الحداثة في الفكر والأدب
كتبه: إبراهيم محمد جواد
العدد (40) السنة 18 - 1428هـ/ 2007م
التعليقات: 0
القراءات: 9171

1- تمهيد:

لم يكن من الممكن لروّاد النهضة الأوروبية في القرن الخامس عشر الميلادي أن يكسروا قيود الجهل والتخلّف، ما لم يقضوا بشكل حاسمٍ ونهائي على الحلف (غير المقدّس) بين الملوك والكنيسة، ومن هنا كان تسجيل التاريخ لذلك الشعار الذي رفعته الثورة الفرنسية: «اشنقوا آخر الملوك بأمعاء آخر القساوسة».

لقد كان من أول نتائج هذه الثورة إقصاء الدين عن الحياة نهائيًّا في الغرب كله، وحذف مفاهيمه وقيمه من العقول والقلوب، وخاصةً عندما بدأت تظهر للوجود بشكلٍ واضحٍ تباشير النور، وانزياح جيوش الظلام المتمثل بالجهل والتخلّف والتعصّب، الذي كانت ترعاه الكنيسة في الغرب.

إن فصل الدين عن الدولة والمجتمع في الغرب، أدى إلى إحلال الرابطة القومية محل الرابطة الدينية، وأدّى -فيما بعد- إلى تفكيك الروابط الأسرية، وروابط القربى والنسب والدم لصالح المجتمع من طرف، ولصالح النزعة الفردية والمصلحة الشخصية -فيما سمّي بالحرية- من طرفٍ آخر، في الوقت نفسه أدّى إلى انحسار سلطة الكنيسة على العلم والفكر، وفتح الطريق لنقد الفكر القديم القائم على المثالية والإيمان، والسعي لتشكيل منهج جديد قائم على الحس والعقل، ذلك المنهج الذي انتهى إلى الماديّة الحالية التي تسيطر على الغرب، وتلقي بظلالها القاتمة على العالم كله اليوم.

نحن لا نريد أن نبرّر لرجال النهضة الأوروبيين نبذهم للدين بسبب تصرفات ومواقف الكنيسة الغربية، لكننا لا يمكن أن نَغفَل-في المقابل- عن الأصفاد والأغلال الثقيلة التي كانت الكنيسة تغلّ بها العلم والعقل باسم الدين، تلك القيود التي اعتُبرت الكابوس البشع الذي كان جاثماً على صدر الفكر والعقل، مما دفع إلى التمرّد وإعلان النفير ضد كل المفاهيم والقيم الدينية التي نشرتها الكنيسة.

كما لا نريد أن نبخس الجهود التي بُذِلت بعد ذلك في التنوير وإقامة المنهج العقلي في الغرب، واحترام الفكر الإنساني ودفع العلم إلى أقصى مَدَياتِه المتاحة، إنما نريد أن نسجل هنا الفارق الكبير، بين موقف الكنيسة الغربية، وموقف علماء الإسلام من العقل والعلم، وأن نوجّه اللوم إلى مثقفينا ورجال الفكر لدينا، الذين اتّبعوا دون رويّةٍ كل خطوات الأوروبيين في نبذ الدين وقيمه، وإقصائه عن الحياة وفصله عن المجتمع والدولة، رغم تباين مواقف الدينين من العلم والعقل، غير متردّدين ولا غافلين، عن أن نسجل كذلك، أن بعض رجال الدين الإسلامي، كانوا فعلاً وواقعاً، يشكلون مع السلاطين حلفاً قد يشابه -في بعض جوانبه- حلف الملوك والكنيسة في الغرب، وقد بدأ أطراف هذا الحلف بالانحراف عن الإسلام في موقفه من العلم والعقل، متأوّلين بعض النصوص الدينية فيما يخدم أهدافهم ومصالحهم، لكن الفارق أن ذلك لم يصل إلى درجة تشكيل ظاهرة عامة ودائمة، تبرّر لمثقفينا ورجال الفكر لدينا أن يحاولوا الإطاحة بالإسلام وقيمه ومفاهيمه السامية، كما حصل في الغرب.

2- الإنسان بين دافعين:

يتجاذب الإنسانَ في كل زمانٍ ومكانٍ دافعان: الأول يشدّه إلى القديم المألوف، والثاني يدفعه للتطلّع إلى ريادة المجهول وشق طريق التأمّل والبحث في الغد المأمول، فهو دائماً بين ضغط الحفاظ على مألوفاته وعاداته وأعرافه، فيما أطلق عليه اسم (التراث) أو (الأصالة)، وبين جواذب التطلّع إلى التطور والتقدم، فيما أطلق عليه اسم (الحداثة) أو (المعاصرة).

ولا يمكن نكران مشروعية كل من الدافعين في الإنسان، بل وضرورة وفائدة كل منهما له: الحفاظ على التراث والتمسك به، حتى لا تكون خطوات الإنسان في الفراغ، والتطلّع نحو الحداثة، كي لا يجمد في قوالب الإلف والعادة، ويغلق النوافذ أمام نسمات الفكر ونفحات العقل، فيتخلّف عن المسيرة الدائمة نحو الغد والمستقبل.

لكن بعض شياطين الإنس الذين يتربصون بهذه المسيرة الإنسانية ويبغونها الغوائل، لا ينفكّون يعترضون طريق الإنسان ليعيقوا مسيرته، وهؤلاء يعملون في كل الاتجاهات، ويسبحون مع كل التيارات، فمنهم من يخوّف الإنسان من مغبّة كل حديث، ويزيّن له التمسّك بكل قديم، تحت عناوين برّاقةٍ من الأصالة والتراث، ومنهم من ينفّر الإنسان من كل قديمٍ، ويصوّره له على أنه رجعيةٌ وتخلّفٌ وجمودٌ وتحجّرٌ، ويزيّن له كل حديثٍ على أنه تطوّرٌ وتقدّمٌ وحداثةٌ ومعاصرةٌ.

3- الحداثة في الفكر وفي الأدب:

يكاد -في الحقيقة والواقع- أن يكون لكل قديم حديث، بحيث إن كل حديث سيصبح في يومٍ ما قديماً، إنها سنّةٌ إلهيةٌ في الكون لا تتخلّف، فكل مرحلةٍ لاحقةٍ من مراحل البشرية تعتبر حديثةً بالنسبة إلى مرحلةٍ سابقةٍ، وإن مرحلتنا اليوم ستصبح قديمةً في يومٍ من الأيام، عندما يطرأ على الحياة الاجتماعية للبشرية تحوّلٌ مهمٌّ جديدٌ، ذلك أن كل مرحلةٍ سُلّمٌ للتي تليها.

وفي ضوء هذه الحقيقة نفهم أن «الحداثة هي المشاركة والمساهمة في التحول الكبير الذي تشهده الإنسانية»[1]، بين كل مرحلتين متتابعتين.

وقد أُطْلِقَت الحداثةُ في عصرنا على التحولات الفكرية التي حصلت في العصر الذي تلا النهضة الأوروبية بعد الثورة الفرنسية، وسمي هذا العصر بالعصر الحديث.

فالحداثة إذن ليست مذهباً أدبيًّا فقط، ينحصر في الكتابة والقصة والرواية والشعر خصوصاً، أو في الفن عموماً، وإنما هي مدرسةٌ عريضةٌ تشمل كل مجالات الحياة، فكراً وعقيدةً وثقافةً وأدباً وفنًّا وسلوكاً وسيرةً وقيماً ومفاهيم.

وليس في وسع أحدٍ أن يماريَ في المنشأِ الغربي لمذهب الحداثة الشائع لدينا ولادةً وحضانةً وتصديراً، بحيث لم يكن لمفكّرينا ومثقّفينا وفنانينا وأدبائنا من دور سوى التلقّي والقبول، والتبنّي والترويج، الأمر الذي يعترف به الحداثويون العرب أنفسهم، و«يؤكد محمد برادة أن الحداثة مفهومٌ مرتبطٌ أساساً بالحضارة الغربية وبسياقاتها التاريخية، وما أفرزته تجاربها في مجالاتٍ مختلفة، ويصل في النهاية إلى أن الحديث عن حداثةٍ عربيةٍ مشروطٌ تاريخيًّا بوجودٍ سابقٍ للحداثة الغربية، وبامتداد قنواتٍ للتواصل بين الثقافتين»[2].

4- الحداثة في الفكر العربي:

الحداثة إذن كالتنوير وليدة ثورة الغرب على الدين عموماً، بسبب تصرفات الكنيسة الغربية خصوصاً، وتمحورت نظريتها حول رفض الدين، واعتماد العقل وحده طريقاً للمعرفة.

فالحداثة على هذا نظريةٌ فكريةٌ وثقافيةٌ تستند إلى خلفيةٍ سياسيةٍ، نجمت عن الجمود الفكري للكنيسة الغربية من طرف، وتحالف رجال الكنيسة مع رجال السلطة السياسية في المجتمعات الغربية ضد شرائح الشعب الأخرى من طرفٍ آخر.

وملاحظتنا الأولى: أن نقل نظرية الحداثة الغربية كما هي إلى المجتمعات العربية والإسلامية تعسّفٌ كبيرٌ لسببين:

الأول: لأن الإسلام ليس غيبيًّا محضاً كالأديان الأخرى، ولا يقوم على أسسٍ نظريةٍ وخياليةٍ ومثاليةٍ، إنما هو دينٌ عقليٌّ واقعيٌّ يتّسم بتشريعاتٍ عمليةٍ تشمل كل مجالات الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والروحية، بتوازنٍ وانسجامٍ وواقعية.

والثاني: أن علماء الإسلام، أو إن شئتَ فقل رجال الدين الإسلامي -كما شاع القول مؤخّراً- لم يكونوا في الماضي، وليسوا الآن، ولا يمكن أن يكونوا في المستقبل، في حلفٍ مع السلطة السياسية في المجتمع إذا انحرفت عن مفاهيم الإسلام وتشريعاته العملية، وأقول ذلك غير غافلٍ عن انحراف البعض منهم، ومحاولاتهم لأن يكونوا كذلك.

إن للعقل في الإسلام دوراً فريداً في المحور الأساسي للدين، وهو التعرّف على الله الخالق وتوحيده، وكذلك الدلالة على ضرورة اللطف الإلهي في إرسال الأنبياء وبعث الرسل، ليكونوا الأدلاّءَ على توحيد الله سبحانه، والوسطاء لتلقّي المنهج الفطري والعقلي والواقعي لسلوك طريق السعادة الإنسانية، وبالتالي فإن الإسلام كما هو واضحٌ ومعروفٌ هو دين العقل، كما هو دين الفطرة، وكما هو دين الوحي.

ولذلك فإن نظرية الحداثة بمفهومها الغربي لا محلّ لها في المجتمعات الإسلامية، وإن كانت حاضرةً على الدوام بمفهومٍ إسلاميٍّ بحتٍ لم يغب عن الساحة الإسلامية ألا وهو التجديد، الذي هو مضمون قول الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) كما في بعض الروايات: «يبعث الله لهذه الأمة على رأس كل قرنٍ من يجدّد لها أمور دينها»، وهذا المفهوم «التجديد» هو أحد أهم وظائف الإمامة لدى مدرسة أهل البيت (عليه السلام)، التي استمرّ عطاؤها المتواصل أثناء غيبة الإمام، عبر قاعدتهم الأصولية «ولاية الفقيه».

فالتجديد أمرٌ مستمرٌّ مدى العصور، لا يختصّ بعصرٍ دون عصر، وليس له مدىً زمنيٌّ يتوقف عنده، ما دامت الأحكام يمكن أن تتغير بتغيّر الزمان والمكان، ضمن ما سمّي بالثابت والمتغيّر في الأحكام، والتجديد هو بمعنىً من المعاني تحديثٌ، لكنه تحديثٌ مضبوطٌ بموازين شرعية قرّرتها الأحكام الثابتة، ورعاها الأئمة والفقهاء.

والملاحظة الثانية: أن مشروع التحديث بالمفهوم الغربي طرحٌ سلطويٌّ تروّج له السلطة السياسية، وقد فشل تماماً في كل المجالات التي طُرِحَ فيها، رغم الوسائل والإمكانات والميزانيات الضخمة التي رُصدت له ووُضعت تحت تصرفه، والجهاز الكبير من المثقفين الذي تهيّأ له، وربما يعود سبب فشل هذا المشروع في العالمين العربي والإسلامي إلى عوامل عديدةٍ أهمها:

- ارتباطه الوثيق بالمشروع الغربي الاستعماري.

- تناقضه مع المشروع الإسلامي للتجديد والإحياء.

- انتهازية الجهاز الإداري والثقافي الذي استُخدِم له، وتنازع السلطويين على الإثراء غير المشروع بالاتكاء عليه.

- وأسبابٌ أخرى ليس من المصلحة الآن الخوض فيها.

إن المشروع الغربي للتحديث في العالمين العربي والإسلامي قد خرّب كثيراً من العقول، وأدخل كثيراً من الممارسات السلوكية المنحرفة، وعطّل كثيراً من الطاقات، ولم يستطع أن يقدّم للمجتمعات العربية والإسلامية ما بشّر به من الحرية الفكرية والنمو الاقتصادي والاستقلال السياسي والنهضة الاجتماعية والثورة الثقافية... إلى آخر ما قدّم من وعود.

لقد انصبت جهود مثقفي الحداثة الغربية على الهجوم على الدين، وتفكيك العادات والأواصر الاجتماعية، وكسر الرموز التراثية -السلبية منها والإيجابية على السواء-، ولقد ذهبت كل هذه الجهود أدراج الرياح، وإن خلّفت الغبار المتراكم في كثيرٍ من الزوايا والمناحي، وأفسدت كثيراً من العقول والقلوب والنفوس، وأهدرت الوقت والمال، وتركت الأمة في تخلّفٍ كبير جدًّا عن ركب الحضارة وعن الأمم المتحضرة.

فقد فشلت الدعوة إلى الكتابة بالخط اللاتيني، وتبخّرت جهود الداعين إلى كتابة اللغة العربية كما تُلفَظ خرقاً لقواعد اللغة العربية في النحو والإملاء والخط، وانتكست كل محاولات إعادة صياغة قواعد النحو والصرف وإلباس الألفاظ معانيَ جديدةً غير معهودةٍ في اللغة، وارتكست كل محاولات الهجوم على القرآن الكريم واعتباره بشريًّا من صياغة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، وهُزِمت كل محاولات قراءته قراءةً عصريةً مبنيةً على مفاهيم الحداثة الغربية، إن كل هذه المحاولات لم تلقَ صدىً يُذكر في عقول وقلوب الجماهير المسلمة، وإن كانت قد خلقت بعض الغيوم القاتمة في أجواء بعض المثقفين الماضين على خطى الحداثة الغربية.

أما المجالات البسيطة التي تبدّى للمثقفين الحداثويين أن الحداثة الغربية قد نجحت بها، فإن الفضل في ذلك لا يعود للحداثة ولا للحداثويين، وإنما هي من طبائع الأمور في المجالات المرنة، التي تقبل التطور والتقولب وفق المقتضيات الحياتية المتسارعة التي لا تتوقف، ووفق المعارف والعلوم والتقنيات التي تتلاحق وتتكشّف يوماً بعد يوم، والإسلام دين العلم والمعرفة، ودين التقنية والحضارة والمدنية، لا يعاديها ولا يجافيها ولا يقف في طريقها، كما تخيل بعض جامدي العقول، وإنما يحث عليها ويعاضدها ويساندها إلى آخر مدىً.

ولا يخلّ بهذه الحقيقة سلوك بعض مدعي العلم الديني في العصور المتأخرة، فإن الدين الذي بدأ رسالته وكتابه الخالد بكلمة «اقرأ» على سبيل الأمر، أتبَع ذلك بأمرٍ آخر حين قال: ﴿يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطارِ السَّماواتِ وَالأَرْضِ فَانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إِلاَّ بِسُلْطانٍ (33)[3].

- فأمرهم الله سبحانه بالنفوذ، ثم دلّهم على واسطته، وهي سلطان العقل والعلم.

- ثم أمرهم في آيةٍ أخرى باستخدام النظر، الذي هو: العقل + البصر، فقال تعالى ﴿ قُلِ انْظُرُوا ما ذا فِي السَّماواتِ وَالأَرْضِ[4].

- ثم إنه جمع إليهما السمع والفؤاد -أي القلب- فقال: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤولاً[5].

الملاحظة الثالثة: أن الحداثة الغربية -التي يعتضدها حداثويونا- قد استنفذت أغراضها وفقدت كل مبررات وجودها، حتى أن الغرب نفسه قد ملّها وسئمها وثار عليها بعد أن اكتشف عوارها ومقتلها، وأحس بالنفق المظلم الذي أدخلته فيه، فراح يتلمّس طريقه إلى ما سمّي بـ«ما بعد الحداثة».

وما بعد الحداثة ليس تطويراً لها ولا تجديداً فيها ولا منبثقاً عنها، وإنما هو نقيضها والمناضل لوأدها والتخلص منها ومن آثارها الفاسدة، ما بعد الحداثة ثورةٌ ضدّ تفرد العقل والعلم، وشعور بالحاجة إلى الإيمان ومحاولة للعودة إليه، لولا الأيدي الخفية التي تترصد لكل دعوة خير وصحوة فكرٍ، فتتلقفها وترميها في وديان التيه والضياع.

لقد انهار في الغرب الاعتقاد بسيادة العقل وحده، وخاب أمل الغربيين بالوعد الأولي للحداثة، المتمثل بتحرير البشر من الطبيعة، وبإنهاء الاستغلال والسيطرة، وبنقل البشرية إلى جنّةٍ أرضيةٍ موعودة، ولقد ذهب بعض الغربيين بعيداً في هذا المجال، حتى قال بعض البيئيين: «إننا في سعينا للتحكم بالطبيعة إنما نقوم بتدميرها وتدمير مستقبلنا كجنسٍ بشريٍّ في الوقت نفسه»[6].

«إن تيار ما بعد الحداثة في الغرب ينذر بأن العقل لا يستطيع -في التحليل الأخير- أن يتحكم بالطبيعة، بل إن الطبيعة هي التي تنتقم منا، ويعني ذلك أن هناك -في النهاية- قوة أخرى أقوى من العقل البشري»[7]، أليس هذا بالضبط ما كان يقوله الدين على الدوام؟!.

«إن البرجوازية والرأسمالية المسيطرتين في الغرب، دفعتا الجنس البشري إلى الأمام ليحرر نفسه من سلاسل الطبيعة، ولقد رافق ذلك استبدال الإيمان بقوةٍ عظمى بالاحتمالات غير المحدَّدة الناتجة من المخيّلة الإنسانية، والآن -وبعد إدراك حدود القدرة الإنسانية على التحكم بالطبيعة- استعاد الإيمان بقوةٍ عظمى زخمه»[8]، وقد توازى ذلك مع انهيار الإيمان بقدرة الإنسان على حل المشاكل الاجتماعية.

يقول «أليكس كالينيكوس»:

«يجب فهم ما بعد الحداثة -بوجهٍ رئيسيٍّ- كاستجابةٍ لفشل التحول الكبير في الفترة 1968 - 1976م في الوفاء بالوعود الثورية التي أطلقها، فما الذي يمكن أن يكون أكثر تطميناً لجيلٍ انجذب نحو الماركسية، ثم ابتعد عنها بفعل ما شهده العقدان الماضيان من صعودٍ وهبوطٍ سياسيين»[9].

ويقول «ستيفن سيرمان»:

«لقد ترافق صعود الحداثة مع تحول أبستيمولوجي من المتافيزيقا إلى الوضعية، وحلّ محل الإيمان بوجود حقيقةٍ مطلقةٍ لا يستطيع الإنسان استيعابها، البحث عن المعرفة الجزئية التي يمكن تجميعها والتأكد من صحتها بوساطة الأساليب العلمية، وكان ذلك عبارةً عن تحولٍ من الإيمان بالحقيقة المطلقة التي تتحكم بالحياة البشرية، إلى الإيمان بحقائق علمية جزئية يستطيع الإنسان استخدامها للسيطرة على الطبيعة، وهكذا بات الهدف النهائي للعقلانية العلمية اكتشاف سرّ الكون والحصول على المعرفة الشمولية الكبرى، إلا أن الدين ينكر إمكان إنجاز مثل هذه المهمة، لاعتقاده بوجود حقيقةٍ مطلقةٍ لا يمكن اكتشافها، وهذا ما تقول به نظرية ما بعد الحداثة وإن عبر طريقٍ مختلفٍ، فهي ترفض السعي للأنساق الفكرية المغلقة، وتنكر إمكان اكتساب المعرفة التامّة عبر الطرائق العلمية، إذ ترى أن العقل ليس مصدراً موثوقاً به للمعرفة، فهو نفسه جزءٌ من مشروع الهيمنة، والحقيقة المطلقة لا يمكن التوصل إليها، لأن لكل فردٍ حقيقته الخاصة، وفي غياب الحقيقة المعروفة موضوعياً، لا يبقى سوى المعتقدات الذاتية، وهذا ما يعود بنا إلى الإيمان»[10].

إذا كان هذا هو ما آلت إليه الحداثة في الغرب، فهل لحداثويينا المعاصرين أن يفيئوا إلى هذه الحقيقة ولو من باب التقليد للغرب أيضاً؟!. أم لا يزالون يصرون على سلوك الدروب الخائبة التي سار بها الغرب عقوداً طويلةً؟!.

إن الذين راحوا يهيمون في صحراء الحداثة الفكرية الغربية، قد أصبحوا اليوم جزءاً من تاريخٍ مهملٍ، وسطراً غير معترف به من تراث الغير، أما الذين لا يزالون يسيرون على خطاهم ويتتبّعون آثارهم فهم اليوم على مفترق طرق، فإما أن يبقوا سادرين في تيههم، جارين في دروب سلفهم، وسيلقون نفس المصير مهما أصروا على عدم الاعتراف بتلك الحقيقة، وإما أن يفيقوا من نوم ليلة الأمس، ويثبتوا حضورهم في نهار هذا اليوم، ليطلّوا من خلاله على الغد، ولن يتم لهم ذلك إلا بأن يخلّصوا أنفسهم من سراب الحداثة الخادع، ليعيشوا عصر ما بعد الحداثة الذي بدأ يزحف من كل فَجّ، ويتحرّك في كل مجال.

وإذا أرادوا أن يختصروا المسافة أكثر، فخير وسيلةٍ لهم أن يفقدوا كل ثقةٍ بتقليعات الغرب الفكرية، وأن يرفعوا بنيانهم الخاص المتميز بأصالتهم القائمة على الثقافة الإسلامية المتجددة باستمرار، واثقين أنها الأحدث فعلاً من كل حداثةٍ تأتي من الغرب، رغم اعتقادنا الجازم أن ما يأتي من الغرب ليس باطلاً كله، وليس خالياً بالضرورة من أي نفعٍ أو فائدةٍ على الإطلاق.

5- الحداثة في الأدب العربي:

إن الحداثة في الأدب ما هي إلا فرعٌ عن الحداثة في الفكر، وهي مثلها مستمدّةٌ من الغرب ولادةً وحضانةً وتصديراً، إذ يعتبر الأدب (شعراً أو قصّةً أو روايةً أو مسرحيةً أو..) إحدى أهم قنوات التحديث ووسائله، من حيث هو وسيلة التواصل بين الأفراد والمجتمعات، للتعبير عن الأفكار والهواجس والدوافع والرغائب والمطامع والمطامح، وكل ما يدور في خلد الإنسان وفكره.

وبكسر طوق الكنيسة في الغرب، والتحرر من المفاهيم والقيم الدينية، برزت كثيرٌ من النظريات الفلسفية المرتكزة على الماديّة والإلحاد، وفي هذا الجو الفكري تتابعت المذاهب الأدبية الغربية، من كلاسيكيةٍ ورومانسيةٍ وواقعيةٍ، أفضت إلى الرمزية، ومنها إلى ما سمّي بالحداثة، ثم نقلت إلى العالم العربي دون أي تغييرٍ أو تبديلٍ أو تعديلٍ، فسادت في أدبنا العربي الحديث المصطلحات الغربية، وأساليب الكتابة الغربية، ومناهج النقد الأدبي الغربية، وحتى الكلمات -وهي تُكتب بالحرف العربي- لم تعد ذات مضامين ومعاني عربية.

تقول الكاتبة الحداثوية «خالدة سعيد» في بحثٍ لها عنوانه «الملامح الفكرية للحداثة»: «إن التوجّهات الأساسية لمفكري العشرينات، تقدّم خطوطاً عريضةً تسمح بالقول إن البداية الحقيقية للحداثة -من حيث هي حركةٌ فكريةٌ شاملةٌ- قد انطلقت يومذاك، فقد مثّل فكر الروّاد الأوائل قطيعةً مع المرجعية الدينية والتراثية كمعيارٍ ومصدرٍ وحيدٍ للحقيقة، وأقام مرجعين بديلين: العقل والواقع التاريخي، وكلاهما إنسانيٌّ ومن ثَمّ تطوريٌّ، فالحقيقة عند رائدٍ كجبران أو طه حسين لاتُلتمَس بالنقل، بل تُلتمَس بالتأمّل والاستبصار عند جبران، وبالبحث المنهجي العقلاني عند طه حسين»[11].

وحتى لا يلتبس الأمر على أحدٍ من المسلمين، فيظن أن ذلك النهج لا ينعكس على الإسلام، وإنما على الدين كما صوّرته الكنيسة الغربية فقط، أنقل فقرةً أخرى للباحثة المذكورة تقول فيها: «عندما كان طه حسين وعلي عبد الرازق يخوضان معركة زعزعة النموذج «الإسلام»، بإسقاط صفة الأصلية فيه وردّه إلى حدود الموروث التاريخي، فيؤكدان أن الإنسان يملك موروثه ولا يملكه هذا الموروث، ويملك أن يحيله إلى موضوعٍ للبحث العلمي والنظر، كما يملك حق إعادة النظر فيما اكتسب صفة القداسة، وحق نزع الأسطورة عن المقدّس، وحق طرح الأسئلة والبحث عن الأجوبة»[12].

نحن -طبعاً- لسنا الآن في مورد الردّ، كما أننا لم نعد نحتاجه، لأننا تجاوزنا اليوم مرحلة الدفاع، لكننا فقط نود أن نلاحظ أمرين:

الأول: أن الإسلام يركّز كثيراً على التأمل والاستبصار، وعلى المنهج العقلي، ويدعو بشكلٍ قاطعٍ إلى تحريك العقل واستخدامه كأحد أهم مصادر المعرفة والعلم.

والثاني: أننا نؤكّد صحة مقولة أن الإنسان يملك موروثه ولا يملكه هذه الموروث، ولكن علينا أولاً أن نحدّد معنى الموروث في هذا المقام.

الإسلام -المتمثل بالقرآن الكريم والسنّة النبويّة الثابتة- ليس من الموروثات العربية ولا الإسلامية، لأنه ليس حصيلة فكر الأجداد ولم نرثه منهم، إنما هو خطابٌ إلهيٌّ مباشرٌ لجميع الناس في كل الأماكن والعصور، فهو خطاب مباشر لنا كما خوطب به أجدادنا، ونحن وإياهم في تلقّيه والعمل به على حدٍّ سواءٍ.

أما ما يعدّ من التراث فهو الفهم الخاص في كل عصرٍ من العصور لهذا الإسلام، وكذلك طرائق تطبيقه فيما مضى من عصور، وهذا الذي ينبغي لنا أن نملكه، وألَّا نسمح له أن يملكنا، إنه تراثنا، وهو ثروةٌ عزيزةٌ في أيدينا، نستخدم منه ما يناسبنا، بالقدر الذي يناسبنا، بالطريقة التي تناسبنا، وبحسب فهمنا نحن للقرآن الكريم والسنّة النبوية الثابتة.

بعد هذا الاستطراد الضروري، نعود إلى بحثنا حول الحداثة في الأدب، فنقدّم مختصراً شديد الإيجاز لسمات الحداثة الأدبية الغربية، التي قلّدها حرفيًّا أدباؤنا الحداثويون العرب، ونقلوها إلينا -على ألسنتهم- كما هي:

أ- رواد الحداثة الأدبية في الغرب:

«كان الأمريكي إدغار آلان بو من رموز المدرسة الغربية، التي تمخضت عنها الحداثة في جانبها الأدبي على الأقل، وقد تأثر به كثيرٌ من الرموز التاريخية للحداثة، مثل: مالارميه، وفاليري، وموبوسان، وكان المؤثر الأول في فكر وشعر بودلير أستاذ الحداثويين في كل مكان، وقد نادى إدغار بأن يكون الأدب كاشفاً عن الجمال، ولا علاقة له بالحق والأخلاق»[13].

إدغار هذا، كانت حياته وسلوكه مجافيين فعلاً للحق والأخلاق والجمال على السواء، وكذلك كان شعره وأدبه، «لقد كان سلوكه مشيناً جداً، وكانت حياته موزّعةً بين الفشل الدراسي، والقمار، والخمور، والعلاقات الفاسدة، وتُوِّجت بمحاولة الانتحار بالأفيون»[14].

أما بودلير أستاذ الحداثويين في كل مكان، وعميد الرمزية بعد إدغار، والخطوة الأولى للحداثة، من الناحية الأدبية على الأقل، فقد نادى بالفوضى في الحس والفكر والأخلاق كما يقول إحسان عباس وغالي شكري[15].

و«لقد قام المذهب الرمزي -الذي أراده بودلير- على تغيير وظيفة اللغة الوضعية، بإيجاد علاقاتٍ لغويةٍ جديدةٍ، تشير إلى مواضيع لم تعهدها من قبل.. وكان يطمح أيضاً إلى تغيير وظيفة الحواس عن طريق اللغة الشعرية، ولذا لا يستطيع القارئ أو السامع أن يجد المعنى الواضح المعهود في الشعر الرمزي»[16].

أليس من الطبيعي جداً أن يسلك هذا المسلك في الأدب والشعر، من كانت مراحل حياته منذ الطفولة نموذجاً للضياع والشذوذ، وقضى شطراً من شبابه في الحي اللاتيني بباريس، حيث الفسوق والانحلال والتبذّل والعلاقات الشاذّة، ثم لاذ في المرحلة الأخيرة من عمره بالمخدّرات والشراب؟!.

هكذا كان بودلير، وكان -إلى ذلك- مصاباً بالنرجسية وانفصام الشخصية، فكان يحب تعذيب الآخرين ويتلذّذ به، كما يقول إبراهيم ناجي مترجم ديوان بودلير «أزهار الشر»، ومصطفى السحرتي مقدم هذه الترجمة.

على أن الطريف أنه «حتى فرنسا على ما فيها من انحلال وميوعة ومجون وفساد، منعت نشر بعض قصائده عندما طُبع ديوانه في باريس سنة 1957م، ويقول عنه كاتبٌ أوروبيٌّ: «إن بودلير شيطانٌ من طرازٍ خاص»، ويقول عنه آخر: «إنك لا تشم في شعره رائحة الأدب والفن، وإنما تشم رائحة الأفيون»»[17].

وعلى خطى بودلير مشى رامبو، الذي «دعا إلى هدمٍ عقلانيٍّ لكل الحواس.. وإلى أن يكون الشعر رؤيةَ ما لا يُرى وسماعَ ما لا يُسمعُ، وفي رأيه أن الشاعر لابدّ أن يتمرّدَ على التراث وعلى الماضي، ويقطعَ أيَّ صلةٍ مع المبادئ الأخلاقية والدينية.. وتميّز شعره فنيًّا بغموضه وتغييره لبنية التركيب والصياغة اللغوية عما وُضِعت له، وتميّز أيضاً بالصور المتباعدة المتناقضة الممزّقة»[18].

وعلى آثار بودلير ورامبو، جاء مالارميه، وبول فاليري، وغيرهما، ووصلت الحداثة في الغرب إلى شكلها النهائي على يد اليهودي الأمريكي «عايزرا باوند»، والإنكليزي «توماس إليوت».

وبهؤلاء جميعاً، تأثرت الموجات الأولى من الحداثويين العرب، مثل السيّاب ونازك الملائكة والبياتي وخليل حاوي وأدونيس.. وغيرهم[19].

وتُعتبر قصيدة «الأرض الخراب» لإليوت، معلّقة الحداثويين العرب «بما حوته من غموضٍ ورمزيةٍ حوّلت الأدب إلى كيانٍ مغلقٍ، تتبدّى في ثناياه الرموز والأساطير واللغة الركيكة العاميّة.. إلى آخر ما نراه اليوم من مظاهر الأدب اليومي للحداثيين العرب»[20].

ويدافع علي الغامدي عن المنشأِ الغربي للحداثة العربية، مبرراً ذلك بالشمول الإنساني والصياغة العالمية، فيقول: «ومهما يقال إن تلك المصطلحات منقولة من الغرب، حيث كانت صدىً لما كان عليه القرن التاسع عشر، إلاّ أن لها شمولها الإنساني، وصياغتها العالمية التي تناسب كل لغةٍ، ومن هذه المصطلحات على سبيل المثال «الداروينية»، التي تُعتبر كشفاً لتطوّر بعض جوانب الكائن الإنساني، وكذلك «الميثولوجية» التي تعدّ كشفاً لأصول العقائد، وهذه المصطلحات في جملتها تفصح عن منهجٍ جديدٍ واضحٍ ومحدَّدٍ، يستلهم العقل والتجربة في ربط المقدمات بالنتائج، والعلّة بالمعلول»[21].

ونحن -بالطبع- نوافق، بل وندعو بإلحاح، إلى استلهام العقل والتجربة، وإلى ربط المقدمات بالنتائج والعلة بالمعلول، باعتباره المنهج العقلي للاستنباط، الذي كان ولا يزال، أحد أهم الأسس الأصولية والمنطقية في الفكر الإسلامي منذ قرونه الأولى، لكن ما نرفضه في هذا المجال، هو النتائج المبتسَرة والمفتعَلة، أو المتسرّعة التي يُدّعى انتماؤها لذلك المنهج زوراً وبهتاناً، تلك النتائج التي سقطت أخيراً في الغرب نفسه، بعدما أفسدت فكر وسلوك أجيالٍ بكاملها في الغرب والشرق بنسبٍ متفاوتة.

أما بعض منظّري الحداثة في الأدب العربي، فقد نحوا منحىً آخر، حين مضَوا يبحثون عن طريقٍ يمنحهم انعطافةً نحو حداثةٍ عربية الجذور، فرجعوا إلى العصر الجاهلي ومنه إلى العصرين الأموي والعباسي، يفتشون هنا وهناك عن بعض النماذج ويُلبسونها ثوب الحداثة، فأبرزوا امرأ القيس وبشار بن بردٍ وأبا نواسٍ وعمر بن أبي ربيعة، وغيرهم ممن سار من الشعراء القدامى على هذا الدرب.

ويوضح «أدونيس» سبب إعجاب الحداثويين العرب بشعر أبي نواس وعمر بن أبي ربيعة على سبيل المثال، فيقول: «إن الانتهاك هو ما يجذبنا في شعرهما»[22]، بل كانت فرحتهم أشد عندما ظفروا -كما يدّعون- ببغيتهم في إيجاد جذور تاريخية عربية للحداثة عند بعض المتصوّفة كالنفري والحلاّج وذا النون المصري وابن عربي وغيرهم، ومعلومٌ أنه لم يتم لهم ذلك الادّعاء، إلاّ بالفهم الخاص المنحرف لنصوص أمثال هؤلاء الصوفيين الكبار، فاعتبروا أن الرافد الصوفي يصب في دائرة الشعر العربي المعاصر، ويلوّنه بلونه الخاص، وهكذا راحوا يدّعون أن الشعر العربي الجديد يستمد من التراث الصوفي، وأنى يصح ويصفو لهم ذلك الادّعاء؟!.

يقول عبد الحميد جيدة: «الرافد الصوفي صبّ في دائرة الشعر العربي المعاصر، ولوّنه بلونه الخاص، إن النفري والحلاّج وذا النون المصري وابن عربي وغيرهم، أثّروا في أدونيس والسياب والبياتي ونازك الملائكة وصلاح عبد الصبور ومحمد عفيفي مطر، لذلك فإن القيم التي يضيفها الشعر العربي الجديد إنما يستمدها من التراث الصوفي»[23].

لكن هذا لم يكن سوى مجرد ادّعاءٍ باردٍ لا مصداق له، ينفيه الحداثويون العرب أنفسهم، يقول غالي شكري: «وعندما أقول الشعراء الجدد، وأذكر مفهوم الحداثة عندهم.. أتمثل كبار شعراء الحركة الحديثة، من أمثال أدونيس وبدر شاكر السياب وصلاح عبد الصبور وعبد الوهاب البياتي وخليل حاوي.. عند هؤلاء سوف نعثر على إليوت وعايزرا باوند، وربما على رواسب من رامبو وفاليري، وربما على ملامح من أحدث شعراء العصر في أوروبا وأمريكا، ولكنا لن نعثر على التراث العربي»[24].

ويقول الشاعر محمد بنيس: «نحن جميعاً متورطون في الحداثة، وقد أصبحت أثراً من آثار جسدنا.. وحتى لا نتوه في المفارقات والمطابقات، نثبتُ في الحداثة حداثات، والمشترك بينها هو أرضية الغرب تقنيةً وفكراً وإبداعاً»[25].

ويقول «جبرا إبراهيم جبرا» في كتابه «الرحلة الثامنة»: «حركة الشعر الجديد متصلة بحركة الفن الحديث في أوروبا، ومن العبث أن نستشهد بالقدامى»[26]، ويقول غالي شكري: «إن محاولة تبرير الشعر الحديث بميراثنا التاريخي من حركات التجديد في الشعر العربي هي محاولةٌ غير مجديةٍ، بل أصبحت ضارّةً إلى حدٍّ ما»[27].

وهكذا كان الحداثويون العرب صدى الحداثة الغربية، والمرآة التي نقلتها كما هي إلى مجتمعاتنا العربية، والأوعية التي حملتها بكل تنوعاتها وتناقضاتها.

ب- تذبذبات الحداثة:

لا أريد أن أدخل لجّة التأريخ لأدب الحداثة، وإنما أريد أن أؤكّد، أن الحداثة في الأدب الأوروبي، لم تستقرّ على مفهومٍ معيّنٍ، «فكثيرٌ من الحركات الأدبية كالطبيعية والانطباعية والرمزية والتصويرية والمستقبلية.. إلخ، متداخلةٌ ومترابطةٌ مع بعضها، وكل واحدةٍ منها هي نتاج حركاتٍ أخرى، وليست حركةً قائمةً بذاتها، وإذا أخذنا الحداثة -كحركةٍ من هذه الحركات-، أو -كحركةٍ تضم كل هذه الحركات-، فهي لا تختلف عنها من حيث كونها تتضمن معانيَ مضطربة».

تدرجت الحداثة من حداثةٍ مبكّرةٍ أولت الشكل اهتماماً كبيراً، وانتهت بحداثةٍ جديدةٍ سميت «ما بعد الحداثة»[28] ضربت بالشكل عرض الحائط.. وخلال هذه الرحلة الطويلة مرت بفن اللاّفن، إلى فن الصدفة، إلى أدب الصمت، الذي يقوم على اللامعقول واللاتخطيط، وعلى المحاكاة الهزلية، وعزفت عن الفن التقليدي إلى الفن التجريدي والتجريبي، و.. و.. إلى مسمياتٍ لا تنتهي، لأنها تسير إلى لا هدف، ولو سارت إلى هدفٍ محددٍ لانتهت هذه الأسماء، وانتهت معها الحداثة، وقد عبّر «أرفنك هاو» عن هذا الواقع حينما قال: «لم تأت الحداثة بأسلوبها الخاص المؤثّر، وإذا أتت بذلك تكون قد انتهت كحداثة»[29].

كان هناك -دوماً- شيءٌ من التذبذب والتأرجح في الأسلوب، بين المستقبلية والعدمية، بين المحافظة والثورية، بين الطبيعية والرمزية والرومانسية وحتى الكلاسيكية، وكان هناك دائماً نوعٌ من المدّ والجزر بين العقلانية واللاعقلانية، وبين الوعي واللاوعي، وبين الذاتية والموضوعية.

ما أغرب ما كانت الحداثة تمزج بين الترحيب بالتكنولوجيا وبين استهجانها، وتتأرجح بين الإيمان بصدق أشكال التعبير الجديدة عن الزمن، وبين اعتبارها هروباً من التاريخ ومن وطأة الزمن، هذا الخلط بين المتناقضات كان السمة الأساسية للحداثة، هذه السمة التي نسفت كل أنظمة الفكر، وقلبت القواعد التقليدية للّغة والفن، وأفسدت العلاقة بين الكلمات والأشياء، وفتحت الباب على مصراعيه أمام الانتقال المفاجئ وغير المنطقي من موضوعٍ لآخر، واعتماد الصور المبهمة الضبابية التي تجمع بين النظام والفوضى، الخلق والتدمير، البناء والهدم، الظلام والنور، الموت والحياة.

لقد حاولت الحداثة أن تُسمعنا ما ليس بمسموعٍ، وأن ترينا ما ليس بمرئي كما يقول رامبو، وراحت تصور لنا سكون ما هو جارٍ، وجريان ما هو ساكنٌ، وسخونة ما هو باردٌ، وثلجية ما هو في حالة غليانٍ، ووحشية ما هو وديعٌ، ووداعة المتوحّش، بل وغيّرت الألوان والأشكال، وطمست المعاني، وعقلنت العواطف، وعلمنت الأوهام، وحوّلت المكان إلى زمانٍ والزمان إلى مكان، واعتبرت الكتلة نوعاً من الطاقة، ونظرت إلى الخوارق على أنها الواقع، وإلى الظنون والأوهام على أنها الحقائق.

وباختصار، تكلم كل أديبٍ على هواه، وعبّر كل شاعرٍ عن ظنونه وهواجسه، بالأسلوب الذي يحلو له، أفصح أو لم يفصح، فهم السامع أو القارئ أو لم يفهم، جرح مشاعر الناس، استغفلهم، استجهلهم، قلب موازينهم، كل هذا لا يهمه ولا يتحرّج منه، ومع كل هذا فهو لا يطرح موازينه، ولا يجرُّ إلى منهجه، ولا يفصح عن هدفه وغايته، لأنه -بكل بساطةٍ- لا موازين له ولا منهج ولا هدف ولا غاية، سوى أن يغاير الواقع ويتمايز عن الآخرين.

ج- أسلوب المغايرة:

لعل «أسلوب المغايرة»، هو أهم ما تشرّبته الحداثة الأدبية الغربية من الحداثة الفكرية، وهو القاسم المشترك بين الفكر والأدب الحداثويين الغربيين، لكن الفارق أن المغايرة في الفكر كانت تسير إلى هدفٍ محدّدٍ سلفاً، هو الانخلاع عن الماضي برمّته، بما يعنيه من دينٍ وقيمٍ وأخلاق، بينما المغايرة في الأدب لم تتخذ لها هدفاً محدداً سوى المغايرة في الأسلوب، وإن لم يحمل أي فكرٍ على الإطلاق، هكذا نفهم قول فلوبير: «كل ما أريد أن أفعله هو أن أنتج كتاباً جميلاً حول لا شيء، وغير مترابط إلاّ مع نفسه»[30].

ولكي يحقق الأوروبيون هذا الهدف «التغاير» أو «التمايز»، كان لابد من الانخلاع عن الماضي أولاً، ثم عن الحاضر بعد ذلك -عندما يصبح ماضياً- دون أن يقدموا «نهجاً» للمستقبل.

إن التغيير بحد ذاته هو الهدف وهو المنهج، وهكذا انسلخ الأدباء الحداثويون الأوروبيون ليس عن الماضي فقط، وإنما عن الحاضر أيضاً، بل وليس عن الواقع فقط، وإنما عن الحياة كذلك، وعاشوا في عالمٍ من خيالٍ، يسبحون فيه بلا جهةٍ محددةٍ، تتقاذفهم رياحه الهوج وأمواجه العاتية حيث تشاء، إنه عالم الضياع في النزوات والشهوات، والتيه في الأهواء والنوازع المفرطة في الذاتية، عالم العبثية والفوضى، وهو عالمٌ لا يليق بالإنسان العاقل.

ولا بد أن نستدرك، أن هذا «التغاير اللامنهجي» أو «التمايز اللاهدفي» لم يؤطّر كل الأدباء الحداثويين الأوروبيين، فكثيرٌ منهم قد وضعوا نصبَ أعينهم هدفاً محدداً، لا يبتعد كثيراً عن هدف الحداثة في الفكر، كإشاعة أدب الانحلال أو الجنس أو فوضى العلاقات عموماً، أو أدب التحرر من الدين والتحلل من القيم والأخلاق، أو.. أو.. لكن أسلوب التغيير نحو لا هدفٍ معيّنٍ، بقي السمة الغالبة على الأدب الأوروبي الحديث، وخاصةً منه الشعر.

إن أهم ما هدفت إليه الحداثة الغربية في الأدب، أن يأتي أسلوبها على غير مثالٍ سبق، ليستحقوا بذلك أن يكونوا إبداعيين حقًّا، وحتى الأدباء والشعراء الذين اتخذوا من الهجوم على الدين والأخلاق والقيم محوراً لأدبهم، فلأنهم ربما وجدوا -في ذلك الحين- أن الدين والقيم والأخلاق كانت هي الواقع المعاش، وأن الحداثة كان لابد أن تكون في مواجهة هذا الواقع، وأن مركب أسلوب المغايرة كان لابد أن يجريَ هذا المجرى، وأن يخوض هذا البحر، وربما لاقى ذلك عند كثيرٍ منهم هوىً نفسيًّا، نابعاً من النوازع والأهواء، والسلوك الشخصي المنحرف، إضافةً إلى الضرورة الإبداعية الأدبية.

ومن الإنصاف أن نشير، إلى أن الواقع المعاش في أوروبا في ذلك الحين، كان يغطي جورَه وظلمَه وخنقَ حرية الإنسان فيه، بقشرةٍ هشّةٍ رقيقةٍ من الدين والأخلاق، مما يجعلنا نعطي مصداقيةً -إلى حد ما- لبعض الأدباء الحداثويين في الغرب، وضمن هذا الإطار نفهم -على سبيل المثال- قول «نيتشه»: «على الفنان ألَّا يحابيَ الواقع»[31].

إن أسلوب المغايرة وسم الحداثة في الأدب لدى الغربيين بمفهومٍ غائمٍ وغامضٍ على عكس الحداثة في الفكر، وإن مقولة «رامبو»: «من الضروري أن نكون محدثين بصورةٍ مطلقةٍ»، قد لقيت صدىً قويًّا في الغرب وفي الشرق على السواء، رغم التأويلات المختلفة التي رافقتها، ورغم تضارب الآراء حول تفاصيل مصطلح الحداثة، وطبيعته، وتطور مفهومه بتطور الزمن، يقول «ليونيل ترلنك»: «من جملة المشاكل التي تواجهنا عند دراسة العصر الحديث، هي أنه لا توجد كلمةٌ واحدةٌ تحدد سمات هذا العصر، لقد استُعمِلت كلمة «الحداثة» من حينٍ لآخر مرادفةً للرومانسية، واستُعملت كذلك في وصف الأجواء العامة للأدب الأوروبي في القرن العشرين بوجهٍ عام، أما النقّاد الماركسيون فيعدّونها نوعاً من البورجوازية الجمالية المتأخرة النابعة من الواقعية، لقد استُخدم هذا المصطلح ليغطّيَ مجموعة الحركات التي جاءت لتحطيم الواقعية أو الرومانسية، وكان ديدنها التجريد، حركاتٍ مثل الانطباعية، ما بعد الانطباعية، التعبيرية، التكعيبية، المستقبلية، الرمزية، التصويرية، الدوّامية، الدادائية، والسريالية، مع ذلك ليس هناك ما يوحّد هذه الحركات، بل إن بعضها جاء ثورةً كاسحةً على البعض الآخر»[32].

وهذا كله بسبب أسلوب التغاير اللا هدفي، أو التمايز الذي انتهجته الحداثة، التي وصفها الناقد «سي س لوس» في إحدى محاضراته عام 1955م، فقال: «لا أتصور أن هناك عصراً سالفاً أتى بأعمالٍ محيّرةٍ ومدمّرةٍ، كالأعمال التي جاءت بها الدادائية والسريالية، وأعتقد جازماً بأن هذا ينطبق على الشعر»[33].

ويقول «هربرت ريد»: «شهدت الأزمان السالفة كثيراً من الثورات الفنية، فكل جيلٍ جديدٍ جاء بثورةٍ فنيةٍ جديدةٍ، إننا نجد أن لكل القرون ثوراتها المتعاقبة.. أما ما يسميه بعضهم بالثورة الفنية المعاصرة، فلا أعتقد أن لفظة ثورة مناسبةٌ لهذا السياق، إنها تحطيمٌ بل انحلالٌ مأساويٌّ»[34].

د- الغموض والرمز:

هنالك من يدّعي، أن الانتقال في النص الشعري، مما هو منطوقٌ ومسموعٌ، إلى ما هو مكتوبٌ ومقروءٌ، قد أحدث تغييراً كليًّا في الأدب عموماً، وفي الشعر خصوصاً، فلم يعد الصوت الإنساني أساساً وشرطاً لكل الآداب، بعدما أتيحَ للعين النهمة أن تقرأ بحريّةٍ وفرديّةٍ ما يُكتَب على الصفحات، الأمر الذي سمح للنص الأدبي -والشعر ضمناً- أن ينتقل من الإيقاع المتسلسل، إلى المعنى الذي تفرضه اللحظة الآنية.

يقول «مالارميه»: «إن غياب اتجاه العبارة الشخصي المتحمّس، مهّد الطريق لظهور فنٍّ يدين بالفضل الكبير إلى الأشكال وليس إلى المشاعر، إن الشكل يضاعف المعنى، ويحوّل القصيدة إلى مجموعةٍ من التعابير الموحّدة الشاملة»[35]، وهذا يفسر طريقة مالارميه الغريبة في تركيب الجمل، بحيث لا تتضمن فكرةً مركزيةً واحدةً، بل تقوم على تحدي قواعد النحو، وتشتمل على مجموعةٍ من الأسماء الغريبة الشاذّة، كعبارته مثلا:ً «شعلة الشهرة، رغوة دم، ذهب، عاصفة»، أو عبارته الأخرى: «ليلٌ، يأسٌ، وأحجارٌ كريمة».

بمعنىً آخر، إن ما أتاحه الكم الهائل من الكتب والمجلاّت والدوريات.. إلخ بعد تقدم الطباعة، من تراجع التلقي عن طريق الإلقاء والاستماع «صوت - أذن»، وتقدم التلقي عن طريق الكتابة والقراءة «شكل - عين»، قد أدى إلى غياب التعبير الشخصي المتحمّس، لصالح التعبير الشكلي الفني، مما يسمح بالاعتماد على الرمز، فما هو الرمز؟! وكيف يتشكل عند الحداثويين؟!.

«يعدد «جان مورا» في «بيان الحركة الرمزية» بعضاً من الخصائص الأسلوبية في اللغة الرمزية، فيذكر: كلمات نقية.. حشو مهم.. حذف غامض.. الانتقال من تركيب نحوي معيّن، إلى تركيب آخر يحقق الجرأة المتطرّفة»[36].

وسواءٌ صحّ هذا التحليل أم لا، وسواءٌ كانت الرمزية والغموض سمةَ كل الحداثويين الأوروبيين أو معظمهم، فإن ما يهمنا هنا هو ما وصل إليه الرمز عند بعض هؤلاء الحداثويين، الذين يعتبرون أن الرمز يتكون من الموضوع والفكرة، من الحضور والغياب، من الكلمة المكتوبة والكلمة الممحوّة، من الشكل والفراغ، وينظرون إلى البياض الذي يكتنف النص، على أنه صمتٌ مفعمٌ بالمعنى، لا يقل روعةً عن النص الشعري نفسه، وكذلك استعمال اللغة غير الكاملة... إلى آخر هذه العبارات التي لا تقدم ولا تؤخر.

ولعلّ شاعراً عبقريًّا، يفاجئنا ذات يومٍ بقصيدةٍ عصماءَ، على صفحةٍ ناصعةٍ بيضاءَ، بلا كلامٍ ولا عنوانٍ، إنه الرمز، وهي حداثة الغموض، ولا يهم ما تفهمه أيها القارئ من النص، المهم ما تثيره بعض كلماته الشاذّة الغريبة الغامضة من إيحاءاتٍ لديك، والأهم أن تثير لدى كل قارئٍ إيحاءاتٍ خاصةً به، والأفضل ألَّا تتوحّد الإيحاءات، وألَّا تلتقي المعاني والأفكار، وأجمل قصيدةٍ حداثويةٍ على الإطلاق، هي التي لا تتضمن أية فكرةٍ، ولا تحمل أي معنىً، بشرطٍ وحيدٍ، هو أن تثير إيحاءاتٍ متناقضةً غيرَ متناغمةٍ ولا منسجمةٍ لدى القرّاء.

يقول سعيد السريحي: «ومن هنا أصبح من الصعب علينا أن نتفهم القصيدة الجديدة، بعد أن تخلّت عن أن يكون لها غرضٌ ما، وأصبحت اللغة فيها لا تشير أو تحيل إلى معنىً محددٍ، وإنما هي توحي بالمعنى إيحاءً، بحيث لا تنتهي القصيدة عند انتهاء الشاعر من كتابتها، وإنما تظل تنمو في نفس كل قارئٍ من قرائها، حتى يوشك أن يصبح لها من المعاني بعدد ما لها من القراء»[37].

والسريحي إنما يتكلم عن قصائد الحداثويين العرب، الذين نقلوا التجربة الغربية بحذافيرها، حتى لنستطيع أن ندّعيَ أنهم ترجموها ترجمةً حرفيةً إلى لغتهم، فاستعادوا نفس التعابير والكلمات والمصطلحات، بفارقٍ أساسيٍّ، هو أن تعابير ومصطلحات وكلمات الغربيين، مأخوذةٌ من لغتهم ومفاهيمهم وتراثهم وعاداتهم وواقعهم، بينما جاءت التعابير في القصائد الحداثوية العربية، لتصدم الذوق الأدبي للعرب، لأنها منبتّةٌ تماماً عن تراثهم ومعاصرتهم، مخالفةٌ بشكلٍ فاضحٍ لعقائدهم، لا تمتّ بأية صلةٍ إلى واقعهم.

إن عباءةَ الغموض، ودثارَ الضباب والسُّحُب، هو السمة البارزة للحداثة العربية، فأنت إذا أصخت بسمعك، أو رنوت بعينك إلى قصيدة الشاعر الحداثوي، لا تستطيع مهما ركّزت السمع أو البصر، بفكرٍ حاضرٍ وقلبٍ مقبِلٍ وعقلٍ يقظٍ مفتوحٍ، لا تستطيع أن تخرج بمفهومٍ واحدٍ واضحٍ، بل تجد نفسك تتأرجح بين الليل والنهار، بين العتمة والنور، بين اليأس والأمل، بين الرجاء والخوف، بين الحياة والموت، بين الكلام والصمت، ولعله الكلام الصامت، والصمت المتكلم، والليل المنير، والنهار المظلم، والموت المفعم بالحياة، وحياة الموت، والارتفاع بحبل اليأس القاتل، والسقوط في مهاوي الرجاء والأمل، و «كلامٌ طاعنٌ بالصمت، واحتمالات فناءٍ تنعش الحياة، وامراةٌ تسلبني كسرةَ موتي، أو، تمنحني قبرَ حياتي، تحمل تاريخ الهجرة صوب الضلع السائب، وأنا لا أملك إلاّ صمتاً أسحبه من فمك فيصير فراشةً»[38].

نحن على يقين كامل، أن للرمز في الأدب عامةً، والشعر خاصةً، موقع جميل ومقام سامٍ، من حيث له قيمةٌ فنيةٌ وجماليةٌ لا تُنكر، ولا يمكن الاعتراض عليها، بله الاستغناء عنها، وأن درجة الإحساس بالجمال، التي يمنحنا إياها الرمز، لا يملك أن يمنحنا إياها التعبير الواضح الصريح.

يقول البلاغي العربي الكبير «عبد القاهر الجرجاني»، عن القيمة الفنية الجمالية للرمز، الذي ينجلي عن معنىً واضحٍ مفيد: «إن المعنى إذا أتاك ممثَّلاً، فهو في الأكثر ينجلي لك بعد أن يحوجك إلى طلبه بالفكرة وتحريك الخاطر والهمّة في طلبه، وما كان منه ألطف كان امتناعه عليك أكثر، وإباؤه أظهر، واحتجابه أشد، ومن المركوز في الطبع، أن الشيء إذا نيل بعد الطلب له، أو الاشتياق إليه، ومعاناة الحنين نحوه، كان نيله أحلى وبالمزيّة أولى، فكان موقعه من النفس أجدّ وألطف، وكانت أفنّ وأشغف»[39].

وفي طي آيات القرآن الكريم أمثلةٌ كثيرةٌ جداً، عن الرمز اللطيف الجميل، الذي ينجلي لك بعد التأمل عن معنى مفيد، وكذلك في الشعر العربي القديم، سواء الجاهلي منه أو الأموي أو العباسي، ولا مجال لذكر الأمثلة في هذه الدراسة.

ولكن هذا الموقع الجميل والمقام السامي للرمز، لا يسوّغ بحالٍ من الأحوال الإفراط فيه، وصولاً به إلى درجة الإبهام والغموض، بحيث لا يملك أن يفك معانيه ودلالاته وغوامضه حتى القارئ المثقف، بل ولا حتى الشاعر نفسه في كثيرٍ من القصائد.

الأدب... الشعر.. الفن عامةً، حالةٌ ثقافيةٌ عامةٌ للإنسان، لا حالةٌ خاصةٌ تهم النخبة أو نخبة النخبة فقط، إن الغموض المفرط يدخل الشعر في ظلام الطلاسم، ويحشره في زمرة الأحاجي والألغاز، ويحرفه عن لغة الأمة والمجتمع، إلى لغة الكهنة والسحرة، لغة المشعوذين والدجالين، أعداء الإنسانية والمتربصين شراً بالإنسان، وإضافةً إلى أنه لا يلبي طموح الشاعر في التعبير عن مشاعره، فإنه لا يوصل هذه المشاعر إلى السامع أو القارئ.

ورغم أني لا أريد في هذه الدراسة أن أصدع الرؤوس بالأمثلة، أراني مضطراً إلى أن أسوق الأمثلة الثلاثة التالية من شعر أدونيس:

1- يقول في مقطعٍ من قصيدة:

من زمنٍ

يقول الغبطةَ ويقول اليأسَ

حظٌّ آخر أن يتعلّمها

تحفّزٌ آخر أن تحاصره

يتموّج فيها ويستشرف:

هل أنتِ من هاويتي وفوضايَ؟!.

2- ويقول في مقطعٍ آخر منها:

في حبٍّ لم يجئ بعدُ، يرسم وجهه على الغيم

ويمنح جسده لأفياء الذاكرة

الحياة نايٌ من الغبار

وصفصاف الحزن وارفٌ حتى الأفق

3- وفي مقطعٍ ثالث من قصيدةٍ أخرى يقول:

أيها القربُ المسافر في البعاد

أيها الصمت المحلّق في القيامة

أيها الموت المؤجّل في الفصول

يا المهاجر.. والمكابر.. والجميل

يا المشاكس في وداعة العاشق.. الثعبان

يا الداخل في انغلاق الجهات

يا الخارج في ضجيج الصمت

ماذا يريد «أدونيس» أن يقول في هذه النصوص؟ وفي أي غرضٍ شعريٍّ تصنّف هذه المقاطع؟.

غزل.. هجر.. برم.. تأفّف.. أمل.. يأس.. موت.. حياة.. إقبال.. إدبار.. حب.. بغض.. ريقُ عاشقٍ أم سُمُّ ثعبان؟.. صمتٌ أم ضجيج؟ أم ضجيج الصمت وصمت الضجيج؟.

الكلمات كلها واضحةٌ، معروفة، وذات معنى، الجمل -بلا استثناء- ليست واضحةً، وربما ليست ذات معنىً من المعاني، والمقطع كله، لا يحمل أية فكرةٍ، ولا يعبّر عن أي معنىً، إنه والصمت سواءٌ، غير أن الصمت من ذهب كما يقول المثل العربي، أما هذا المقطع، فيُدّعى أنه من شعر، نعم، إنه الشعر الحديث، بل هذا هو الشعر في رأي الحداثويين العرب، الشعر الغامض غير المفهوم هو الشعر، أما «الشعر الذي يُفهم ليس بشعر»[40].

وعودة إلى بيان «جان مورا» -الذي أشرنا إليه قبل قليل- عن الحركة الرمزية، لنذكّر بما عرضه «مورا» من طريقة صنع الغموض، وأقول «صنع الغموض» لأنه ليس غموضاً بديهيًّا، بل هو غموضٌ مصنوعٌ منحوتٌ، مؤلّف من كلماتٍ نقيةٍ مع حشوٍ مهمٍّ وحذفٍ غامضٍ، إنه الثالوث الحداثوي المقدّس، وهو أعقد كثيراً من قصة الورقة المكتوبة، التي تطوى وتقص بعنايةٍ، ثم يعاد جمعها من جديدٍ -كيفما اتفق- للحصول على نصٍّ أدبيٍّ طريفٍ، أو لوحةٍ فنيّةٍ باهرةٍ، إنه هنا انتقاء لكلمات أساسية للنص، وحشوٌ بطريقةٍ فنيّةٍ، وحذفٌ بطريقةٍ انتقائيّةٍ، وقصدٌ مسبَقٌ لصنع نصٍّ غامضٍ.

يفسّر لنا «السريحي» في «الكتابة خارج الأقواس» ص17، الغموض في القصيدة الحداثوية، فيقول: «إن ظاهرة الغموض، التي من شأنها أن تعدّ السمة الأولى للقصيدة الجديدة، نتيجةٌ حتميةٌ أفضت إليها سلسلة من التطورات، التي طرأت على العلاقة المتوترة بين الشاعر المبدع والقارئ المتلقي»[41].

ويعني السريحي، أن العلاقة المتوترة بين الشاعر الحداثوي والقارئ، بسبب الانتهاكات المتتالية للعقائد، والثقافات، والأعراف السائدة، وخروج الشاعر الفج وغير المقبول من قبل القارئ على قواعد اللغة، أفضت بعد سلسلة من التطورات والتوترات بينهما، لأن يلجأ الشاعر إلى الغموض والإبهام.

ويؤكد هذا التفسير ما كشفه الحداثوي أحمد عائل فقيه، عن سر التوتر بين الشاعر الحداثوي، والقارئ العربي، بقوله: «إننا في مجمل الأحوال، نسير في اتجاهٍ معاكسٍ لما هو سائدٌ، ومكرَّسٌ في بنية المجتمع.. إذاً كيف يمكنك تمرير ما تحلم به، وما تودّ أن تقوله علناً ؟»[42].

ويكشف الشاعر الحداثوي «أدونيس» ما وراء هذا الكلام المجمل، الذي هو سر الخلاف -بل العداء المستحكم- بين هؤلاء الحداثويين والمحافظين في العالمين العربي والإسلامي، إذ يقول: «إن فن القصيدة أو المسرحية أو القصة التي يحتاج إليها الجمهور العربي، ليست تلك التي تسلّيه، أو تقدم له مادة استهلاكية، وليست تلك التي تسايره في حياته الجادّة، وإنما هي التي تعارض هذه الحياة، أي تصدمه، وتخرجه من سُباته، تفرغه من موروثه، وتقذفه خارج نفسه، إنها التي تجابه السياسة ومؤسساتها، الدين ومؤسساته، العائلة ومؤسساتها، التراث ومؤسساته، وبنية المجتمع القائم كلها، بجميع مظاهرها ومؤسساتها، وذلك من أجل تهديمها كلها، أي من أجل خلق الإنسان العربي الجديد، يلزمنا تحطيم الموروث الثابت، وهنا يكمن العدو الأول للثورة والإنسان»[43].

على أن هذا التفسير الواقعي لحالة كثير من شعر الغموض عند حداثويينا العرب، لا يلغي ولا ينفي ما سبق أن بيناه، من أن الغموض والإبهام غرض شعري في حد ذاته، لدى الحداثة الغربية والعربية على السواء، وقد مثلت النماذج الثلاثة، التي أدرجناها من شعر أدونيس الغموض المقصود لذاته، تماماً وفق ما جاء في بيان الحركة الرمزية الذي أعلنه «جان مورا».

6- موقفنا من الحداثة في الفكر والأدب:

ليست مجتمعاتنا العربية المعاصرة أقل حاجةً إلى كثير من معطيات الحداثة الفكرية والأدبية من تلك المجتمعات الغربية، لتستيقظ من غفوتها الطويلة، وتنهض من بعد كبوتها الوبيلة، وتودّع كسلها وخمولها، وتجدد نشاطها وفاعليتها، وتستردّ مكانتها بين الأمم، لكننا مع كل هذا، نرفض رفضاً قاطعاً أن تكون الحداثة العربية نسخةً طبق الأصل -أو ربما مشوّهةً- عن الحداثة الغربية، وندعو إلى التحديث والتجديد النابعَين من ضرورة عربيةٍ خالصةٍ، والمنطلقَين على أساسٍ متينٍ من المنهج الاستدلالي العقلي في الفكر، والاستخدام السليم والمبدع للغة العربية في الأدب.

فالمجتمع العربي أيضاً تثقل كواهله مجموعةٌ كبيرةٌ من القيود والأغلال، التي تفرضها عليه السلطات السياسية الحاكمة، والمؤسّسات الاجتماعية الفاعلة، مغطّاةً تارةً بقشورٍ من الدين والأخلاق والعادات، ومبرَّرةً تارةً أخرى بالتنمية والتطوير والتجديد والمعاصرة.

ولذلك فنحن مع الحداثة فيما ترمي إليه من تغييرٍ وتجديدٍ، على أن يقوم هذا التغيير والتجديد على أسسٍ علميةٍ سليمةٍ، وأن يكون للتغيير هدفٌ مشروعٌ مدروسٌ بعنايةٍ وجدٍّ، ولسنا معها في هدم القيم الدينية الأصيلة، والأخلاق الإنسانية الراشدة.

نحن مع الحداثة في العمل على إعادة صياغة الشكل، وفق ضوابط سليمة، ولسنا معها في سعيها لأن تجرّ الأدب العربي إلى ظلمات اليأس، وكهوف الفوضى، ومجاهل العبثية، وأنفاق السوداوية المغرقة أو الخيال المفرط، أو شرانق الواقعية المؤذية، التي تفسد الفرد والمجتمع الإنساني.

نحن نريد أن يستفيد أدباؤنا وشعراؤنا من إيجابيات الحداثة.. من الوعي المبدع والخيال الخلاّق.. من الأبعاد الجمالية الأخّاذة.. من الظلال الفنية الموحية.. دون التورط في العوالم المجهولة، والتلبّس باللاّهدفية واللاّجدوائية، والفوضى الفكرية واللغوية، والانبتات عن الجذور، والانسلاخ من الجلود، والضياع في بحرٍ من ظلمات الطلاسم ومتاهات الغموض.

--------------------------------------------------------------------------------

[1] د. معن زيادة، معالم على طريق تحديث الفكر العربي، ص 67.

[2] عوض محمد القرني، (الحداثة في ميزان الإسلام) ص 18، ينقل عن مقال منشور في مجلة (فصول) المجلد الرابع العدد 3 ص 11 بعنوان: (اعتبارات نظرية لتحديد مفهوم الحداثة)، ونحن نكتفي هنا بهذا النص لكننا سنورد فيما بعد نصوصاً أخرى تدل على المنشأ الغربي للحداثة.

[3] سورة الرحمن، الآية 33.

[4] سورة يونس، الآية 101.

[5] سورة الإسراء.

[6] مجلة «أبعاد» عدد 4 ص 272- 273، دراسة للباحث التركي «خلدون جولألب»، والنص ينقله من كتاب: (The end of cociological theory).

[7] المصدر السابق.

[8] مجلة «أبعاد» عدد 4 ص 272- 273، دراسة للباحث التركي «خلدون جولألب»، والنص ينقله من كتاب: (The end of cociological theory).

[9]المصدر السابق.

[10] مجلة «أبعاد» عدد 4 ص 272- 273، دراسة للباحث التركي «خلدون جولألب»، والنص ينقله من كتاب: (The end of cociological theory).

[11] مجلة «فصول» المجلد الرابع، العدد الثالث ص 26-27.

[12] مجلة «فصول» المجلد الرابع، العدد الثالث ص 26-27.

[13] عوض القرني، «الحداثة في ميزان الإسلام» ص 21-22 «بتصرف قليل».

[14] المصدر السابق.

[15] انظر: «فن الشعر» ص 64 لإحسان عباس، و «شعرنا الحديث إلى أين؟» ص 16 لغالي شكري.

[16] عبد الحميد جيدة، «الاتجاهات الجديدة في الشعر العربي المعاصر» ص 121.

[17] «الحداثة في ميزان الإسلام» ص 23.

[18] « الاتجاهات الجديدة في الشعر العربي المعاصر» ص 148.

[19] إحسان عباس، «فن الشعر» ص 72.

[20] «الحداثة في ميزان الإسلام» ص 24.

[21] مقال علي الغامدي «الشعر الحديث كمصطلح»، مجلة «اليمامة» عدد 906 ص 62.

[22] أدونيس ، «الثابت والمتحول» 1/216.

[23] «الاتجاهات الجديدة في الشعر العربي المعاصر» ص 98-99.

[24] «الحداثة في ميزان الإسلام» ص 19.

[25] عبد الله أبو هيف، « الأدب العربي وتحديات الحداثة» ص 15، ينقل نص الشاعر محمد بنيس من مجلة «الكرمل» قبرص، العدد 12 لعام 1984م.

[26] مقال لصالح جواد نشرته مجلة «فصول» المجلد الرابع، العدد الرابع ص 17. «شعرنا الحديث إلى أين» ص 116.

[27] «الحداثة» ص 48، تأليف عدد من الباحثين الأمريكيين والأوروبيين.

[28] «ما بعد الحداثة» لا تعني نهاية الحداثة، بل تؤكد استمرارها، فهي تتبنّى جميع الأسئلة الأساسية التي أثارتها الحداثة، ولكنها تقوم بنقدها وإعادة طرحها بتدقيقٍ ووعيٍ أكبر.

[29] أرفنك هاو، «الحداثة الأدبية» ص 13 طبعة 1967.

[30] «الحداثة» ص 25.

[31] «الحداثة» ص 25.

[32] «الحداثة» ص 23، ينقل عن كتاب ترلنك «ما وراء الحضارة»، طبع لندن عام 1966م.

[33] «الحداثة» ص 20، ينقل عن كتاب ترلنك «ما وراء الحضارة»، طبع لندن عام 1966م.

[34] المصدر السابق ص 19-20 ينقل عن كتاب «الفن الإلهي» لهربرت ريد، المطبوع عام 1933م.

[35] «الحداثة» ص 229-230، ينقل عن كتاب مالارميه «أزمة الشعر» .

[36] «الحداثة» ص 230، ينقل عن «البيان الرمزي» لجان مورا، وهو مقالٌ منشورٌ في مجلة «لوفيجارو» الفرنسية الأدبية، 18/9/1886م.

[37] «الحداثة في ميزان الإسلام» ص 39، ينقل عن كتاب السريحي «الكتابة خارج الأقواس» ص 31.

[38] هذه مقاطع مقتطفة من قصائد حداثوية عربية.

[39] «أسرار البلاغة» للجرجاني ص 126، الطبعة السادسة، القاهرة 1959م.

[40] ملف نادي الطائف الأدبي عدد 6 جمادى الآخرة 1406هـ، عبد الله نور.

[41] انظر: «الحداثة في ميزان الإسلام» ص 39.

[42] مجلة عكاظ عدد 71- 73 ص 10.

[43] نقلاً عن دراسة للأستاذ محمد الحوراني بعنوان «عندما يصبح الأدب نوعاً من الهجوم على المقدّس»، المنشور في الملحق الثقافي لصحيفة الثورة السورية، العدد 533 تاريخ 26/ 12/ 2006م.


ارسل لصديق