الشّعراء.. يتّبعهم الغاوون
كتبه: الشيخ صاحب الصادق
العدد (39) السنة 17 - 1427هـ/ 2006م
التعليقات: 0
القراءات: 2053

الشِّعر هو -في أحد جوانبه- عبارة عن المبالغة، ومن دون المبالغة يفقد الشعر امتيازه على النثر، كما يفقد جاذبيته.

المبالغة في المدح والذم. المبالغة في الدفاع والهجوم. المبالغة في وصف ظاهرة أو شخص إيجاباً، أو نعته سلباً. المبالغة في الحب والبغض. المبالغة في القبول والرفض. المبالغة في الولاية والبراءة. المبالغة في العبادة أو الشرك.

والمبالغة هي نوع من الكذب، وقد تكون مقبولة في حدود معينة.. إلا أنها تكون مرفوضة بشكل قاطع إذا أدَّت إلى «قلب الحقائق» و«تلبيس الحق بالباطل» و «التبرير للظالم» و«إدانة المظلوم».

ولذلك فقد وصف القرآن الكريم الشعراء -بعد الحديث عمَّن تنزّل عليه الشياطين، وهم كل أفاك أثيم الذين يلقون السمع وأكثرهم كاذبون- وصفهم قائلاً: ﴿وَالشُّعَرَاء يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ * أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ * وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ وبالطبع فقد استثنى القرآن الكريم صنفاً واحداً من الشعراء: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللهَ كَثِيرًا وَانتَصَرُوا مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ.

* * * *

هذا في عالَم الشعر.. الذي لا يتعدى تصفيف الحروف والكلمات والجمل.. وعالَم الشعراء الذين يعيشون -عادة- على هامش الحياة، ويحلّقون بأجنحة الألفاظ في عوالم خيالية حلوة أو مرّة.

ولكن المشكلة حينما يتصرف السياسي والمثقف كشاعر يهيم على وجهه في كل وادٍ سحيق، وحينما تتحول مواقف السياسيين والمثقفين إلى مهرجانات شعرية كاذبة، تمعن في المبالغة في تبرير الجور والظلم والظالم، وتجاهل المظلوم الذي يجب الانتصار له، بل وإدانته أحياناً لإرضاء الأهواء الشعرية لمن تنزّل عليه الشياطين.

* * * *

لماذا إطالة الحديث في التمهيد والمقدمة.. لندخل في صلب الموضوع..

من غرائب المواقف السياسية اليوم، والتي تقشعر لها الأبدان، بل وتعطي دليلاً صارخاً بيد من يعتبرون السياسة: رجساً نجساً خبيثاً لا يليق بالمؤمنين والصالحين الاقتراب منها، هو الموقف من طاغوت العراق المخذول الذي لا يشك أحد من الصالحين في العراق بأنه من أبرز المصاديق المعاصرة للآية الكريمة: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ.

* * * *

أن تدافع الأحزاب والجماعات العلمانية، وكل من ينكر وجود الله تعالى أو يشرك به أهواءه ومصالحه، أن يدافع هؤلاء وأمثالهم عن الطاغية صدام، وأن يعتبروه بريئاً مظلوماً، أمر طبيعي، ولو كان غير ذلك لكان مثيراً للعجب، إذ إن هناك قواسم مشتركة بينه وبينهم، ولو كان أي واحدٍ منهم يملك من القوة والسلطة والتربُّع على رأس نظام ديكتاتوري شمولي، مثل ما كان يملكه صدام لفعل ما فعل، ولقتل كما قتل، ولَسجَن كما سجن، ولأحرق الناس أحياءً كما أحرق، ولفجّر البيوت على رؤوس قاطنيها كما فجّر، ولَقصف مواطنيه بالأسلحة الفتاكة المحرمة دولياً (كالأسلحة الكيماوية) كما قصف، ولأشعل الحروب مع الجيران العرب والعجم كما أشعل، ولَتسبَّب في قتل الملايين من الشعب العراقي والشعوب المجاورة كما تسبّب، ولزَرع الخوف والرهبة الشاملة في كل بيوت العراق كما زرع، ولأعدم خيرة الشباب المخلص للوطن والعلماء والمصلحين كما أعدم، ولحارب الدين والمتدينين كما حارب، ولأجبر كل الشعب رجالاً ونساءً وأطفالاً على اعتناق مبادئ حزب السلطة كما أجبر.

من الطبيعي جداً، أن يدافع هؤلاء عن الطاغية المخذول، لأنهم جميعاً يقفون في خندق واحد، وينطلقون من منطلقات واحدة، ويهدفون أهدافاً متماثلة تتلخص في: تطبيق سياسات حزبية ضيقة لا تمت بصلة لتاريخ الأمة وثقافتها ومعتقداتها، حتى ولو أدى ذلك إلى حرمان الشعوب من أبسط حقوقها، وبناء نظام استبدادي - قهري - قمعي، بل وحتى لو انتهى ذلك إلى التضحية بالملايين من أبناء الشعب.. وعندما نقول (ملايين) لا نبالغ في ذلك فقد أكدت الإحصاءات أن ضحايا النظام القمعي الذي أقامه صدام الطاغية خلال ثلاثين عاماً من سلطة شعارات الوحدة والحرية والاشتراكية والدفاع عن القومية العربية تجاوز الستة ملايين شهيد من أبناء الشعب العراقي..

كل هذا طبيعي..

ولكن ما ليس طبيعياً، وما لا يجد العقل له تبريراً، وما لا ينسجم مع أبسط مبادئ الدين الحنيف، وأوّليات الأخلاق الكريمة ومبادئ احترام حقوق الناس، هو أن ينبري من يُحسبون على التيارات الإسلامية، ومن يقفون في خط مواجهة الصهاينة والمكتوين بنار الإرهاب الصهيوني، للدفاع عن صدام الطاغية، واستنكار إدانته بجريمة واحدة من مئات الجرائم المماثلة التي ارتكبها هو ونظامه الشمولي الاستبدادي تحت قيادته المباشرة وأوامره وتعاليمه طوال ثلاثة عقود سوداء مظلمة من تاريخ العراق..

فهل يليق بكم أن تدافعوا عن سفّاح عُرف بسفكه الدماء البريئة بلا وازع ورادع من وجدان وضمير؟

كيف تدافعون عمّن قتل النفس المحترمة دون ذنب ﴿إلا أنهم قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ودعوا الناس إلى الإيمان والتقوى؟

كيف تدافعون عن حاكم قتل الألوف من المؤمنين لإيمانهم؟ وقد أدانته الآية الكريمة:﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا ولم نسمع له توبة وندماً وعودة إلى الله، ولن يتوب، لأن من يقتل مؤمناً لإيمانه يغضب الله عليه فلا يوفق للتوبة.

كيف يمكن تبرير الدفاع عن طاغية مثل صدام حكم عراق المقدسات طوال ثلاثة عقود بغير ما أنزل الله، بل بخلاف ما أنزل الله، فكل كتب حزب السلطة في عهد الطاغية تكشف بوضوح عن الفكر المناوئ للدين الذي كان الحزب المتسلط يعمل من أجل تحكيمه على الشعب العراقي المؤمن؟

كيف يمكن لإنسانٍ مسلم يتلو آيات القرآن القائلة: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ، ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ، ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ، ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ أن يدافع عن طاغية ليس لم يحكم بما أنزل الله فحسب بل حكم خلافاً لكل حدود الله وأحكامه وتعاليمه؟

* * * *

إضافة إلى آيات الكتاب المجيد التي تدين الطاغية بكل وضوح، نتساءل: ما الفارق الذي ترونه بين موشي دايان، بيغن، شارون، أولمرت من جهة وبين الطاغية صدام؟ فإذا كان أولئك يستحقون الإدانة، والملاحقة، والعقاب في الدنيا والآخرة -وهم يستحقون كل ذلك بلا أدنى شك- فإن الطاغية صدام لا يختلف عنهم في شيء، فعند الشعب العراقي المؤمن لا فرق بين صدام وشارون، بينه وبين أولمرت، بينه وبين كل السفاّحين في التاريخ الغابر والمعاصر.

* * * *

وإذا كنتم تختلفون مع أمريكا واحتلالها للعراق -ونحن أيضاً ندين كل ألوان الاحتلال والظلم- فإن هذا لا يبرر الوقوف مع الطاغية صدام، لأن هذا الموقف يصنّفكم في موقف المعادين للشعب العراقي المسلم، والوقوف في جبهة حزب السلطة الذي كان بالأمس يمارس القتل والإرهاب من موقع المتسلط، واليوم يمارسهما في موقع الخذلان والهزيمة والسقوط.

وبصراحة: إن صدام الطاغية لم يكن -حسب رؤية أبناء الشعب العراقي- غير صنيعة أمريكية أدّى أدواره المرسومة له في المنطقة طوال عقود ثلاثة، وعندما انتهى تاريخ صلاحيته، قرر سيّده الأمريكي أن يلقي به في سلّة المهملات، فظالمٌ سَـلَّطه اللهُ على ظالمٍ، فالاختلاف مع أحد الطرفين الظالمين لا يبرر لك الوقوف مع الظالم الآخر..

المطلوب من هؤلاء الإسلاميين أن يراجعوا منظومتهم الفكرية والمعرفية التي تؤدي بهم للوقوف في جبهة المدافعين عن الظالم الذي أوعده الله بالخلود في نار جهنم وبالعذاب الأليم، فمن يدافع عن الظالم يشركه الله تعالى في ظلمه، وإذا كنا نؤمن بالآخرة والحساب، فليس من السهل أن يشارك الإنسان ظالماً مثل طاغية العراق المخذول في جرائمه.. فالمؤمن لا يسمح لنفسه أن يتجاوز حدود الله، وتقوى الله، في كل شأن من شؤون الحياة.. حتى في اتخاذ المواقف السياسية.. وإلا كان شاعراً هائماً على وجهه في الوديان السحيقة، لا يتبعه إلا الغاوون.

الشيخ صاحب الصادق

عالم دين، الهيئة الاستشارية، العراق.



ارسل لصديق