البحث عن نهاية النفق
كتبه: صادق الموسوي
العدد (40) السنة 18 - 1428هـ/ 2007م
التعليقات: 0
القراءات: 1365

يبدو أن زخم الحوارات والجدل الفقهي والمؤتمرات حول الطائفية بالرغم من كثافته ما زال خافتاً، وفكرة التقريب بين المذاهب قدمت كل ما لديها دون نتيجة تذكر منذ ولادتها قبل أكثر من نصف قرن[1]. فشلت جهود التقريب وانتهت إلى جدل نخبوي لا يتماس بالمجتمعات المسلمة، ومن جهة أخرى هي جهود معزولة عن النظام السياسي، بل قد تكون مناقضة لسياساته.

ولا يصح أن يكون محصلة خيبات الأمل هو الكفر بالتعددية وما يستتبعها من حقوق، ويصح أن يُستعاد النظر والتقويم في تلك الأطروحات التقريبية، إذ إن البديل أي الفتنة الطائفية هو الأسوأ فيما مرّ بالأمة من محن.

حقيقة الاختلاف المذهبي

ونجد هنا في سجالات الاختلاف المذهبي تطرف في التهوين وفي التهويل من عمق وكم الاختلاف، ونختصر المشهد في التالي:

أولاً: نجد العمق والسعة في المشهد السياسي إلى درجة تحرق الأخضر واليابس، وتطيح بكافة الحرمات من الدماء والتهجير إلى المساس بالمساجد. ويشترك في هذا الأتون النظام السياسي والمؤسسة الدينية والحركات والإنسان العادي. وهذا مشهد مظلم للغاية، إلا أن التحليل السائد -والمصيب- لهذه الحدة من الصراع في السعة والعمق أنهما مرتبطان بالسياسي بالدرجة الأولى، وأن هذا الصراع يتغذى على الموروث التاريخي والجهل بالآخر.

ثانياً: أن أدبيات الحوار والتقريب تركز الحديث في اتجاهات مثل الاحتفاظ (بالهوية، الخصوصيات). ومثل أدبيات الحوار وآدابه والأمراض الخُلقية الاجتماعية المعيقة للتقارب كسوء الظن والقطيعة والتكاذب. وربما تجاوز أحياناً الكلام الشكليات إلى فقه الاختلاف وحقوق الآخر، والفصل بين الصواب واستحقاق الحقوق. ومثل البحث عن (الكلمة السواء) في الأسس الدينية التي هي جوامع الأمة وصبغتها، والبحث في أفكار وآليات تنظيم الاختلاف مثل التعاون والتعذير في الاختلاف وتجنب التكفير والتفسيق واحترام المقدسات، وهكذا.

ثالثاً: من خلال غياب التيار السلفي عن أروقة التقريب والحوار وتأكيده بين الفينة والأخرى على وصم أتباع المذهب الجعفري بالشرك، ومن خلال خروج بعض أعلام التقريب عن نسق التقريب وإثارة بعض الأمور الشائكة وجعلها فيصلاً بين الكفر والإسلام؛ فإن هذا يضع اليد على أن طبيعة الاختلاف المذهبي تحفر عميقاً. فربما حاول البعض أن يصنف الخلاف بين السنة والشيعة بأنه من سنخ الخلاف بين مذاهب أهل السنة نفسها، وذلك للتخفيف من غلواء الفرقة. بينما الاتجاه السلفي يحصر الخلاف في (العقدي)، في مفاصلة حدية بين الكفر[2] أو الإسلام.

ولا ريب أن ثمة اختلاف بين المذهب الأشعري الذي هو عقيدة المذاهب السنية المعروفة وبين العقائد السلفية، إلا أنه لا يصح منهجيًّا مساواة هذا الخلاف مع الاختلاف بين المذاهب السنية مع المذهب الجعفري.

ومن ثم حصر الاختلاف في المسائل الفقهية هو قفز على الاختلاف العميق، وهو تجاوز محمود مع الوضوح فيه وإرساء ثقافة القبول بالآخر على قاعدة الإسلام في ثوابت الأمة.

وتجدر الإشارة إلى أن دعوى الشفافية تعتمد أحياناً تكثير عناوين الاختلاف واجترار موروثات التاريخ التي لا يصح مع يُسر التواصل العلمي ورودها لدى النخب العلمية والثقافية.

فالتفسير المنطقي لتكثير العناوين فيما يخص أهل العلم هو تشويش الرؤية بين ما يختلف عليه النظر العلمي، وبين ما هي مثار للخلاف، وهو تشويش الرؤية بين ما هو محط للاختلاف العلمي وبين ما هو هادم لثوابت الأمة. ولنلاحظ:

1- فمكانة أهل البيت (عليهم السلام)، وعصمتهم مثلاً وهي عماد المذهب الجعفري محل للاختلاف، لكنها لا تهدم سور الأمة ولا ينبغي أن تستفز المشاعر فتثير الخلاف. أما سعة وضيق السنة النبوية لاختلاف الاعتبار بين الصحابة وأهل البيت لا يضير أصل اعتبار السنة والتوافق على قدر كبير منها أنتج هذا الاشتراك في التفصيل المجمل ذكره في القرآن الكريم.

2- نعم الرؤية الشيعية للصحابة التي تحتفظ لهم بالاحترام لكنها تسمح بتوجيه النقد لبعض الممارسات واختيار مسار فيما اختلف الصحابة فيه هو محل للاختلاف العلمي، وهو مثار للاستفزاز بسبب إشكاليتين؛ أولاهما تجاوز النقد حدوده المعقولة أحياناً، والحساسية المفرطة الآبية لأدنى محاكمة علمية فيما اختلف الصحابة فيه.

3- مسألة تحريف القرآن، هي هادمة[3] لسور الأمة في حالتين: أن يترتب أثر علمي وعملي عليها، وأن تكون هي الرؤية الرسمية للمذهب. وكلاهما مفقود، والمرويات الموجودة لدى المصنفات الشيعية لها نظائر في المصنفات السنية؛ ولِما سبق فلن تهدم سور الأمة. وواضح أن كافة المسلمين يعتمدون مصحف المدينة المنورة المعروف وبقراءة حفص عن عاصم، ويعملون بظواهره المحكمة، لذا تجد صبغتهم العامة ومناسكهم وشعائرهم وحدودهم وفرائضهم واحدة في كلياتها وغالب تفصيلاتها.

وفي المحصلة لا ينبغي إنكار الاختلاف، كما لا ينبغي هدم جوامع الأمة بغض النظر عن الموقف من الحوار أو التقريب أو التعاون بين أهل المذاهب.

في تداعيات الألفاظ والمفاهيم

من المناسب أن يتوقف المرء عند المسموح والممنوع في هذا الملف، والذي يشكل الاختلاف فيه أرضية الإخفاق. ويبدو أن الالتباس يبدأ في ظاهر الأمر[4] من مشكلة مفاهيمية، ومن هنا نتوقف عندها:

1- لا ريب في أن متعلق مصطلح (التقريب) في رسالة المؤسسين رحمهم الله هو أهل المذاهب، لا تهذيب المذاهب.

ومن ثم الحساسية من (التقريب) ناشئ من سلوك ومن هواجس. ومع فداحة جعل إشكالية الإيهام في متعلق (التقريب) هو سبب فشل الجهود، إلا أن سحب المصطلح من التداول مع الاحترام العميق للمؤسسين ولريادتهما هو أمر قد يكون نافعاً لجهة قطع الوساوس.

واستطراداً ربما يكون تعبير (التآلف) أفضل من (التآخي، والتعايش)، وذلك أن التآخي مرتبة بعيدة المنال، وينبغي أن تسبق بمثل التآلف، وأن التعايش لا يوحي بالتلاحم، وإنما بالتجاور السلمي من باب الضرورة.

2- والطائفة هو لفظ يشير إلى جماعة بشرية مجتمعة في إطار مائز، فهو لفظ يُستخدم ليشير إلى كيان وجماعة. ومن الاستعمال القرآني في سورة الحجرات لا يشكل التعدد فيه إلى انقسام عن الأمة وإنما في إطارها. نعم في العصر الحديث يتضمن إيحاءات الانقسام وخصوصاً في أدبيات الإعلام السياسي.

بيد أن التعبير الموازي للطائفية بدلالته الحالية ظاهراً هو تعبير (الفرقة). فهو لفظ يشير للانفصال، ومع ذلك هو في أدبيات علم الكلام والفقه هو فِرَق داخل إطار الأمة فهو انفصال في جهة دون جهة.

وتجدر الإشارة إلى أن التنوع المذهبي الفقهي والعقدي في تاريخ المسلمين لم يستند بل لم يلحظ الانقسام العرقي والقومي في مسار ينطلق من مرتكز إسلامي أصيل متجاوز للعرقية والقومية، وإثارة الحميات الجاهلية كان في التاريخ كما الحاضر من الحالة السياسية[5].

ومن أجواء سورة الحجرات نلحظ العلاقة السلبية المذمومة والموقف الشرعي منها؛ مما يفترض أن ثمة صواب وخطأ، وثمة مساحة للمسموح ومساحة للمنوع في العلاقة بين الجماعات أنى كانت التسميات المتداولة (قوم، طائفة، شعوب، قبائل)، وعلى ذلك ينبغي اعتماد معيارية للتمييز بين المسموح والممنوع. ويبدو أن هذه المعيارية تتأرجح بين توافق العقلاء على شرعة حقوق الإنسان وبين شرعة الدين الآمرة بالعدل ورعاية الحرمات، وواضح أن لا تنافي بينهما.

ومن هنا لا يُعد حب المرء لقومه طائفية مذمومة وعصبية جاهلية، بيد أن يبخس الآخرين أشياءهم هو المذموم. وأن يدافع الإنسان عن حقوق قومه ليس طائفية مذمومة، بيد أن التعدي على حقوق الآخرين كذلك. وليس من الطائفية المذمومة أن يعتز بمعتقداته وبهويته، بيد أن يقسر الآخرين على ما يرى أو يمنع حريتهم هو الطائفية المذمومة.

ولا يخفى أن القلة والكثرة لا تبيح للكثرة حرمات القلة إلا في المنطق الفرعوني. ولا يخفى أن الذي لا يرى حرمة للآخر هو غير مُخاطب هنا، وهو جذر المشكلة الحقيقي.

3- قد يفترض البعض أن الوحدة وعدم التفرق في الدين هو مقتضى الدين بحيث لا تعددية فيه. بيد أن سورة الحجرات تحكي غير ذلك، وآيات القرآن تجعل التعاون والتنافس هو العلاقة المثلى. وأن القتال وإخراج الناس من ديارهم هو الفتنة والعلاقة السيئة.

إن عدم التفرق عن الدين له حدان أولهما القيادة الشرعية، وقد اتفقت الأمة على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) واختلفت فيما عدا ذلك، وثانيهما كتاب الله ومحكماته التي تشكل الضرورات ومجمع الأمة.

إن اختلاف المسلمين (الصحابة ومن بعدهم) وفتح الاجتهاد صنع الاختلاف، وأسس لتعددية المذاهب لاحقاً. إن القبول بهذه التعددية لا مناص عنه ليس بمبرر المصلحة والخطر المحدق، وإنما هو طبيعة البشر وتاريخ المسلمين.

هواجس التقريب وفزاعة التبشير

الاختلاف سنة البشر، والتعددية المذهبية حقيقة قائمة ضاربة في تاريخ المسلمين، وافتراض أن الأصول العقدية ومناهج الاستنباط وموائز المذاهب أنها قابلة للتفاوض والتهذيب مجاملة للآخر هو وهم غير منطقي.

والرغبة المتبادلة في إقناع الآخرين بصوابية المرتأيات مشروعة، ومن شأن البشر التواصل الثقافي، ومن شأن الأديان الحوار والإقناع والسجال الفكري. وفي هذا الإطار تتوالد الهواجس والعوائق.

وبالرغم من تداول التبشير الشيعي في الوسط السني، إلا أن الإنصاف أن التبشير متبادل، بل يزيد التبشير السني على الشيعي لارتباط بعض جهاته بإمكانية دولة ثرية وسخية.

وليس بين ما يطرح دراسات دقيقة أو إحصاءات تكشف عن الأحجام بشكل يركن إليه، فالتقدير يلحظ كم الإمكانات المبذولة، والسعة في الانتشار، والتأثير الفعلي. وفي الأولين ثمة تفاوت هائل يصبح القياس معه عبثياً لصالح التبشير السني، أما الثالث فهو تقديري ليس إلا، ونظن أن الأرقام التي تذكر فيها تضخيم مبالغ فيه.

نعم ثمة معادل لصالح التبشير الشيعي خفف نسبيًّا من تفاوت الإمكانات وهو قيام الجمهورية الإسلامية في إيران، وانسحاب إسرائيل من جنوب لبنان تحت ضربات المقاومة الإسلامية (الشيعية) ثم صمودها المدهش في تموز 2006م، لكن هذا لم يصنع تبشيراً بقدر ما حقق التعرف بصور مشرقة على الشيعة والتشيع مما يزيح عشرات أو مئات السنين من التجاهل.

والتضخيم للتبشير الشيعي ثم ربطه بالدولة في إيران هو ضمن الصراع السياسي في الشرق الأوسط الذي يستثمر كل الأدوات حتى غير الأخلاقية.

ونظن أن ثمة عامل آخر لتضخيم التبشير الشيعي والتهويل به كفزاعة وهو ما يتعارف عليه بـ(خروج الشيعة من القمقم). فهؤلاء الشرذمة القلائل الخابي ذكرهم أصبحت لهم دولة وتطاولوا في الصراع العربي الإسرائيلي، وبدأ الشيعة العرب يكون لهم حضور إعلامي وثقافي في دولهم ويُخشى من تماديه السياسي. حتى غدت المطالبة بأدنى الحقوق الطبيعية للإنسان في بلدانهم عملاً طائفيًّا، وانتماءً للخارج!.

إن فزاعة التبشير ينبغي أن تتناولها الحكومات بعقلانية فيما يتصل بالتبشير الذي تتبناه الدول فيما بينها وفي الأطر التي تجمع الدول المسلمة كرابطة العالم الإسلامي دون أن تمس نشاط الأفراد وحرية المعتقد، إذ إن التواصل الثقافي من سجية البشر وطبيعة الدين.

كما أن حظر الكتاب الشيعي في غالبية الدول العربية مع التبشير المنهجي المنظم في الكتب التعليمية أمر لا يعقل، ولا يُصنف إلا عملاً يمس بحرية المعتقد ويستخف بأبسط حقوق المواطن.

مسارب وعقد التقريب

إن العقدة تكمن في ثقافة القبول بالآخر وسعة الصدر التي تحتمل الرأي المخالف ولا تعتبر السلوك المنبثق عنه عملاً استفزازيًّا. ومن هنا لا يمكن استساغة اعتبار ممارسة الإنسان لعقائده عملاً طائفيًّا من هذه الجهة. إننا هنا لا ننفي بالمطلق أن بعض الممارسات يشوبها ما يستفز الآخر، إلا أن الصحيح استباق رعاية عدم الاستفزاز بإرساء القبول بالآخر. والقبول بالآخر هو المدخل الصحيح لمعالجة الاستفزاز من حيث ارتفاع صبغة الاستفزاز عن أغلب السلوك المختلف حيث يتسع الصدر للاختلاف ومن حيث تأدب المختلف ورعايته للآخر حقوقه ومشاعره.

1- الانطلاق من جامع الأمة الواحدة

إن تعبير (أهل القبلة) هو يحمل في طياته لجامع وصبغة الأمة المستندة على الثوابت العامة المشتركة في مجال العقيدة والشريعة. ويكون (التقريب) بين أهل المذاهب بحيث يتسع الصدر لقبول ما عند الآخر، حيث يكون الاختلاف شأن اجتهادي.

وتبقى مسألة التكفير من المصائب التي ابتلي بها المسلمون هي الهادم لسور الأمة والعائق الجدي من حيث المذاهب دون تقارب أهلها. وبلا ريب إن مناط التكفير واضح لدى العلماء وهو غير ما انفرد به التيار السلفي إن في النظرية وإن في التشخيص، وواضح أن علماء الإسلام يعتمدون معادلة (الصواب والخطأ) بدلاً من (الكفر والإسلام).

بل ثمة مسألة دقيقة تكشف عن الدقة العلمية وعن الورع في الوقت ذاته وهي عدم المؤاخذة بلوازم الرأي[6]. وهي مسألة تزل فيها أقدام جملة من أعلام التيار السلفي.

وهذه المسألة بالذات تكشف عن دور العلماء في عملية التقريب، وتكشف عن عقم الجهود التقريبية حيث إن التيار السلفي وهو الفاعل في الوسط السني لا يتبنى مقولات التقريب.

ومن المناسب جدًّا الإشارة إلى مقولتين ترد في أدبيات المهتمين بشؤون التقريب؛ الأولى مقولة القفز على الاختلاف العقائدي والفقهي وحصر الحوار على المجتمع العلمي وفي المجال الفقهي لصرف الاهتمام إلى التعاون فيما تتفق عليه الأمة. وربما يُقال إن الانشغال بالمصالح العامة مثل التنمية الهادفة للاستثمار والتعمير وتحقيق العدالة الاجتماعية بين الناس، والاعتناء بالأخطار المشتركة؛ هو من أهم العناوين الاتفاقية.

إن أرضية الأمة الواحدة المستندة لكتاب واحد والنبي الواحد وثوابت الدين التي هي جماع المسلمين كافة هي المبرر لهذه المقولة مضافاً لعقم الجدل المذهبي مما ينبغي جعله في الأروقة الضيقة والآحادية.

والمقولة الثانية أن الدين ينشر حقوقه وأحكامه المشتركة على كافة المنتسبين إليه، مما يجعل الالتزام بكفالة كرامة الإنسان وحريته وحرمة نفسه وماله وبالسعي لإقامة الحكم على العدالة، والمشاركة؛ مسألة منطقية وضرورية لتحقيق الوئام بين الناس. إن خطورة الفتنة الطائفية يكمن في استباحتها الحرمات، مما يجعل التأكيد على إرساء ثقافة الحقوق والحرمات وجعلها متعالية على المذهبية من أشد الواجبات على المؤسسة الدينية،

2- التاريخية.. محور للتقريب

بعكس ما يُشاع من أن استحضار التاريخ هو تكريس لعقد التاريخ فإنه أيضاً في حال سيادة الوعي والروح العلمية هو مدخل للفهم وإزاحة لتراكم العقد الحائلة من التواصل الثقافي.

وضرورة إعادة درس التاريخ هو كونه متصلاً وحيًّا وفاعلاً في الحاضر، ومن ثم الغض عنه هروب من المشكلة وتكريس لأوهام وحديّة في النظر. فالدعوة هي التحرر من سجون التاريخ النفسية والخروج إلى رؤية واقعية بروح علمية. ومن الغرائب أن جملة من الناس ورثوا بلا وعي انقساماته وعقده دون وعي بحقيقته وبداياته وأحداثه وعذرهم أن مصدر المعرفة التاريخية الوحيد لديهم هو الكتب التعليمية الحكومية وهي نقحت أحداث التاريخ حتى أصبح غريباً عن نفسه وعاجزاً عن التفسير لانقسامات المسلمين.

فتاريخ المسلمين شهد جدلاً فكريًّا سياسيًّا عقائديًّا وفقهيًّا، ومن أهم ذلك الجدل بلا منافس هو الجدل السني الشيعي. وهو جدل اختلط بصراع السلطة والسياسة، وصنع الحروب والفتن.

حادثة (السقيفة) و (الفتنة الكبرى) ثم التمرد على الإمام علي (عليه السلام) في (الجمل وصفين) هي رحم هذا الانقسام، حيث أفرزت موقفين:

موقف أهل السنة أقروا بشرعية حادثة السقيفة وما تلاها من ولايات وعهود (الأموي، والعباسي، والعثماني) أو سلموا لواقع العهود على أساس ولاية المتغلب. وموقف الشيعة مستندين لشرعية الولاية بالتعيين الإلهي المتمثلة في أهل البيت (عليهم السلام).

فنحن هاهنا بين استحضار لموروث الصراع، وبين الغض عن التاريخ لئلا تنكأ الجراح؛ ومع التوافق على رفض الخيار الأول فإن الخيار الثاني يسلب حق الإنسان المسلم بالوعي بحدث صنع انقساماً هو محكوم به، ومن جهة أخرى إن مزاوجة الانقسام مع تشويه التاريخ في رؤى حديّة يتطلبها ترسيخ الانتماء يؤدي إلى إساءة فهم بالآخر بل وامتناع التفاهم وضيق الصدر بالآخر، بيد أن الوعي بالتاريخ يجعل العاقل على رؤية شفافة بالانقسامات وتسمح بتقبل التنوع في داخل الدائرة الإسلامية.

3- الدولة.. والإشكال السياسي

الدولة والمشكل السياسي لها حضور متنوع يبدأ من التاريخ وما خلق من ريبة بالشيعة. والدول التي غلب عليها السنة اضطهدت مواطنيها الشيعة، والعكس صحيح. وكانت العلاقة بينهما قائمة على التنافر والظنون والتكفير. وليس سرًّا أن الدول المتعاقبة في تاريخ المسلمين غالبيتها تصنف «سنيًّا»، وليس سرًّا أن الشيعة كانوا المعارضة فاعلين أو مقموعين. والآن لم يستجد جديد سوى أن ضآلة الحضور السياسي الشيعي في التاريخ بدأ في التلاشي عقيب قيام الثورة الإسلامية الإيرانية في سبعينات القرن الماضي.

وبين استحضار التاريخ وبين صراع المصالح بين الدول العربية (السنية) وإيران (الشيعية) وحضور السياسة الصهيون-أمريكية يبدأ فصل جديد من العلاقة السلبية بين الدولة والشيعة.

وبعيداً عن الحديث في توصيف الفصل الجديد فإنا نستحضر عقدة (الأقلية) الشائكة والمدمرة للعلاقة الصحية بين المسلمين.

وإشكالية الأقلية الشيعية العربية؛ يعتبرها البعض هاجس يدفع الشيعة خارج الجغرافيا السياسية القائمة، بيد أن الصحيح أن تصنيف الشيعة كأقلية منبوذة في الدولة العربية أسَّس لهدر حقوقها وتغييبها عن المشاركة السياسية والمدنية بصورة تامة. ومع أن الشيعة ليسوا أقلية في الخليج العربي والعراق ولبنان، فإن عدا لبنان هم مغيبون. وهذا النبذ يكرس انعدام الثقة المتبادل، وتلك الهواجس والاتهامات للشيعة السياسية نصنفها في إطار الامتهان الذي يمارسه النظام السياسي بحق الشيعة.

وواضح أن الكثرة والقلة العددية تؤثر في حجم المشاركة السياسية ولا يلغيها فضلاً عن أنه لا يطال حقوق المواطنة والإنسانية.

ومما لا ريب فيه أن سياسة التمييز والتهميش والتغييب تنتج أزمة في العلاقة بين المذاهب في الدولة. لذلك فإن إصلاح العلاقة بين الإنسان والدولة هو بوابة تجاوز الكثير من المحن وعناصر التوتر المذهبي على صعيد الأمة بأسرها.

وإصلاح العلاقة يبدأ بتثبيت قانوني لحقوق الإنسان وحقوق المسلم على نحو متساوٍ بعيداً عن المذهبية، والاعتراف القانوني والسياسي بكل المذاهب الإسلامية الموجودة في كل وطن بكافة مفاعيل الاعتراف من حقوق وحريات.

إن تنقية المناهج التعليمية والمنابر الإعلامية من الأمور التي تبث الكراهية الدينية والمذهبية هي أساس اقتلاع التوتر الاجتماعي وتكريس ثقافة احترام الإنسان والمسلم واحترام التعدد والتنوع بكل مستوياته.

إن المشكلة الطائفية -كما تؤكده السيرة الفرعونية- تستمد مناشطها من العقلية الإقصائية الاستعلائية والمناهج التي تضيق عمَّا سواها؛ ومن هنا الطائفية صنو الاستبداد، والعلاج فيهما متجانس.

في نهاية المطاف

فهذه كلمات تشكل وجهة نظر تؤمن بتآلف وتآخي المسلمين، بل وتؤمن أن الرحمة التي هي غاية بعث الرسل تعم كافة البشر بتنوع مللهم، وتنطلق من أن جذور الطائفية تبدأ من الخلل في سوية النفس البشرية الاستعلائية والظلومة والجهولة والتي يكون من مفاعيلها الأساسية العامل السياسي الفاعل الأكبر في التوقيت ودرجة السخونة في الفتنة الطائفية الناشب مخالبها في الأمة وفي سعتها، وفي الوقت ذاته ترى أن ثمة خلل ثقافي يُنسب للدين الرحمة بهتاناً وزوراً، مما يستدعي معالجة علمية تصحيحية للتحريف الذي طال الثقافة الإسلامية على معيار محكمات القرآن الكريم والسنة وغايات الدين الحنيف الواضحة، وتجاوز مرجعية التاريخ وتحجيمه في توصيفه بالتجربة البشرية المنتسبة للمسلمين الفاقدة للعصمة والحجية، بل وإخضاعه لتلك المحكمات وتلك الغايات. وتتلمس أن من أسباب تحييد جهود التقريبيين من عامة الأمة هو سيادة التيار المتشدد واستحواذه على منابر فاعلة وتطاوله بإمكانيات تطاول الدول. وقد سيقت في إطار تقديم رؤية تخالف بعض الشيء لما هو شائع من تحليل وإن كانت توافق الكثير من الناشطين والباحثين في التقريب بين أهل المذاهب.

إن ما يؤسف له أن الكاتب يشاطر المتشائمين الإقرار بصعوبة تلمس نهاية متفائلة، لا لطبيعة البشر فقط، وإنما لأن النافثين في عُقد الطائفية يملكون من أدوات الفاعلية محليًّا وإقليميًّا وعالميًّا ما لا يحصى. نعم إمكانية التقليل من خسائر الأمة واردة جدًّا، وهو سعي العقلاء، وتكليف المؤمنين.

--------------------------------------------------------------------------------

[1] بدأت مؤتمرات التقريب بين المذاهب الإسلامية في العاصمة المصرية عام 1947م، بعد أن أسس عدد من العلماء «دار التقريب بين المذاهب الإسلامية»، وكان من أبرزهم الشيخ محمود شلتوت شيخ الجامع الأزهر، والشيخ محمد تقي القمي.

[2] الغالب على أدبيات التيار السلفي التوصيف بالشرك اعتماداً على حيثية مساوقة زيارة أضرحة أئمة المذهب من أهل البيت (عليهم السلام) والتوسل إلى الله بمقامهم الكريم لديه للشرك. وهي مساوقة تعتمد على التلبيس برأينا وعلى اختلاف فقهي لا محل له في هذا المقام. نعم تصدر أحياناً عبارة التكفير اعتماداً على مبررات تتكئ على حيثية التكذيب بالقرآن، لكن هذه واهية جدًّا فلا ترد في المجتمع العلمي، حتى أن بعض أعلام التيار السلفي في فتوى صدرت أخير يصم بها الروافض بالشرك، وذكر أدلة بعضها مؤداه الكفر لا الشرك إن تمّّ، لكنه في نهاية المطاف اكتفى بالشرك لعلمه بعدم تمامية تلك الأدلة.

وعلى سبيل المثال ذكر مسألة القدح بالصحابة وتكفيرهم. وهذه إنما تقتضي الكفر لحيثية التكذيب بالقرآن حيث إن القرآن مدح بعضهم كما اعتبر بعضهم مسلمين لا مؤمنين وهكذا. وواضح أن هذا يتم مع صحة ما يزعمه من تكفير الشيعة لعامة الصحابة. وهذا واضح البطلان حتى عند هذا العلم السلفي فاكتفى بتهمة الشرك، ونأمل أن يُراجع هذه أيضاً مجدداً عسى أن يتبين له أن مبرر الشرك هذا يعم غير الشيعة ولا يكاد يستثنى منه إلا التيار السلفي!. وهو تحكيم لرؤية مذهبية على سائر أهل القبلة وفي هذا جعل الإسلام محصوراً في مذهب معين.

[3] الهدم هو غير لازم التكفير الذي يراه البعض في مسألة التحريف، فالهدم لصبغة الأمة ثوابت أحكاماً وشعائر وغايات هي محكمات القرآن إذ تنهدم مع سقوط الحجية عن القرآن بسبب التحريف، وكما أُشير في المتن أن لازم سقوط الحجية لا يلتزم به أحد من القائلين بالتحريف. أما لازم التكفير فالظاهر لمنافاته لآية الحفظ فكأنه تكذيب للقرآن الكريم.. وواضح أن آية الحفظ محفوظة مع هذه المقولة عند أصحابها بتأويلات يرونها بغض النظر عن تصويبها أو تخطئتها، إذ هي كافية لحفظ اعتبار الآية الكريمة ودفع شبهة التكذيب. فليتأمل الذين يستعجلون هاهنا ولا يشتبه عليهم الحال.

[4] فلا يصح نسبة الالتباس للمشكل المفهومي وإنما هو تناقض المصالح والعصبيات.

[5] في القرن الخامس عشر الميلادي تعاصرت دولتان؛ العثمانية السنية بتركيا، والصفوية الشيعية بإيران، وتنافستا ودخلتا في حروب ساخنة وباردة وواصلتا النزاع الموروث الشيعي السني بصورة حادة، فما يستثيره الإعلام من صفوية وفارسية هو استحضار لهذا الصراع السياسي بين هاتين الدولتين!.

[6] من الممكن أن صاحب رأي ما قد لا يقبل لوازم رأيه التي يترتب عليها بنظر البعض الآخر. وكمثال على ذلك مسألة عينية الصفات وزيادتها الذي ترى العدلية زيادتها مساوقةً لتعدد القدماء، ولازمه الشرك، إلا أنهم لا يلتزمون بوصم القائلين بزيادتها بالشرك حيث إنهم لا يلتزمون بهذا اللازم. وهكذا يقال بالنسبة للبعض الذي يتهم القائلين بالتوسل أو الشفاعة أو القسم بغير الله بالشرك؛ لأنه لازم لهذا القول وهكذا.


ارسل لصديق