوق رضوان الله عليه. ذلك لأن هذا المصطلح كان المصطلح الشائع في ذلك العصر، فجرى التعبير به اتباعاً للعرف، وليس بصفته مصطلحاً قرآنيًّا على أن المقصود من العلة ليس ما يراه أهل المنطق والفلسفة في أنها السبب التام للظاهرة بل الحكمة التي تتحقّق عادة عند تطبيق الحكم.

أولا: فلسفة القيم:

فالسؤال عن الغايات، مبررها وحكمتها؛ هو سؤال مشروع ومنطقي.

وإذا كانت الشريعة الإسلامية تهدف بناء مجتمع أمثل فما هو الهدف العام لهذا المجتمع. فالبحث القانوني (التشريعي) بحاجة إلى معرفة فلسفته ولا تعني فلسفة القانون إلّا تلك القيم والأهداف التي ينشدها القانون.

إن العقائد لم تذكر في القرآن والسنّة بعيدة عن الأخلاق والفقه، ولا ذكرت الأخلاق بعيدة عن الفقه. فحين يذكرنا القرآن المجيد بحقائق التوحيد (الله تعالى وأسمائه وآياته) يجعلها ينبوعاً للقيم الحياتية والوصايا الأخلاقية.

إن القيم تنفع في اتجاهين على أقل تقدير:

أولهما: معرفة إطار التشريع التي تنفع في التطبيق ويتضح بالتالي:

1- أن الغاية الأسمى والقيم الأساسية هي روح الدين التي يحققها الدين بوسائل عديدة منها: التذكرة، والتزكية، والتعليم، ومنها التشريع. والأهداف العليا تشكل أرضية الأهداف الظرفية الخاصة بمجتمع ما في حقبة ما بحيث يكون فقه المتغيرات يرعاها.

2- أن الله سبحانه لا يشرع حكماً بلا حكمة. فالتطبيق يرعى أهداف التشريعات، مثل أن توزع أموال الحقوق بحيث تكرس البطالة.

ثانيهما: تنفع في الاستنباط خصوصاً في فقه المتغيرات.

إن فقه المتغيرات هو مجال نظرية قيم التشريع الأساس. حيث توفّق بين ثبات القانون وحركية الحياة الإنسانية بخلقها مرونة في القانون (القواعد الفقهية) تستجيب للمتغيرات مع المحافظة على أهدافه (الحكمة)، وأيضاً تلعب دوراً أساسيًّا في معالجة تزاحم القيم في الخارج كالتعارض بين قيمة الأمن والحرية.

فقيم التشريع تشكل قاعدة فكرية للفقيه تكون بمثابة موجهات، والتي يعبر عنها الفقهاء رحمهم الله بـ(روح الدين، ذوق الفقاهة). وهي ترفع أحياناً إجمال النص حين يحتمل أكثر من معنى، وتساهم في رفع التعارض بين النصوص، وتوفر للفقيه القدرة على معالجة الإشكاليات المستحدثة.

إن معرفة الأحكام الفرعية في قوانين الشريعة (حتى تلك التي وردت فيها نصوص مأثورة) تصبح أسهل لمن أوتي وعياً بجوامع حِكم الدين، وأصول الحكمة الإلهية.

ورفعاً للالتباس نوصي باستحضار (المحكم والمتشابه، التأويل) هنا والالتفات أن ثمة وسيط بين متغيرات الخارج وبين القيم هو «القاعدة القانونية - الفقهية». وهذه «القواعد» ليست افتراضية، وإنما هي نصوص قرآنية - والتأكيد على القرآنية اعتماداً على تمامية وهيمنة القرآن، ومن باب المثال فقاعدة لا ضرر مآلها نفي الحرج القرآنية، وهكذا-. فعليه إن مع انبثاق القواعد من تلك الغايات إلا أنه ليس وظيفة الفقيه اصطناعها من تلك الغايات وإنما اكتشافها، وفائدة معرفة الغايات والقيم هو ما سبق، لأن التعارض والتزاحم وما أشبه هو بين القواعد أو بين متعلقاتها، وهكذا.

ثانياً: في آلية التطوير:

من شأن العقلاء أن يتعاملوا مع التطور الحادث وآفاق المستقبل بروح الاستعداد والعلمية، وفي هذا الشأن يرى سماحة السيد التالي:

ألف: تقييم المتغير من الحقائق التي تستدعي تشريعاً جديداً، لمعرفة أبعاده. وهذا يعتمد -بدوره- على معرفة نسبة التغيير في المحددات والعوامل الموجبة له.

بــاء: تطبيق القيم القانونية (الأصول العامة في الدين) على الحقائق المتغيرة، لمعرفة الأصل الذي تنطبق عليه بالضبط.

جيم: إصدار الحكم (أو الفتوى)، وهكذا يولد الحكم من ازدواج عاملين: معرفة المتغيرات، ومعرفة الثوابت بدقة كافية.

أما الآلية التي يراها سماحته، فهي ذات ثلاث ركائز:

1- القيم التي تعتبر روح التشريع الإسلامي وضمانة الاستقرار فيه. والذي يعتبر -بدوره- سمة أساسية للتشريع الأمثل.

إن الوصايا الإلهية، والحكم القرآنية، قامت من خلال استقرارها في المجتمع المسلم بالتالي:

أولاً: تحديد اتجاه الحركة عندهم في كل أبعاد حياتهم، وبالذات في البعد السلوكي والقانوني. وثانياً: وهي تسهل تنفيذ القوانين المشروعة. وثالثاً: وهي وسيلة للرقابة الاجتماعية على الحاكم.

إلا أن الغرض الأهم هو أنها تضمن ثبات القوانين في جوهرها مع مرونة كاملة في نصوصها، مما يجعل التشريع الإسلامي الأمثل في هذه الجهة أيضاً كما في سائر الجهات، لأن ثبات الجوهر ضرورة بالغة للقوانين، كما مرونة النص.

2- الشورى التي تركز الخبرة الحياتية بهدف معرفة الخط البياني للمتغيرات.

لكي نصدر حكماً لابد أن نعرف الموضوعة التي نريد أن نحكم عليها، هنا العقل والخبرة والعرف. وللشورى غرضان:

- هو تراكم الخبرة وتكثّف التجارب، والشورى تستحث الناس على التفكر، والمشاركة الفاعلة في صناعة الحياة العامة.

- الشورى هي القنوات التي تحتوي وتنظم الصراعات وتضارب الآراء والمصالح، وبالتالي منعها من إفساد الأخلاق الاجتماعية.

3- الإمامة الإسلامية، أو ولاية الفقيه التي تستمد من القيم والشورى القاعدة القانونية، كما الخبرة الكافية، لإصدار حكم دستوري.

فمن الناحية الشرعية قالوا: تنقسم طاعة الرسول إلى بعدين؛ الأول: طاعته باعتباره رسولاً داعياً إلى الله مبلغاً عنه سبحانه. الثاني: طاعته باعتباره إماماً للمسلمين وقاضياً بينهم ووليًّا لأمورهم.

ويختص البعد الأول بالرسول لأنه يُوحى إليه، وبالتالي يتصل بالوحي وأنه لا ينطق عن الهوى، وفي حكمه المعصوم... أما بالنسبة إلى البعد الثاني فإن هذا المنصب يرثه الفقهاء.

وصفوة القول أن ثمة ثنائية الفقيه والشورى توازي ثنائية معرفة القيم وتشخيص المتغيرات.

وبعبارة: إذا كانت معرفة المبادئ من اختصاص الدين (الوحي زائد العقل) وما تسعى بالحكمة العملية في الفلسفة، فإن معرفة المتغيرات من اختصاص العلم، بمعنى الخبرة البشرية العلمية والعقلائية.

فالقانون الفاضل هو الذي يعتمد على الأسس التالية أولاً: وضوح شديد في القيم (المبادئ العليا). ثانياً: مرونة كبيرة في التطبيقات. ثالثاً: جهاز سليم للتطوير، وإذا كانت القيم مجملة شرّعت قوانين فاسدة، وإذا كان تنقصه المرونة أصبح جامداً ومنافياً لتطور الظروف، وإذا كان جهاز التطوير فاسداً كل شيء ينهار.

ثالثاً: في التزاحم والتعارض ومعايير الأولوية:

وتناول سماحة السيد في كتاب التشريع مورداً للتعارض، وآخر في التزاحم، هما:

- التعارض بين الحكمة العامة والحكم الفرعي الخاص.

- التزاحم بين الحكم، والقيم في الخارج.

بين الحكمة العامة والنص الخاص:

وفي هذه المسألة التي هي محل اجتهاد الفقهاء يبين سماحة السيد رأيه عبر التالي:

مع التسليم بواجب الدولة بالقيام بحاجات الفقراء ومن في حكمهم.. وحدث أن الضرائب المقررة شرعاً لا تفي.. فيشقق الصورة إلى ثلاث فرضيات:

أولاً: ألَّا يكون تنفيذ المبدأ العام (أو الحكمة الشرعية) منافياً لأي نص، كما لو لم يكن لدينا أي نص ينفي وجود حق إضافي في أموال الأغنياء، وهذا أحد القولين في هذه المسألة بالذات.

والحكم في مثل هذه الفرضية واضح، إذ إن المبدأ يجري تنفيذه لأنه حكم الله، لتحقيق غايات الشريعة الإلهية.

ثانياً: إذا خالف المبدأ العام النص. وقد ذهب المشهور إلى عدم جواز التخلف عن النص في هذه الفرضية، ويبدي السيد ملاحظات ولا يراه من قبيل (الاجتهاد في مقابل النص) إذ الحكمة مستند لنص آخر، ويعلق بالتالي:

ألف: أن رأي المشهور لا يشمل صورة اليقين بمراد الشارع.

بــاء: الأخذ بنص الحكمة هو أخذ بما هو المحكم.

ويرى أقوائية أدلة الحكمة لسببين:

1- لأنها نصوص قرآنية. ومن مفاعيل ذلك المتسالم عليها أن محكم القرآن معيار قبول الروايات.

2- لأنها تأبى التخصيص إذ إن لسانها لسان الناظر إلى سائر الأدلة.

نعم يلفت النظر للتثبت. ويستعين لتأييد مختاره بما يصنعه الفقهاء المتقدمين بتأويل الروايات الصحيحة سنداً. لأنهم عرفوا أنها خاصة بزمان الأئمة، أو أنها مخالفة لمرتكزاتهم من الشرع.

ويشهد على ذلك أن مراد الفقهاء الأقدمين رضوان الله عليهم من الأخبار الآحاد: التي لا تحف بالقرائن، فقد حكي عن السيد المرتضى قوله: بأن أكثر أخبارنا المروية في كتبنا، معلومة مقطوع على صحتها، إما بالتواتر، أو بأمارة وعلامة تدل على صحتها، وصدق رواتها، فهي موجبة للعلم، مفيدة للقطع. وقال المحقق الحلي: فما قبله الأصحاب أو دلّت القرائن على صحته عمل به. وقال الشيخ البهائي: ليس الصحيح عند قدماء الأصحاب، إلاّ ما أفاد الوثوق وسكون النفس.

ومن القرائن المهمة عندهم موافقة الكتاب والسنة، قال الشيخ في العدة: فإن قيل ما أنكرتم أن يكون الذين أشرتم إليهم لم يعملوا بهذه الأخبار لمجردها، بل إنما عملوا بها لقرائن اقترنت بها، دلّتهم على صحتها، لأجلها عملوا بها وإذا جاز لم يكن الاعتماد على عملهم بها.

قيل لهم (في الإجابة): القرائن التي تقترن بالخبر وتدل على صحته أشياء مخصوصة نذكرها فيها بعد من الكتاب والسنة والإجماع والتواتر ودليل العقل، ونحن نعلم أنه ليس في جميع المسائل التي استعملوا فيها أخبار الآحاد.

ويبدو لي -بحسب السيد- أن قرينة الكتاب والسنة (المتواترة) قد لا تكون ظاهرة لكل أحد، بل للمجتهد المستنبط الذي يعي روح الشريعة، ويجعلها مقياساً لقول أو رد المتشابه من الأخبار.

وأنى كان فالذي يظهر من قدماء الأصحاب أنهم يعتبرون شروطاً كثيرة في حجية الأخبار، منها ما يرجع إلى سند الخبر، مثل وثاقة الراوي، وذكر الخبر في الكتب المعتبرة، وقبول الأصحاب له. ومنها ما يرجع إلى محتوى الخبر من موافقته لظاهر الكتاب والمفهوم من السنة المتواترة ودليل العقل وكذلك المفاهيم العامة (القيم، الحكم) المستفادة من سائر الأخبار.

ثالثاً: أحياناً النص الخاص يتوافق والنص العام، ولكنه يعتبر خياراً واحداً بين سائر الخيارات لتحقيق الحكمة العامة. ويرى أن هذا يتشعب إلى وجهين:

ألف: عندما تكون هناك مجموعة نصوص خاصة بينت مجموعة خيارات مما نكتشف أنها جميعاً أمثلة تطبيقية، وأن الهدف تحقيق تلك الحكمة العامة بأية وسيلة ممكنة، مثل موارد التيمم حيث إن تعددها في النصوص يكشف عن عدم خصوصية لها بالذات، وإنما الأهم هو القاسم المشترك بينها، أي الحرج، فهنا نحن نعمّم الحكم إلى سائر موارد الحرج بلا تكلف، بالاستفادة من عموم النص القرآني.

باء: إذا لم يكن لدينا إلاّ نص واحد أو أكثر من نص، ولكنا لم نحتمل أنه أو أنهما مثالان لعموم الحكمة أو القاعدة، فإن التقيد بالنص يبدو ضروريًّا، ومخالفته تكون من باب الاجتهاد في مقابل النص.

بلى في حالة تعذر العمل بالنص الخاص لا مسقط للتكليف العام.

المفاضلة بين القيم:

بدءاً وقبل الإشارة لنظر سماحة السيد في المفاضلة بين القيم نود التوقف عند التساؤل الدارج عن حال التعارض بين القيم والمصلحة في تنبيهين:

الأول: فبحسب نظرية (القيم) تكون المصالح هي أيضاً ضمن دائرة القيم، فمثلاً ما يُعرف بالأمن القومي إنما هو قيمة من القيم وهو بدوره مصلحة، كما أن الحرية مصلحة وهكذا سائر القيم. وحين تكون مصلحة ما غير معتبرة بنظر الشارع، فإنما يرفع اعتبار القيمة المختبئة في تلك لمصلحة.

الثاني: إن تعبير «المصلحة العامة» يوازي عند الكثير من المدارس القيمة الأسمى. وفي هذا الشأن يسجل السيد ملاحظات:

أولاً: الحق قضية موضوعية وليست ذاتية. إذ إن الحق حق لأنه حق عند الله سبحانه، وفي سنن الله قدرها ويجريها في الخلق. عليه ثمة حقيقة واحدة لا تتغير، ويمكن اكتشافها والتحاكم إليها وجعلها محوراً للوحدة، لا علّة للفرقة.

حيث تجتمع جملة حقوق لأبناء المجتمع فتصبح موضوعاً للقانون، الذي ينظمها على أسس معينة. وبهذا التفسير لكلمة المصلحة العامة لا تصبح حقوق الأفراد ضحية لها، ولا تصبح المصلحة العامة طريقاً جديداً للديكتاتورية.

إن هذا النقد (الطريق للديكتاتورية) موجه حين يكون مصدر شرعية الخير العام أمراً مختلفاً عن حقوق الأفراد، أما في هذه الحالة، فإننا نسعى أبداً للحصول على أكبر قدر من المصلحة للأفراد، وبأقل قدر من التضحية.

ثانياً: نعم ثمة إضافة تخفف من بعض القصور الذي ينتاب «جمع الحقوق» وهي مبدأ «الإحسان».

حيث إن «الإحسان» يجعل المجتمع أكثر تطوراً وأقرب إلى الحضارة والمدينة. وهنا يلتقي القانون بالأخلاق. فترى الفرد يتنازل بطيب نفسه عن بعض حقوقه للمجتمع، ويخضع للقانون الذي يأمره بالتضحية، وإن ملاحم البطولة في الحروب الدفاعية لأقوى شاهد على هذه الحقيقة.

ولكن هذا المبدأ لا يتحوّل إلى حالة قانونية، إلا بعد اعتراف الناس بها، لأن التجاوز (الإحسان حسب المصطلح الشرعي) لا يكون إلا عن طيب نفس من الفرد. ومن هنا فإن الدولة تقوم بدور توعية الناس بما عليهم أن يفعلوا للمصلحة العامة. ثم لا تعمل لا بقدر استجابتهم لأفكارهم أو لا أقل في حدود تفويضهم لها بالعمل.

وهذا يؤكد دور الوجدان القانوني لدى المجتمع والذي لا يقوم بناء أي قانون إلا به.

وسيكون في المجتمع من يتجاوز ذاته. كما يكون فريق من الانتهازيين لا يهدفون إلا سرقة جهود الطيبين. ولذلك يقوم القانون بدور المنظم لحالة المجتمع لمنع الانتهازيين من استغلال طيب الآخرين.

ثالثاً: وتعتمد قيمة المصلحة العليا على التوازن بين كافة المصالح وتحكيم أقصى حدّ ممكن من العدالة بينها، فإذا كانت مصلحة المجموع تقتضي التضحية بالمصالح الفردية (مثلاً البذل في أيام الدفاع عن الوطن) فإن المفروض تخفيض نسبة التضحية إلى أدنى حدّ. لكي نوازن بين مصلحة الدفاع عن الوطن وبين حقوق الأفراد.

ولكن ما هي الأولويات في القيم، وأية قيم هي التي يجب أن نقدم.

يرى سماحة السيد ثلاثة معايير لتقديم قيمة على أخرى:

1- النص.

2- العقل.

3- النظام الهرمي للقيم.

أولاً: النص:

حين يلغي الشارع الحكم الذي يلحق ضرراً بالغاً بالنفس أو يسبب حرجاً للإنسان ويقول: ﴿إِلاّ مَا اضْطُرِرْتُمْ. أو يقول: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِي الدّينِ مِنْ حَرَجٍ حينئذ نعرف أن قيمة حفظ النفس أعظم من قيمة الأحكام الفرعية. ولكن عندما تتعرض بيضة الإسلام للخطر هنا يصبح الدين (كمجموع) أعظم من النفس ويأتي الأمر بضرورة القتال، ويقول ربنا: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتّىَ لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدّينُ للهِ.

ثانياً: العقل:

وواضح أن العقل لا يحكم بعيداً عن الوحي لتأدبه ببصائر الوحي. وهو يحدد فيما يبدو معايير ثلاثة للتعرف على الأولوية.

ألف: الأهمية الذاتية: فحفظ النفس أهم من حفظ المال، وحفظ المال أهم من الراحة وهكذا.

بــاء: الكمية: إذا كانت قيمتان متساويتان فلا بد من قياس كمية المصلحة. وهي نوعان:

1- فقد يكون عدد الأفراد المتضرّرين أو المنتفعين بعمل معين أكثر فنقدّم قضيتهم على غيرهم.

2- وقد يكون نسبة الضرر أكثر أو نسبة المنفعة أكبر فإن ذلك يجعلها مقدمة.

جيم: المصلحة الأقرب: مثل أن العقل يحكم بأن الإنسان مسؤول عن نفسه أولاً وعن الآخرين حسب درجاتهم ثانياً، ولذلك فالمصلحة التي تعود إلى النفس أو إلى الأقربين مقدمة بصورة طبيعية على غيرها عند التساوي عن سائر الجهات. وبالرغم من أن الأمثل شرعيًّا وأخلاقيًّا الإيثار ولكن ذلك لا يشكّل قاعدة أساسية.

ثالثاً: نظام الهرم القيمي: ويراه أنفع من سواه، والسبب أن سائر المعايير ليست دائمة، ولا تنفع للمتغيرات إلا قليلاً، بينما يعتبر هذا المعيار وسيلة فعّالة لتحديد الأولويات دائماً.

خاتمة: في الارتقاء إلى تحدي المعاصرة

الوعي بالأزمة:

عُقدة المسلمين في عصور التخلف أنهم عرفوا الحدود والرسوم والشعائر، ولكنهم غفلوا عن جوهر الدين. وزاد المشكلة تعقيداً أن الحدود التي رسمت لنا كانت متأثّرة إلى حد ما بالظروف التاريخية لحركة الأمّة، فلما توارثها الأجيال، وتغيّرت الظروف الموضوعية للحركة داخل المجتمعات الجديدة زادت الفجوة بينها وبين واقعهم اليوم.

إن الخطوة الأولى هي الاعتراف بالمشكلة بعد تحسس عمق الأزمة الحضارية التي نحياها. وكيف يتحسس مشاكل العصر المغترب الساكن في قضايا التاريخ المعرفية.

إن المسؤولية يتحملها النخبة، فجهة الاختصاص تتحمل قسطاً أوفر في صناعة المشكلة ومسؤولية العلاج. خصوصاً أن معالجة الثابت والمتغير موضوع اختصاصي.

مراجعة مع المجتمع العلمي:

وانطلاقاً من المسؤولية الملقاة على الحوزة العلمية فإن الحديث يتوجه للمجتمع العلمي بالدرجة الأولى. إن واقع الحال ليس محبطاً، لكنه لا يسير بالدرجة المطلوبة. وثمة إرهاصات تبشر بانطلاقة تواكب متغيرات العصر.

إن الحوزة العلمية تمتلك ناهيك عن الشرعيتين الدينية والاجتماعية المنغرستين في عمق تاريخ الأمة؛ فإنها تضم في ثناياها مجموعة من المبشرات، والتي منها:

1- النزعة العقلانية التي هي سمة مدرسة التشيع.

2- الانفتاح العلمي على المناهج الحديثة والمشكلات المعرفية والقانونية وما يتصل بالحوزة.

4- تنوع المواطن الجغرافية لطلاب الحوزات العلمية.

5- الانفتاح على الواقع، والذي ترسخ بفعل الثورة الإسلامية في إيران.

وقد خطت الحوزة العلمية في اتجاه التحديث خطوات ملموسة.. ويمكن أن نرصد اتجاهين للتحديث الحاصل في الحوزة العلمية:

أولاً: التحديث في شكل العملية التعليمية، والذي يتجلى في إعادة تدوين المقررات والكتب المتعارفة للدراسة، بأسلوب حديث. وتنظيم البرامج والفصول الدراسية والتقويم العلمي والإجازات الدراسية.

ثانياً: تطوير في بنية المادة العلمية، والمتجلي في الانفتاح على معارف العصر وعلومه وتياراته.

لكن يمكن إبداء بعض الملاحظات التقويمية:

أولاً: إعادة الاعتبار إلى القرآن الكريم.

القرآن هو محور التشريع، وهو المهيمن على ما سواه. وقد حرم المسلمون أنفسهم من عطاءاته. حيث أصبح القرآن مادة غير علمية في المجتمع العلمي لصالح العلوم التي نشأت في بيئته وبعضها ينسب إليه.

إن وصف القرآن بـ(المهيمن) يجعله العمدة في كافة المعارف الدينية، ومن بينها الفقه. ومما ينبغي على المسلم الحق المؤمن بكتاب الله الواثق ببصائر الوحي أن يتحول هذا الإيمان إلى منهجية سلوك في المجتمع العلمي.

ثانياً: مراجعة في مادة الفقه. ويمكن أن نلاحظ ضرورة الفصل بين الفقه العملي والاستدلالي، فلكل منهما غايته. فبينما غاية الفقه العملي تسهيل فهم الفقه على المؤمنين الباحثين عن مسؤولياتهم الشرعية، نرى الهدف من الفقه الاستدلالي هو تسهيل الوصول إلى الحكم الشرعي عبر الأدلة التفصيلية. والمنهج المتبع في دراسة الفقه الاستدلالي شرح متون الفقه العملي.

وهذا الفصل يقتضي بحث مجموعة من الأحكام المتشابهة من حيث الدليل، في سياق واحد، حتى ولو اتصلت بقضايا مختلفة وأبواب متفرقة. وبالفصل تُعاد صياغة الفقه إلى فقه القواعد، وبالفصل يسهل التحرر من الفقه الناظر للأفراد.

ثالثاً: مراجعة في الاجتهاد.

إن حركة الاجتهاد تتحدد على أساس عاملين هما: الهدف، والوسيلة المنهجية. والتطوير في علم الأصول ليس محل منع، فالمشاكل المعرفية التي لا تجد حلاً بالأدوات المعهودة تفرض البحث عن تطوير منهجي، وتاريخ تطور علم الأصول يؤكد هذه الحقيقة، كل ما في الأمر أن ينفتح المجتمع العلمي على المشكلات الجديدة (الحوادث الواقعة) لكي تستثار الهمم في التطوير. لكن نود التوقف عند ملاحظات ثلاث:

الأولى: الهدف من الاجتهاد: الهدف النظري المتسالم عليه هو تمكين المسلمين من تطبيق النظرية الإسلامية للحياة. بيد أن هذا الهدف يصطدم بعقبتين: الأولى ثقافة شرفية العلم التي تسمح بالتضخم العلمي بعيداً عن متطلبات البحث الفقهي. والثانية تحجيم الهدف من الحياة العامة إلى فقه فردي بسبب عوامل تاريخية متراكمة.

والحق أن حركة الاجتهاد عند الإمامية ارتبطت بحالة النهوض في هذا العصر مما يجعلنا متفائلين.

وما دامت الأمة في إرهاصات النهوض فمن الطبيعي أن نتوقع التسارع في تجاوز المشكلة.

الثانية: الاجتهاد في الموضوعات: من متطلبات اقتحام الحياة العامة. حيث إن الموضوعات العرفية البسيطة التي هي من شأن العرف العام تكفي للفقه الفردي، بينما إدارة الحياة العامة تتطلب معالجة للموضوعات العامة والتي هي شأن ثنائية (الفقيه الشورى).

الثالثة: الفصل بين الأدوات الخاصة بفقه الثوابت وفقه المتغيرات. وربما هذه مشكلة لا تخص الفقه الإمامي إلا من ناحية ضمور فقه المتغيرات الواضح في عدم سعة مبحث (المهم والأهم)، أو التراوح بين الأصول العملية.

--------------------------------------------------------------------------------

[1] الشيخ مرتضى الأنصاري. فرائد الأصول (الرسائل) ج1 مؤسسة النشر الإسلامي إيران 1407 ص18-21.

[2] سورة البقرة، الآية 168.

[3] سورة الحج، الآية 78.

[4] سورة الحديد، الآية 27.

[5] سورة فاطر، الآية 43.

[6] من المتحمسين لمقولة (الذاتي والعرضي) د. عبد الكريم سروش الباحث الإيراني، بل له فيها لمساته الخاصة. وبما أن المقصود هو نموذج للمقولة لم يعننا أن نحاكي تفصيلاً معيناً يخص أحدهم.

[7] أن ثمة (محكم) غير مرتبط بأي لبوس، وثمة (مفصل)، والتفصيل يرجع للحكمة الإلهية. وكونه تفصيلاً لا يعني بأنه عرضي (العرضي بمعنى أنه أجنبي عن الدين أو طارئ)، أي أن التفصيل القرآني هو ثابت ولو كان محققاً لغاية من غايات الدين وليس غاية في نفسه، فهو كتاب لا يأتيه الباطل، وهو القول الحق. وهذا واضح في التشريعات بشدة، أما المعارف فهو واضح أيضاً، ولنلاحظ بعض الأمثلة للتوضيح:* ﴿ لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ إِيلاَفِهِمْ فالمحكم السنة العلمية (العلاقة بين الوفرة والاستقرار) التي اتكأ عليها الحدث - القصة، والمفصل (أي القصة) اختارتها الحكمة الربانية للتعبير عن المحكم لحكمة ينبغي استكشافها .

* (قصة المجادلة) بالإمكان تبيان حكم الظهار بطريقة المدونة القانونية، لكن الحكمة شاءت هكذا طريقة. ولا نحتاج للإرجاع لحكمة التنجيم.

نعم هذا الباب واسع ومفاتحه وشبهاته متنوعة، لكن التسليم والإيمان بالحكمة إلهية يجعل طريقة الفهم تختلف جوهريًّا ومن هنا الجدل يبدأ هناك (الإيمان) لا هنا (إنثربولوجيا الثقافة).

[8] الحقانية المفتوحة والجمعية تعني عبثية الحوار، ولا ينسجم مع طبيعة الدين الرسالية. ويسقط معها جدوائية بعث الأنبياء! لما لا يُكتفى بواحد ومن ثم تتداعى الأفهام. كما يسقط مبرر (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) ما دام الجميع محقًّا. وتنتفي عقلانية الجزاء الأخروي.

إن دائرة الاختلاف بناءً على مقولات (التخطئة - الأحكام الظاهرية - حجية الظن - الموسعات) نصل لنتيجة مفادها: ثمة نسبية في الجملة (محدودة) في الوصايا والمعارف، ومن ثمَّ التعددية مشروعة لا بمعنى الحقانية.

[9] ونعني به (الإنسان العاقل) لا مجرد العقل الفطري، فهو بمعنى العاقل أي الإنسان. ومن ثم العقل الفطري وما يثق بدءاً بمدركاته البديهية العلمية والأخلاقية، وما يكشفه وجدانا في ذات الإنسان من طبيعة (النفس والجسد) بحاجاتها البيولوجية والنفسية وتطلعاتها وقابلياتها، وما يدركه عياناً حسيًّا واضحاً في بيئته الخارجية المادية والاجتماعية.

[10] ولا يخفى أن منهج المعرفة الذي يهمنا بشكل أساس هو (اللغة)، نعم لجملة من الأدوات مدخلية نعرض عنها رعاية الاختصار ويُعرف الحال فيها مما يُذكر في اللغة. ولا يخفى أن المعرفة العرفية تستند للعقل، وبمزيد من التأمل للعقل في وسائله المعرفية تبدأ مسيرة التعمق المعرفي (العلمية). بل إن مما يميز المعرفة العلمية عن العرفية هو التأمل النقدي للمنهج ونتاجه بهدف التثبت.

[11] نحن نسلم بالحاجة للمستوى الأول بما يشمل الثاني بقسمه العرفي، ولا معنى للتسليم إذ لا مناص، بل هو حجية العقل، لذا دعوانا بكفايته في الجملة. ويكفي فيه اللغة والعقل الفطري. ويمكن اختبارها في الخارج أو مراجعة المسلمين الأوائل. وسنلاحظ أن الإسلام اعتمد على المعرفة الفطرية العرفية في دائرتين على أقل تقدير:

أ - ما يعرف بالضرورات والواضحات والتي لا تقليد فيها من وصايا أو معارف، وميزتها إدراكها من الإنسان العرفي. وأهميتها تكمن في التعرف على الدين أمر متاح لعامة البشر، وأنها تشكل صبغة الإسلام وفيصل (المروق)، وضوابط رقابة العامة على العلماء أو السلطان.

ب- ما ورد في مقام الاحتجاج على الآخر، فلا يُحتج إلا بما هو واضح.

[12] إن الاحتياج لمناهج (خارج الدين) تتنافى مع تماميته وكماله. إلا أنه قد يُحتج بمثل أنها عقلية والعقل حاكم. وجواب مثل هذا بعد تسليم العقلانية، نذكر بـ: «اشتراط السماع من المعصوم - تمامية الشريعة - شرط العقلانية التناسب بين المنهج والموضوع، لذا نُهيَ عن القياس».

والحق أن الدعوى في مجال الوصايا فرضية، لكنها في مجال المعارف للأسف ليست كذلك.

نحن هاهنا لا ننفي تطور وتبلور مناهج المعرفة العلمية فهذا النفي غباء متطور، لكن التساؤل كيف تنشأ وكيف تكتسب المشروعية. لنلاحظ أن دراسة مناهج الوصايا يُعرف بـ(علم الأصول)، ويمكن دراسة نشأة علم الرجال كأنموذج.

[13] ثقة الإسلام الكليني. الكافي ج1 باب الرد إلى الكتاب والسنة.

[14] سورة المائدة، الآية 6.

[15] سورة آل عمران، الآية 7.


ارسل لصديق