الدين والطائفية والأمة..
مراجعة نقدية
كتبه: الشيخ زكريا داوود
العدد (40) السنة 18 - 1428هـ/ 2007م
التعليقات: 0
القراءات: 2194

من المهم جداً لمعالجة أزمات واقعنا المعاصر أن نسترشد بكتاب الله وسنة نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) والأئمة الطاهرين (عليهم السلام)، فليس ما نعانيه اليوم من أزمات ومشاكل جمة في كل مفاصل حياتنا بجديد، بل يمكننا القول إن المشكلات ذاتها التي تعرضت لها الأمة في تاريخها هي اليوم تعاود الظهور مع تغير الأسماء، وأبرز تلك الأزمات هي الفكر الطائفي الذي أخذ يمارس دوراً سلبيًّا في تعميق الفجوة بين أبناء الأمة الواحدة.

لقد شغلت الطائفية فكر العديد من المصلحين الذين رأوا في تناميها وتعميقها ثقافيًّا أمراً يؤثر في مسارات الإصلاح والتنمية وبناء أمة مقتدرة، وكان أمام تيار الإصلاح في الأمة طريقاً صعباً لنشر ثقافة التعاون والتلاقي والمحبة والتسامح.

وإذا ما رجعنا لتاريخنا فإننا سوف نجد أزمة الشحن الطائفي بدأت مع نشأة الدولة الأموية التي أنتجت أجهزتها الإعلامية ثقافة الكراهية والإقصاء لكل من تختلف معه، بل كان الشحن الطائفي وسيلة سياسية فتاكة تجاه الخصوم والمعارضين.

وفعلاً نجحت السياسة الأموية في إنتاج إرث ضخم من ثقافة الكراهية والإقصاء والتي لا زالت مادة خصبة للأنظمة السياسية المعاصرة وأداة فعَّالة في سياسة القهر والاستبداد تجاه المصلحين من أبناء الأمة.

فبين حين وآخر يستمد أهل الفتن من ذلك الإرث الثقافي ما يكرس الكراهية والإقصاء لأتباع أهل البيت (عليهم السلام) ليجروهم خارج مشروع التأثير في بناء الأمة، لأن عقلية الطائفي لا تستوعب مشاركة كل أبناء الأمة في عملية التنمية بسبب ما تحمله من كراهية لكل من تختلف معه، وعلى الرغم من أن هذه الطوائف -ونخص السنة والشيعة- ينتمون لدين واحد ويعيشون جنباً إلى جنب، إلا أن خللاً بيِّناً يطال تلك العلاقة، الأمر الذي يدعونا لنتساءل عن سبب تنامي الفكر الطائفي الذي يفرق أبناء الدين الواحد، الذي أمرهم ربهم بالوحدة وعدم التفرُّق حيث قال الله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ[1].

عوامل نشأة ثقافة الكراهية الطائفية

يمكننا أن نرجع أسباب تنامي ثقافة الكراهية تحت لافتة الطائفية إلى مجموعة من العوامل يتداخل فيها ما هو تاريخي وديني وسياسي، لتمثل بمجموعها أرضية خصبة لنمو ونشأة هكذا ثقافة، لكن ما يسهم في تفعيل دورها السلبي في حياة الأمة هو عملية التوظيف والاستخدام لهذه الثقافة لأغراض سياسية بالدرجة الأولى، أما العوامل فهي:

السجال بين مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) ومدرسة الخلفاء حول الإمامة والخلافة:

بعد وفاة الرسول الأكرم محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) برز منهجان لمسألة الاستخلاف، الأول ويمثله أهل البيت (عليهم السلام) وعلى رأسهم علي بن أبي طالب (عليه السلام) وجميع بني هاشم ومجموعة كبيرة من الصحابة كسلمان الفارسي، وأبي ذر الغفاري، والمقداد بن الأسود الكندي، وياسر بن عمار، والهيثم بن التيهان، والزبير بن العوام، وغيرهم. ويرى هذا الفريق أن مسألة خلافة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) قد حسمت في حياة الرسول عندما أمر الأمة باتِّباع علي (عليه السلام) في مواقف عديدة أبرزها ما حدث يوم الدار، ويوم الغدير، ويوم المباهلة، وما أُثر عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في حق علي بن أبي طالب (عليهما السلام) من أقوال وتوجيهات، فعن أبي الطفيل، عن زيد بن أرقم قال: لما رجع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من حجة الوداع ونزل غدير خم أمر بدوحات فقممن ثم قال: كأني قد دعيت فأجبت إني قد تركت فيكم الثقلين أحدهما أكبر من الآخر كتاب الله وعترتي أهل بيتي فانظروا كيف تخلفوني فيهما فإنهما لن يتفرقا حتى يردا عليَّ الحوض، ثم قال: إن الله مولاي وأنا ولي كل مؤمن، ثم أخذ بيدي علي فقال: من كنت وليه فهذا وليه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه.

فقلت لزيد: سمعته من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).

قال: ما كان في الدوحات رجل إلا رآه بعينه وسمعه بإذنه[2].

ويتسلح فريق علي بن أبي طالب (عليه السلام) لإثبات أحقيته في الخلافة بعد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) مباشرة بالنص الديني سواء الآيات القرآنية التي نزلت فيه وبينت منزلته وأهل بيته (عليهم السلام) أو ما قاله النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فيه، والذي لم ينكره الفريق الآخر الذي تسلح بكبر السن وبمبايعة بعض الصحابة للخليفة أبي بكر في غياب أغلب صحابة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وجميع أهل بيته وبني هاشم قاطبة، وتذرع فريق الخلافة بأنهم شجرة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، ولكن علي (عليه السلام) ردَّ هذه الحجة بقوله: احتجوا بالشجرة وأضاعوا الثمرة[3].

مثَّل هذان المنهجان فرقتين تآلفتا في أكثر المراحل التاريخية بل واندمجتا في علاقات حميمة ووطيدة على كل الصعد الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، واختلفتا وتصارعتا في بعضها. الشيعة هم الذين فضلوا عليًّا (عليه السلام) وبنيه وأهل بيته (عليهم السلام)، والسنة هم الذين اتَّبعوا منهج مدرسة الخلفاء ورأوا فيما حدث في السقيفة أمراً واقعيًّا تراضت عليه «الأمة»، وبقي الخلاف بين الطائفتين في حدود المساجلات الكلامية والنقاشات العلمية والموضوعية، ولم يمثل ذلك أي مشكلة بل كانت تلك المساجلات تثري العقلية العربية بالكثير من النظرات لمفاصل الحياة، لكنها تحوَّلت إلى مشكلة في العهد الأموي الذي سوف نتعرض له في العامل الثاني.

وقد عرف الشيعة في عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حيث كانت مجموعة من الصحابة منقطعين إلى علي بن أبي طالب (عليهما السلام) ويرون تفضيله على جميع الصحابة، لكان الأمر اختلف بعد استشهاد علي (عليه السلام) وتولي معاوية بن أبي سفيان الخلافة حيث بدأ التشنج بين أتباع هذين المنهجين يأخذ بعداً مختلفاً حيث سعت الدولة الأموية لتصفية أتباع علي (عليه السلام)، فبدأت عهدها بقتل الصحابي الجليل حجر بن عدي الذي خُيِّر هو وابنه وجماعة من أصحابه بين التبري من علي (عليه السلام) أو الموت قتلاً بالسيف، واختار هو وأصحابه وابنه القتل على التبري من علي (عليه السلام)، فقُتل رضوان الله تعالى عليه في مرج عذراء.

وتوالت أعمال التصفية الجسدية حتى طالت الحسن بن علي بن أبي طالب (عليهم السلام) ثم أخاه الحسين (عليه السلام) سبطي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وقد لقي الحسين (عليه السلام) ربه بعد معركة كربلاء التي قُتل فيها مع الحسين (عليه السلام) بعض صحابة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وكوكبة من أهل البيت (عليهم السلام)، وثلة مؤمنة مجاهدة تحت راية الحسين (عليه السلام) في مقابل الجيش الأموي.

الإرث الأموي الذي صور الشيعة كأنهم فرقة مارقة:

ولكي تبرر السلطة الأموية هذه التصفيات كان لابد من اللجوء إلى الدين من خلال وضع نصوص دينية أو تأويل ما ورد من آيات قرآنية أو أحاديث شريفة تجاه المعارضة التي أخذت بالتصاعد داخل جميع فئات الأمة نتيجة ما تراه من انحراف واضح عن نهج الإسلام، وفعلاً بدأت أخطر مرحلة في تاريخ الصراع حيث وضع الإعلام الأموي آلاف الموضوعات ونسبها للرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ليبرر بها سياسة سلطته تجاه أتباع علي بن أبي طالب (عليهما السلام) وأهل البيت (عليهم السلام).

بدأت خطة الدولة الأموية في تشويه صورة أهل البيت وأتباعهم في لعن علي (عليه السلام) وكان معاوية يومئذ بالمدينة، فعند ذلك نادى مناديه وكتب بذلك نسخة إلى جميع البلدان إلى عماله: «ألا برئت الذمة ممن روى حديثاً في مناقب علي بن أبي طالب أو فضائل أهل بيته وقد أحل بنفسه العقوبة».

وقام الخطباء في كل كورة ومكان وعلى كل المنابر بلعن علي بن أبي طالب (عليه السلام) والبراءة منه والوقيعة فيه وفي أهل بيته (عليهم السلام) بما ليس فيهم، واللعنة لهم[4].

ولعل كتاب الإمام الحسين (عليه السلام) في الرد على معاوية بن أبي سفيان يظهر جزءاً من تلك المعاناة التي وقع فيها الشيعة على يدي سلطة الأمويين، إذ إن ما ذكره الإمام الحسين (عليه السلام) من إبراز لممارسات ظالمة كان يمثل البداية التي نهجتها السياسة الأموية خلال الحقب التاريخية، كما أصبحت سياسات الأمويين منهجاً يسلكه الحاكمون الذين أتوا بعدهم تجاه الشيعة في كل زمن حتى عصرنا الراهن.

كتب معاوية إلى الحسين بن علي (عليهما السلام): أما بعد، فقد انتهت إليَّ أمور عنك إن كانت حقًّا فقد أظنك تركتها رغبة فدعها، ولعمر الله إن من أعطى الله عهده وميثاقه لجدير بالوفاء، وإن كان الذي بلغني (عنك) باطلاً فإنك أعزل الناس لذلك، وعظ نفسك فاذكر، وبعهد الله أوفِ! فإنك متى ما تنكرني أنكرك ومتى تكدني أكدك، فاتق شق عصا هذه الأمة وأن يردهم الله على يديك في فتنة، فقد عرفت الناس وبلوتهم، فانظر لنفسك، ولدينك ولأمة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) ولا يستخفنك السفهاء والذين لا يعلمون.

فلما وصل الكتاب إلى الحسين (عليه السلام) كتب إليه: أما بعد فقد بلغني كتابك، تذكر أنه قد بلغك عني أمور أنت لي عنها راغب، وأنا بغيرها عندك جدير، فإن الحسنات لا يهدي [لها] ولا يسدد إليها إلا الله.

وأما ما ذكرت أنه انتهى إليك عني فإنه إنما رقاه إليك الملاقون المشاؤون بالنميمة وما أريد لك حرباً ولا عليك خلافاً، وأيم الله إني لخائف لله في ترك ذلك وما أظن الله راضيًّا بترك ذلك، ولا عاذراً بدون الإعذار فيه إليك، وإلى أولئك القاسطين الملحدين حزب الظلمة وأولياء الشياطين.

ألست القاتل حجراً أخا كندة والمصلين العابدين الذين كانوا ينكرون الظلم و يستعظمون البدع ولا يخافون في الله لومة لائم؟ ثم قتلتهم ظلماً وعدواناً من بعد ما كنت أعطيتهم الأيمان المغلظة والمواثيق المؤكدة، ولا تأخذهم بحدث كان بينك وبينهم، ولا بإحنة تجدها في نفسك.

أولست قاتل عمرو بن الحمق (الخزاعي) صاحب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) العبد الصالح الذي أبلته العبادة، فنحل جسمه، وصفرت لونه بعد ما آمنته وأعطيته من عهود الله ومواثيقه ما لو أعطيته طائراً لنزل إليك من رأس الجبل، ثم قتلته جرأة على ربك و استخفافاً بذلك العهد.

أولست المدعي زياد بن سمية المولود على فراش عبيد ثقيف فزعمت أنه ابن أبيك، وقد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): الولد للفراش وللعاهر الحجر، فتركت سنة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) تعمُّداً وتبعت هواك بغير هدى من الله، ثم سلَّطته على العراقين: يقطع أيدي المسلمين وأرجلهم ويسمل أعينهم ويصلبهم على جذوع النخل، كأنك لست من هذه الأمة، وليسوا منك.

أولست صاحب الحضرميين الذين كتب فيهم ابن سمية أنهم كانوا على دين علي (عليه السلام)؟

فكتبت إليه: أن اقتل كل من كان على دين علي! فقتلهم ومثَّل بهم بأمرك، ودين علي والله الذي كان يضرب عليه أباك ويضربك، وبه جلست مجلسك الذي جلست، ولولا ذلك لكان شرفك وشرف أبيك الرحلتين.

وقلت فيما قلت: انظر لنفسك ولدينك ولأمة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، واتق شق عصا هذه الأمة وأن تردهم إلى فتنة، وإني لا أعلم فتنة أعظم على هذه الأمة من ولايتك عليها، ولا أعلم نظراً لنفسي ولديني ولأمة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وعلينا أفضل من [أن] أجاهدك، فإن فعلت فإنه قربة إلى الله، وإن تركته فإني أستغفر الله لذنبي، وأسأله توفيقه لإرشاد أمري.

وقلت فيما قلت: «إني إن أنكرتك تنكرني وإن أكدك تكدني»، فكدني ما بدا لك فإني أرجو ألَّا يضرني كيدك فيَّ وألَّا يكون على أحد أضر منه على نفسك، لأنك قد ركبت جهلك، وتحرصت على نقض عهدك، ولعمري ما وفيت بشرط، ولقد نقضت عهدك بقتلك هؤلاء النفر الذين قتلتهم بعد الصلح والأيمان والعهود والمواثيق، فقتلتهم من غير أن يكونوا قاتلوا وقتلوا، ولم تفعل ذلك بهم إلا لذكرهم فضلنا وتسليمهم حقنا، فقتلتهم مخافة أمر لعلك لو لم تقتلهم مت قبل أن يفعلوا أو ماتوا قبل أن يدركوا.

فابشر يا معاوية بالقصاص واستيقن بالحساب، واعلم أن لله تعالى كتاباً لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، وليس الله بناسٍ لأخذك بالظنة، وقتلك أولياءه على التُّهم ونقلك أولياءه من دورهم إلى دار الغربة، وأخذك الناس ببيعة ابنك غلام حدث يشرب الخمر ويلعب بالكلاب، لا أعلمك إلا وقد خسرت نفسك وتبَّرت دينك و غششت رعيتك وأخربت أمانتك وسمعت مقالة السفيه الجاهل وأخفت الورع التقي الحليم لأجلهم والسلام[5].

وقد تواصلت الاعتراضات من جميع فئات الأمة على سياسة معاوية وكان أبرز المعارضين لتلك السياسة الصحابة وأهل البيت (عليهم السلام) إذ إن هذه السياسة تخلق الكراهية وتنشر ثقافة الإقصاء بين أبناء الأمة الواحدة، ولعل من أبرز أولئك المعارضين لهذه السياسة المناهضة لبيت الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) هو الصحابي الجليل حبر الأمة عبدالله بن عباس وفي النص والمحاورة التالية توضيح للعديد من الحقائق التي جعلته يقف بحزم تجاه تلك السياسة.

مر معاوية بن أبي سفيان بحلقة فيها جماعة من قريش، فلما رأوه قاموا له غير عبد الله بن عباس.

فقال له: يا بن عباس، ما منعك من القيام كما قام أصحابك إلا موجدة في نفسك عليَّ بقتالي إياكم يوم صفين.

يا بن عباس، إن ابن عمي أمير المؤمنين عثمان قتل مظلوماً.

قال له ابن عباس: فعمر بن الخطاب قد قتل مظلوماً، أفسلمتم الأمر إلى ولده، وهذا ابنه؟

قال: إن عمر قتله مشرك.

قال ابن عباس: فمن قتل عثمان؟

قال: قتله المسلمون.

قال: فذلك أدحض لحجتك وأحل لدمه إن كان المسلمون قتلوه وخذلوه فليس إلا بحق.

قال معاوية: فإنا قد كتبنا في الأفاق ننهى عن ذكر مناقب علي وأهل بيته، فكف لسانك -يا بن عباس- وأربع على نفسك.

فقال له ابن عباس: أفتنهانا عن قراءة القرآن؟

قال: لا.

قال: أفتنهانا عن تأويله؟

قال: نعم.

قال: فنقرؤه ولا نسأل عما عنى الله به؟

قال: نعم.

قال: فأيما أوجب علينا: قراءته أو العمل به؟

قال معاوية: العمل به.

قال: فكيف نعمل به حتى نعلم ما عنى الله بما أنزل علينا؟

قال: سل عن ذلك من يتأوله على غير ما تتأوله أنت وأهل بيتك.

قال: إنما أنزل القرآن على أهل بيتي فأسأل عنه آل أبي سفيان أو أسأل عنه آل أبي معيط أو اليهود والنصارى والمجوس؟

قال له معاوية: فقد عدلتنا بهم وصيرتنا منهم.

قال له ابن عباس: لعمري ما أعدلك بهم، غير أنك نهيتنا أن نعبد الله بالقرآن وبما فيه من أمر ونهي أو حلال أو حرام أو ناسخ أو منسوخ أو عام أو خاص أو محكم أو متشابه، وإن لم تسأل الأمة عن ذلك هلكوا واختلفوا وتاهوا.

قال معاوية: فاقرؤوا القرآن وتأولوه ولا ترووا شيئاً مما أنزل الله فيكم من تفسيره وما قاله رسول الله فيكم، وارووا ما سوى ذلك.

قال ابن عباس: قال الله في القرآن: ﴿يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُواْ نُورَ اللهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ[6].

قال معاوية: يا بن عباس، أكفني نفسك وكُفَّ عني لسانك، وإن كنت لابد فاعلاً فليكن ذلك سرًّا ولا يسمعه أحد منك علانية، ثم رجع إلى منزله، فبعث إليه بخمسين ألف درهم.

وقد اشتد البلاء بالأمصار كلها على شيعة علي وأهل بيته (عليهم السلام)، وكان أشد الناس بلية أهل الكوفة لكثرة من بها من الشيعة.

واستعمل عليهم زياداً أخاه وضم إليه البصرة والكوفة وجميع العراقين، وكان يتتبع الشيعة وهو بهم عالم لأنه كان منهم فقد عرفهم وسمع كلامهم فقتلهم تحت كل كوكب وحجر ومدر، وأجلاهم وأخافهم وقطع الأيدي والأرجل منهم وصلبهم على جذوع النخل وسمل أعينهم وطردهم وشردهم حتى انتزعوا عن العراق، فلم يبق بالعراقين أحد مشهور إلا مقتول أو مصلوب أو طريد أو هارب.

وكتب معاوية إلى قضاته وولاته في جميع الأراضي والأمصار: «ألَّا تجيزوا لأحد من شيعة علي بن أبي طالب ولا من أهل بيته ولا من أهل ولايته الذين يرون فضله ويتحدثون بمناقبه شهادة».

ولكي تكتمل سياسة الوضع وتؤتي أكلها لابد من تضخيم الذات وخلق قداسة دينية ليبدو بعد ذلك من يقف مع المعارضة وبالذات مع أهل البيت (عليهم السلام) خارجاً عن دين الدولة التي أسست له وشرعنته من خلال وضع آلاف المرويات المنسوبة للرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) سواء في ذم وتقبيح معارضي الدولة أو مدح وتضخيم رموزها الذين ترتكز على ماضيهم الحقيقي أو المصطنع.

وكانت الخطوة الثانية للدولة الأموية التي أرادت بها خلق ثقافة الكراهية والإقصاء -والتي سوف يتأثر بها أبناء الأمة حتى عصرنا الحاضر- تقضي بتقريب جماعة عثمان واختلاق المناقب له، فكتب إلى عماله:

«انظروا من قبلكم من شيعة عثمان ومحبيه وأهل بيته وأهل ولايته والذين يرون فضله ويتحدثون بمناقبه، فأدنوا مجالسهم وأكرموهم وقربوهم وشرفوهم، واكتبوا إليَّ بكل ما يروي كل رجل منهم فيه واسم الرجل واسم أبيه وممن هو».

ففعلوا ذلك حتى أكثروا في عثمان الحديث وبعث إليهم بالصلات والكسى وأكثر لهم القطائع من العرب والموالي، فكثروا في كل مصر وتنافسوا في المنازل والضياع واتسعت عليهم الدنيا، فلم يكن أحد يأتي عامل مصر من الأمصار ولا قرية فيروي في عثمان منقبة أو يذكر له فضيلة إلا كتب اسمه وقرب وشفع، فلبثوا بذلك ما شاء الله.

ثم كتب بعد ذلك إلى عماله: «إن الحديث قد كثر في عثمان وفشا في كل قرية ومصر ومن كل ناحية، فإذا جاءكم كتابي هذا فادعوا الناس إلى الرواية في أبي بكر وعمر، فإن فضلهما وسوابقهما أحب إليَّ وأقر لعيني وأدحض لحجة أهل هذا البيت وأشد عليهم من مناقب عثمان وفضائله».

فقرأ كل قاض وأمير من ولاته كتابه على الناس، وأخذ الناس في الروايات في أبي بكر وعمر وفي مناقبهم.

ثم أمرت الدولة الأموية بتعليم المناقب الكاذبة للأطفال والنساء ثم كتب نسخة جمع فيها جميع ما روي فيهم من المناقب والفضائل، وأنفذها إلى عماله وأمرهم بقراءتها على المنابر وفي كل كورة وفي كل مسجد، وأمرهم أن ينفذوا إلى معلمي الكتاتيب أن يعلموها صبيانهم حتى يرووها ويتعلموها كما يتعلمون القرآن، وحتى علَّموها بناتهم ونساءهم وخدمهم وحشمهم، فلبثوا بذلك ما شاء الله.

وبدأت الدولة الأموية مرحلة تقنين الاستبداد والظلم بعد أن وضعت الأسس الدينية التي تشرعن إبادة المعارضين باعتبارهم خارجين عن الشرعية الدينية التي كرستها وجعلت منها ثقافة شعبية متأصلة في النفوس، وهنا كتبت الدولة أمراً لجميع ولاة الأقاليم جاء فيه:

«انظروا من قامت عليه البينة أنه يحب عليًّا وأهل بيته، فامحوه من الديوان ولا تجيزوا له شهادة».

ثم كتب كتابا آخر: «من اتهمتموه ولم تقم عليه بينة أنه منهم فاقتلوه».

فقتلوهم على التهم والظن والشبه تحت كل كوكب، حتى لقد كان الرجل يغلط بكلمة فيضرب عنقه، ولم يكن ذلك البلاء في بلد أكبر ولا أشد منه في العراق ولا سيما بالكوفة، حتى أنه كان الرجل من شيعة علي (عليه السلام) وممن بقي من أصحابه بالمدينة وغيرها ليأتيه من يثق به فيدخل بيته، ثم يلقي إليه سره فيخاف من خادمه ومملوكه، فلا يحدثه حتى يأخذ عليه الأيمان المغلظة ليكتمه عليه.

وجعل الأمر لا يزداد إلا شدة وكثرت الموضوعات التي تمجد رموز السلطة من أمويين وغيرهم، وقد بلغت تلك الموضوعات مئات الآلاف حتى أن البخاري وضع كتابه من أصل ستمائة ألف حديث، ومسلم وضع كتابه من أصل أربعمائة ألف حديث كانت منتشرة في ذلك الزمن مما يعني أن حركة الوضع قد فشت وانتشرت حتى أغرقت الكتب والمصاحف وأصبح التعبد بها وبصدورها إيماناً يثاب عليه المسلم[7].

ونشأ الناس على ذلك ولم يتعلموا إلا منهم ومضى على ذلك قضاتهم وولاتهم وفقهاؤهم، وكان أعظم الناس في ذلك بلاء وفتنه القراء المراؤون المتصنعون، الذين يظهرون لهم الحزن والخشوع والنسك، ويكذبون ويفتعلون الأحاديث ليحظوا بذلك عند ولاتهم ويدنوا بذلك مجالسهم ويصيبوا بذلك الأموال والقطائع والمنازل، حتى صارت أحاديثهم تلك ورواياتهم في أيدي من يحسب أنها حق وأنها صدق، فرووها وقبلوها وتعلموها وعلموها وأحبوا عليها وأبغضوا، حتى جمعت على ذلك مجالسهم وصارت في أيدي الناس المتدينين الذين لا يستحلون الكذب ويبغضون عليه أهله.

فقبلوها وهم يرون أنها حق، ولو علموا أنها باطل لم يرووها ولم يتدينوا بها ولا تنقصوا من خالفهم، فصار الحق في ذلك الزمان باطلاً والباطل حقًّا والصدق كذباً والكذب صدقاً، وقد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): لتشملنكم فتنة يربو فيها الوليد وينشأ فيها الكبير، يجري الناس عليها ويتخذونها سنة، فإذا غُيِّر منها شيء قالوا: أتى الناس منكراً، غيرت السنة[8].

وحتى نستطيع أن نتجاوز الإرث الأموي الذي يشكل أكبر عقبة أمام وحدة الأمة لابد أن يقرأ بعضنا البعض من خلال المصادر الخاصة لكل فرقة، لأن أفضل من يعبر عن فكره وآرائه الدينية هم من ينتمون إليه، خصوصاً وأن كتابات أهل الفتن التي تسعى للدس والكذب قد راجت وتلبس بعضها بالدين، وقد دعمت الفكر الطائفي الداعي للكراهية الكثير من الأنظمة العربية التي رأت في التشيع لأهل البيت (عليهم السلام) خطراً أمام مشروع مسخ وتشويه فكر الإسلام الأصيل الذي يدعو للنهضة والتقدم ونبذ الاستبداد ومحاربته.

إن الفكر الأموي أتسم بخاصية واضحة في مخالفته لأصول الإسلام، وهو تركيزه على إثارة وتنشيط نقاط الخلاف ليس في القضايا الدينية فحسب بل حتى الاختلافات الطبيعية التي لا يمكن لبشر أن ينفك عنها، كالاختلافات العرقية والقبائلية والعنصرية، فقام بتضخيمها وجعلها سبباً في نبذ من يختلف معه، ولعل أبرز ما في هذا الفكر أنه يرفض أساليب الحوار والتثاقف لأن ذلك خير وسيلة للتقارب وفهم الآخر، وسبب هذا الرفض إنما هو لأجل أن أغلب ما يثيره هذا الفكر إنما هو دس وتشويه وكذب صراح، ولعل نظرة بسيطة لكتب الوهابية تبرز هذا التأثر بالدس والتشويه الأموي، بل يمكننا القول إن أبرز من يمثل الفكر الأموي في عصرنا الحاضر هي الحركة الوهابية التي تعلن محاربتها صريحاً لأهل البيت (عليهم السلام).

استدعاء تاريخ الصراع، الصفوية والعثمانية مثالاً:

يمثل التاريخ الماضي الذي شكَّل بما فيه من أحداث درساً حيويًّا تستمد الأمة الحية المتحضرة منه ما يفيد مسيرتها المعاصرة وبناء مستقبلها المتقدم، فمن خلال وعي الإخفاقات ومسبباتها وعناصر القوة وخلفياتها تستطيع الأمة أن تبني نظرة واقعية تمكنها من تجاوز الأزمات والإخفاقات المعاصرة، لأنها تقرأ ماضيها لتتجاوز أخطاءه وتبني على إيجابياته.

لكن ما نعانيه نحن في أمتنا هو بالعكس تماماً حيث لا نقرأ التاريخ لنتجاوز أخطاءه وسلبياته، ونبني على مكتسباته، بل التيار الغالب على العقلية العربية هو الذي يقرأ التاريخ ليعيد إنتاج أزماته أو يسعى لتقمصه في كل مكوناته، ليرجع حسب زعمه لحقب الأمجاد والفخر والاعتزاز، ليعيش مرحلة النجاح والتقدم، وهنا تبدأ إعادة صراعاته الفكرية والطائفية، ولعل أبرز ما نلحظه في مهندسي الفكر الطائفي الحديث هو استدعاء تاريخ الصراع بين دولتين متجاورتين هما الدولة العثمانية التي كانت تسيطر على العالم الإسلامي، وبين الدولة الصفوية التي كانت تسعى لتقوية نفوذها السياسي والديني والاقتصادي في الدول المجاورة وهو أمر طبيعي بالنسبة لدول يكون هدفها تحقيق مصالح شعوبها.

فليس من الخطأ أن تسعى الدول لتقوية نفوذها ومكانتها السياسية والاقتصادية والدينية، وهذا ما تقوم به كل الدول في عصرنا الراهن، لكن المشكلة أن يتحول الصراع الذي أساسه المصالح المادية إلى صراع ذي غطاء ديني، ليصبح الأخوة في الدين متحاربين وليكون الدين هو الضحية.

وللأسف فإن الصراع الذي حدث في تاريخنا بين الدولة العثمانية والدولة الصفوية كان أساسه المصالح وتقوية النفوذ، وأبرز ما يدل عليه هو سيرة خلفاء الدولتين كلتيهما، فمن المعروف أن السلاطين العثمانيين لم يكونوا ملتزمين بالدين؛ فمثلاً عندما يتولى أحدهم السلطة بعد موت الخليفة السابق يقوم أولاً بتصفية من يحتملهم خصوماً وخطراً على سلطته في المستقبل، فيطال القتل والاغتيال الأخوة من الأب والأم، والأقارب قبل أن يطال من هم من خارج البيت العثماني، ولعل أبرز دليل على ذلك هو قتل أشهر سلاطين بني عثمان -وهو محمد الذي لقب بالفاتح وأصبح شخصية مقدسة لتمكنه من فتح القسطنطينية التي عجز الكثيرون عن فتحها- إخوته الذين خاف منهم على خلافته، وكذا السلاطين الصفويين الذين مارسوا سياسات خاطئة وخارجة في بعض جوانبها عن الدين، ولم يكن هدف توسعهم الدين بقدر ما كانوا ينظرون للمصالح المادية التي يمكن أن تتحقق بذلك.

في القرن العاشر الهجري قامت معارك طاحنة بين الدولة العثمانية والدولة الصفوية، وقد خلفت تلك المعارك إرثاً من الكراهية والعداء، فقد استخدم الطرفان الدين كوسيلة للسيطرة على جماهير الأمة، فتم تطويع الفكر الديني كسلاح تجاه الآخر، ونتج عن ذلك إرث ثقافي ضخم كان لابد من النظر إليه في عصرنا الراهن الذي اختفت فيه الدولتان على أنه ماض سلبي يجب تجاوزه وفهم دروسه وتحويله إلى جسر لنعبر منه إلى مستقبل يسود فيه الألفة والمحبة والتعاون والتسامح، لأن كلتا الدولتين لم تحققا نجاحاً يذكر في معركتهما ضد بعضهما، بل خسرت الأمة الكثير من النفوس البريئة والإمكانات الضخمة التي كان يمكن استثمارها في بناء قدرات الأمة وتنمية شعوبها وخلق رفاهية لأبنائها.

وبعد أن مضت الدولتان وأصبح وجودهما في التاريخ فقط، ها هي ثعابين الفتنة تقوم بنبش الماضي لتعيد مفردات ورموز فتوظفها سياسيًّا لتحيي بها صراعاً مات منذ أربعمائة سنة، ولعل أبرز ما نراه في العراق هو هذا التحشيد والشحن الطائفي الذي يقوم على هواجس تاريخية، فتصف كل من ينتمي إلى التشيع الذي يعتبر المذهب الرسمي في إيران والذي يمثل النسبة الأكبر في العراق، وإن كان أجداده الذين ماتوا منذ ألف سنة عراقيين يعتبرونهم صفويين إيرانيين، ويبدأ وصف الآخر بأنه صفوي، أو رافضي، أو مجوسي، وكأنهم هم فقط العرب الأقحاح والمسلمون دون سواهم، وهي ذات النبرة التي سادت أيام الدولتين عندما صدرت الفتاوى التي تبيح القتل والتدمير.

إن ثقافة الكراهية المعاصرة تستمد نظرتها لأحداث واقعنا من المنظومة ذاتها التي تأسست بمجهود الدولة الأموية لتصبح تالياً إرثاً مهمًّا في تاريخ الصراع لدول تتبنى رؤية أموية لكل من يرفع راية المعارضة.

وحتى يمكننا تجاوز هواجس خرافية وأساطيرية عبر تخويف جماهير الأمة من التشيع سواء بوصفه هلالاً، أو يتبنى أفقاً صفويًّا، أو غير ذلك لابد من الرجوع لقيم القرآن التي تؤكد على الأخوة والتسامح والتعاون بين أبناء الأمة، وأن تلك الخلافات لا يمكن أن تحل من خلال التخويف أو الشحن الطائفي، وإنما لابد من التثاقف والحوار والتلاقي لأن ذلك هو السبيل الوحيد في طرد الكثير من الهواجس والمخاوف الوهمية، والمستقبل المشرق لا يمكن بناؤه إلا من خلال بناء وحدة حقيقية بين أبناء الأمة، وخير دليل على ذلك هو أن الأمة لم تستطع أن تتجاوز أزماتها إلا عندما توحدت وأصبحت صفًّا واحداً، كما أن التنافي بين الطوائف لم يحقق إلغاء أي طرف عن الوجود أبداً، فالسنة كانوا إلى جنب الشيعة منذ فجر التاريخ ولم يستطع أي منهم أن يلغي وجود الآخر ولن يستطيع، لذا فليس أمامنا إلا أن نعترف ببعضنا ونتفهم خصوصياتنا ويحترم كل طرف ثقافة الآخر وما يؤمن به.

التعصب والانغلاق والابتعاد عن فهم مقاصد الدين

التعصب والانغلاق ينميان الكراهية والبغض، وبقدر ما يكون المجتمع محصناً من هذه الأمراض تكون العلاقات بين فئاته وطوائفه طبيعية وحسنة، وعندها يتحرك المجتمع نحو تحقيق مصالحه وأهدافه، أما إذا غلب على العقلية العامة التعصب فإن نمو ثقافة الكراهية والإقصاء سوف يسبب تنامي التأزم وسوء الظن بين المختلفين طائفيًّا أو مذهبيًّا أو مناطقيًّا، وبالتالي سوف يتجه الفكر الغالب إلى نفي التعدد والتعايش بين الفئات المختلفة ليفرض آراء ومعتقدات وأفكار المتسلطين فقط.

إن التعصب يقضي على فرص المجتمع في العديد من مجالات الحياة، لتكون السمة الغالبة عليه هي التنافي على قاعدة القبيلة أو الطائفة أو المذهب أو المنطقة، وهنا تبرز قمة الفكر الجاهلي الذي حاربه الإسلام وسعى عبر تعاليمه للقضاء عليه، لأن التعدد هو سمة الحياة البشرية في كل العصور والمجتمعات، ولا يوجد مجتمع في تاريخنا أو في العصر الراهن لا يحفل بتعدد طائفي أو مذهبي أو قومي، والأمر الطبيعي هو الاعتراف بهذا التعدد والتعامل معه من خلال قواعد أخلاقية وشرعية وقانونية، فالأخلاق الإسلامية تدعونا إلى التسامح والتعاون والاحترام المتبادل، والشرع يقول لنا: الناس صنفان أما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق، وتعاليم الإسلام تنهانا عن التعصب في التعامل مع من نختلف معه. ولعل النصوص التالية تبرز رفض الإسلام القاطع لهذه الصفة الجاهلية:

عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): من تَعَصَّب أو تُعُصِّبَ له فقد خلع ربق الإيمان من عنقه.

عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): من كان في قلبه حبة من خردل من عصبية بعثه الله يوم القيامة مع أعراب الجاهلية.

عن جعفر بن محمد الصادق (عليهما السلام) قال: من تعصب عصبه الله بعصابة من نار.

عن علي بن الحسين (عليهما السلام) قال: لم يدخل الجنة حمية غير حمية حمزة بن عبد المطلب -وذلك حين أسلم- غضباً للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في حديث السلا الذي ألقي على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).

عن داود بن فرقد، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن الملائكة كانوا يحسبون أن إبليس منهم وكان في علم الله أنه ليس منهم، فاستخرج ما في نفسه بالحمية والغضب فقال: ﴿خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ.

عن الزهري قال: سُئل علي بن الحسين (عليهما السلام) عن العصبية، فقال: العصبية التي يأثم عليها صاحبها أن يرى الرجل شرار قومه خيراً من خيار قوم آخرين، وليس من العصبية أن يحب الرجل قومه ولكن من العصبية أن يُعين قومه على الظلم[9].

إن النص الديني يؤسس لبناء مجتمع قائم على الاحترام المتبادل والتسامح بين جميع فئاته ويرفض التعالي النابع من قيم جاهلية كالتعصب الذي يعني النظر إلى الذات بإيجابية تامة وإن كانت مصابة بخلل في الكثير من جوانبها، وبالعكس النظر إلى إيجابيات الآخر بسلبية تامة وإن كانت تحمل الكثير من صفات الخير.

هذه النظرة المتعصبة تعني وجود خلل في القيم التي تحكم مسيرة الحياة وبالطبع هي لا تساعد على تقدم المجتمع وتطور مفاهيمه وثقافته، والأمر المهم الذي يفرزه التعصب هو التناحر بين الطوائف والمختلفين، وقد ابتلت الأمة بهذا الداء منذ زمن بعيد، ولا يمكن لنا أن نتجاوز هذه المحنة إلا بالاعتراف ببعضنا ولنتحاور لتنكشف لنا طبيعة ما نختلف عليه.

إن أهم مقاصد الدين هو الحفاظ على وحدة الأمة وقد حدد الإسلام لذلك سبيلاً واضحاً علينا أن نسلكه وهو التعارف، ويعني أن يعترف بعضنا ببعض وأن يتعرَّف بعضنا على الآخر وذلك من خلال فهم أدلة وبراهين وحجج الآخر ومعتقداته، لا أن ينفي كل طرف الآخر دون وعي مكونات فكره وثقافته ومعتقداته، وهذا ما حدث للشيعة في تاريخنا وفي عصرنا الراهن فقد ساقت عقلية التعصب والانغلاق الكثير من التهم والبهتان والافتراء ضد مذهب أهل البيت (عليهم السلام) الذي يؤمن به الشيعة، ليصبح التشيع في نظر العديد من الناس كأنه خرافات وأساطير.

لكن لو انفتح الآخرون على ثقافة ومعتقدات أهل البيت (عليهم السلام) وسعوا لمعرفة البراهين والحجج الذي يتسلح بها وأطلعوا على تلك المعتقدات من خلال مصادرها الأصلية لعرفوا أن أغلب ما يثار عن التشيع لأهل البيت (عليهم السلام) إنما يبثه المتعصبون الذين يريدون إبعاد الناس عن فهم ثقافة وفكر البيت النبوي والتفاعل معه، ولعل رفض العديد من المرجعيات السنية التبشير بمذهب أهل البيت (عليهم السلام) هو نابع من خوفهم أن يعرف الناس الحقائق دون تزييف، ويدل على أن هذه المرجعيات غير قادرة على مواجهة الدليل بالدليل.

إن التبشير بأي مذهب تكفله مبادئ الإسلام الذي يعترف بحرية التعبير وحق اختيار الرأي الفقهي الذي ينضبط وفق قوانين الاستنباط، كما أن الإيمان بالتعددية يفرض علينا الاعتراف بحق أي طرف بالجهر بمبادئه، وعلينا إن لم نكن مقتنعين بذلك أن نفتح أبواب الحوار والتثاقف، لا أن نمنع الآخر من إبداء رأي مذهبه سواء في الجانب العقائدي أو الفقهي، ولعل هذه الدعوة تصب في إشاعة الجمود الفكري والثقافي في الأمة.

علينا أن ننفتح على الرأي الآخر ونحاوره ولنتعارف ثقافيًّا ومعرفيًّا، لأن هذا ما يريده الإسلام من المختلفين وهو الطريق الذي سلكه رواد حضارتنا وهو البداية التي تأسست من خلالها حياة حافلة بالتعاون والتسامح والألفة، ولعل أفضل عصور تاريخنا هي تلك الحقب التي ساد فيها التعارف الثقافي والعلمي والمعرفي بين أصحاب المذاهب والملل والآراء.

سياسة طمس الحقائق وتعليب العقول

بعد أن قتل سبط رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) والعديد من أهل بيته ومجموعة من كبار الصحابة والتابعين في معركة كربلاء، أسر الجيش الأموي من تبقى من نساء أهل البيت (عليهم السلام) وأطفالهم وخليفة الحسين ابنه علي السجاد (عليهما السلام) الذي دانت له الأمة بالاحترام والتقدير وعرف بعلمه وزهده وعبادته.

وسار بهم الجيش الأموي باتجاه الشام عاصمة الدولة الأموية ومروا بهم على العديد من القرى والمدن، وقد أشاع الإعلام الأموي في الأمة أن خوارج سيأتي بهم الجيش المنتصر أسارى، وقد اصطف الناس على جوانب الطرق وهم يشتمون هذه القافلة من الأسرى بأنواع الشتائم والسباب ويرمونهم بالحجارة وهم يتصورون أنهم خوارج.

كانت المفاجأة كبيرة لرجل طاعن في السن قد تأثر بكذب الإعلام الأموي الذي صور آل بيت الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) على أنهم خوارج، كما يفعل الآن الإعلام العربي الذي يزيف الحقائق ويصور الشيعة -الذين ذاقوا مرارة الظلم والكبت والقهر- على أنهم معتدين وخارجين عن إجماع الأمة، وهنا تبدأ مسؤولية المسلم في البحث عن الحقيقة كي لا يشارك في إشاعة الظلم والاستبداد والافتراءات، هذا الكهل وقف أمام سيد الساجدين علي بن الحسين وقال لابن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): الحمد لله الذي قتلكم وأهلككم وأراح البلاد عن رجالكم، وأمكن أمير المؤمنين منكم، فقال له علي بن الحسين (عليه السلام) يا شيخ! هل قرأت القرآن؟

قال: نعم.

قال: فهل عرفت هذه الآية ﴿قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى.

قال الشيخ: نعم قد قرأت ذلك.

فقال له علي (عليه السلام) فنحن القربى يا شيخ.

قال: فهل قرأت في بني إسرائيل ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ.

فقال الشيخ: قد قرأت.

فقال علي بن الحسين (عليهما السلام): فنحن القربى يا شيخ.

قال: فهل قرأت هذه الآية: ﴿وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى.

قال: نعم، فقال له علي (عليه السلام): فنحن القربى يا شيخ.

قال: فهل قرأت هذه الآية ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا.

قال الشيخ: قد قرأت ذلك.

فقال علي (عليه السلام): فنحن أهل البيت الذي خصصنا الله بآية الطهارة يا شيخ.

قال الراوي: فبقي الشيخ ساكتاً نادماً على ما تكلم به، وقال: بالله إنكم هم؟

فقال علي بن الحسين (عليهم السلام): تالله إنا لنحن هم من غير شك وحق جدنا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).

فبكى الشيخ ورمى عمامته ثم رفع رأسه إلى السماء وقال: اللهم إنا نبرأ إليك من عدو آل محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) من جن وإنس.

ثم قال: هل لي من توبة؟ فقال له: نعم إن تبت تاب الله عليك وأنت معنا.

فقال: أنا تائب، فبلغ يزيد بن معاوية حديث الشيخ فأمر به فقتل[10].

هذا نموذج من آلاف النماذج التاريخية التي مارست فيها الدول الكذب والافتراء وطمس الحقائق تجاه خصومهم ومعارضيهم، ولا زالت السياسة ذاتها تمارس الآن في عصرنا الراهن، حيث تقوم السلطات بتسخير الأقلام المأجورة وتبني أجهزة إعلامية ضخمة لتمارس من خلالها سياسة طمس الحقائق، والعاملون في المجال الإعلامي يعرفون ذلك جيداً لأنهم يمارسونه تجاه العديد من قضايا الأمة، فيتحول الحق باطلاً والباطل حقاً، وتصبح المجتمعات العربية ضحية التزييف الإعلامي الذي لا يخشى الله ولا يخاف عقابه ويتصور أن طمس الحقائق سوف يستمر إلى الأبد.

سياسة تغليب المصالح الشخصية الآنية

كثيراً ما تلعب السياسة دوراً سلبيًّا في إدارة قضايا الأمة، حيث يفقد الساسة الوازع الأخلاقي والشرعي الذي يضبط تفكيرهم وكيفية إدارتهم للأحداث، وخصوصاً فيما إذا تضاربت مصلحة السلطة بمصلحة الآخرين، هنا لا يمكن لحاكم أسَّس سلطته على القهر والغلبة والاستبداد أن يكون أخلاقيًّا في التعامل مع من يختلفون معه أو يخالفون مصالحه الشخصية، والتي عادة ما تكون مصالح مؤقتة وليست مصالح مصيرية أو يتوقف عليها كيان الأمة.

إن إثارة الكراهية والفكر الطائفي بين فئات الأمة لا يمكن أن ينطلق من وعي استراتيجي بمصالح الأمة، وأي شخصية مهما كانت تمارس الشحن الطائفي فهي تفقد أي مبررات أخلاقية ودينية تسمح لها بتفريق وتشتيت فئات وطوائف الأمة وتؤدي إلى إراقة الدماء وتنامي الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وبالتالي تؤدي إلى إهدار إمكانات الأمة المادية والفكرية والحضارية في قضية خاسرة ومدمرة لكيانها.

هنا نلاحظ أن تغذية الكراهية والطائفية يتم من خلال مستويات عدة بعضها يمثل دول لها ثقلها في العالم سواء الإسلامي أو غيره، وبعضها تقوم به مؤسسات ذات صبغة دينية أو سياسية، والجزء الذي له تأثيره الكبير هو ما يقوم به أشخاص لهم ثقلهم الديني أو الفكري في عالمنا المعاصر.

لكن الجامع بين كل تلك المستويات هو الرغبة في الوصول لمصالح شخصية من خلال تأزيم الأمة وإثارة الفتن، ويمكننا القول إن بعض الدول تأسست من خلال فكر طائفي لا يعترف إلا بالطائفة التي أسست عليها مملكتها وسلطانها.

وتمثل الطائفية بما تحمل من كوارث قد تجرها على الأمة طوق نجاة للقوى المحتلة لأجزاء من أمتنا سواء في فلسطين أو العراق، ولو نظرنا إلى التاريخ السياسي لبريطانيا مثلاً في التعامل مع الشعوب المحتلة لرأيناه قائم على قاعدة «فرق تسد»، وقد أشعلت الفتنة الطائفية في بلاد الرافدين عند احتلالها في بداية القرن العشرين، وكان السد الذي وقف أمام تنامي فتنة الطائفية آنذاك بل في كل تاريخنا وحاضرنا هي المرجعية التي حرمت التقاتل بين المسلمين مهما كانت دوافعه ومسبباته.

ولو رجعنا لعصرنا الراهن لرأينا أن المرجعية الشيعة تقوم بجهد كبير في وأد الفتنة، وأبرز ما يدل على ذلك ممارسة المرجعية في التقريب بين إخوة الدين، كما أنها لم يصدر منها أي مقولة أو رأي يعكر صفاء الأخوة، فلم تمارس كالآخرين حرب الفتاوى ولم تكفر الآخرين، ولم نرَ أي شيء من هذا القبيل، بل كل دعواتها هو الأمر بالتهدئة وتوحيد الأمة.

أما أصحاب الفكر الضيق فقد واصلوا حرب فتاوى التكفير كما رأينا ذلك عند شيوخ الوهابية الذين كفروا كل من لا يتفق معهم في الرأي، ولو تتبعنا تاريخ الوهابية وتنظيراتهم الدينية لرأينا أغلبها ينصب على عداء التشيع لآل بيت الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، وما هدم قبور آل البيت في بقيع الغرقد في المدينة المنورة إلا دليل على ذلك.

إن أخطر ما تتعرض له الأمة هو اللعب على الطائفية وإثارة الفتن من أجل مصالح دول وأحزاب وأشخاص، لأن الفكر الطائفي سوف يبقى تتوارثه الأجيال إذا لم يتحرك المصلحون لدرء هذا الخطر، وعند تنامي الفكر الطائفي وتناقله بين الأجيال فإن الأمل في الخروج من الدمار والفوضى والفتن يكون ضئيلاً.

إن ما نراه اليوم في عالمنا العربي والإسلامي يمثل في حقيقته عودة للفكر الجاهلي الذي يعلي من شأن القبيلة أو الطائفة أو القوم لمجرد الانتماء دون النظر في الكفاءة أو التقوى أو الحقائق، وقد ينجرف الكثير من الناس مع تلك القيادات دون النظر في حقيقة ما يصفون به الآخرين أو ما ينقلونه عن فكرهم أو ما ينسبون إليهم من أعمال، والتاريخ يعيد نفسه في توسل هذه القيادات التي تعتمد أسلوب الافتراء والكذب وتشويه الحقائق تجاه من يختلفون معه، ومن أعجب ما رأيت في الشحن الطائفي هو توسل أحد كتاب السلطات الطائفية بخبر يعترف هو بعدم معرفته بصحته ليكيل التهم والشتائم ويمارس ترويج ثقافة الكراهية، هذا الخبر الذي يبني عليه مقالته ورؤيته للشيعة يفيد أن أحد مراجع الشيعة أفتى ببطلان وضوء الشيعي إذا مس أخوه في الدين إذا كان على غير مذهبه ككونه من أهل السنة، ويمثل هذا الترويج قمة الافتراء إذ لا يستطيع أي مرجع مهما علا شأنه أن يفتي بذلك، لكون مسألة الإفتاء مستندة إلى الكتاب والسنة، وهما المصدران اللذان يوحدان القلوب والأمة، ولا يمكن لأي شخص أن يظفر بأي مستند ونص يخدم فتوى كهذه أو يدعو لترويج الفكر الطائفي، ويدل هذا الخبر على جهل تام بقواعد استنباط الأحكام الشرعية عند مدرسة أهل البيت (عليهم السلام)، كما أنه لا توجد في كل تراث الشيعة أي فتوى من هذا القبيل.

إن الترويج لأكاذيب وافتراءات من أي طرف تجاه الآخر إنما يدل على العجز عن مواجهة الحقائق وما تتسلح به من أدلة وبراهين، وللأسف فإن الكثير من أبناء الأمة ينجر وراء تلك المقولات دون أن يبحث عن صحتها أو زيفها، وهو الأمر الذي ترفضه ثقافة القرآن التي تأمرنا بالبحث والنظر قبل اتخاذ أي موقف أو اتِّباع أي مقولة وفئة، ويحذر من اتِّباع الكبراء دون البحث عن الحق.

﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبًّا لِّلهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ* إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُواْ مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ وَرَأَوُاْ الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ[11].

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ فَتَبَيَّنُواْ وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِندَ اللهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ فَمَنَّ اللهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُواْ إِنَّ اللهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا[12].

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ[13].

الدين والطائفية

الإسلام كدين سماوي عالمي يبني كل مقولاته على النص الموحى من عند الله، ويؤسس قواعده وأصوله وفروعه من خلال التسليم لله سبحانه وتعالى، وتتأسس تلك الأصول من خلال القول بكون الدين جاء لكل البشر وليس لفئة أو طائفة أو قبيلة أو قومية.

قال تعالى في كتابه الحكيم:

﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ[14].

﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ[15].

﴿وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ[16].

﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا[17].

﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ[18].

﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ[19].

﴿وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ[20].

﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ[21].

الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) رحمة لكل العالمين بغض النظر عن القومية أو الطائفة أو العنصر، والقرآن وهو كتاب الهداية ليس لفئة خاصة بل للعالمين، وهكذا الآيات القرآنية لا تفرق بين الناس على أي أسس طائفية أو مذهبية أو غيرها، إنها تنظر للإنسان كبشر يحتاج إلى الهداية والسعادة والأمن والرفاه، وليس هناك مبرر لاختلاف الناس وتصارعهم على أسس قبلية أو طائفية أو مذهبية أو مناطقية، ولو نظرنا لواقع الأمة في مراحل تنامي الفتنة الطائفية أو المذهبية لرأينا أن المنطق الذي يتعالى بين كل الأطراف هو الإمعان في إقصاء الآخرين واستخدام أساليب لا تجر على كل الأطراف إلا مزيداً من تنامي ثقافة الكراهية والعنف.

إن الفكر الطائفي يخالف تماماً ما تأسست عليه أصول الإسلام وما تريد أن تبني عليه الأمة من تعاون وتسامح وحوار، ولعل أبرز ما يجره الفكر الطائفي الذي يؤسس للكراهية بين أبناء الأمة الواحدة هو غياب العقلانية وعدم التعامل بمنطق مع الأحداث التي تقع في حياة الأمة.

من المهم جدًّا أن نفهم الدين بعيداً عن التصنيف الطائفي، وأن نتعالى على لغة الإقصاء والكراهية؛ لأن تلك حجب تبعد الإنسان عن فهم الحقائق وعما يجري من أحداث في واقعنا، وهي تؤدي إلى انقلاب في المفاهيم والقيم ومبادئ العلاقات العامة، وهو تماماً خلاف ما يريده الإسلام وما يسعى إليه من خلال كل أحكامه ومبادئه الدينية سواء على صعيد الفرد أو على صعيد الجماعة.

فالإسلام على صعيد الفرد والمجتمع يركز مبادئ المشاركة والتواصل والتعايش بين كل أبناء المجتمع من خلال التركيز على الفعاليات الاجتماعية وتأكيد مبدأ التواصل ليس فقط من منطلق التوافق الديني بل من خلال إطار أوسع وهو التواصل من منطلق التوافق الإنساني، بغض النظر عن توافقه في الدين أو المذهب أو الطائفة، فمجرد الإنسانية تفرض واجبات وحقوق عليه ولو رجعنا لسيرة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل البيت (عليهم السلام) في التعامل مع الذين يختلفون معنا في الدين لرأينا أن السماحة والمودة والاحترام والتعايش القائم على الأخلاق هو المبدأ والمنطلق والقاعدة.

وفي مبحث الجزية وأحكامها في الفقه الإسلامي نلاحظ الفرق بين فكر الإسلام الأصيل والذي يسعى القرآن لتركيزه في عقلية الأمة والفكر الأموي الذي ينطلق في التعامل مع الآخرين من مبدأ التعالي والقهر والغلبة، وبالطبع هذا الفكر الذي تشبع بروح التعالي على الحق نراه ينسحب على كل فعاليات الإنسان، فأخذ الجزية من الذمي بدل أن تكون فرصة لتبيان سماحة الإسلام والترغيب في الإيمان به وبيان مناقبية وأخلاقية الدين ومدخلاً لحوار حضاري يبين رسالة الإسلام وتكاملية معارفه، يتحول في الفكر الأموي إلى موقف يرسم فيه صورة خشنة وعنيفة ومنفرة عن الإسلام ليكون القهر والتعالي والتحقير هو أسلوب التعاطي مع هذا الذمي الذي أمر الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) باحترامه والحفاظ على حياته وتوفير معيشة كريمة له في ظل الإسلام.

قال ابن مفتاح -من علماء الزيدية- في شرح الأزهار: ومن المشروع تصغير الذمي عند أخذ الجزية، فيجلس آخذها متربعاً كتربع الملك ويقوم الذي بين يديه، ولا ينظر إليه الآخذ بكل عينيه، قابضاً لها بيساره، يضعها على الأرض ثم يقول له انصرف جاعلاً ليمينه على حلقه عند أخذ الجزية، والذمي مطأطئ على هيأة الراكع فإذا صبها دفعه بيده اليسرى في خلفه.

وفي تفسير الكشاف في ذيل الآية الشريفة: تؤخذ منهم على الصغار والذل، وهو أن يأتي بها بنفسه ماشياً غير راكب ويسلمها وهو قائم والمتسلم جالس، وأن يتلتل تلتة ويؤخذ بتلابيبه ويقال له: أدِّ الجزية، وإن كان يؤديها، ويزخ في قفاه.

وقال الرازي: لابد معه -يعني مع دفع الجزية- من إلحاق الذل والصغار للكفر، والسبب فيه أن طبع العاقل ينفر عن تحمل الذل والصغار، فإذا أمهل الكافر مدة وهو يشاهد عز الإسلام ويسمع دلائل صحته ويشاهد الذل والصغار في الكفر، فالظاهر أنه يحمله ذلك على الانتقال إلى الإسلام، فهذا هو المقصود من شرع الجزية.

أقول: هذه الهيئات المذكورة في كيفية أخذ الجزية، تخالف التعاليم القرآنية والسكينة الإسلامية، وتباين ما يدعونا إلى رعاية حال الذميين، بنحو العموم أو في خصوص أخذ الجزية، ومن الأول قوله سبحانه: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ[22].

ومن الواضح أن البر والقسط ينافيان هذه الأعمال الخشنة.

وفي كتاب أمير المؤمنين (عليه السلام) لمالك: وأشعر قلبك الرحمة للرعية والمحبة لهم واللطف بهم، ولا تكونن عليهم سبعاً ضارياً تغتنم أكلهم، فإنهم صنفان: إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق.

وقد روي أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قام لجنازة يهودي، فقيل له: إنها جنازة يهودي، فقال: أليست نفس؟.

فهذا مسلك الإسلام ومنهجه في الكفار الذين يعيشون تحت لوائه وذمته حتى بالنسبة إلى جنائزهم، فكيف يرضى بإيذائهم وأهانتهم بهذه الأمور الخشنة؟!

ولقد أجاد بعض المحققين حيث قال: إن الهيئات المذكورة في كلماتهم لا تناسب ثقافة الإسلام، وما نعرفه من سيرة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والأئمة الهداة (عليهم السلام) ويشبه أن تكون متخذة من سيرة الأمويين وعمالهم، حيث كانوا يعاملون غير العرب بل من لم يكن من قومهم، معاملة خشنة، والإسلام بريء من هذه الأعمال الخشنة ومن المميزات الطائفية والعنصرية[23].

ويقول السيد محمد حسين الطباطبائي عند تعرضه لآية الجزية: المراد بصغارهم خضوعهم للسنة الإسلامية والحكومة الدينية العادلة في المجتمع الإسلامي فلا يكافئوا المسلمين ولا يبارزوهم بشخصية مستقلة حرة في بث ما تهواه أنفسهم وإشاعة ما اختلقته هوساتهم من العقائد والأعمال المفسدة للمجتمع الإنساني مع ما في إعطاء المال بأيديهم من الهوان، فظاهر الآية أن هذا هو المراد من صغارهم لا إهانتهم والسخرية بهم من جانب المسلمين أو أولياء الحكومة الدينية فإن هذا مما لا يحتمله السكينة والوقار الإسلامي[24].

هناك فرق كبير بين نظرة أهل البيت (عليهم السلام) الثقافية والفكرية للكثير من المواضيع والقضايا التي يتعرض لها المسلم ويحتاج فيها إلى رؤية تساعده على التعايش في مجتمع متعدد الطوائف والمذاهب والقوميات من خلال الاحترام والتسامح وبين الثقافة الأموية التي تدعو إلى الكراهية والإقصاء، ولو بحثنا عن منظومة متكاملة يمكن لها أن تجعل المسلم المعاصر يندمج في مناشط الحياة في المجتمعات المتعددة لم نجد غير منظومة المعرفة والأخلاق والفقه عند أهل البيت (عليهم السلام) الذين يمثلون عِدل القرآن والثقل الأصغر، ويمكن ملاحظة فوارق الثقافتين الأموية وثقافة مدرسة الوحي والإمامة من خلال موضوع التعايش.

فأهل البيت (عليهم السلام) يؤسسون لمجتمع متآلف متواد متسامح متعاون، وهذا ما نلاحظه من خلال التنظير الأخلاقي والشرعي والاجتماعي، ولعل أبرز ما نلحظه هو أن أغلب كتب الحديث والفقه والأخلاق قد أفردت باباً خاصاً أسمته بباب العشرة نقلت فيه المئات من النصوص الدينية التي تنظر لمجتمع متراحم ومتآلف ومتسامح ومترابط، وترفض أية دعوة لفصم عرى الأخوة في الدين أو في الإنسانية، وسوف نورد جزءاً من تلك النصوص استناداً لأهم كتب مدرسة أهل البيـت (عليهم السلام) وهو كتاب الكافي للكليني (ت 329هـ).

عن مرازم قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): عليكم بالصلاة في المساجد وحسن الجوار للناس وإقامة الشهادة وحضور الجنائز، إنه لابد لكم من الناس، إن أحداً لا يستغني عن الناس حياته والناس لابد لبعضهم من بعض.

عن معاوية بن وهب قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): كيف ينبغي لنا أن نصنع فيما بيننا وبين قومنا وفيما بيننا وبين خلطائنا من الناس؟

قال: فقال: تؤدون الأمانة إليهم وتقيمون الشهادة لهم وعليهم وتعودون مرضاهم وتشهدون جنائزهم.

عن حبيب الخثعمي قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول عليكم بالورع والاجتهاد واشهدوا الجنائز وعودوا المرضى واحضروا مع قومكم مساجدكم وأحبوا للناس ما تحبون لأنفسكم، أما يستحيي الرجل منكم أن يعرف جاره حقه ولا يعرف حق جاره.

عن معاوية بن وهب قال: قلت له: كيف ينبغي لنا أن نصنع فيما بيننا وبين قومنا وبين خلطائنا من الناس ممن ليسوا على أمرنا؟

قال: تنظرون إلى أئمتكم الذين تقتدون بهم فتصنعون ما يصنعون فوالله إنهم ليعودون مرضاهم ويشهدون جنائزهم ويقيمون الشهادة لهم وعليهم ويؤدون الأمانة إليهم.

عن أبي أسامة زيد الشحام قال: قال لي أبو عبد الله (عليه السلام): اقرأ على من ترى أنه يطيعني منهم ويأخذ بقولي السلام. وأوصيكم بتقوى الله عز وجل والورع في دينكم والاجتهاد لله وصدق الحديث وأداء الأمانة وطول السجود وحسن الجوار؛ فبهذا جاء محمد (صلى الله عليه وآله وسلم).

أدوا الأمانة إلى من ائتمنكم عليها بَرًّا أو فاجراً، فإن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يأمر بأداء الخيط والمخيط، صلوا عشائركم واشهدوا جنائزهم وعودوا مرضاهم وأدوا حقوقهم، فإن الرجل منكم إذا ورع في دينه وصدق الحديث وأدى الأمانة وحسن خلقه مع الناس قيل: هذا جعفري فيسرني ذلك ويدخل عليَّ منه السرور، وقيل: هذا أدب جعفر، وإذا كان على غير ذلك دخل عليَّ بلاؤه وعاره، وقيل: هذا أدب جعفر، فوالله لحدثني أبي (عليه السلام) أن الرجل كان يكون في القبيلة من شيعة علي (عليه السلام) فيكون زينها: آداهم للأمانة وأقضاهم للحقوق وأصدقهم للحديث، إليه وصاياهم وودائعهم، تسأل العشيرة عنه فتقول: من مثل فلان إنه لآدانا للأمانة وأصدقنا للحديث[25].

التشيع كمبدأ وكقيم ومنهج حياة يرفض تماماً الفكر الطائفي، ولم يكن من الممكن في أية مرحلة مهما كانت حرجة أن يتصالح التشيع مع الفكر الطائفي، ولعل هذه النصوص تبرز جزءاً من نظرته للتعدد والاختلاف المذهبي بين فئات الأمة، فالقاعدة العامة التي يجب أن تحرك المؤمنين بأهل البيت (عليهم السلام) هي التواصل بين كل فئات الأمة، بل بعض النصوص تجعل المسألة ضرورة وجودية، أي أن وجود الإنسان يتوقف على هذا التفاهم والتواصل بين الطوائف.

كما أن التشيع لأهل البيت (عليهم السلام) يتضمن فكراً رساليًّا يدعو إلى الحوار فيما نختلف فيه، فأهل البيت (عليهم السلام) هم امتداد منهج الرسالة في الأمة، ولم يكن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) في كل مراحل حياته منعزلاً عن أي طائفة أو فئة أو قبيلة، بل كان هو الضمانة لبناء جسور الأخوة والتعاون والتواصل، فقد آخى بين الأوس والخزرج القبيلتين المتحاربتين لأربعين سنة، وجعلهم يتقاسمون في كل حاجيات الحياة وضروراتها.

وهذا المنهج لا زال قادراً على ردم الهوة التي حدثت بين طوائف الأمة لا سيما الشيعة والسنة، فإذا نظرنا إلى حقيقة الأمر فلا نجد هناك ما يدعو إلى القطيعة سوى ابتعاد الأمة عن منهج الإسلام الذي جاء موحِّداً ومؤلِّفاً لها، وهنا نحتاج إلى عقلانية وحكمة قيادات الأمة ومفكريها، وإلى مبادرات حقيقية من كل مثقفي وعلماء وكتاب الشيعة والسنة، حتى توأد الفتنة في مهدها.

--------------------------------------------------------------------------------

[1] القرآن الكريم، سورة آل عمران آية 103.

[2] النسائي، فضائل الصحابة، ص 15.

[3] ابن أبي طالب، الإمام علي (عليه السلام)، نهج البلاغة، ص 116.

[4] الهلالي، سليم بن قيس، كتاب سليم بن قيس الهلالي، تحقيق محمد باقر الأنصاري، ص 314.

[5] الأصفهاني، المحدث الشيخ عبدالله البحراني، عوالم العلوم والمعارف والأحوال من الآيات والأخبار والأقوال، الإمام الحسين (عليه السلام)، ج17 ص 90 ط 1 قم/ إيران، 1407هـ/ 1987م، نشر مدرسة الإمام المهدي (عجل الله فرجه الشريف) بقم.

[6] القرآن الكريم، سورة التوبة آية 32.

[7] داوود، زكريا عباس، تأملات في الحديث عند السنة والشيعة، ط 1، دار النخيل للطباعة والنشر، بيروت/لبنان، 1416هـ/1995م.

[8] كتاب سليم بن قيس الهلالي، مصدر سابق ص 315 - 317. راجع كذلك شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ج 11. تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، نشر دار إحياء الكتب العربية، بيروت/لبنان. وراجع فلك النجاة في الإمامة والصلاة، لعلي محمد فتح الدين الحنفي، ط 2 نشر مؤسسة دار الإسلام، 1418هـ/1997م. تحقيق الشيخ ملا أصغر علي محمد جعفر.

[9] الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، ج2 ص 308.

[10] الحسني، ابن طاووس، اللهوف في قتلى الطفوف، ص 206. وراجع تفسير بن كثير ج 4 ص 212، وجامع البيان عن تأويل آي القرآن، ج 25 ص 33 حديث رقم 23698. وراجع كتاب فضل آل البيت ج1 ص 123 لتقي الدين أحمد بن علي المقريزي.

[11] القرآن الكريم، سورة البقرة آية 165-166.

[12] القرآن الكريم، سورة النساء آية 94.

[13] القرآن الكريم، سورة الحجرات آية 6.

[14] القرآن الكريم سورة الأنبياء آية 107.

[15] القرآن الكريم، سورة الأنعام آية 90.

[16] القرآن الكريم، سورة يوسف آية 104.

[17] القرآن الكريم، سورة الفرقان آية 1.

[18] القرآن الكريم، سورة الروم آية 22.

[19] القرآن الكريم، سورة ص آية 87.

[20] القرآن الكريم، سورة القلم آية 52.

[21] القرآن الكريم، سورة التكوير آية 27.

[22] القرآن الكريم، سورة الممتحنة آية 8.

[23] الكلانتري، الشيخ علي أكبر، الجزية وأحكامها، ص 47، ط 1 قم / إيران: مؤسسة النشر الإسلامي 1416هـ / 1996م.

[24] الطباطبائي، العلامة السيد محمد حسين، الميزان في تفسير القرآن، ج 9 ص 242.

[25] الكليني، المحدث محمد بن يعقوب، كتاب الكافي، ج2 ص635.

الشيخ زكريا داوود

ــ ‬عالم‭ ‬دين،‭ ‬باحث‭ ‬إسلامي‭.

ــ من‭ ‬مواليد ‭‬1388هـ،‭ ‬التحق‭ ‬بالمدارس‭ ‬الأكاديمية،‭ ‬حتى‭ ‬سن‭ ‬الخامسة‭ ‬عشرة،‭ ‬ثم‭ ‬هاجر‭ ‬إلى‭ ‬طهران‭ ‬سنة ‬1404هـ‭ ‬والتحق‭ ‬بحوزة‭ ‬الإمام‭ ‬القائم‭ ‬العلمية،‭ ‬وتتلمذ‭ ‬على‭ ‬ابرز‭ ‬أساتيذها‭ ‬آنذاك،‭ ‬نذكر‭ ‬منهم: * ‬سماحة‭ ‬العلامة‭ ‬الحجة‭ ‬الشيخ‭ ‬نمر‭ ‬النمر * سماحة‭ ‬العلامة‭ ‬الحجة‭ ‬السيد‭ ‬علي‭ ‬أصغر‭ ‬المدرسي .  * آية  الله السيد علي المددي. * الفقيه العارف آية الله السيد كاظم المدرسي.‬

ــ ‬في‭ ‬العام‭ ‬1410هـ‭ ‬سافر‭ ‬إلى‭ ‬مدينة‭ ‬الشام،‭ ‬السيدة‭ ‬زينب (عليها السلام)،‭ ‬وحضر‭ ‬أبحاث‭ ‬أصحاب‭ ‬السماحة‭ ‬آيات‭ ‬الله:  * ‬السيد‭ ‬إبراهيم‭ ‬الزنجاني.‬  * الشيخ‭ ‬المحمدي‭ ‬البامياني‭ ‬الأفغاني.‬ وفي‭ ‬أبحاث‭ ‬خارج‭ ‬الفقه‭ ‬حضر‭ ‬عند * ‬آية‭ ‬الله‭ ‬العظمى‭ ‬السيد‭ ‬محمد‭ ‬علي‭ ‬الطباطبائي.‬ * ‬آية‭ ‬الله‭ ‬السيد‭ ‬عباس‭ ‬المدرسي.‬

ــ  مستشار في ‬مجلة‭ ‬البصائر‭ ‬الدراساتية،‭ ‬التي‭ ‬تصدر‭ ‬عن‭ ‬مركز‭ ‬البحوث‭ ‬والدراسات‭ ‬الإسلامية‭ ‬في‭ ‬حوزة‭ ‬القائم‭ ‬العلمية‭.‬

ــ من‭ ‬مؤلفاته‭ ‬المطبوعة: * ‬برنامج‭ ‬بناء‭ ‬الشخصية‭ ‬الإسلامية. * ‬تأملات‭ ‬في‭ ‬الحديث‭ ‬عند‭ ‬الشيعة‭ ‬والسنة‭.

ــ كما‭ ‬أن‭ ‬له‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الدراسات‭ ‬الثقافية‭ ‬والفكرية‭ ‬المنشورة‭ ‬في‭ ‬مجلة‭ ‬البصائر‭ ‬الدراساتية،‭ ‬وما‭ ‬زال‭ ‬يواصل‭ ‬عطاه‭ ‬الفكري‭ ‬والثقافي‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬المجلة‭.‬

 1 2 3


ارسل لصديق