حرب الأيام الثلاثة والثلاثين
كتبه: د. عبد الله زيعور
العدد (40) السنة 18 - 1428هـ/ 2007م
التعليقات: 0
القراءات: 1551

اسم الكتاب: حرب الأيام الثلاثة والثلاثين.

تأليف: جيلبير أشقر[1]. ميشال شار شفسكي[2].

ترجمة وتحقيق: جمال سالم.

الطبعة الأولى: 1427هـ 2007م.

الناشر: دار الساقي للطباعة والنشر - بيروت.

يجمع بين الكاتبين (صداقة) عمرها 30 عاماً يقولان إن أساسها القيم الإنسانية ومبادئ الثورة الفرنسية، وقد كتب أشقر الفصول الثلاثة التي تحلل الوضع اللبناني والمنطقة قبيل عدوان تموز 2006، فيما كتب الآخر الفصل الرابع وهو الأكبر والأهم كونه يعالج الحرب وتداعياتها السياسية والأمنية لكن من داخل الكيان الصهيوني.

في المقدمة يؤكد الكاتبان أن هذه الحرب الخاسرة، وهي السادسة في الحروب العربية الإسرائيلية قد عوَّضت في اللاوعي العربي عن الإهانة التي لحقت بالعرب في حرب الستة أيام في حزيران 1967.

يستعرض الفصل الأول تاريخ لبنان الخاضع للتجاذبات الإقليمية والدولية ويعتبر أن أحداث 11 أيلول 2001 كانت منطلقاً للمشروع الأمريكي الذي أعلنه جروج بوش آنذاك حيث وصف فيه إيران وسوريا بأنها قوى شريرة في محور الشر واعتبر أن الأولوية لجورج بوش هي مواجهة العدو الإيراني المانع لسيطرته على العراق والشرق الأوسط ككل، وذلك بفتح المعركة ضد القوى الداعمة لإيران وفي طليعتها حماس وحزب الله.

والمشكلة في لبنان كانت تحالف حزب الله وسوريا لذا كان القرار 1559، الذي شدَّد الكاتبان على اعتباره خرقاً فاضحاً لمبادئ الأمم المتحدة وسمياه «بتمثال الأكاذيب»، حيث تم إقراره غصباً عن إرادة لبنان وسوريا، بما يخالف المادة الثانية من وثيقة الأمم المتحدة وفقرتها السابعة التي تمنع التدخل في القضايا التي تعود حصراً للسيادة الوطنية للدول الموقعة على المبادئ الدولية.

أما في خلفيات الحرب فاستعرض الكاتبان قلق أمريكا من التطور السريع للأحداث بعد مقتل الحريري، حيث راهنت على قوى المعارضة لسوريا في أن تحشر حزب الله في الزاوية، إلا أن ميزان القوى لم يكن يسمح بذلك، أما الخيار الآخر، الجيش اللبناني، وهو أداة أضعف من أن تقود الرهان في القضاء على حزب الله، وانقسامه في العام 1976 خير دليل، وبالتالي من الوجهة الأمريكية فالقرار 1559 سيصبح في (الروزنامة اليونانية) أي مجرد أوراق للتاريخ، لذا، من الضروري التدخل الخارجي عسكريًّا لقلب موازين القوى في لبنان وإيجاد فرصة العدّ للمعارضة لكي تواجه حزب الله سياسيًّا في الداخل، أما الخيارات فكانت: الولايات المتحدة غارقة في وحول العراق، فرنسا لا قدرات عسكرية لديها كافية لهذا المشروع. وفي هذا الصدد، نشرت صحيفة اللوموند الفرنسية في 27 تموز 2006 أن القيادة العسكرية الفرنسية العليا ناقشت مطولاً إمكانية قيادة عسكرية أوروبية أو حتى فرنسية لتنزع سلاح حزب الله لكنها انتهت بنقاشها أن حزب الله الذي صمد بوجه الجيش الإسرائيلي الأقوى والأشد فعالية من أي قوة أوروبية محتملة، سيحقق نصراً آخر ربما يكون أكثر سهولة من نصره على إسرائيل لذا، فقد جرى الإقلاع نهائيًّا عن هذه الفكرة.

هذا من جهة ومن جهة آخرى فقد أتى العدوان في 12 تموز جزءاً من مشروع يستكمل عدوان إسرائيلي على غزة في 28 حزيران بعد أسر الجندي الإسرائيلي. ويصف الكاتبان أن العمليتين هما توأمان، فكلاهما موجه إلى عدو لإسرائيل وأمريكا وحليف لطهران، ويرسل الإشارة إلى الحلفاء المحليين لواشنطن في الداخل لتصفية الحساب معهم.

وفي عودة إلى لبنان لاستعراض الوضع الداخلي وأزماته ودور حزب الله يستخلص الكاتبان أن الخطأ الحسابي لحزب الله في عملية أسر الجنديين قابله من الطرف الإسرائيلي خطأ جسيم قاتل في حساباتها لخوض معركة مع عدو تكاد لا تعرف شيئاً عنه، حيث ينقل عن موشيه أوريتر قوله: «إن الحرب التي بحسب قادتنا كان مفترضا لها أن تعيد قدرات الردع لإسرائيل دمرتها في أقل من شهر..».

إلا أن الرياح جرت بما لا يشتهيه قادة العدو بعد أن حاولوا عبر مسودة قرار فرنسي أمريكي في 15 آب 2006 بأن تستكمل القوات الدولية الأعمال الحربية التي بدأتها إسرائيل، ليس فقط في الأراضي التي تتقدم فيها إسرائيل لكن في عمق أراضي لبنان إلا أن الوقائع أكدت ألَّا تقدم ميدانيًّا كان أم سياسيًّا ممكن أن يحصل دون موافقة حزب الله؛ فكان القرار 1701.

لكن قبل إقراره، طلبت أمريكا من إسرائيل التهويل بهجوم بري شامل لممارسة ضغط دبلوماسي يسمح لبوش بالحصول على أفضل الشروط لصالح إسرائيل في مجلس الأمن.

أتى القرار متغافلاً عن الاعتداء الصهيوني وطالباً من حزب الله وقف «اعتداءاته على إسرائيل»، دون أن يطلب رفعاً للحصار عن لبنان، ومن دون أي ضمانة لحماية الأراضي اللبنانية من الاعتداء الإسرائيلي، أما حماية الحدود اللبنانية من عمليات إدخال السلاح فلم تكن مواجهة قط ضد إسرائيل بل لمراقبة الحدود اللبنانية الإسرائيلية ليس إلا، لكن كلام موشي أوريتر قد عبر عن حقيقة الوضع في إسرائيل أزاء هذا الاصطفاف الدولي قائلاً: «ما الفائدة من هذا الدعم الدبلوماسي الدولي لإسرائيل وهي تتلقى جرعات يومية من الصواريخ على أيدي بضعة آلاف من مقاتلي حزب الله».

ثم يأتي الفصل الرابع، وهو الأهم حيث يؤكد فيه الكاتب الإسرائيلي أن عدوان 12 تموز أتى بعد أن اكتملت الظروف السياسية الدولية لصالح إسرائيل، وشكَّل خطف الجندي الإسرائيلي في غزة والآخرين في لبنان عبئاً كبيراً على إسرائيل لم تقدر على تجرعه، إلا أنه ينقل عن الرأي العام الإسرائيلي والعديد من المحللين أنهم لا يزالون غير مستوعبين كيف أن التدمير العنيف والإجرامي للمباني السكنية سيعيد لنا الجنديين المخطوفين؟

ثم يستعرض الكاتب أهداف أولمرت المتغيرة باستمرار خلال الحرب:

حيث بدأها بالقول: إن إسرائيل تريد أن ترغم لبنان على إجبار حزب الله لإعادة الجنديين فوراً. فإرغام لبنان هو بالقوة لأن العرب لا يفهمون إلا لغة القوة، وفق خطة تقضي بأن يعمد اللبنانيون بعد الضربات التدميرية الشديدة إلى الضغط على حزب الله وعزله سياسيًّا، وقد وصل الجهل الإسرائيلي بحقيقة الواقع في لبنان أن يقول المعلق في راديو إسرائيل: توجد في لبنان أغلبية مسيحية تكره المسلمين وتكره حزب الله تحديداً في معرض اسعراض حيثيات الحرب داخليًّا.

ثم تغيَّر الهدف ليصبح: تدمير حزب الله، فلقد اشتد القصف الإسرائيلي لكن في المقابل اشتد قصف حزب الله للعمق الإسرائيلي ليصل إلى حيفا، فيما إسرائيل احتفلت مرتين بالنصر:

أولاً: بإعلان قتل أمينه العام السيد حسن نصر الله.

ثانياً: بتدمير مقر القيادة والسيطرة العملانية للمنظمة.

ثم تمت مراجعة الهدف فتبين أن لا شيء منه تحقق، ليعلن أولمرت أن هدف الحرب هو منع صواريخ حزب الله من السقوط على مدن وبلدات إسرائيل لكن حزب الله بقي يقصف إسرائيل لليوم الأخير من الحرب.

وبعدما فشلت كل تلك الأهداف المعلنة قررت إسرائيل إكمال الحرب بهدف ترميم صورة الردع الإسرائيلي التي حطمها حزب الله، حيث كان التوجه نحو القصف الشديد بلا هوادة ورمي مئات الأطنان من قنابل «شالفوسفور» و«العنقودية» وتدمير قرى بأكملها فقط لإرسال رسالة للعالم مفادها أن إسرائيل هي قوة رادعة وقاهرة، ولذا يصف الكاتب في النهاية أن هذه الحرب كانت إخفاقاً تامًّا.

خلفيات الحرب:

ويستذكر الكاتب اندفاع قادة إسرائيل لإكمال حرب فاشلة منذ بدايتها بما كان يقوله القادة العسكريون الاستعماريون من الفرنسي «ماسو» إلى الأمريكي «وستمور لاند»: أعطوني أسبوعين إضافيين لكي!، حيث كان الفشل هو الخاتمة الوحيدة لكل هذه الحروب.

وفي تحليل لخلفيات الحرب، يؤكد الكاتب أنها أتت في سياق الحرب العالمية، الدائمة والوقائية، التي أعلنها المحافظون الجدد في البيت الأبيض بعد 11 أيلول 2001، والتي تحظى بموافقة وقبول متعاظم من الاتحاد الأوروبي. إن إسرائيل كانت قد خدمت دائماً هذا البلد أو ذاك من الناحية العسكرية منذ العام 1960 مقابل خدمات عسكرية ودبلوماسية واقتصادية لإسرائيل وهذا التحالف كان قائماً على تبادل المصالح: إسرائيل هي رأس الجسر للدفاع عن مصالح «العالم الحر» في الشرق الأوسط ضد الاتحاد السوفياتي والقومية العربية، مقابل ذلك تدعم القوى الاستعمارية دولة إسرائيل ومشاريعها التوسعية.

إن الحرب العالمية الدائمة المفتوحة هي فكرة استراتيجية، تم التحضير لها عام 1980 بشراكة من قبل المحافظين الجدد في أمريكا وفي إسرائيل الذين كانوا يعدون لحقبة ما بعد الاتحاد السوفياتي، وتقوم على إعادة استعمار العالم وفرض نظام جديد تقوده الليبرالية الجديدة ولكن بأحادية القطبية الأمريكية فقط؛ التي تريد وضع حد لحق الشعوب في تقرير مصيرها وحل المشاكل سياسيًّا على طريقتهم لما يؤدي إلى الاستقرار في العالم.

وفي سياق حرب تموز، لم يُخفِ المتشددون من بين المحافظين الجدد قلقهم وسخطهم للطريقة التي قادت فيها إسرائيل الحرب والتي أدت إلى فوضى حقيقية في إسرائيل، إن حزب الله هو دفاع حقيقي عن عطش الإيرانيين للسلاح النووي ولقد كتب شارل كراوتامر رئيس تحرير الوشطن بوست وهو محافظ جديد مقرب من ديك تشيني افتتاحية خلال الحرب يقول فيها:

«تريد أمريكا، وتحتاج أمريكا لهزيمة مبرحة لحزب الله، ولعل السؤال الآن في أمريكا أن إسرائيل في عالم ما بعد 11 أيلول 2001 هي مسهِّل حلول لأمريكا أم عبء ثقيل عليها، إن هجوم حزب الله في 12 تموز 2006 كان فرصة ذهبية لإسرائيل لأن تثبت أهليتها ومشاركتها الأساسية في حرب أمريكا ضد الإرهاب، ولكن بحث أولمرت عن نصر في حساب سريع وضع ليس فقط العملية العسكرية الإسرائيلية في لبنان في دائرة الخطر، ولكن أيضاً ثقة أمريكا بإسرائيل، هذه الثقة تحتاجها كثيراً إسرائيل لتبرر بقاءها كدولة ولتكلفة جيشها، إن أولمرت المرتجف يتخبط الآن» ويعود الكاتب الإسرائيلي ليقول:

«بعد انتصار بوش في الانتخابات انصهرت سياستا الدولتين وتوحدتا، لتصبحا وحشاً برأسين، رأس واحدة منها أكبر وأغنى من الآخر، لقد أرادت إسرائيل أن تظهر حربها في لبنان وفي فلسطين كجزء من صدام الحضارات، فيقول إيهود بارك في هذا الصدد: إننا نعيش في فيلا عصرية مرفهة وسط الأدغال، وإن حروب إسرائيل هي ليست سوى حروب بقاء، وإن هذه الحرب هي امتداد طبيعي لحروب أمريكا التي تقتل فيها مئات الألوف من العراق. فالحرب «ليهودية - المسيحية» المشتركة هي متناقضة في ذارائعها، فهي من جهة لا تكترث للقتلى بل وتسخر من الضحايا، لكن، ومن جهة أخرى وبالدمار الشامل الذي تحدثه فهي تريد أن تعلم «الآخرين» ولمرة واحدة ما تكلفه جريمة التعرض لإسرائيل.

إن الشرق الأوسط هو هدف مركزي وأولي في الحرب العالمية المفتوحة والوقائية لواشنطن ودور إسرائيل العسكري فيها هام أكثر من أي وقت مضى، في سحق واستسلام (الشعوب المتمردة) وإخافة الأخرى حتى لا يحلم هؤلاء بالخروج عن السيطرة الأمريكية، وبالتالي فما جرى في غزة ثم في تموز 2006 في لبنان هو مشاركة في هذه الحرب: استسلام شعوب وإخافة شعوب أخرى.

إن التوتر بين المجتمع الدولي عموماً وبين مشروع عسكرة إسرائيل هو دائم وهو مرشح للتصاعد باعتبار أن قدرة الردع الإسرائيلية تحطمت عند حزب الله وبالتالي فإن جولة أخرى هي قيد الإعداد والبرمجة في إسرائيل.

إخفاق الحرب:

في 22 تموز كتب المحلل العسكري لصحيفة «نيويورك بوست» الأمريكية: «إسرائيل هي على وشك خسارة الحرب، وهذه مسألة مُرّة لكل من ساند إسرائيل طوال حياته، لكنه الآن حقيقة، فالوضع ينهار يوماً بعد يوم» لا أحد يشك في خسارة إسرائيل، حتى البيت الأبيض جهد بالكلام عن نجاحات، آملا بتهدئة عسكر البنتاجون والخارجية الذين يريدون وضع جديد لها بعد أن صار خضوع المحافظين الجدد لهذه السياسات غير مسؤول وفاضح.

إن أفضل دليل على إخفاق الحرب هو عدد لجان التحقيق التي شُكِّلت في إسرائيل حيث إن بعضاً منها شُكِّل بضغط شعبي...

الفشل هو أولاً استخباراتي؛ طالما تصوروا أنفسهم الأفضل في العالم، لقد نجحوا بالفعل في عمليات الكوماندوس والخطف والاغتيال غير الشرعية في العالم لكن فيما يتعلق بعلم الاستخبارات الفعلي، فهم فشلوا على نحو يستحق الشفقة.

الكلمة المعبرة عن هذه الحرب هي «مفاجأة»: فوجئت الحكومة بقدرة الرد لدى حزب الله، بفاعلية نظامه الدفاعي على الجبهة، بعدد الصواريخ التي ضربت شمال إسرئيل التي حطمت أسطورة المركافا (4) وجعلتها صفراً، بفاعلية وإخلاص مقاتلي حزب الله، وبكلمة أيضاً مفاجأة بكل ما هو فارق بين نصر أكيد وهزيمة محتومة...

لقد قال قائد المخابرات العسكرية السابق الجنرال يوسي كوبرفاسر: «أنا لم أتفاجأ أبداً، إنه بالضبط حزب الله الذي أعرفه». لقد كان الفشل أيضاً لدى جهازي «أمان» و«الموساد» ليس فقط في المعلومات التي يمتلكانها عن حزب الله بل بقدرتهما السياسية على تحليل المعلومات وخاصة استخلاص النتائج الصحيحة...

إن هذا الفشل كان فشلاً في إقناع الرأي العام الإسرائيلي بما جرى، ومرده بحسب الصحفي العسكري يوري أفنيري احتقار العرب، العربي هو بدائي، خائف، مسلم قاسٍ ومعادٍ للسامية، هذا التصور سبَّب «غباشة» كاملة وعمى فيما يخص إخلاص حزب الله، وأداءه وموقعه في المجتمع اللبناني»...

علينا تسجيل أن إرادة إسرائيل في زرع ألوف القنابل في كل لبنان لكي يثور الشعب اللبناني ضد حزب الله قد فشلت: لقد اتَّحد اللبنانيون ضد من أراد تديمر لبنان، كما أن هذه الأفشال مجتمعة أدَّت إلى تدمير خطير للجيش الإسرائيلي وقدراته العملانية، وهذا ليس بحاجة للجان تحقيق لمعرفة أسبابه وهي ثلاثة:

1- إن مؤسسات إسرائيل كانت غير مؤهلة لاستباق الرد اللبناني على الهجوم، وسبب ذلك هو عجرفة إسرائيل وتعاليها العنصري إزاء عدوها العربي. كل الذين جُنِّدوا من الاحتياط اعترفوا بعدم قيامهم بتدريبات منذ سنوات، لقد كان الجيش ببساطة غير مؤهل لهذه العملية.

2- رئاسة الأركان تُدار لأول مرة في تاريخها بطيار، اعتمد على السيطرة المطلقة للطيران، مهملاً تحضير جيش البر، لا يكمن كسر إرادة شعب بغارات طيران، تدخُّل الجيش البري ضروري.

3- منذ خمس سنوات قبل الحرب، لم يقاتل الجيش الإسرائيلي سوى مدنيين: اضطهاد للنساء والإطفال، قصف وهجمات على أهداف مدنية في الضغة وغزة، الشعب أعزل، أو أحياناً مسلح قليلاً وأحياناً كثيرة غير مجرب، لقد أصر الجيش على استعمال كلمة حرب في عملياته هذه، لقد سخر المناضلون في إسرائيل المناهضون للعمليات ضد غزة والضغة من الجنود قائلين لهم: «عندما يأتي اليوم الذي ستواجهون فيه خصماً مسلحاً ومدرباً، لن تعرفوا ماذا ستفعلون»، في لبنان كان مقاتلون مدربون ومسلحون جيداً بانتظار الجنود... لقد أدت الحرب ضد المدنيين إلى تدمير فاعلية الجيش الإسرائيلي.

4- ثم كيف ننسى الفشل الذريع في تدهور شخصية الجندي الإسرائيلي والأخطر لدى القائد: رئيس الأركان باع أسهمه في سوق البورصة قبل المعركة، الرشوة كانت سيدة الصفقات التي سلحت الجيش آليات ومعدات وذخائر وذلك على حساب نوعية المعدات وفاعليتها. إنه البحث الشخصي عن الربح الأقصى.. إنها «النيوليبرالية» التي تحكم إسرائيل اليوم، فهي أي «الليبرالية الجديدة» تقود إلى الحرب كما تقود الغيوم المطر: منفعة شخصية، استبدال الأجهزة الرسمية بالخصخصة الشاملة، هذه الاعتبارات تتضارب مع ما يسمى «المصلحة الوطنية» لا سيما خلال الحرب، ولقد عبر الصحفي الإسرائيلي الشهير دانيال بن سيمون عن مظاهر هذه النيوليبرالية في الأداء: «إن كل لجان التحقيق التي ستُشكَّل لا تقدر على حجب الجريمة التي كنا شهودها خلال الحرب: لقد اختلفت ببساطة كل مؤسسات الدولة، مثلما أن الأرض ابتلعت الدولة، أهلنا في الشمال كانوا بلا مأوى وخدمات: إن حقيقة الدولة تقاس بالتجارب، وفي هذا المقياس إسرائيل فشلت».

ومنذ العام 1956 لم تعانِ إسرائيل من هجمات في عمقها، لكن عندما قصفت بيروت والضاحية، لم يُعر قادة إسرائيل لخطابات الأمين العام السيد حسن نصر الله الذي هدَّد بقصف العمق، وهكذا فعل، فحيفا قصفت حتى اليوم الأخير من المعارك. ولم يبقَ في مساكن شمال إسرائيل إلا الفقراء الذين لا قدرة لهم على الرحيل.

لقد كانت هذه الحرب ضد شعب، فاستراتيجية المحافظين الجدد، نقلت الحرب من «الدولة المارقة» إلى «الشعوب المارقة» التي يجب أن تعاقب لأنها احتضنت الإرهابيين مثلما حدث في أفغانستان، العراق، فلسطين ثم لبنان. وفي هذه الحرب لم يجد اليسار الإسرائيلي المؤيد -حزب العمل، حركة السلام الآن..- في مواجهة إسرائيل للمجموعة الدولية بسبب قصفها للأهداف المدنية فأيدوا ما فعلت في إطار «العالم المتحضر ضد الأرهاب العالمي».

بعد الحرب، الأزمة والحرب المقبلة:

جاء في افتتاحية «هآرتس» في 30 آب 2006: «من جهة الرأي العام، من أوصل البلاد إلى الكارثة عليه أن يدفع الثمن... لقد كان منصب أولمرت رئيساً للوزير فضفاضاً عليه»، هذا استنتاج يُجمع عليه الإسرائيليون، الذين تظاهر منهم 50 ألفاً في أيلول الماضي مطالبين بلجان تحقيق.

حزب كاديما بات الآن على وشك الانهيار، لكن بمجرد انتهاء حرب الأيام الـ 33، بدأ الخبراء يعدون العدة للحرب الجديدة، ولقد كتب المحلل العسكري أبراهام طال: إن حرباً تنتهي بالتعادل، ودون أي اتفاق موقع بين الطرفين، ستشتعل عاجلاً أم آجلاً. في الصراع بين إسرائيل وإيران، عبر وكيلها حزب الله لم يصل أي من الطرفين إلى مبتغاه الاستراتيجي، ولهذا السبب يقول أولمرت أمام الكنيست: إن من الضرورة أن تتحقق ونطمئن أنه في الجولة المقبلة ستسير الأمور أفضل» كما عبّر روني غاسرئيل عن آفاق في المستقبل في صحيفة الغارديان (1/ 9/ 2006) قائلاً: «علينا الاستعداد كما لو أن المعركة المقبلة ستندلع في وقت قصير وكما لو أن الخاتمة محتومة نصراً، خلال سنتين منذ الآن، ستكون جولة أخرى مثل الأولى لكنها ستكون أخطر وأشمل: حرباً شاملة مع جيوش نظامية، منها جيش دولة إقليمية كبيرة»، لكن الصحفي زئيف شيف يقول: «علينا إنجاز السلام مع سوريا وإخراجها من المحور الإيراني، فليس أفضل من السلام مع سوريا للبدء بالحرب مع إيران، ذلك أن إسرائيل من الناحية الاستراتيجية هي اليوم في حرب شبيهة بحرب 1948، تقاتل لتواجه تهديد إلغائها القادم من إيران التي تطور سلاحاً نوويًّا وتقود تياراً دينيًّا متعصباً، وإسرائيل تقاتل على الجبهة مع الفلسطينيين كجبهة رئيسية، إنه موقف يناقض كل منطق: علينا التقرير بأن الجبهة الأولى والأساسية هي في مواجهة خطر الوجود».

لكن المحافظين الجدد في أمريكا وبعض قيادي الجيش لا يحبذون السلم مع سوريا ويقولون: إن على إسرائيل مهاجمة سوريا أولاً، وإذا كان الكل يوافق على التحضير لحرب مقبلة إلا أنهم غير مجمعين على الأولويات: إيران ثم سوريا أم سوريا ثم إيران وبعضهم يحلم بإيران وسوريا في آن واحد، وهناك من يؤكد معركة مقبلة مع حزب الله.

إن سنتين من الاستعداد للمعركة المقبلة مع حزب الله هي كافية بلحاظ تركيبة الجيش والرغبة في الانتقام ودعم واشنطن، كافية لغسل العجز المتراكم ولربما لن تتيح واشنطن لفترة استعدادات كافية لزج إسرائيل بالمعركة المقبلة.

لكن درساً أساسيًّا نستخلصه من هذه الحرب: لقد انتهى عصر الحروب السهلة وحروب الحسابات السهلة، صار ذلك وراء ظهرنا، ومهما سيكون ثمن الحروب المقبلة فإن الشعب والمدنيين هو من سيدفع الثمن غالبا، ومصير المدنيين سيكون رهينة بيد أصحاب أحلام السيطرة قادة الولايات المتحدة وحلفائها الأمناء في إسرائيل. ولقد عبّر داعية السلام الإسرائيلي تانيا راينهرت:

من وجهة القيادة الإسرائيلية العسكرية، لن يكون اللبنانيون والفلسطينيون أحجار الشطرنج في الحرب المقبلة وإنما شعب إسرائيل أيضاً.

المشروع الأمريكي فشل أيضاً:

بعد الحرب، لم يعد هناك أدنى شك أن إدارة بوش وفريقه ستدخلان التاريخ بوصفهما أشد الإدارات حماقة في تاريخ إمبراطورية الولايات المتحدة.

إن إدارة بوش فشلت خلال السنوات الثلاث الأخيرة في كل مكان، وصعوبات مشروعها العسكري هي اليوم إلى إزدياد. إنها بدايات النهاية لسياسة الكاوبوي أو راعي البقر التي صارت مع كوندوليسا رايس دبلوماسية راعية البقر التي لم تفلح في تغيير صورة أمريكا في العالم، إنها اليوم مرحلة غرق سفينة بوش في المياه السوداء للمستنقع العراقي الأسود، حيث لم يفلح الجيش الأقوى في العالم إخضاع إرادة الشعوب الفقيرة.

لقد بدت الولايات المتحدة عاجزة عن السيطرة على العراق، وهي عجزت عن السيطرة على فيتنام، لكن قدرة أمريكا اليوم أقوى بكثير من أيام فيتنام. فقد تقلصت أعداد الجنود في الجيش الأمريكي حاليًّا على حساب التفوق التكنولوجي، لكن الجنود اليوم هم الأساس في كل احتلال للأراضي، لقد ظن الجيش الأمريكي أنه يمكنه استبدال الجيش بتقنيات متطورة، وبما أن العملية فشلت والأمر بحاجة إلى جنود ليبقوا لاحتلال الأرض، فالحل بات واضحاً لمواجهة مقاتلي التحرير الذين يشبههم ماوتسي تونغ بالسمك في الماء: إفراغ الوعاء من الماء، يعني ارتكاب مجازر على الطريقة الروسية في الشيشان، أو وضع الناس في معسكرات الاعتقال كما فعل الفرنسيون في الجزائر أو الاثنين معاً كما فعلت أمريكا في فيتنام.

لقد واجه الأمريكيون مشكلة عويصة وأشد: الشيعة العرب في العراق، لقد استطاع الشيعة المقربون لإيران تهميش الشيعة المتحالفين مع أمريكا، ولم يعد يبق أمام إدارة بوش إلا سياسة: «فرق تسد» بين الشيعة والسنة والأكراد، إلا أنها وجدت نفسها أمام منعطف الحرب الأهلية التي استعجلت وأكدت الفشل في مشروع السيطرة على العراق.

هذا الحال الأمريكي في العراق (أقدام من فخَّار) جعل طهران تتحدى أمريكا وتنجح في مواجهة التأليب الأمريكي للسنة العرب ضد نظام شيعي والذي امتد من العام 1979.

إن أحد مفاتيح النجاح الإيراني هو التحالف مع حماس، الذي تطور بتصريحات محمد مهدي عاكف قائد حركة الإخوان المسلمين الذي أيَّد تصريحات الرئيس أحمدي نجاد عام 2005، بحيث إن نجاح حماس في الانتخابات في كانون الثاني 2006 شكَّل ضربة للمشروع الأمريكي في المنطقة، وهنا كان السبب الحقيقي لدخول إسرائيل المباشر على الخط بوصفها منقذاً لمشهد غرق السفينة الأمريكية.

لقد غفلت إدارة بوش عن فشل إسرائيل في السيطرة على الأراضي المحتلة وهي التي عرفت فيتنام خاص بها في لبنان بعد 18 عاماً من احتلال جنوب لبنان، وتوَّجته بانسحاب يذكرنا بانسحاب الأمريكيين من سايغون عام 1975... لقد واجهت إسرائيل بحربها في لبنان لأول مرة تاريخها مقاومة شعب حقيقية لها خطوط إمداد ثابتة ومتينة، ولم يكن بوسعها إفراغ الوعاء من الماء وحصر السمك فكان الانسحاب معادلاً للهزيمة التي لا علاقة لها بأي شيء من شروط الانتصار.

لقد كان القصف للمدن والقرى في لبنان شبيهاً بقصف الحرب العالمية الثانية وبقصف الفلوجة عام 2004، وكان قصف انتقام من شعب أجبرها على الرحيل دون شروط وبهزيمة محققة، بل وكان قصفاً تجاوز كل الحروب العالمية والأمريكية في فيتنام ويوغسلافيا، كان المراد منه إسرائيليًّا الاستسلام وفقط الاستسلام، ومن وجهة نظر أمريكية هجوماً مضادًّا إقليميًّا ضد إيران.

لقد فشلت الحرب في هدفها في إشعال حرب أهلية في لبنان، ووحَّدت اللبنانيين تجاه التدمير والمجازر، وفشلت في فرض الاستسلام على حزب الله وإلقاء السلاح، وهي عوضاً عن ذلك حوَّلت حزب الله إلى عدو جدي وذلك منذ العام 1997 محولة زعيمه السيد حسن نصر إلى البطل العربي الأكبر شعبية منذ عبد الناصر، وصارت أهداف الشقاق بين السنة والشيعة في العالم العربي بعيدة التحقق حتى أن بعض الواعظين في السعودية السنة تجرؤوا على إعلان دعمهم لحزب الله، مما شكَّل إهانة للعائلة السعودية المالكة.

لقد أدَّى الاستفتاء الذي أنجزه مركز سعد الدين إبراهيم خلال آب 2006 في مركز ابن خلدون في مصر ونشره في (الواشنطن بوست) إلى نتيجة أن السيد حسن نصر الله الرجل الأكثر شعبية في مصر (82%) من الأصوات يليه أحمدي نجاد (73%)، ثم خالد مشعل (60%) ثم أسامة بن لادن (52%) ومحمد مهدي عاكف (45%) جاء الاستفتاء ليؤكد غرق سفينة المحافظين الجدد في مشروعهم الإمبراطوري في الشرق الأوسط، لتغرق معه هذه المرة إسرائيل، وما علينا إلا أن نأمل ألَّا يؤدي هذا الغرق إلى إزهاق ألوف الأرواح معه في المنطقة وفي أمريكا والعالم: إن تدخُّل فرنسا في حرب العراق وإيران نقل المعركة إلى قلب باريس عام 1986، وحرب روسيا في الشيشان أخذت معها ضحايا روس مدنيين في قلب موسكو، والعودة الكثيفة للجيش الأمريكي إلى الخليج سببت الكارثة الكبرى في 11 أيلول 2001، ومشاركة أسبانيا لأمريكا في حرب العراق سببت كارثة 11 آذار 2004 في مدريد، ومشاركة بريطانيا أدت إلى أحداث لندن في 7 تموز 2005: رقم مرتفع جدًّا من الضحايا في المستقبل جرى إنقاذهم بإجهاض عمليات كثيرة كانت تحضر في مدن عدة في أوروبا...

فكم من الرعب والقتلى يلزمنا للوقف النهائي لحروب الاحتلال والتدخل الاستعماري في بلدان العالم؟

--------------------------------------------------------------------------------

[1] فرنسي من أصل لبناني، أستاذ في جامعة باريس الثانية وله عدة مؤلفات سياسية باللغة الفرنسية.

[2] وهو يهودي فرنسي وإسرائيلي في آن ومناضل لأجل السلام مع الفلسطينيين، له عدة مؤلفات عن الصراع العربي الإسرائيلي باللغات الأجنبية.

د. عبد الله زيعور

باحث أكاديمي، لبنان.



ارسل لصديق