الطائفية هدم لمنجزات الوطن والأمة
كتبه: أسرة التحرير
العدد (40) السنة 18 - 1428هـ/ 2007م
التعليقات: 0
القراءات: 1892

تحت شعار (الفتنة الطائفية هدم لمنجزات الوطن والأمة) أقيم في: 4/ 2/ 1428هـ الموافق: 20/ 2/ 2007م، مهرجان خطابي وذلك على صالة الصفا بمدينة صفوى شرق العربية السعودية، بحضور لفيف من علماء المنطقة الشرقية والخليج بكافة أطيافهم واتجاهاتهم المرجعية والفكرية. كما حضره العديد من الوجهاء والإعلاميين والشخصيات المعروفة على مستوى المنطقة.

وكانت البداية لسماحة الشيخ يوسف المهدي حيث وضّح في حديثه حرص الشريعة على وحدة الأمة وتماسكها، ودعوة الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) الحثيثة على كلمة التوحيد وتوحيد الكلمة، وأن ذلك من أهم المبادئ الإسلامية ومقاصد الشريعة السمحاء كما قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ.

بعد ذلك استعرض الشيخ المهدي الظروف والتهديدات التي تواجهها الأمة الإسلامية في الوقت الراهن، وبالخصوص مرض الطائفية الذي ابتليت به الأمة مؤخراً حيث بدأ ينتشر في العراق ولبنان، وإرادة توسيعه من قبل البعض ليشمل باقي الدول الإسلامية وذلك عبر بعض الفتاوى التكفيرية والتعصب الأعمى البغيض، وتساءل الشيخ هل مشكلة الطائفية حدثت بسبب داخلي في الأمة، أم بسبب إثارة خارجية من قبل الأجنبي؟.

وأجاب الشيخ المهدي عن هذا التساؤل بالقول: «إن من المؤكد أن التخطيط لهذا الخلاف والتنازع والفرقة والتدابر والتفتيت الذي حدث في الأمة كان بتخطيط أجنبي تنفيذاً لسياسة فرِّق تسد، وكان التنفيذ داخلي من قبل بعض الجُهَّال والمعاندين في هذه الأمة».

وفي الختام كلمته قدَّم -الشيخ يوسف المهدي- بعض الحلول الجذرية لمشكلة الطائفية، ومن بينها:

- الحرص على تنمية الفكر التعددي.

- إشاعة روح التسامح بين جميع الفرقاء.

- تجريم التكفير والتحريض على الكراهية.

- التأكيد على حرمة دم المسلم وماله وعرضه.

- تبني مبادئ حقوق الإنسان العالمية.

وأخيراً شدَّد المهدي على وجوب إصلاح المناهج وتفعيل آليات الحوار والتواصل بين الجميع.

بعد ذلك صعد الشاعر محمد عبد الكريم الحمود المنصة حيث شنف مسامع الحاضرين بقصيدتين رائعتين، أكَّد فيهما أصالة المذهب الشيعي في الإسلام والأمة، ووطنية المجتمع القطيفي، وأنه جزء لا يتجزأ من هذه البلاد الخيرة.

وكان مسك الختام من نصيب سماحة العلامة الشيخ نمر النمر إمام الجمعة والجماعة في العوامية، حيث تحدَّث عن فن التعامل مع التنوع والاختلاف الذي هو طبيعة هذه الحياة الدنيا، وبيّن كيف أن التنوع هو سنة الله في الكون، حيث خلق سبحانه وتعالى العديد من الكائنات المختلفة، وأنزل على أنبيائه العديد من الشرائع السماوية، وكان هناك دائماً التنوع والاختلاف في الأفكار والكفاءات بين جميع أبناء البشر.

وأرجع الشيخ النمر أسباب الفرقة والتنازع لسببين رئيسيين هما الجهل واتِّباع الهوى والشهوات التي تصدر عن النفس الأمَّارة بالسوء مما ينتج عن ذلك الاستكبار والعناد والتمسك بالباطل من قبل البعض.

وأكد الشيخ النمر على وجوب الالتزام بمبدأ حرية الاختيار التي كفلها ديننا الإسلامي بل وجميع الأديان السماوية والقوانين الوضعية في العالم، حيث بيَّن فلسفة الابتلاء الإلهي بوجود الاختلاف والتنوع بين البشر.

بعد ذلك ألقى الأستاذ أمين الهاني البيان الختامي للمهرجان، وإليك نص البيان:

تشهد المنطقة العربية والإسلامية انقساماً طائفيًّا حادًّا أطاح بكل المحرمات والمقدسات، وأضعف من شوكة المجتمعات العربية والمسلمة إزاء التحديات الخارجية، وأصبح العائق الأكبر لحراك التنمية والديمقراطية.

إن هذه الفتنة الطائفية مستعرة لا تعرف الحدود وتنشب مخالبها في كافة مفاصل المجتمعات، فليس ثمة مجتمع أو أحد بمأمن من حريقها. ولا يصح التهوين أو التغافل عن هذا الخطر الجلل فقد بلغ من العمق درجة أصبح وقوده الدماء البريئة وبيوت الله، وبلغ من السعة أن شمل النظام السياسي والمؤسسة الدينية ومؤسسات المجتمع الأهلي والإنسان العادي. وهذا مشهد مظلم للغاية ينبغي على العقلاء والحريصين على مستقبل مجتمعنا وسلمه الأهلي أن يتنادوا لإخماد نار الفتنة قبل فوات الأوان.

ومن هذا المنطلق فإننا نسجل التالي:

أولا: التعددية قدر الإنسان:

الطائفية تعبير عن التعددية البشرية والتنوع المذهبي التاريخي عند المسلمين، فالتعددية الطائفية قد تكون مهددة للاجتماع البشري تماماً كأي تعددية عرقية أو سياسية أو دينية، كما قد تكون مصدر ثراء وتعاون وتكامل.

إن العقدة في الطائفية تكمن في ثقافة عدم القبول بالآخر وضيق الصدر عن الرأي المخالف، حيث يعتبر السلوك المنبثق عن الرأي الآخر عملاً استفزازيًّا. وواضح أنه لا يمكن استساغة اعتبار ممارسة الإنسان لعقائده عملاً طائفيًّا من هذه الجهة.

وجذر المشكلة في عمقها هو الطبيعة البشرية النزَّاعة للاستئثار والعلو، وإنما يستثمر البشر كافة الوسائل للاستعلاء، ومنها الطائفية.

وجذر آخر يتمثل في الفلسفات والثقافات الممتهنة للإنسان -إذ القيمة لذات الثقافة، فخارج إطارها تنعدم الحقوق- سواء المادية أم الدينية. نعم كلاهما تحريف؛ عن الوحي وعن الجبلة البشرية السوية.

فالمشكلة تكمن في قدرة الإنسان على تجاوز العقد النفسية لتحقيق العقلانية وتكريس التعارف (الفهم، الاعتراف) تمهيداً لميثاق -ينظم العلاقات والاختلاف- يرعى الحقوق ويصون الحرمات على أساس كرامة الإنسان والعدالة والحرية.

ثانياً: الانطلاق من جامع الأمة الواحدة والمصير المشترك:

إن الأمة الواحدة مستندة للكتاب الواحد والنبي الواحد وثوابت الدين في العقيدة والشريعة التي هي جماع المسلمين كافة على مر العصور. ويكون (التقريب) بين أهل المذاهب بحيث يتسع الصدر لقبول ما عند الآخر، حيث يكون الاختلاف شأناً اجتهاديًّا.

إن القبول بالتعددية المذهبية في ظل ثوابت الدين هو حجر أساس لتجاوز الفتنة، ومن هنا فإن الرؤية التي تجعل الحوار سبيلاً لحلحلة الاختلاف ورفع الثنائية بين الشيعة والسنة قد أخذت مداها التاريخي ولم تفلح في نقل فريق للضفة الأخرى، وهي رؤية تتضمن عدم قبول الاختلاف والضيق بالتعددية.

من هنا ينبغي القفز على الاختلاف العقائدي والفقهي وحصر الحوار على المجتمع العلمي وفي المجال الفقهي لصرف الاهتمام إلى التعاون فيما تتفق عليه الأمة، والانشغال بالمصالح العامة مثل التنمية وتحقيق العدالة الاجتماعية، والاعتناء بالأخطار المشتركة.

ثالثاً: مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) رائدة التسامح والوحدة:

إن مطالعة لمدرسة أهل البيت (عليهم السلام) لتكشف بوضوح عن ثقافة التسامح والتأليف بين المسلمين والتغليب للمصالح العامة ولو على خصوص مصالحها. وقد سارت على المنهج ذاته (المرجعية الدينية) للشيعة، وها هو التاريخ المعاصر ليكشف عن مناقبيات أخلاقية وسعي حثيث للتأليف بين المسلمين. كما أن شيعة البلاد يشهد لهم تاريخهم وواقعهم على التزامهم بمدرسة أهل البيت (عليهم السلام)، كما يشهد لهم بدورهم الكبير والفاعل والمشارك في البناء لهذا البلد الطيب. ومن هذا المنطلق فإنا ندين الافتراءات والتقولات التي تخلو عن التثبت والتي تخدم المتربصين بالمسلمين، ونهيب بالعقلاء أن ينأوا بأنفسهم عن أراجيف المسارعين للفتن على أقل تقدير.

رابعاً:إشكالية الفكر التكفيري:

إن التكفير من أشد المصائب التي ابتلي بها المسلمون؛ إذ هو الهادم لسور الأمة والعائق الجدي -من حيث المذاهب- دون تقارب أهلها. وبلا ريب إن مناط التكفير واضح لدى العلماء وهو غير ما انفرد به البعض إنْ في النظرية وإنْ في التشخيص، وواضح أن علماء الإسلام يعتمدون معادلة (الصواب والخطأ) بدلاً من (الكفر ولإسلام). إن أشد ما في التكفير من خطورة استلزامه استباحة الحرمات، وإن أقل شروره استلزامه هدر الحقوق.

خامساً: ميثاق حقوق الإنسان:

إن الدين ينشر حقوقه وأحكامه المشتركة على كافة المنتسبين إليه، مما يجعل الالتزام بكفالة كرامة الإنسان وحريته وحرمة نفسه وماله وبالسعي لإقامة الحكم على العدالة، والمشاركة؛ مسألة منطقية وضرورية لتحقيق الوئام بين الناس. إن خطورة الفتنة الطائفية تكمن في استباحتها الحرمات، مما يجعل التأكيد على إرساء ثقافة الحقوق والحرمات وجعلها متعالية على المذهبية من أشد الواجبات على المؤسسة الدينية.

سادساً: اقتلاع منابت الفتنة:

إن سياسة التمييز والتهميش والتغييب تُنتج أزمة في العلاقة بين أبناء المذاهب في المجتمع الواحد. لذلك فإن بدء الإصلاح يكون بتثبيت قانوني لحقوق الإنسان وحقوق المسلم على نحو متساوٍ بعيداً عن المذهبية، والاعتراف القانوني والسياسي بكل المذاهب الإسلامية الموجودة في كل وطن بكافة مفاعيل الاعتراف من حقوق وحريات في المستويين الاجتماعي والسياسي. ويلازم هذا التثبيت القانوني استبدال ثقافة الكراهية والشقاق بثقافة التسامح والتعاون لتفعيل التثبيت القانوني، ويتطلب الاستبدال الثقافي تنقية المناهج التعليمية والمنابر الإعلامية من الأمور التي تبث الكراهية الدينية والمذهبية.

سابعاً:خطيئة منطق الأقلية:

إن الانسان هو أساس المجتمع البشري، وهو أساس الحقوق والحرمات، ومن هنا فإن في سياق الحقوق يسقط منطق (الأقلية)، وهو منطق يصنف الشيعة أقليةً منبوذة بل وغير منتمية لمجتمعها العام حيث تتهم ظلماً ويفترى عليها بهتاناً، ويؤسس لهدر حقوقها وتغييبها عن المشاركة في الحياة المدنية بصورة تامة فتكون طائفة مستضعفة مسلوبة الحياة الكريمة. وواضح أن الكثرة والقلة العددية تؤثر في حجم المشاركة ولا تلغيها فضلاً عن أنها لا تطال حقوق المواطنة والإنسانية.

في نهاية المطاف:

بالرغم من خفوت وهج الحوار والمؤتمرات حول الطائفية والتواصل بين أبناء المجتمع بسبب عزلتها عن الإنسان العادي حيث انتهت إلى جدل نخبوي لا يؤثر على مجريات الحياة في خارج الأروقة. لا يصح أن يكون محصلة خيبات الأمل هو اليأس، إذ إن البديل أي الفتنة الطائفية هي الأسوأ فيما مرّ بالأمة من محن.

فالفتنة الطائفية ليست قدراً لازماً إذا ما توفرت النوايا الطيبة وتكاتفت الجهود العقلائية. ومن هنا فإنا نأمل ألَّا يقف التواصل الثقافي والحوار بين أبناء البلاد عند حدوده الدنيا، ومن منطلق الحرص على تجنيب المجتمع والبلاد مخاطر الفتنة المحدقة ببلاد المسلمين فإنا نأمل بخطوة متقدمة تتجاوز الحوار إلى تفعيل آليات التواصل وتوسعة نطاقه ليشمل كافة الموضوعات ومختلف الشرائح، وأن تنعكس منطلقاته على الحياة العامة فلا يشوبها بما هو هدم للحوار والتواصل تمهيداً لخلق الثقة والطمأنينة.


ارسل لصديق