كيف هزم حزب الله إسرائيل؟![1]
كتبه: أليستر كروك ومارك بيري

A PHP Error was encountered

Severity: Notice

Message: Undefined variable: issueName

Filename: mada/post.php

Line Number: 269

A PHP Error was encountered

Severity: Notice

Message: Trying to get property of non-object

Filename: mada/post.php

Line Number: 269

التعليقات: 0
القراءات: 4357

[1] الفوز في معركة الاستخبارات

مقدمة:

الخبير العسكري الأمريكي أنتوني كور دسمان نشر، بعد خمس سنوات من هجوم 11/ 9/ 2001، دراسة عن نزاع حزب الله مع إسرائيل تحت عنوان «الدروس الأولية لحرب حزب الله وإسرائيل»... النشرة فازت باهتمام غير معتاد من قبل وزارة الدفاع الأميركية حيث عرضت لدراستها من قبل المخططين التابعين لهيئة الأركان المشتركة الأمريكية وأخذت تمرر من يد لأخرى ما بين الخبراء العسكريين في واشنطن، كور دسمان وبكل تواضع خلص إلى استنتاجات واعترف حينها بأنها ليست فقط كانت «أولية» ولكنها أيضاً لم تأخذ في اعتبارها كيف قاتل حزب الله خلال الحرب أو كيف حكم على نتائجها.

ويذكر كور دسمان قرَّائه بأن الدراسة «عبارة عن تحليل... ومحدود أيضاً حيث إنه لم يقم بأي زيارة إلى لبنان ولا إلى مقر حزب الله» وإن كانت هذه الدراسة غير كاملة إلا أن مؤلفها استطاع أن يحقق هدفين رئيسيين:

- الدراسة توفر أساساً لفهم الحرب من وجهة النظر الإسرائيلية.

- الدراسة تطرح الأسئلة عن الكيفية التي حارب بها حزب الله.

الآن نحن الكاتبين لهذه المقالة المطولة نشعر بأننا قادران على ملء الفراغات التي تركها كور دسمان.

الصورة التي سوف نقوم برسمها هنا هي أيضاً ناقصة إلى حد ما، فالمسؤولون في حزب الله رفضوا محادثتنا علناً ورسميًّا عن الكيفية التي حاربوا بها، ولم يرغبوا في إعطائنا التفاصيل عن عمليات انتشارهم ولم يرغبوا كذلك في الحديث عن خططهم الاستراتيجية في المستقبل.

وعلى الرغم من هذا، الدروس الحربية المستفادة من منظور حزب الله أخذت الآن تظهر للعيان، بل وأخذ بعض المخططين الاستراتيجيين الأمريكيين والإسرائيليين في استخلاص بعض الدروس الصغيرة منها.

استنتاجاتنا نحن تتأسس على تقييمات في المواقع التي قمنا بها خلال الحرب، ومن خلال حوارات قمنا بها مع خبراء عسكريين أوروبيين وأمريكيين وإسرائيليين، وكذلك على اطلاعنا على تحقق مفاهيم للنزاع من خلال مناقشات مع استراتيجيين عسكريين، ومن ضمن ذلك شبكة من كبار المسؤولين بالشرق الأوسط من الذين أبدوا اهتماماً مكثفاً بنتائج الحرب، وبطبيعة الحال من محادثاتنا معهم.

استنتاجنا النهائي يتناقض مع وجهات النظر المطروحة للتسويق من قبل البيت الأبيض والمسؤولين الإسرائيليين القائلة:

«بأن الهجوم الإسرائيلي في لبنان أحدث ضرراً كبيراً في مقدرة حزب الله على شن الحرب، وبأن إسرائيل استطاعت ونجحت في خفض المقدرة العسكرية لحزب الله التي قد تتيح له الفوز في أي معركة أخرى بالمستقبل، وبأن الجيش الإسرائيلي عندما تم نشره بأعداد كبيرة في جنوب لبنان تمكن من التغلب على أعدائه وأملى عليهم تسوية في صالح المؤسسة السياسية الإسرائيلية».

الواقع أن ما حدث هو عكس ذلك تماماً، فمن ابتداء الحرب إلى آخر عملياتها، تمكن قادة حزب الله الميدانيين وبنجاح من اختراق كافة دوائر مراكز اتخاذ القرارات الاستراتيجية والتكتيكية (التعبوية والسوقية) الإسرائيلية، وعبر المنظور المخابراتي والعسكري، وبنطاق العمليات السياسية كذلك، والنتيجة هي تمكَّن حزب الله ودون جدال من إحراز نصر كامل وحاسم في الحرب مع إسرائيل.

حرب الاستخبارات:

غداة الحرب أقر أمين عام حزب الله السيد نصر الله بأن رد فعل إسرائيل على خطف جندييها وقتل ثمانية آخرين عند الساعة التاسعة وأربع دقائق صباحاً من يوم 12 يوليو، كان مفاجئاً لقيادة حزب الله.

تعليق نصر الله أقفل اللجام على تقارير الإعلام القائلة بأن حزب الله تعمد شن الحرب باستفزازه لإسرائيل، وبأن خطف الجنديين كان خطوة من مخطط معد سلفاً من قبل حزب الله وتمت الموافقة عليه في إيران. إن حزب الله أوضح موقفه ونيته وخلال عدة سنوات بخطف جنود إسرائيليين، فلم يكن هنالك سبب مقبول لنا لكي نفترض بأن ذلك لن يكون في منتصف شهور الصيف حيث العديد من العائلات الشيعية الميسورة من المهجر تأتي لزيارة لبنان، وكذلك عندما كان متوقعاً أن يصل وبأعداد كبيرة العرب من دول الخليج في موسع الاصطياف.

وليس صحيحاً كما قيل في البداية، بأن حزب الله نسَّق عملياته مع عمليات حماس في فلسطين، ففي حقيقة الأمر حماس أخذت هي الأخرى على حين غرة بعملية خطف الجنديين، صحيح أن قيادة حماس دافعت عن عملية حزب الله ولكن من الجدير بالقول الآن وبعد مرور الأيام، أن قادة حماس لم يكونوا مسرورين من عملية حزب الله، فإسرائيل خلال الحرب التي شنتها، قامت بعدة عمليات عسكرية ضد حماس في غزة وقتلت مقاتلين منها وأعداد كبيرة من المدنيين. والهجوم الإسرائيلي على غزة لم يُلتفت إليه كثيراً في إعلام الغرب، وهكذا تم إحياء المقولة الشائعة أحياناً بأنه عندما يحترك الشرق الأوسط، يتم تناسي الفلسطينيين.

في الحقيقة؛ اختطاف الجنديين الإسرائيليين وقتل ثمانية آخرين فاجأ حزب الله نفسه، والعملية لم تتم إلا لأنه كان هناك أوامر دائمة لوحدات حزب الله باستغلال أي ضعف يظهر في عسكر إسرائيل.

صحيح أيضاً أن السيد نصر الله أشار بنفسه إلى نية حزب الله بخطف جنود إسرائيليين، وذلك، بعد أن تنكَّر رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق أرييل شارون لاتفاق ينص على إطلاق كافة السجناء من حزب الله[2] (وهم ثلاثة) وكان ذلك من ضمن آخر عملية تبادل أسرى إسرائيليين وجنود من حزب الله.

عملية الخطف كانت سهلة للغاية في حقيقة الأمر، فالجنود الإسرائيليون أهملوا أوامرهم الدائمة بدورهم بخصوص إجراءات العمليات، فلقد تركوا عرباتهم تحت أنظار مواقع حزب الله وفعلوا ذلك عندما كانوا خارج دائرة الاتصال مع قوادهم الأعلى مرتبة وكذلك خارج نطاق نيران التغطية المضادة من بقية جيشهم.

نلاحظ كذلك أنه بينما كان الإعلام الغربي يخطئ باستمرار في استقراء الأحداث على الحدود الإسرائيلية اللبنانية، إلا أن صحيفة «هآرتس» عززت الرواية التالية:

«تم إرسال قوة من الدبابات وناقلات الجنود المدرعة فوراً داخل لبنان في عملية مطاردة ساخنة، وفي خلال هذه المطاردة عند الساعة 11 صباحا...(أ) دبابة من نوع ميركافا تقدمت أماماً واصطدمت بعبوة ناسفة قوية يقدر وزنها من 200 إلى 300 كيلو جرام من المتفجرات وكان ذلك على بعد 70 متراً فقط من شمال سياج الحدود، الدبابة دمرت بالكامل تقريباً وقتل كل أفراد طاقمها المتكون من أربعة فوراً، وعلى امتداد الساعات التالية شن جنود الجيش الإسرائيلي قتالاً ضروساً ضد مسلحي حزب الله، وخلال المعركة عند الساعة 3 بعد الظهر، قتل جندي إسرائيلي آخر وجرح اثنان آخران جروحا طفيفة».

عملية الاختطاف «الأسر» أصبحت العلامة الفارقة لسلسلة من الإحباطات الناتجة عن فشل الجيش الإسرائيلي، والتي ازدادت وطأتها بتصرفات قواد كانوا يتصرفون ويقودون المعركة من خارج إجراءات مناطق الحدود المعتادة. أفراد الوحدة الجوالة كانوا في أواخر أيام انتشارهم في الشمال وكان حذرهم واستعدادهم في حده الأدنى.

وليس صحيحاً أن مقاتلي حزب الله قتلوا الجنود الإسرائيليين الثمانية خلال عملية اختطافهم للاثنين، الثمانية ماتوا عندما قام قائد سلاح الحدود بالجيش الإسرائيلي -وهو واقع في حرج شديد من عدم الالتزام بقواعد وإجراءات الأوامر الدائمة- بإصدار الأوامر لعرباته المدرعة بمطاردة الخاطفين، المدرعتين وقعتا داخل شبكة من ألغام حزب الله المضادة للدبابات ودمرتا بالكامل. جنود الجيش الإسرائيلي الثمانية ماتوا خلال العملية أو نتيجة لعمليات قتالية تلتها.

والذي تَكَشَّفَ أن وحدة من الجيش الإسرائيلي تدنو من الحدود دون أن يكون لها غطاء من نيران مضادة وبطريقة تجعل منها هدفاً مفتوحاً لهجوم محتمل من حزب الله، دفع بالضباط الإسرائيليين للتساؤل فيما إذا كانت هذه الوحدة تتصرف من خارج تسلسل أوامر القيادة. تم على ما يبدو تشكيل لجنة تحقيق من كبار قادة الجيش فوراً للتأكد من الحقائق، ولكي تقوم كذلك بمراجعة إجراءات جيش الدفاع الإسرائيلي التي تتحكم في سلوك الوحدات العاملة على الحدود الشمالية، ولم يتم كشف النقاب عن نتائج التحقيق إلى الآن.

على الرغم من تفاجؤ حزب الله من الرد الإسرائيلي، إلا أن مقاتليه في جنوب لبنان كانوا في وضعية الإنذار الكامل خلال بضعة دقائق من عملية الاختطاف، وتم إخطار قادة المراكز العليا التي تتحكم في الترسانة العسكرية فوراً من قبل رؤسائهم.

قوة وحصانة متاريس حزب الله ودفاعاته كانت نتيجة ستة سنوات من العمل الدؤوب والجاد، والذي انطلق منذ الانسحاب الإسرائيلي من المنطقة في سنة 2000م، والعديد من مراكز القيادة تحت الأرض تم بناؤها وتحصينها من قبل مهندسي حزب الله، بل وحتى بعضاً منها كان مجهزاً بتكييف الهواء.

حفر خنادق ترسانات حزب الله كان يتم خلال السنوات الماضية وكان يصاحبه برنامج تمويه معقد، حيث كانت بعض الخنادق تحفر أمام أنظار طائرات التجسس الإسرائيلية أو حتى تحت أبصار المواطنين اللبنانيين من الذين تربطهم علاقات وثيقة بالإسرائيليين، ثم يضاف إليها وسائل تمويه أخرى فتصبح أهدافاً زائفة في الوقت نفسه الذي كان يتم فيه حفر الخنادق الأخرى الحقيقية وتُحصَّن في مناطق بعيدة ومخفية عن أنظار السكان اللبنانيين، وخنادق القيادة وترسانات الأسلحة كانت محفورة على أبعاد عميقة في جبال لبنان الصخرية ويصل بعضها إلى عمق 40 متراً.

ومن المقدر أنه تم حفر أكثر من 600 خندق منفصل للذخيرة والأسلحة وتوزيعها كان يتم بطريقة إستراتيجية في الإقليم الواقع جنوب نهر الليطاني.

ولأسباب أمنية لم يكن هنالك قائد ميداني واحد يعرف مواقع كل الخنادق، وكل وحدة منفصلة ومميزة من ميليشيا حزب الله كان يُخصَّص لها الصلاحية بالدخول إلى ثلاثة خنادق فقط؛ وهي على النحو التالي: خندق ذخيرة أولي، ثم خندقين احتياطيين في حالة أن الأول يتم تدميره.

تم إنشاء نقاط تجمع واندفاع عسكري، على المنوال نفسه، أولية ثم اثنتين احتياطيتين، لكل وحدة قتالية مميزة ومخصصة لها. ومن مهام هذه النقاط التسلح والقتال ضمن مناطق التحام محددة لها، وإجراءات الأمن لنقاط الحشد والاندفاع هذه كان يتم الحفاظ عليها وعلى سريتها بشكل مطلق، ولا يوجد في حزب الله قائد مفرد له صلاحية معرفة كامل بنية الخنادق ومواقعها.

نقاط الحشد والاندفاع وترسانات الأسلحة كانت من ضمن أهداف سلاح الجو الإسرائيلي خلال الاثنتين والسبعين ساعة الأولى من الحرب، قادة الجيش الإسرائيلي استطاعوا تحديد مواقعها من خلال خليط من تقارير استخباراتية، من بينها اعتراض اتصالات لاسلكية من حزب الله، وصور الأقمار الصناعية المقدمة من الجيش الأميركي، وكذلك الصور التي يلتقطها سلاح الجو الإسرائيلي التي يتم تحليلها فيما بعد، والأكثر أهمية تقارير شكبة جواسيس موثوق بهم بجنوب لبنان تم تجنيدهم من قبل عملاء لإسرائيل مقيمين في الجنوب اللبناني بما في ذلك مواطنين أجانب (غير لبنانيين) مسجلين عمَّالاً في لبنان.

الهجوم الأولي الذي قام به سلاح الجو الإسرائيلي على نقاط الحشد وشبكات الخنادق والترسانات خلال الاثنتين والسبعين ساعة الأولى من الحرب، فشل فشلاً ذريعاً.

في يوم 15 يوليو قام سلاح الجو الإسرائيلي باستهداف قيادة حزب الله في بيروت، هذا الهجوم فشل هو الآخر، وحتى هذه اللحظة لم يقتل فيه أي شخصية قيادية سياسية من حزب الله، وعلى الرغم من إصرار إسرائيل على القول بأن قيادة منظمة حزب الله تعرضت لخسائر جسمية.

وطبقاً لمسؤول أمريكي كان مراقباً عن قرب لسير العلميات (الهجوم الجوي الإسرائيلي «ربما» تمكن من تدمير 7% فقط من قدرات حزب الله العسكرية المتاحة لمقاتليه في الأيام الثلاثة الأولى) ثم أردف قائلاً بأن الهجوم على قيادة حزب الله كان دون أي جدوى على الإطلاق.

التقارير التي كانت تقول بأن قيادة حزب الله لجأت إلى السفارة الإيرانية في بيروت، هي غير صحيحة على الإطلاق (تلاحظ أن السفارة لم تضرب أبداً)، ومع ذلك يظل المكان الذي ذهبت إليه القيادة غير معروف، وقال السيد نصر الله لأحد معاونيه، بأنه حتى هو شخصيًّا لا يعرف أين ذهبوا.

كذلك غير صحيح ما قيل بأن قيام إسرائيل بتدمير بنية لبنان التحتية كانت نتيجة فشلها في تدمير مقدرة حزب الله العسكرية خلال الأيام الأولى من الحرب.

خطط إسرائيل المعتادة كانت تنص على عمليات قصف ثقيل ومتوالي لكافة الطرق الرئيسية في لبنان مع الجسور والموانئ بالإضافة إلى خطط لتدمير عتاد حزب الله السياسي والعسكري، ولم تكن هذه الخطط سرية في إسرائيل، فغرضها من ذلك قطع علاقات الدعم لحزب الله في مناطق المسلمين السنة والمسيحيين وكذلك الدروز، والرؤية كانت تنص على معاقبة لبنان لأنه يُؤوي حزب الله، وبالتالي المطلوب هو استثارة عامة الناس ضد الميليشيا «المقاومة»، وهذا كله كان جزءاً من الخطة الإسرائيلية منذ انسحابها من جنوب لبنان في سنة 2000.

في حين كان قادة الجيش الإسرائيلي يعلنون على الملأ وبكل ثقة أنهم نجحوا في هجومهم، إلا أن القادة أنفسهم كانوا يطلبون من رئيس الوزراء إيهود أولمرت الموافقة على المزيد من الغارات الجوية بغرض -حسب قولهم- تدمير مخابئ حزب الله الهامشية المحتملة، وكان ذلك في نهاية الأسبوع الأول من الحرب، أولمرت اعتمد طلبهم على هجومات جديدة، وكان يعلم في الوقت نفسه أن قيام كبار القادة العسكريين بهذا الطلب الإضافي، كان في الواقع إقرار بأن تقديراتهم الأولية للأضرار التي ألحقوها بحزب الله كان مبالغاً فيه.

مجزرة «قانا» كانت نتيجة لموافقة أولمرت على الغارات الإضافية أو حسب ما قيل له: «مَطّ محتوى الهدف».

أحد الخبراء العسكريين الأمريكيين الذين رصدوا الحرب عن قرب، علَّق على عملية قصف «قانا» قائلاً: «... ليس الأمر معقداً كما يبدو، فبعد الفشل في الحملة الأولى رجع قواد سلاح الجو الإسرائيلي إلى ملفات أهدافهم السابقة للتأكد من أنهم لم يهملوا أي شيء، وعندما قرروا بأنهم لم يفعلوا، ربما وقف أحد الحاضرين وخرج لغرفة أخرى وأحضر منها مظاريف جديدة تحتوي على أهداف في مواقع سكانية عالية الكثافة وقال: اسمعوا، ما رأيكم في هذه الأهداف؟..وهكذا قاموا بما قاموا به، أي قصفوا «أهدافاً قريبة من!» سكان جنوب لبنان. قَصْفُ قانا كان نتيجة لفشل إسرائيل في الحرب، وليس بسبب نجاحها».

أسلوب «مَط الهدف» تصاعد طوال الحرب، فعندما أصيب سلاح الجو الإسرائيلي بالإحباط نتيجة لعدم قدرته على تحديد أهداف عسكرية لحزب الله وتدميرها، أخذ يستهدف المدارس والمراكز الاجتماعية والمساجد معتقدين بأن عدم قدرتهم على العثور على أهداف عسكرية لحزب الله كان مؤشراً على إن حزب الله يلجأ إلى إخفاء إمكاناته العسكرية داخل المراكز المدنية.

ضباط سلاح الجو استمروا في المحاجّة مدَّعين أن استمرار هجمات حزب الله بالصواريخ كان يعني أن لديه خط تموين مستمر، وقانا تقع على مفترق طرق حيث تتصل عندها خمسة من الطرق المهمة المنفصلة وهي في قلب أرض حزب الله، وبالتالي منع التموين عن طريق قانا كان يعني منح سلاح الجو الإسرائيلي الفرصة لإثبات أن حزب الله كان قادراً على الاستمرار في الهجمات الصاروخية فقط لأنه يعتمد في تموينه على خط التموين المار عبر بلدة قانا.

ومع ذلك الحقيقة كانت شيئاً آخراً، قواد الجيش الإسرائيلي الكبار كانوا يعرفون أن توسيع رقعة الأهداف في لبنان لن يؤدي إلى إنقاص أو إضعاف المقدرة العسكرية لحزب الله، لأن هذه المنظمة كانت تعتمد في عملياتها على مخابئ ذخيرة وأسلحة وصواريخ موجودة فعلاً وبعيدة عن منال الجيش الإسرائيلي، بعد الهجوم على قانا الذي قتل فيه 28 مدنيًّا، وافقت إسرائيل على وقف لإطلاق النار لمدة 48 ساعة.

وَقْفُ إطلاق النار وفَّر أول دليل ملموس على أن حزب الله استطاع الصمود ضد الغارات الجوية الإسرائيلية، وأنه كان يستعد لحرب دفاعية طويلة الأمد في جنوب لبنان، قُوَّاد حزب الله في الميدان احترموا وقف إطلاق النار وأطاعوا قادتهم السياسيين، فيما عدا خرق استثنائي واحد أو اثنين، ولم يتم إطلاق أي صاروخ باتجاه إسرائيل خلال مدة وقف إطلاق النار.

نشير هنا إلى إهمال الاعتبار الملائم لمقدرة حزب الله على «وقف إطلاق النار»، فلقد تجاهل خبراء الاستخبارات الغربيين والإسرائيليين هذه المقدرة، ولكن أهميتها تكمن في أنها تثبت مقدرة حزب الله على فرض الانضباط على قواده الميدانيين... وهذه المقدرة كانت في حد ذاتها بمثابة صدمة غير مرغوب فيها من قبل كبار قواد الجيش الإسرائيلي، والذين استخلصوا العبرة مما حدث دليلاً على إثبات أن شبكة اتصالات حزب الله وقدراتها لم يمسها سوء من جراء القصف الجوي المتواصل والعنيف، وأُثبت أيضاً أن حزب الله كان على اتصال دائم مع قواد المعارك في مواقعها، وأن هؤلاء بدورهم كانوا قادرين على الحفاظ على شبكة اتصالات قوية على الرغم من محاولات المنع الإسرائيلي.

وعلى نحو أكثر تبسيطاً، مقدرة حزب الله على «وقف إطلاق النار» كانت يعني أن الهدف المتمثل في عزل مقاتلي حزب الله عن هيكليتهم القيادية -وهو ما يعتبر في الجيش الحديثة ضرورة ملحة في حالة الحرب ذات الميادين عالية التقنية والتعقيد-، هذا الهدف فشلت إسرائيل في تحقيقه، ولم يكن أمام كبار قواد الجيش سوى الوصول إلى استنتاج واحد:

إن معلومات الاستخبارات الإسرائيلية عن حزب الله قبل الحرب كانت إما ناقصة بشكل مفزع أو خاطئة بشكل مميت!.

في الواقع، وخلال سنتين استطاعت استخبارات حزب الله أن تبني مقدرة عالية الكفاءة في مجال الإشارة والاعتراض ومكافحة التجسس، فأثناء الحرب كان قواد حزب الله قادرين على التنبؤ الصحيح؛ أين ومتى سيضرب سلاح الجو الإسرائيلي، ويضاف إلى ذلك أنهم استطاعوا تحديد هوية عملاء الاستخبارات الإسرائيلية في لبنان.

وقبل شهر واحد من عملية اختطاف الجنديين وما تلاه من هجوم إسرائيلي كانت الاستخبارات اللبنانية قد تمكنت من تفكيك شكبة تجسس إسرائيلية تعمل داخل البلاد.

خبراء استخبارات حزب الله والحكومة اللبنانية تمكنوا من القبض على ستة عشر جاسوساً في لبنان، وإن كانوا فشلوا في العثور على رئيسها، والإنجاز المدهش كان في تمكن حزب الله «تحويل» ولاء العديد من عملاء إسرائيل في لبنان من الذين كانوا يرسلون تقارير إلى ضباط الاستخبارات الإسرائيلية عن مواقع مخابئ وخنادق حزب الله في الجنوب، وفي بعض الحالات البالغة الحساسية كان كبار ضباط استخبارات حزب الله قادرين على ضخ معلومات زائفة عن المنظمة وتجمعات الميليشيا إلى الأجهزة الإسرائيلية. لهذا السبب كانت ملفات الأهداف المعدة في سلاح الجو الإسرائيلي تذكر وتحدد أهدافاً في الواقع غير موجودة.

وأخيراً نشير إلى مقدرة حزب الله في التجسس على اتصالات الجيش الإسرائيلي والقراءة من خلال ذلك لكل المخططات وطرق التفكير المعتمدة لدى العدو، وهذا بدوره كان له تأثيراً حاسماً في التصدي للحرب البرية التي تلت.

تمكن خبراء الاستخبارات بمنظمة حزب الله من جعل مقدرتهم على التنصت عالية الكفاءة بالدرجة التي كان تتيح لهم سماع كافة الاتصالات الإسرائيلية على أرض الميدان ما بين القواد وإسرائيل ذاتها. مع أنه من المعروف أن إسرائيل تستخدم نظاماً بالغ التعقيد يسمى (القفز بالتردد) أي التحول المستمر من تردد إلى آخر ضمن تقنية معقد لمنع التصنت على المحادثات، إلا أن ضباط الاستخبارات الإسرائيلية لم يقدّروا حزب حق قدره من حيث تمكنه من تعلم وحيازة المهارات اللازمة والعالية التقنية أيضاً في عمليات اختراق شبكات اتصال العدو، وبالطبع نتيجة هذه الاستهانة بالخصم أدَّت إلى خطأ في حسابات إسرائيل، فلقد احتسب القادة عنصر المفاجأة بوصفه هامشاً حيويًّا لكسب المعركة... ولكن لم تكن هنالك مفاجأة ولم يكن بالتالي هناك نصر.

من الواضح الآن أن المؤسسة السياسية الإسرائيلية أصيبت بصدمة من فشل قواتها في تحقيق أهدافها العسكرية الأولى في الحرب، بما في ذلك إضعاف قدرات حزب الله العسكرية وتدمير أكبر عدد ممكن من ترساناته ومراكز قيادته.

ولكن المؤسسة السياسية الإسرائيلية لم تقم بفعل أي شيء استعداداً لما هو أسوأ... ففي أول اجتماع لمجلس الوزراء المصغر المخصص لشؤون الأمن عقب عملية الخطف «الأسر» بتاريخ 12 يوليو، لم تستغرق المناقشة سوى ثلاث ساعات، في حين كان المجلس الأمني الوزاري يطلب مع رئيسه أولمرت التفاصيل الدقيقة من الجيش الإسرائيلي عن خطط الحرب في الثلاثة أيام الأولى، إلى أن عجزوا عن تحديد أهداف سياسية واضحة في مرحلة ما بعد الحملة أو حتى التخطيط لاستراتيجية مخرج سياسي في حالة أن يفشل الهجوم.

أولمرت ووزارته الأمنية خرقوا أول مبدأ في الحروب؛ لقد احتقروا عدوهم. رئيس الوزراء ومعاونيه كانوا أسرى الأسطورة القائلة بأن الجيش الإسرائيلي غير قابل للهزيمة وبقدرته على الردع الفعّال، ومثلهم مثل عامة الجمهور في إسرائيل كانوا يعتقدون بأن مسائلة جيش الدفاع الإسرائيلي عن مقدراته يعتبر عملاً يدنس قدسيته.

فشل الاستخبارات الإسرائيلية خلال الحرب كان كارثيًّا، وكان ذلك يعني أن الحملة الجوية الإسرائيلية الهادفة لإضعاف حزب الله بصورة كبيرة خلال الاثنتين والسبعين ساعة الأولى من الحرب، ومن ثمة الفوز الحاسم في مواجهة مع الحزب، أصبح يبتعد شيئاً فشيئاً عن أمكانية التحقيق إلى درجة الاستحالة.

يقول خبير عسكري أمريكي: «لقد خسرت إسرائيل الحرب خلال الثلاثة الأيام الأولى، فعندما يكون لديك مثل هذا النوع من المفاجأة ومثل هذا النوع من قوة النيران الماحقة، فمن الخير لك أن تنتصر وإلا فستكون سائراً في طريق طويل جدًّا».

كبار ضباط الجيش الإسرائيلي استنتجوا أنه عند الأخذ في الاعتبار فشل الضربة الجوية، لم يعد لديهم سوى خيار واحد: غزو لبنان بالقوات البرية على أمل التمكن من تدمير عزيمة حزب الله على الانتصار!.

[2] الانتصار في الحرب البرية

قرار إسرائيل بإطلاق حرب برية لتحقيق ما عجز عنه سلاحها الجوي كان يسمه التردد والعشوائية، فبينما كانت وحدات الجيش الإسرائيلي تخترق بعض المناطق بجنوب لبنان خلال الأسبوع الثاني من الحرب، بقيت القيادة العسكرية عاجزة عن تحديد متى؟، وأين؟، بل وحتى فيما إذا كانت على استعداد لنشر وحدات قواتها البرية.

يرجع السبب في ذلك جزئيًّا -أي عن مسألة متى وأين وفيما إذا- إلى إدعاءات سلاح الجو بالنصر. سلاح الجو الإسرائيلي استمر يدَّعي أنه سوف يحقق النصر الساحق عن طريق الجو في خلال يوم واحد إضافي فقط، ثم يوم آخر فيوم آخر. التردد انعكس بوضوح في وسائل الإعلام الغربية وعدم تأكدها فيما إذا كان هجوماً بريًّا سوف يقع أو فيما إذا كان قد وقع فعلاً.

كبار الضباط الإسرائيليين استمروا في اتصالاتهم مع الصحافة قالوا: إن التوقيت للهجوم البري مازال قيد السرية المشددة، وفي الواقع لم يكن هؤلاء يعرفون شيئاً.

التردد كان أيضاً نتيجة للتجربة المريرة التي تعرضت لها الوحدات الصغيرة من الجيش التي تمكنت من اختراق خط الحدود.

قادة القوات الخاصة أخذوا منذ يوم 18 يوليو في إخطار رؤسائهم بأن وحدات حزب الله تقاتل باستماتة شديدة للحفاظ على مواقعها على الخط الأول المشرف على إسرائيل ذاتها.

عند هذه اللحظة، اتخذ رئيس الوزراء إيهود أولمرت قراراً سياسيًّّا:

«سوف يأمر بنشر كامل جبروت جيش الدفاع الإسرائيلي لكي يقوم بهزيمة حزب الله»، وفي الوقت نفسه كان مساعدوه الرئيسيون يعلنون رغبتهم في القبول بوقف لإطلاق النار ونشر قوات دولية، أولمرت كان عاقداً العزم على ألَّا تكشف إسرائيل عن أوراقها، إسرائيل سوف تقبل بنشر قوات دولية من الأمم المتحدة ولكن فقط بوصفه حلاً أخيراً.

وفي البداية وخطوة أولى، قرَّر أن إسرائيل سوف تقبل بقوات من حلف شمال الأطلنطي، وتمشيًّا مع هذه الاستراتيجية، سيتم استدعاء قوات الاحتياط للجبهة بتاريخ 21 يوليو، والاستدعاء المفاجئ -وفي البداية كانت الخطة بهزيمة حزب الله من الجو فإذا عجز عن ذلك سيتم استخدام القوات الاعتيادية ودون استدعاء لقوات الاحتياط-، وهكذا تم النشر المبدئي لقوات الاحتياط بصورة متسرعة وفاقدة للتنسيق.

ونكرر أنه من المحتمل أن إسرائيل لم تكن تصدق أنها سوف تضطر لاستدعاء الاحتياط خلال الحرب، وإلا كان الاستدعاء قد تم في وقت مبكر، نضيف إلى ذلك أن عملية استدعاء قوات الاحتياط أخذ كبار ضباط قوات الاحتياط هذه على حين غرة وفجأة، وهكذا تم التعامل مع أمر الاستدعاء بصورة فوضوية حتى أصبحت «ذيول» قوات الاحتياط (وهي وحدات منوط بها الدعم اللوجستي) متخلفة عن القوات الفعلية المنشورة بزمن يتراوح ما بين 24 و48 ساعة.

الاستدعاء الذي دخل قيد التنفيذ يوم 21 يوليو، كان إشارة واضحة كل الوضوح للمخططين الاستراتيجيين في وزارة الدفاع الأمريكية بأن الحرب لا تسير على ما يرام، وهذا يساعدنا على تفسير قضية وصول جنود الاحتياط للجبهة دون المعدات اللازمة ودون خطة عسكرية متماسكة، ودون ذخيرة يستلزمها القتال المنتظر. ونشير هنا إلى أن إسرائيل خلال الحرب بكاملها عانت كثيراً في سبيل توفير الدعم المناسب لقوات الاحتياط مثل الطعام والذخيرة بل وحتى الماء الذي وصلت مستوياته إلى تأخير من 24 إلى 48 ساعة خلف تواجد هذه القوات إلى حيث تم تخصيص مواقعها.

الأثر الذي أحدثته هذه الفوضى لاحظه جيداً المراقبون العسكريون؛ فقال بعضهم: «القوات الإسرائيلية كانت تظهر غير مستعدة وروحها المعنوية هابطة وتصرفاتها يشوبها الخلل»، وأردف مراقب أمريكي بأن هذا ليس هو جيش الدفاع الإسرائيلي الذي تعودنا عليه.

والحفاظ على لعبة أولمرت السياسية أعلاه؛ الهدف المعلن بقصد تدمير حزب الله بالكامل تم تخفيضه.. فخرج الجنرال إيدو نيهوشتان يقول: إن هنالك خلطاً ما بين الأهداف العسكرية والأهداف السياسية، وهذا الجنرال هو عضو في هيئة الأركان العامة. وكان تصريحه هذا بعد يوم واحد فقط من إعلان التعبئة العامة لقوات الاحتياط، ثم استمر قائلاً: «إن الهدف ليس بالضرورة تدمير كل صواريخ حزب الله، ولكن ما يجب علينا فعله هو خلخلة المنطق العسكري لحزب الله، وأنا لا أزال أعتقد بأن الهدف سيتحقق خلال بضعة أيام قادمة».

لم يكن هذا التصريح مناسباً، بل كان أسلوباً غريباً لتقديم استراتيجية عسكرية لقيادة حرب بهدف خلخلة المنطلق العسكري للعدو، الجنرال نيهوشتان وتصريحه كان له أثر الماء البارد على القواد الميدانيين الذي أخذوا يتساءلون ما هي أهداف الحرب بالتحديد؟.

ولكن قادة آخرين من جيش الدفاع الإسرائيلي كانوا مسرورين، فبينما سلاح الجو فشل في إيقاف الهجمات بالصواريخ على المدن الإسرائيلية، إلا أن عدداً قليلاً تم إطلاقها في الفترة ما بين 19 و 12 يوليو، أي أقل من أي يوم آخر -في الواقع كان العدد قليل جدًّا، في 19 يوليو وربما كان أقل من 40 صاروخاً في يوم 20 يوليو، و 50 في يوم 22 يوليو-. في يوم 22 يوليو تدخلت الولايات المتحدة الأمريكية لأول مرة في الحرب عسكريًّا حيث في نهاية يوم 21 يوليو، استلم البيت الأبيض طلباً من أولمرت وجيش الدفاع الإسرائيلي بتزويد كمية كبيرة من الذخيرة الموجهة بالدقة المتناهية. هذا الطلب يشير بوضوح إلى فشل سلاح الجو الإسرائيلي في مهمته المتمثلة في تحقيق تخفيض بترسانة حزب الله العسكرية بصورة بالغة خلال الجولات الافتتاحية من الحرب.

تمت الموافقة على الطلب بسرعة فائقة وانطلقت شحنات الذخيرة إلى إسرائيل ابتداء من صباح 22 يوليو، كبار موظفي وزارة الدفاع كانوا مندهشين من حجم الشحنات لأن ذلك كان يعني أن إسرائيل قد استهلكت معظم ما لديها من ذخيرة في الأيام العشرة الأولى من الحرب، وهو يعني كذلك أن عدد الأهداف المعتمدة أصبح كبيراً جدًّا، ويوحي بأن إسرائيل قد تخلت عن القصف التكتيكي (السوقي)، وهي الآن في سبيل شن هجوم كاسح مدمر على كل ما تبقى من بنية لبنان التحتية، وهذه استراتيجية لم تنجح في الماضي خلال الحرب العالمية الثانية عندما قامت بريطانيا والولايات المتحدة بتدمير 66 مركزاً مدنيًّا بها كثافة سكانية كبيرة، ولم ينتج عنه على الاطلاع أي أثر جدير بالذكر على الروح المعنوية الألمانية ولا على قدراتها العسكرية.

ولكن لم يكن هنالك الكثير من الاعتراض في البنتاغون، حتى وإن أشار أحد كبار المراقبين هناك إلى أن الطلب المتزايد بتوفير الذخيرة الأمريكية لإسرائيل كان يذكر بطلب مشابه تقدمت به إسرائيل بسنة 1973 في قمة حرب يوم كيبور أكتوبر، وقال الضابط المراقب تحديداً: «إن هذا يعني شيئاً واحداً، أن الخناق يشتد عليهم».

على الرغم من الشكوك والمخاوف لرد فعل إسرائيل -والشكوك والمخاوف التي لم يعلن عنها- كانت عميقة وتدفع للقلق حتى في أعلى قيادات سلاح الجو الأمريكي نفسه، إلا أن كبار الضباط الأمريكيين احتفظوا بآرائهم لأنفسهم، وكان ذلك لسبب مهم:

انتقاد إسرائيل لأنها طلبت شحنات ذخيرة خلال حرب 1973 قاد لاستقالة رئيس هيئة الأركان الأمريكية المشتركة الجنرال جورج براون. براون هذا استشاط غضباً لأن الأسلحة الأمريكية وذخيرتها كانت ترسل إلى إسرائيل في الوقت الذي كان فيه قادة القوات الأمريكية في فيتنام يعانون من نقص الإمدادات في حربهم بجنوب شرق آسيا (خصوصاً في فيتنام).

رئيس هيئة الأركان المشتركة الأمريكية الحالي الجنرال بيتر بيس التزم الصمت خلال حرب حزب الله وإسرائيل، فالرجل يفهم في التاريخ، قدَّم التحية وخلد للسكون، ولكن عدداً من كبار القادة العسكريين الأمريكيين وأعضاء هيئة الأركان المشتركة نفسها لم يكونوا هم الوحيدين الذين انتابهم القلق من أداء إسرائيل المتدني، فبينما كانت الذخيرة الأمريكية تشحن بلا توقف على الطائرات إلى إسرائيل عن طريق مطار بريستويك في اسكتلندا ببريطانيا، كان ضباط الاستخبارات الأمريكية يشرعون في تقييم الأيام الأولى للحرب والهجوم الجوي، ولقد لاحظ أحدهم علناً بأنه وعلى الرغم من الهجوم الجوي المتواصل كانت قناة المنار التلفزيونية لحزب الله تواصل بثها من بيروت وكأن شيئاً لم يكن... هذا بالرغم من تدمير القنوات التلفزيونية اللبنانية الأخرى، وفي الواقع قناة المنار لم تتوقف أبداً. ثم تابع هذا الملاحظ متسائلاً «كيف لنا أن نحكم بفعالية سلاح الجو الإسرائيلي في حملته الجوية إذا ما رأينا أنهم لم يستطيعوا حتى تدمير محطة البث الخاصة بحزب الله؟».

عملية استدعاء الاحتياط كان المقصود منها دعم وتقوية القوات المقاتلة فعليًّا في جنوب لبنان، وكذلك لإضافة الوزن لعملية الهجوم البري. في يوم 22 يوليو قاتلت وحدات حزب الله من كتيبة النصر القوات الإسرائيلية شارعاً بشارع في مارون الرأس، وبينما ادَّعى الجيش الإسرائيلي في نهاية اليوم بأنه استولى على المدينة، إلا أن الأمر لم يكن صحيحاً، القتال كان دمويًّا ولكن جنود حزب الله لم يتزحزحوا من مواقعهم، العديد من رجال كتيبة النصر هذه قضوا أيام عدة في انتظار الهجوم الإسرائيلي وبفضل كفاءة حزب الله ومقدرته على اختراق الاتصالات الإسرائيلية العسكرية، جنود إسرائيل صُدِموا عندما فُوجِئوا بمقاتلين متحصنين ومتمترسين بصورة مذهلة.

وحدات الجيش الإسرائيلي فشلت ولعدة مرات في إخراج المدافعين من حصونهم وتلقوا الضربات المقابلة الواحدة تلو الأخرى بغرب المدينة، ولقد خرجت وحدات صغيرة من حزب الله متكونة من ثلاثة رجال بمهمة الاصطياد والقتل من بطن كتيبة النصر المذكورة واستطاعت هذه الوحدات تدمير العديد من المركبات المدرعة الإسرائيلية خلال القتال، وكان تسليحهم لا يتجاوز صواريخ محمولة باليد مضادة للدبابات، يقول إلاي تالمور وهو ملازم إسرائيلي منهك، معلقاً على القتال: «لقد كنا نعرف أنهم سيفعلون ما فعلوا، هذه الأرض هي أرضهم، لقد كنا سنفعل الشيء نفسه إذا ما دخل أحد أرضنا».

الجيش الإسرائيلي استمر في الادِّعاء أنهم يقومون فقط بعمليات اختراق «محدودة في نطاقها» على الرغم من استدعاء الآلاف من جنود الاحتياط. أخذت فرق الجيش تتشكل في المناطق جنوب الحدود، وأخذ الناطق الرسمي الحكومي أفي بازنر يصرح: «نحن لا نعد لعملية غزو للبنان».

الجيش الإسرائيلي أطلق على عملية مارون الراس صفة «موطأ القدم الأول» في جنوب لبنان وهي توليفة من القوة الجوية والمدفعية والضغط بواسطة القوات البرية ستؤدي إلى الدفع بحزب الله خارجاً عند النقطة التي «تستوجب علينا الغزو والاحتلال».

وهكذا أصبح لدينا الآن تعريفاً واضحاً للفرق ما بين «الدفع خارجاً» و«الغزو والاحتلال» لمدينة ما، وكان ذلك إشارة أخرى للخبراء العسكريين بأن الجيش الإسرائيلي يستطيع أن يدخل إلى مدينة ولكنه لا يستطيع أن يحتلها.

أحد الضباط الأمريكيين من الدارسين للتاريخ العسكري قارن ما بين عمليات دخول وحدات الجيش الإسرائيلي بجنوب لبنان بالهجوم الدموي الذي قام به الجنرال روبرت لي على مواقع قوات الاتحاد في مدينة جيتسبيرغ بولاية بينسيلفينا خلال الحرب الأهلية الأمريكية... ثم أشار إلى ما قاله أحد ضباط الجنرال معلقاً على العملية التي باءت بخسائر باهظة بدون نتيجة «.. أواه.. أنا أستطيع أن أصل إلى هناك دون شك، ولكن البقاء هنالك كان هو المشكل».

التقارير الصادرة من قادة حزب الله بعد انتهاء الحرب، تعزز الآن واقعة أن الجيش الإسرائيلي لم يتمكن أبداً من تأمين منطقة الحدود ولم يتمكن أبداً من احتلال مارون الراس بالكامل، وحزب الله لم يشعر أبداً بالحاجة لاستدعاء قواته الاحتياطية كما فعلت إسرائيل.

أحد الخبراء العسكريين الملمين بالمنطقة والحرب صرح لنا قائلاً: «إن الحرب تمت كلها ولم يكن حزب الله يقاتل سوى بكتيبة واحدة تتكون من ثلاثة آلاف جندي لا أكثر من كتيبة النصر، قاتلت الحرب بكاملها وحزب الله لم يشعر بالحاجة لتقويتها، لقد كانت أكثر من كافية».

التقارير الواردة من لبنان تؤكد هذه الملاحظة، فقادة حزب الله فوجئوا حين وجدوا أن الجنود الإسرائيليين كانوا ضعيفي التنظيم وغير منضبطين، والوحدة الهجومية الوحيدة التي قاتلت بمستوى جيد كانت قوات فرقة الجولاني الخاصة، جيش الدفاع الإسرائيلي كان يبدو على هيئة خلطة ضعيفة، كما قال أحد المراقبين العارفين بالمصطلحات الأمريكية العسكرية ثم أردف: «ولكن ماذا تتوقع من جيش قضى الأربعين سنة الماضية وهم يطلقون رصاصات المطاط على النساء والأطفال في الضفة الغربية وغزة؟».

قادة جيش الدفاع كانوا منزعجين كثيراً أيضاً من ضعف أداء جنودهم حيث لاحظوا ما يشير إلى انعدام الانضباطية حتى ما بين أفضل الجنود المدربين من القوات الاعتيادية، حالة الانضباط في قوات الاحتياط كانت أسوأ بكثير لدرجة أن القواد كانوا يترددون في الدفع بهم إلى أتون المعركة.

في يوم 25 يوليو، استراتيجية أولمرت الجديدة القاضية بتخفيض الهدف من الحرب، أخذ تنفيذها يأخذ زخماً ملحوظاً، فمن تدمير حزب الله بالكامل، وصل الأمر بوزير الحربية إلى الإعلان بأن الهدف من الحرب هو خلق «منطقة أمنية» بجنوب لبنان.. ثم أضاف كلماته بتهديد: إذا لم تتواجد قوات متعدد الجنسيات لضبط السياج الحدودي، فسوف نستمر في إطلاق النار على كل من يقترب من «المنطقة الأمنية» التي سنحددها وسيعرفون أنهم سيتعرضون للإصابة».

وهكذا ودون إنذار اختفى الادِّعاء بأن إسرائيل سوف تدمر حزب الله. وذهب معه الادِّعاء الثاني الذي كانوا يصرون فيه على قبول قوات من حلف الناتو فقط كقوات لحفظ السلام على الحدود.

في يوم 25 يوليو، أعلنت إسرائيل أن «أبو جعفر» أحد قادة حزب الله العسكريين في «المنطقة المركزية» على الحدود، قتل أثناء «تبادل لإطلاق النار» مع الجنود الإسرائيليين بالقرب من قرية مارون الراس الحدودية -والتي لم يتم احتلالها بعد- التقرير لم يكن صحيحاً، السيد أبو جعفر أدلى بتصريحات علنية بعد الحرب بلحمه وشحمه.

في نهاية يوم 25 يوليو، وخلال زيارة كانداليزا رايس للقدس، كانت القوات العسكرية الإسرائيلية تزحف على بنت جبيل، وهي ما تطلق عليه «عاصمة إرهاب حزب الله»... معركة بنت جبيل استمرت تسعة أيام، ولكن المدينة ومقاتلي حزب الله وحتى انتهاء الحرب ولم تتمكن القوات الإسرائيلية من احتلالها، المدينة بالطبع دمرت، ومقاتلي حزب الله تمكنوا من البقاء فيها بالرغم من الغارات الجوية والقصف المدفعي المتواصل، كان هؤلاء المقاتلون ينسحبون إلى المخابئ عندما تشتد الغارات والقصف ثم يخرجون منها فقط عندما يتقدم الجنود الإسرائيليون لتنظيف المنطقة كما يقولون ويستولون على المدينة.

تكتيك ومناورات حزب الله العسكرية تذكرنا بأساليب الحرب التي اتَّبعها جيش فيتنام الشمالية خلال الأيام الأولى للحرب عندما أخبر قواد الجيش الفيتنامي الشمالي جنودهم بأنهم سيكونون في حاجة إلى «امتصاص» قنابل الغارات، أي عدم التعرض على أحزمة بناطيلهم، «التحموا بهم عن قرب».

في يوم 24 يوليو، ظهر مؤشر جديد على فشل وشيك في لبنان، لقد قامت إسرائيل بقذف ما تسميه مواقع حزب الله بالقنابل العنقودية بجنوب لبنان، والقنابل العنقودية هي من أنواع الأسلحة الفعالة وإن كانت بشعة، والدول التي تستخدمها، بمن فيها جميع أعضاء حلف الناتو وكذلك روسيا والصين، كانت دائماً ترفض التوقيع على اتفاقية دولية لتحريم استخدامها.

والدول التي تشعر بمسؤولية أكثر نحو المجتمع الدولي ولكنها تستمر في استخدامها، تقوم عادة بتركيب مفجرين اثنين بكل قنبلة وذلك في سبيل تخفيض معدل الفشل في انفجار القنابل الصغيرة التي تنتشر من القنبلة الأم بعد أطلاقها، وخلال إدارة الرئيس بيل كلينتون، وافق وزير الدفاع الأمريكي ويليام كوهين على مبدأ تركيب المفجر المزدوج بالذخائر العنقودية وكان المستهدف هو تخفيض نسبة الفشل من 14% (والبعض يقول بأكثر من ذلك إلى أقل من 3%).

نشير هنا إلى المقصود من تخفيض نسبة الفشل هو ضمان تفجُّر القنابل الصغيرة العنقودية عند أطلاق القذيفة الأم وبالتالي لا يبقى منها أي كمية لم تنفجر حتى لا تؤذي المدنيين بعد انتهاء الحرب.

التحقيق القائم حول استخدام إسرائيل لهذا النوع من الذخائر لم ينته بعد، ولكن يبدو أن الجيش الإسرائيلي استخدم ذخائر عنقودية ذات مفجر واحد، وتقول التقارير الأخيرة في الصحافة الإسرائيلية أن ضباط المدفعية في جيش الدفاع كانوا يقصفون المناطق لتغطيتها بالكامل كمن يقوم بطرح بساط فوقها، أي على كافة القرى اللبنانية مستخدمين هذه القنابل الصغيرة، وهذه الواقعة هي في الواقع تطبيق صريح لما يسمى بالقصف العشوائي الذي لا يفرق ما بين العسكري والمدني.

الذخيرة الإسرائيلية المستخدمة في الغالب تم شراؤها من مخزون قديم ودون المفجر المزدوج. وهذا يجعل الولايات المتحدة الأمريكية شريكاً متواطئاً في عملية القصف بالاستهداف العشوائي.

ومثل هذا الاستنتاج التقريري يتوافق تماماً، عند دراسة التوقيت الزمني، مع خطوط الإمداد المفتوحة لهذه الذخائر في يوم 22 يوليو، فمن الممكن أن جيش الدفاع الإسرائيلي قد تمكن من تفريغ هذه الشحنات العنقودية ثم رميها على جنوب لبنان مما تسبب في خلق الوضع المأساوي للمدنيين هنالك الذي لا يزالون يعانون منه، وقد بدأت هذه المعاناة في يوم 24 يوليو. وفي يوم 26 يوليو أقر المسؤولون بأن الأربع والعشرين ساعة السابقة كانت الأقسى في بنت جبيل من حيث شدة القتال بجنوب لبنان.

عندما فشل جيش الدفاع في الاستيلاء على المدينة، في الصباح قرر القادة إرسال لواء الجولاني ذي الأداء العالي، قُتل منهم تسعة وجرح 22، بعد الظهر في ساعة متأخرة نشر الجيش وحدات الصاعقة من المظليين عند مارون الراس حيث القتال لا يزال مستمراً مع كتيبة النصر لليوم الثالث.

في يوم 27 يوليو، واستجابةً لفشل الوحدات العسكرية في احتلال هذه المدن، وافقت الحكومة الإسرائيلية على استدعاء ثلاثة فرق احتياط أخرى، وهو ما يشكل قوة ذات خمسة عشر ألف جندي.

بحلول يوم 28 من الشهر ذاته أصبح من الواضح مقدار الفشل الكبير الذي عاناه الجيش الإسرائيلي في محاولاته لإيقاف صواريخ حزب الله، ففي هذا اليوم استخدم حزب الله نوعاً جديداً من الصواريخ باسم خَيْبر 1.

في يوم 28 نفسه تعرَّف الجمهور الإسرائيلي على مدى خطورة الفشل البالغ لأجهزة استخباراته، ففي هذا اليوم سرب موظفون من الموساد معلومات مفادها أنه في تقديراتهم حزب الله لم يتعرض لأية خسائر ذات بال في قدراته العسكرية، وبأن المنظمة تستطيع أن تواصل القتال ولعدة أشهر.

جيش الدفاع الإسرائيلي لم يوافق على ذلك بل وأصرّ على أن حزب الله تم إلحاق الضرر البالغ به، وهكذا أخذنا في مشاهدة الشقوق الأولى في منظومة الاستخبارات الإسرائيلية.

الخبراء في الولايات المتحدة أخذوا يتساءلون عن استراتيجية إسرائيل وقدراتها، وخرجت علينا نشرة «معهد بروكنز» ذات الاتجاه المحافظ بتعليق كتبه فيليب إتش. جوردون (والذي لام حزب الله على الأزمة) ينصح فيه: «إن الموضوع ليس فيما إذا كان حزب الله مسؤولاً عن الأزمة، فهو المسؤول، ولكن فيما إذا كانت إسرائيل لها الحق في الدفاع عن نفسها، ولها الحق، ولكن هل هذه الاستراتيجية على الخصوص (القصف الجوي المستمر) سوف تنجح؟، إنها لن تنجح، إنها لن تتمكن من شل حزب الله، لأنه من المستحيل إزالة آلاف الصواريخ الصغيرة القابلة للنقل والقابلة لإعادة التموين بسهولة والقابلة للإخفاء بسهولة باستخدام القصف الجوي».

تعليقات جوردون عكست وجهات نظر عدد متزايد من الضباط في الجيش الأمريكي، وهؤلاء كانوا على وشك إزالة الغبار من على خرائط خطط الهجوم الجوي على إيران في حالة أن يطلب منهم البيت الأبيض تدمير مواقع أهداف نووية.

قال لنا أحد خبراء الشرق الأوسط من الذين لهم علاقة وثيقة بالبنتاغون: «لقد كان هنالك، أي في البنتاغون، فهم خاطئ مؤداه أن سلاح الطيران الأمريكي انفعل وتحمس للحملة الجوية الإسرائيلية على لبنان، ولكن الحقيقة أنهم كانوا في منتهى الهلع لأنهم يعرفون حدود قدراتهم، ويعلمون جيداً كيف استخدمها استخداما خاطئاً»، ثم واصل: «ضباط سلاح الجو الأمريكي تحققوا جليًّا من أن إسرائيل ضربت بعرض الحائط كل القواعد المهنية العسكرية في لبنان، والهجوم لم يكن جراحيًّا (أي لم يتميز بالدقة)، ولم يكن بالتأكيد ذكيًّا، وكانوا يقولون بأنك لا تستطيع تغطية بلد ما بالحديد وتأمل بأنك ستفوز».

الأرقام المجردة الباردة عن الحرب تشير هي أيضاً وبكل وضوح إلى الخلل والفشل في الحملات العسكرية الإسرائيلية الجوية والبرية:

حزب الله كان لديه أكثر من ثمانية عشر ألف صاروخ في ترساناته قبل الحرب، ومواقع التخزين كانت مصممة لمقاومة القصف الجوي وبالتالي نجت وبكل سهولة من جميع عمليات القصف، لقد حسب مهندسو حزب الله بأن الوقت اللازم لوصول الطائرات المقاتلة لتدمير منصة إطلاق الصاروخ ابتداء من إطلاقه كان تسعون ثانية فقط، ومن خلال تمارين وتدريبات استغرقت عدة سنوات، استطاعت فرق صواريخ حزب الله تحقيق رقم قياسي أي القيام بنشر وإطلاق الصاروخ ثم تغطية المنصة المتنقلة في فترة تقل عن 60 ثانية... ونتيجة لذلك فإن طائرات سلاح الجو وطائرات الهليكوبتر -والتي أصبحت إسرائيل تملك منها أقل مما تدَّعي- لم تستطع أبداً إيقاف نيران صواريخ حزب الله على إسرائيل.. قال لنا أحد الضباط الأمريكيين: إن الكارثة الكاملة ستتحقق عندما تخسر إسرائيل الثلاثة هيلكوبترات الأخيرة.

أطلق حزب الله حوالي 4000 صاروخ على إسرائيل (حسابات أكثر دقة تشير إلى إطلاق 4180 صاروخاً) وبالتالي انخفض مخزونه منها إلى 14000 صاروخ، وهو ما يكفي لمواصلة الحرب لمدة ثلاثة أشهر أخرى.

ما هو أكثر دلالة؛ لقد أثبت مقاتلو تحزب الله أنهم منضبطون وَتَحْدُوهم عزيمة لا تفتر، واستطاعوا استخدام المعلومات الاستخباراتية لتحديد مواقع الكراديس الإسرائيلية وأماكن اختراقاتها، لقد أثبتوا أنهم مكافئون لأفضل الوحدات المقاتلة الإسرائيلية، وفي بعض الحالات، تمت هزيمة الوحدات الإسرائيلية في ساحة المعركة، ثم تم إجبارها على الانسحاب المفاجئ أو أن تعتمد كلية على التغطية الجوية لكي تحمي عناصرها من الهلاك.

وحتى عند نهاية الحرب، في يوم 9 أغسطس، أعلن جيش الدفاع الإسرائيلي أن خمسة عشرة جنديًّا من احتياطيه قتلوا وجُرِح أربعون آخرون خلال القتال في قرى مرجعيون وخيام وكيلا، وحجم الخسائر هذا يعتبر صاعقاً بالنظر إلى القيمة الهامشية لهذه الأراضي.

دفاع حزب الله القوي كان ينهك سلاح الدروع الإسرائيلية داخل لبنان، حيث إن أكثر من أربعين دبابة تكاد تكون كلها وقعت ضحية لصواريخ «ساغر» المضادة للدروع أو بصواريخ «ماليوكا» من الجيل الثاني طراز «9 إم 14» التي يتم توجيهها نحو الهدف بواسطة سلك معدني مثبت بها ويتحكم فيها مطلق القذيفة، ويطلق عليها اسم «الرضيع الصغير» وكلها استخدمت بكفاءة منقطعة النظير.

صواريخ «ساغر» بمدى ثلاثة كيلو مترات، أثبتت أنها أداة ناجحة جدًّا في ضرب وتدمير الدبابات الإسرائيلية، وهو ما سبب حالات من الصرع والتشنج لقواد سلاح الدروع، والسبب يكمن في أن صواريخ «ساغر» المستعملة (أول استعمال لها بسنة 1973) كانت نسخة قديمة من طراز حديث بحمولة ناسفة أكبر حجماً ووزناً، وكان السؤال: إذا كانت إسرائيل لم تستطع حماية دباباتها من صواريخ 1973(الجيل الثاني)، فكيف ستستطيع حمايتها من نسخة جديدة أكثر تحديثاً وتعقيداً ونسفاً.

قبل تطبيق وقف إطلاق النار، قررت القيادة السياسية الإسرائيلية إنزال عدد من المظليين في مناطق رئيسية على مسار نهر الليطاني، وكان القرار يهدف لإقناع المجموعة الدولية بأن قواعد الاشتباك لقوات الأمم المتحدة يجب أن تمتد من جنوب نهر الليطاني، ولكن لا يمكن الادِّعاء بمثل هذا إلا في حالة تمكن إسرائيل من إقناع العالم بأنها قامت بتأمين هذه المنطقة الواقعة جنوب الليطاني.

تم نقل عدد كبير من القوات الإسرائيلية جوًّا إلى المناطق الرئيسية جنوب نهر الليطاني لتحقيق هذا الهدف، هذا القرار كان يمكن أن يؤدي إلى كارثة، لقد تمت محاصرة معظم القوات التي تم إنزالها من قبل وحدات حزب الله وكان من الممكن أن ينتهي بهم الأمر إلى مذبحة لو لم تحن ساعة نفاذ وقف إطلاق النار.

القرار السياسي تسبب في سخط وغضب ضباط الجيش المتقاعدين، واتَّهم أحدهم رئيس الوزراء أولمرت بأنه يغزل خيوطه في المؤسسة العسكرية... أي أنه يستخدم الجيش لأغراض العلاقات العامة والدعاية.

أكثر العلامات الدالة على الفشل العسكري الإسرائيلي، كان في عملية عد الموتى والجرحى، تقول إسرائيل: إنها قتلت من 400 إلى 500 من مقاتلي حزب الله، وإن خسائرها هي أقل بذلك بكثير، ولكن الحساب الأكثر دقة يُظهر أن خسائر حزب الله وإسرائيل تكاد تكون متساوية.

إنه من المستحيل على الشيعة عدم السماح بإقامة جنازة مناسبة للموتى، ولقد تم حصر أقل من 180 جنازة لمقاتلي حزب الله، ومن الممكن لهذا الرقم أن يرتفع، وتقول مصادرنا في لبنان أن عدد الشهداء الشيعة في الجنوب قد حصر برقم 184.

ولكن وباستخدام أي حساب كان، سواء للصواريخ أو المدرعات أو عدد الموتى والقتلى، حرب حزب الله على إسرائيل كانت بجميع المعايير انتصاراً عسكريًّا وسياسيًّا حاسماً وجليًّا، وحتى لو كان غير ذلك (وهو ما لم يكن)، أثَّر حرب حزب الله في إسرائيل لمدة 34 يوم كان محدِثاً زلزالاً سياسيًّا بالمنطقة بأجمعها.

هزيمة حزب الله لإسرائيل كانت حاسمة، ولكن هزيمتها السياسية للولايات المتحدة الأمريكية -والتي انحازت للجانب الإسرائيلي خلال الحرب دون أدنى شك- كانت كارثية وستؤدي إلى ضرر دائم لكرامة وسمعة الولايات المتحدة في المنطقة.

[3] الحرب السياسية

عقب حرب حزب الله وإسرائيل، أُجري استطلاع للرأي العام في مصر، وكان الطلب لقطاع عريض من المواطنين بتسمية اثنين من القادة السياسيين الذين يعجبون بهم أكثر؟.

عدد ساحق من المستطلعين ذكروا اسم السيد نصر الله كالأكثر نيلاً للإعجاب، وجاء الثاني في الترتيب الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد.

الاستطلاع كان استبعاداً واستنكاراً واضحاً للساسة العرب الذين نأوا بأنفسهم عن حزب الله أثناء الحرب، وهو مؤشر لفشل جهود الفصل بين العالم العربي وإيران.

قال أحد الدبلوماسيين الأمريكيين العاملين بالشرق الأوسط عند انتهاء الحرب: «هؤلاء القادة أخذوا يبحثون بهلع عن المخارج (من الورطة التي وقعوا فيها).. ونحن لم نسمع كثيراً منهم في المدة الأخيرة... هل سمعتم أنتم؟».. كان ذلك في أواخر شهر أغسطس.

الساسة العرب أخذوا في البحث عن مخارج في سياسة وزارة الخارجية الأمريكية في المنطقة وحتى بعد الأخذ بالنظر تورطها المريع في العراق، أخذت تبدو هي الأخرى كما ولو أنها رممت قطعة مبعثرة.

يقول دبلوماسي أمريكي آخر: «... ما عناه ذلك هو أن كافة الأبواب أغلقت في وجوهنا، في العالم العربي، إمكانات دخولنا على المراكز تم تقليصها إلى أقصى حد، لا أحد يريد رؤيتنا... عندما نجري اتصالاً هاتفيًّا لا أحد يرد علينا».

«التعويذة» السحرية لهذا الانهيار كان من الممكن رؤيتها بسهولة بملاحظة مسار رحلات السيدة كونداليزا رايس، والسيدة الوزيرة لم تستطع إقناع الرئيس جورج بوش بإيقاف القتال... يضاف إلى ذلك الملاحظة التي أبدتها وهي تعلق على الحرب قائلة: إنها (أي الحرب) تدل على «مخاض ولادة» لشرق أوسط جديد، هذه الملاحظة في الواقع دمرت ما بقي عندها من مصداقية.

صرحت الولايات المتحدة بأنها سوف تحاول إنقاذ واستعادة موقعها بدعمها لخطة سلام إسرائيلية فلسطينية (يعلن عنها فيما بعد)، ولكن أمريكا استمرت في شد الخناق على الحكومة المنتخبة ديمقراطيًّا للسلطة الفلسطينية وحوَّلت تعهدها المعلن أعلاه إلى برنامج سياسي وُلد ميتاً، والسبب في كل هذا واضح كل الوضوح.

في منتصف فترة الحرب علّق لنا مسؤول أوروبي كبير في القاهرة عن العواطف الهائجة بالبيئة السياسية في مصر قائلاً: «الساسة العرب يسيرون على جانب واحد من الشارع، والشعب العربي يسير في الشارع نفسه ولكن بالاتجاه المضاد».

الفشل الكارثي للأسلحة الإسرائيلية أدى إلى ترجيح ادِّعاء ومطالبة إيران بقيادة العالم الإسلامي في مناطق عديدة بالغة الحساسية.

والآن فنرى ما نتج عن انتصار حزب الله:

أولاً: انتصار حزب الله أظهر بأن إسرائيل -أو أي قوة عسكرية غربية بالغة التقنية والتعقيد- من الممكن هزيمتها في معركة مفتوحة، في حالة أن السوق (التكتيك) العسكري الصحيح تم تطبيقه وخصوصاً إذا ما استمر في تطبيقه لمدة طويلة. حزب الله وفَّر النموذج الأمثل لإمكانية هزيمة جيشاً حديثاً.

التكتيك أو السوق الذي نتحدث عنه هو في ذاته بسيط:

تحمل وامتصاص موجة الهجوم الجوي الغربية الأولى، ثم بعد عليك بنشر واستعمال قوات صواريخ تستهدف تجهيزات عسكرية واقتصادية رئيسية للعدو، ثم تحمل وامتص موجة أخرى من حملات جوية قاسية... ثم عليك بذل أقصى الجهد لإطالة مدى الحرب لفترة طويلة... وعند نقطة ما، وكما كان الحال في هجوم إسرائيل على حزب الله العدو سوف يجبر على إقحام قواته البرية لتحقيق ما عجزت عن تحقيقه قواته الجوية... وفي هذه المرحلة بالذات الشديدة الحرج، قوَّة مُدرَّبة تدريباً راقياً وذات عزيمة وذات قيادة ماهرة تستطيع أن تلحق الآلام الشديدة بمؤسسة عسكرية حديثة بل وتستطيع هزيمتها.

ثانياً: حزب الله استطاع أن يظهر لشعوب العالم الإسلامي أن الاستراتيجية المستخدمة من قبل الحكومات العربية والإسلامية المتحالفة من الغرب، ليست سوى سياسة ترضية مصالح الولايات المتحدة الأمريكية على أمل الحظوة بجوائز سياسية ثمينة (مثل الاعتراف بحقوق الفلسطينيين وتسعير عادل لمنتجات موارد الشرق الأوسط، وعدم التدخل في البنية السياسية للإقليم... إلخ)، هذه السياسة لا يمكن أن تحقق مركزها في الإقليم.

من بين الحدثين الأخيرين في الشرق الأوسط، أي غزو العراق وانتصار حزب الله، يبدو لنا الأخير هو الأكثر أهمية، فحتى المجموعات المعادية لحزب الله بمن فيهم المرتبطين بالحركات السنية الثورية المقاومة والتي تنظر للشيعة عادة بصفتهم رافضة خارجين عن الدين، أصبحوا الآن أكثر تواضعاً بعد أن صغر حجمهم بفعل حزب الله.

ثالثاً: انتصار حزب الله كان له أثر مدمر على حلفاء أمريكا في المنطقة. خبراء الاستخبارات الإسرائيليون حسبوا أن حزب الله يستطيع الاستمرار في الحرب حتى إلى ثلاثة أشهر أخرى بعد انتهائها رسميًّا في منتصف أغسطس، حسابات حزب الله نفسه تعكس استنتاجات الإسرائيليين، مع التحفظ على نقطة هامة وهي أن لا حزب الله ولا القيادة الإيرانية كانا قادرين على التنبؤ بالمسار الذي سيتبعونه بعد انتصار حزب الله.

فالملاحظ أن النظام السياسي العربي كان يعاني بشدة من مراقبة واحتواء الغضب المتزايد من القصف الجوي الإسرائيلي على لبنان.

إن التأييد المفتوح لحزب الله في كامل العالم العربي (والغريب أن صوراً لحسن نصر الله شوهدت في احتفالات مسيحية) وضعت الساسة العرب الأشد التصاقاً وحميمية بالولايات المتحدة، في موقع إنذار حرج.

يبدو الآن محتملاً أن الساسة العرب اللصيقين بالسياسة الأمريكية لن يستطيعوا تأييد برنامج أمريكي يهدف للضغط على إيران سواء كان ذلك سياسيًّا أو عسكريًّا.

حرب مستقبلية، ربما حملة عسكرية أمريكية على المواقع النووية الإيرانية، قد لا تستطيع خلع الحكومة في طهران، ولكنها قد تستطيع أن تحدث زلزالاً في العالم العربي.

في أحرج لحظات المبارزة ما بين حزب الله وإسرائيل، وعند نهاية الحرب، قادة الأحزاب الإسلامية في العديد من البلدان كانوا يتساءلون فيما إذا كانوا يستطيعون الاستمرار في سيطرتهم على حركاتهم أو وكما كانوا يخشون، الحراك السياسي سوف ينتقل إلى زعماء الشوارع والثوريين.

الظاهرة المفردة الغربية، والتي أصبحت الآن عامة في جميع دوائر الاستخبارات في الولايات المتحدة، هي أن الذي كان يبحث عن مخرج من الحرب في يوم 10 أغسطس لم يكن حزب الله بل وبكل بساطة إسرائيل نفسها.

رابعاً: انتصار حزب الله أدى إلى إضعاف الحكومة الإسرائيلية بشكل خطير. نذكر عقب آخر هزيمة لإسرائيل في حرب أكتوبر 1973، رئيس الوزراء آنذاك «مناحيم بيجين» قرر القبول بمقترح سلام من الرئيس المصري أنور السادات، وهذا الاختراق في الوضع المتصلب، كان في الواقع متواضعا، حيث أن الطرفين كانا حليفين للولايات المتحدة، ولا يمكن الآن رؤية نفس الاختراق عقب حرب حزب الله وإسرائيل.

إسرائيل تعتقد الآن أنها فقدت قراراتها الرادعة وبأنه يجب عليها استعادتها، وبعض المسؤولين الإسرائيليين في واشنطن يؤكدون الآن.. أن السؤال لم يعد عن «إذا» بل السؤال هو «متى» تذهب إسرائيل للحرب مرة أخرى، ومع ذلك يبدو من الصعب التعرف على الكيفية التي سوف تستطيع بها إسرائيل فعل ذلك، فلكي تحارب وتنتصر على حزب الله، يجب على إسرائيل إعادة تجهيز وتسليح جيشها، ومثلها مثل الولايات المتحدة بعد هزيمتها المروعة في فيتنام، إسرائيل سوف تحتاج إلى إعادة بناء قيادتها العسكرية وكذلك إعادة بناء مصادرها الاستخباراتية، وهذا يستغرق بالتأكيد سنيناً وليس شهوراً.

وقد تختار إسرائيل، في عمليات مستقبلية، نشر أسلحة أكبر ضخامة ضد أهداف أصبحت هي الآخر أكبر ضخامة.

وعند الأخذ في الاعتبار لأدائها في لبنان، استخدام أسلحة أثقل قد يعني ردوداً أكثر ثقلاً أيضاً، وهذا احتمالاً وارد بكل تأكيد.

هجوم أمريكي على مواقع إيران النووية قد يستحدث ردًّا صاروخيًّا من إيران على مواقع إسرائيل النووية، وكذلك ضد مراكز المواطنين الإسرائيليين أنفسهم، ولا أحد يستطيع توقع ردّ فعل إسرائيل بدورها على مثل هكذا هجوم (وعند النظر لموقف جورج بوش في الحرب الأخيرة)، الولايات المتحدة لن تفعل شيئاً لإيقاف إسرائيل... وعندئذ سيكون «منزل الزجاج» في الخليج الفارسي، هدفاً في متناول صورايخ إيران التي تتساقط عليه.

خامساً: انتصار حزب الله قد يعني نهاية أي أمل في حل المشكل الفلسطيني الإسرائيلي، على الأقل في المنظور القريب والمتوسط، فنحن سنرى أنه حتى القادة السياسيين الإسرائيليين من الذين يتصفون «بالتقدمية» سوف يشاهدون مواقعهم وقد تلغمت سياسيًّا بفعل المطالبة بقوة أكبر وبجنود أكبر عدداً وبقنابل أكثر.

ويبدو أن الأمر نفسه عند الساسة الفلسطينيين المعتدلين، حيث يتعذر المسايرة العلنية مع السياسة الأمريكية لأن الشعب الفلسطيني بمختلف اتجاهاته متعاطف مع حزب الله وأصبح أكثر ثقة بنهج حماس على أقل تقدير.

سادساً: انتصار حزب الله كان من نتائجه لسوء الحظ، إضفاء غشاوة على أبصار القيادة السياسية الإسرائيلية وبالتالي أصبحت عاجزة عن رؤية الحقائق عن موقفها الجيو-ستراتيجي.

ففي وسط الحرب مع لبنان، اعتمد السيد أولمرت رئيس الوزراء اللغة نفسها التي يتكلم بها جورج بوش (استخدام ألفاظ الحرب على الإرهاب) وأخذ يذكر مواطنيه بأن حزب الله هو جزء من «محور الشر»، وملاحظاته هذه تلقفها بوش وزاد عليها.. وذكر في خطابه بمناسبة اجتماع الجمعية العمومية للأمم المتحدة كلمة «القاعدة» مرة واحدة ولكنه كرر كلمة «حزب الله» خمس مرات. الولايات المتحدة وإسرائيل أصبحتا الآن لا تفرِّقان ما بين المجموعات الإسلامية الراغبة في المشاركة بالعملية السياسية في بلادها ومجموعات السلفيين والتكفيريين الذين لا يريدون سوى إشعال النيران في المنطقة.

إسرائيل لن تستطيع الآن الاعتماد على أقوى مؤيديها من الأميركيين، فشبكة المحافظين الجدد والذين بالنسبة لهم إسرائيل تمثل جزيرة استقرار وديمقراطية بالمنطقة الهائجة، هؤلاء المحافظون الجدد أصبح سخطهم على الأداء الإسرائيلي خلال الحرب واضحاً جليًّا للعيان... لقد أصبحت المقولة السائدة الآن في أوساطهم على النحو التالي: «مع أصدقاء مثل هؤلاء، من يحتاج لأعداء؟».

وهذا يعني أن معركة إسرائيل في لبنان كانت تعكس بدقة رأي أولئك الخبراء الذين يرون في حرب حزب الله وإسرائيل حرباً بواسطة وكلاء؛ يقول زميلنا جيف أورونسوف: «لو كانت المسألة في يد الولايات المتحدة لكانت إسرائيل لا تزال تحارب إلى الآن، أمريكا ستحارب ضد الإرهاب لآخر قطرة دم إسرائيلي».

الضعف المستمر في القيادة السياسية الإسرائيلية وحقيقة أنها في «حالة انكسار» وعدم استعداد للاعتراف بعمق هزيمتها، يجب أن يكون مصدر قلق للولايات المتحدة وكذلك لكل دولة عربية، فلقد أثبتت إسرائيل أنها في وقت الأزمات تستطيع أن تشكل استراتيجية دبلوماسية خلَّاقة وتناور لكي تسترجع موقعها الذي فقدته. ولقد أثبتت كذلك أنها وعقب الهزيمة العسكرية تظل قادرة على إجراء فحص ذاتي نزيه وشفاف، وقوة إسرائيل كانت دائماً في قدرتها على النقاش العام والحوار حتى ولو كان موضوع النقاش والحوار هو أقدس الأقداس لديهم، أي جيش الدفاع الإسرائيلي.

... في الأحداث الرئيسية في تاريخ إسرائيل، الهزيمة كانت تؤدي دائماً إلى إعمال الفكر والمراجعة وليس كما يبدو الآن، إلى تصعيد الهجومات العسكرية وهي بالضبط ما تفعله الآن باضطراب ضد حماس. وكأنها، أي إسرائيل، ذلك الابن ربيب الشرق الأوسط ذو الشعر الأحمر، يريد أن يثبت كم هو قوي وجبار.

يقول أحد الإسرائيليين الرسميين: «إن كون انتصار حزب الله قد استطاع تحويل المنطقة إلى تشدد أكثر، فهذا في حد ذاته يبرر قتل المزيد منهم (أي من جماعة حزب الله)، فهذه الطريق الجديدة سوف تقود إلى الكارثة خصوصاً عندما ننظر إلى عجز الولايات المتحدة عن تحريك أي تروس من شأنها إحداث تغييرات بالشرق الأوسط، هنالك أمل في أمريكا بأن أولمرت سوف يظهر بعض الشجاعة السياسية بإطلاق عملية البحث عن السلام الطويلة والشاقة، العملية سوف تكون شاقة ومؤلمة وستحتاج مفاوضات طويلة وصعبة، وقد تنفصل عن البرنامج الأمريكي الخاص بالمنطقة ولكن الولايات المتحدة لا تعيش في الشرق الأوسط وإسرائيل تعيش فيه، الحوار مع الجيران قد يكون مؤلماً ولكن ألمه سيكون بالتأكيد أقل من الألم الذي عانيناه بسبب هزيمتنا في حرب لبنان».

سابعاً: وضع حزب الله في لبنان أصبح قويًّا جدًّا لدرجة يصعب قياسه، وأصبح أهم حلفائه كذلك من ضمن الأقوياء. في عنفوان المعارك، استضاف المسيحيون اللبنانيون لاجئي حزب الله في منازلهم. الزعيم المسيحي ميشيل عون أعلن دعمه علناً لحرب حزب الله. قال أحد زعماء هذا الحزب: «إن الشيعة عموماً احتفوا بموقف عون وكانوا يكررون بأنهم لن ينسوا ما فعله هذا الرجل لهم لجيل كامل». غني عن القول بأن موقف عون نفسه تعزز بفعل ذلك.

القيادة السنية من جهة أخرى ألحقت الضرر بنفسها من خلال موقفها المتردد وسلوكها تجاه مجتمعها المماثل لسلوك مالك الأرض الغائب. ففي الأسبوع الأول من القتال كانت أعمال حزب الله تقابل بالكثير من التشكك على نطاق واسع، وفي نهاية الحرب كان التأييد لحزب الله قويًّا ومتيناً عبر جميع قطاعات وطوائف لبنان. وهكذا أصبح للطائفة السنية خياران:

تستطيع أن تشكل حكومة بقادة جدد يستطيعون وضع حكومة أكثر تمثيلاً، أو التقدم لانتخابات جديدة.

ولا يحتاج الأمر إلى عبقرية سياسية لفهم الخيار الذي سيقوم به سعد الحريري، قائد الأغلبية البرلمانية.

ثامناً: مركز إيران في العراق أصبح قويًّا هو الآخر، ففي خلال المعارك الدائرة في حرب لبنان عبّر وزير الدفاع الأمريكي دونالد رامسفيلد لبعض من خاصة أصحابه، عن قلقه من النتائج السلبية المحتملة التي ستقع على عسكر أمريكا في العراق من جراء الهجوم الإسرائيلي على لبنان، والأمريكيون في العراق أصبحوا يواجهون العداء أكثر فأكثر من قبل القادة السياسيين الشيعة وكذلك من أبناء الطائفة الشيعية نفسها... تصريح السيدة كنداليزا رايس معلقة فيه عن كون المظاهرات المؤيدة لحزب الله في بغداد تم الترتيب لها في طهران، يعبر بكل وضوح عن جهلها بأهم الحقائق السياسية في هذه المنطقة.

كلٌّ من وزير الدفاع ووزيرة الخارجية الأمريكيين، كانا وبكل بساطة جاهلين بأنه لا توجد أي علاقة ما بين آل الصدر في بغداد وآل الصدر في لبنان، وبأن رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي لن يستطيع إدانة حزب الله ويصطف مع إسرائيل في هذا النزاع، وهذا الموقف اعتبر مثيراً للصدمة من قبل المؤسسة السياسية في واشنطن أثناء زيارته لها. هؤلاء الناس يبدو أنهم لا يعرفون بأن حزب الله العراقي هو جزء من التحالف الحكومي العراقي.

قيل لنا من قبل العديد من المصادر: إن وزارة الدفاع الأمريكية ووزارة الخارجية لم تستطيعا فهم كيف يمكن للحرب في لبنان أن تؤثر على موقف أمريكا في العراق.. والسبب في ذلك، لا وزارة الخارجية ولا وزارة الدفاع في واشنطن طلبتا تقريراً عن الموضوع من منظومة أجهزة مخابرات الولايات المتحدة، الولايات المتحدة تنفق مليارات الدولارات على أنشطة جمع وتحليل المعلومات... ولكن هذه الأموال تصبح أموالاً مهدرة لعدم استخدامها؟.

تاسعاً: الموقف السوري أصبح قويًّا، والبرنامج الأمريكي الفرنسي فشل وانهار، لم يعد هنالك أمل في أن يتم تشكيل حكومة وحدة لبنانية تعلن صراحة موالاتها لأمريكا ومعاداتها الصريحة لسوريا. سوريا تستطيع أن تقترح الآن ترتيباً سياسيًّا مع إسرائيل يظهر فيه المتغيرات الجديدة. وقد تعتقد القيادة السورية في فترة ما بأن سوريا أيضاً تستطيع الوقوف في وجه إسرائيل بنجاح.

ولكن على الرغم من كل هذه الاحتمالات، التاريخ القريب يظهر لنا أن الآلاف من الطلبة والوطنيين اللبنانيين الذي عارضوا تورط سوريا في لبنان بعد مقتل رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري، هؤلاء جميعاً وجدوا الأمر مثيراً للسخرية المريرة لكونهم التمسوا الملجأ من الغارات الجوية الإسرائيلية في مدن الخيام التي أقامتها الحكومة السورية لهم.

كانت السيدة كونداليزا رايس محقة في شيء واحد فقط، قولها: إن استعداد سوريا لتوفير الملجأ للبنانيين كان تصرف شماتة وسخرية، والولايات المتحدة لا تستطيع الرد على ذلك إطلاقاً.

سوريا الآن واثقة من وضعها السياسي، في أوقات ماضية كانت إسرائيل تستطيع استغلال مثل هذه الثقة وذلك بانفتاح سياسي حتى مع أكثر أعدائها تشدداً سياسيًّا.

عاشراً: وهو ما قد يكون الأكثر أهمية، إنه أصبح واضح جدًّا الآن أن هجوم أمريكي على مواقع إيران النووية لن يلاقي أي تأييد في العالم الإسلامي، وسيقابله ردٌّ دفاعي رهيب، سوف يؤدي بدوره إلى الإطاحة بآخر ما لدى أمريكا من نفوذ وسلطة سياسية في المنطقة.

ما كان يعتقد بأنه «جاهز للقطف» منذ عدة أسابيع، أي الهجوم على إيران، أصبح الآن «غير محتمل». إيران لا يمكن إرهابها وتخويفها.. إذا شنت الولايات المتحدة حرباً على حكومة طهران فمن المحتمل جدًّا أن أصدقاء أمريكا سوف يتخلون عنها، والمائة والاثنان والثلاثون ألفاً من جند أمريكا في العراق سوف يصبحون رهائن لدى الشيعة الغاضبين الساخطين، إيران سوف ترد بضرب إسرائيل.

الآن وبعد هذا الطرح نتجرأ بقول ما يبدو قابلاً للملاحظة بسهولة: إذا ما حدث مثل الهجوم على إيران، الولايات المتحدة سيتم هزيمتها هي الأخرى.

الاستنتاجات

انتصار حزب الله على إسرائيل يحمل في ثناياه من المعاني والنتائج أكثر مما يتوصل إليه العديد من المحليين في أوروبا والولايات المتحدة، انتصار حزب الله قلب رأساً على عقب التيار الذي ساد منذ 1967، حيث تعرضت مصر والأردن وسوريا لهزيمة نكراء، واهتزت جغرافية المنطقة بشدة وتخلخلت، وانتهت بوضع أنظمة تعتنق سياسة خارجية موضوعة على هوى قوة إسرائيل والولايات المتحدة، هذه القوة اندحرت وانقلبت صورتها الآن. واليوم نرى قيادات جديدة في الشرق الأوسط قد أخذت تخرج للنور.

الدرس الرئيسي المفرد من هذه الحرب قد يضيع على الطبقات العليا في واشنطن ولندن من التي تعتنق وتعانق إسرائيل وقيمها ومن تلك الثرثرة المكررة... نحن نحارب من أجل النخبة السياسية للحضارة.

ولكن الدرس لن يضيع في شوارع القاهرة وعمان ورام الله وبغداد ودمشق أو طهران، ويجب ألَّا يضيع على القيادة السياسية الإسرائيلية في القدس.

الجيوش العربية قاتلت حرب الأيام الستة في 1967 وهُزمت، وميليشيا حزب الله في لبنان قاتلت لمدة 33 يوماً وانتصرت. لقد شاهدنا ذلك بأمهات أعيننا عندما نظرنا إلى المقاهي في القاهرة وعمان، حيث يأتي الناس البسطاء من أصحاب الدكاكين والمزارعين والعمال ويجلسون محملقين في التقارير التي يبثها التلفزيون يشربون الشاي، وكانوا يهمهمون لأنفسهم بالأرقام «سبعة»... «ثمانية»... «تسعة»...

--------------------------------------------------------------------------------

[1]* الدراسة عبارة عن ترجمة لمقالة صدرت بتاريخ 14/ 10/ 2006م في مجلة «آسيا تايمز».

[2] الأسرى الثلاثة لا ينتمون إلى حزب الله.

أليستر كروك ومارك بيري
خبيران بريطانيان في الشؤون الاستراتيجية.


ارسل لصديق