حوار الديانات
كتبه: آية الله السيد هادي المدرسي
العدد (40) السنة 18 - 1428هـ/ 2007م
التعليقات: 0
القراءات: 3851

الديانات السماوية حقيقة قائمة لا يمكن التنكُّر لها. واختلافها في التفاصيل أمر واقع لا يمكن تجاهله.

والسؤال هو: مادام الأمر كذلك فهل لابد أن يتجه اتباع الديانات نحو الصراع، ومن ثم محاولة إلغاء الآخر؟ أم أن هنالك حلًّا آخر؟

لعل نظرية الصراع هي أقرب ما يخطر على البال في دراسة اختلاف الديانات.

فمنذ انهيار الاتحاد السوفيتي عرفت الأدبيات السياسية العالمية مساهمتين نظريتين لافتتين أولاهما نظرية (نهاية التاريخ) لـ(فرنسيس فوكوياما) الذي يعبر عن أطروحة انتهاء نضال البشر في المجال السياسي إلى النظام الديموقراطي الغربي، وفي المجال الاقتصادي إلى النظام الاقتصادي الراسمالي، والثانية نظرية (صدمة الحضارات) لـ(صمويل هانتنغتون) وهي رؤية مضادة تعتمد أطروحة تقول: إن الهوية الثقافية سيكون من شأنها أن تحل في عالم ما بعد الحرب الباردة محل الهوية الإيديولوجية، وهو واقع سيكون من شأنه أن يسفر عن المجابهة بين الحضارات.

إن أطروحة «صدمة الحضارات» تستند في الواقع إلى رصد لتطور السياسة الكونية غايته فهم دلالة الآفاق المطروحة راهناً، والتنبؤ بما سوف يكون عليه عالم الغد، وفي هذا الإطار نلاحظ أن ثمة فرضيات عديدة تطرح والغاية منها التوصل إلى الاستنتاج القائل بأن عالم الغد، سيكون بعيداً عن أن يكون عالماً متناسقاً، وإنما سيكون عالماً تمزقه حروب الحضارات.

ويرى (هانتنغتون) أن هناك الآن صدام حضاري بين الثقافات والأديان، والذي حل محل الصدام الحضاري بين الأفكار التي جسدها الغرب.

وينتهي به الأمر إلى الكشف عن السمات التي تتخذها الحروب الحضارية: وأنها مجابهات شديدة العنف والدموية، تميل إلى الاستطالة زمنيًّا ومكانيًّا، وتشتمل على إمكانات أن تكون هناك حروب إبادة جماعية متكررة ومتعددة. هذه المجابهات ستكون ذات طبيعة متواصلة ولن تفيد أية مفاوضات لوقفها، أي أنها حروب من دون نهاية.

ومن الواضح إن نظرية (الصراع) هذه وغيرها من النظريات المؤيدة لها ليست قضية حتمية، ولا هي ضرورة حضارية ما دام أن هنالك أكثر من بديل عنها.

وقبل كل شيء لابد من أن ينقذ الجميع أنفسهم من وهم احتكار الحقيقة، فليس لدى أي طرف إجابات كاملة عن كل الأسئلة. وهذا يدفعنا إلى التوسل بالمفتاح الأساسي للوصول إلى معرفة ما هو صحيح، وما ليس بصحيح. وهو إقامة حوار مفتوح. ليس فقط حول تنظيم العلاقة بين الشعوب والأمم فحسب، بل حول النواميس الكونية أيضاً. إذ لا يكفي أن نبحث عن صيغة للتعاون الاقتصادي، وإقامة الأحلاف السياسية من دون أن نهتم بالبحث عن الحقيقة، وذلك لأن (الحقيقة) لا تتجزأ بل هي واحدة، بينما الباطل متشعب. يقول ربنا تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ، وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ.

وللوصول إلى الحقيقة فإننا بحاجة إلى البحث عنها.

وما دام هنالك تناقض في فهم الحقيقة لدى الناس، فلا يمكن إلا أن يكون أحدهما على حق والآخر على باطل، إذ لا يمكن للحقيقة أن تناقض نفسها، فلا يمكن أن يكون الشيء، ونقيضه معاً على حق.

ومن هنا فلا طريق إلى معرفة الأمر إلا عبر الحوار والاستماع إلى الرأي الآخر.

يقول ربنا تعالى: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ.

ويقول: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ.

إن أهل الباطل هم الذين يخافون من الاستماع إلى الآخرين، وليس أهل الحق. ثم إن حوار الديانات ضروري لمنع وقوع المجابهات، ذلك أن من الحماقة بمكان أن يستمع الغرب إلى آراء بعض المتعصبين في نفي الإسلام كدين، وإلغاء المسلمين كأمة، وغمض العين عن حقيقة وجودهم.

وبالعكس فإن من الحكمة بمكان أن ننظر إلى الدول الإسلامية باعتبار واقعها أيضاً، فبعيداً عن قضية الحق والباطل، وضرورة البحث عن الحقيقة في الديانات، فإن من مصلحة البشرية التعاون مع هذا العالم العملاق الذي سيكون له تأثيره الكبير في المستقبل، حيث إن الدول الإسلامية تنقسم إلى أربعة أقسام:

القسم الأول: دول غنية بالمعادن كالبترول والذهب وغيرهما.

القسم الثاني: دول غنية بالبشر.

القسم الثالث: دول غنية بالعقول.

القسم الرابع: دول مهمة كموقع استراتيجي.

فإندونيسيا مثلاً من الدول الإسلامية الكبرى، التي سوف تعتبر مع كل من الهند والبرازيل من عمالقة المستقبل في العالم النامي. لقد أطلت إندونيسيا كمثل صارخ على قدرة دولة نامية على محاولة الانطلاق إلى آفاق الازدهار بفضل الشعب الإندونيسي النشط وهي تشكل رابع دولة في العالم من حيث عدد السكان، بعد كل من الصين والهند والولايات المتحدة، ويحتشد فيها من البشر ما يفوق عدد سكان الدول العربية مجتمعة. وقد انحدرت معدلات الفقر في شعبها وتقلصت في السنين الخمس والعشرين الماضية من 60% إلى 15% بينما تضخم الدخل الفردي السنوي من خمسين دولاراً، إلى ستمائة وخمسين دولاراً». ورغم ما تعرضت له مؤخراً من هزة اقتصادية عنيفة، وحركات انفصالية، خاصة بعد انفصال (تيمور الشرقية) إلا أنها على المدى البعيد سيكون لها ثقل مهم.

وهنالك أيضاً كل من مصر وتركيا وإيران، حيث تدخل هذه الدول عام 2010م نادي الدول التي يتجاوز عدد سكانها المائة مليون.

فمصر إمكاناتها ضخمة، وهي أكثر الدول العربية سكاناً وتأثيراً في الشرق الأوسط.

أما تركيا فهي سلة خبز اقتصادية كما كان يقول (نيكسون)، وقد استطاعت أن تتقدم اقتصاديًّا، حيث إن الإنتاج القومي للفرد الواحد قفز من 1400 دولار عام 1980م إلى 2000 دولار عام 1993م، وبالرغم من الهزّات الاقتصادية التي تتعرض لها إلا أنها ستبقى نامية بشكل جيد.

أما إيران فهي الأخرى تقدمت في مختلف المجالات الاقتصادية، والاجتماعية، والعسكرية أيضاً.

ومما لا شك فيه أن الذين يظنون أن العالم الإسلامي سيبقى متخلفاً إلى الأبد هم على خطأ كبير حيث إن أمريكا أيضاً لم تكن في مطلع القرن العشرين قوة اقتصادية وعسكرية كبرى.

ونعتقد أن تماسك العالم الإسلامي ضمن إطار الثقافة الإسلامية الموحدة، يجعلها قوة سياسية هائلة في القرن الواحد والعشرين.

إن هذا العالم، حتى بالمنطق المادي البحث، لا يمكن تجاهله، كما أن هذا العالم، حتى بمنطق الخيال البحت، لا يمكن أن يغير دينه.

فمن الأفضل أن يتم التحاور معه، ليس فقط للتعامل التجاري مع الشعوب، أو التعاون السياسي مع حكوماته، وإنما في كل المجالات الثقافية، والفكرية، والدينية وغير ذلك.

إن (حوار الديانات) هو البديل الطبيعي عن (صراع الحضارات)، ولتجنب الثاني، لابد من الأول. ولا خيار آخر بالقطع واليقين.

* * *

أمّا فيما برتبط بفكرة (نهاية التاريخ) فهي -إن لم تكن مجرد فبركة إعلامية لترويج الرأسمالية- فإنها بالطبع واليقين نابعة من الانبهار الخاطئ بالنمو الاقتصادي والصناعي للغرب. وإلاّ فأي عاقل يمكنه القبول بأن الوضع الفعلي هو سقف نهائي للتقدم البشري في الحياة الدنيا؟!

ومن يمكنه القبول بأن النموذج الغربي هو الجنة التي لا بديل عنها، ولا مثيل لها، وأن الفكر لدى الإنسان عاجز عن تقديم ما هو أفضل مما قدّمه حتى الآن.


ارسل لصديق