أسباب النزول
بين الرد والقبول
كتبه: حسين عبدالله دهنيم
العدد (39) السنة 17 - 1427هـ/ 2006م
التعليقات: 0
القراءات: 26513

يجمع المسلمون أن القرآن الكريم نزلت آياته وسوره نجوماً متفرقة على مدى ثلاث وعشرين سنةً ومنه ما نزل ابتداءً لبيان حكم تشريعي أو توضيح سنن أو سرد أحداث الأمم الماضية أو لغرض الوعظ والإرشاد وما يتعلق بأمر المعاد والجنة والنار وأحوال القيامة والبعث والنشور، وهناك قسم آخر نزل لسبب كان وراءه وداعي ومثير لنزوله لحادثة أُبهم أمرها أو مسألة لم يُعرف حلها فتنزل الآية معالجة لها وتضع حلاً لمشكلتها وهذا ما يعبر عنه في كتب التفسير بأسباب النزول[1].

وغرضنا في هذه الأوراق الحديث عن أسباب النزول ومدى أهميتها في تفسير الآيات وموقف المفسرين والعلماء من الأخذ بها وردها وسوف يكون بحثنا على شكل نقاط لكي يتضح البحث بصورة أفضل وهذه النقاط هي كالتالي:

1- تعريف أسباب النزول.

2- أهمية معرفة أسباب النزول.

3- تعدد الأسباب والنازل واحد وتعدد النازل والسبب واحد.

4- العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.

5- أسباب النزول بين الرد والقبول.

6- روايات أسباب النزول في الميزان.

7- أهل البيت والقرآن.

8- خلاصة البحث.

أولاً: تعريف أسباب النزول:

عرف الدكتور داود العطار سبب النزول: «العلم الذي يتكفل بالكشف عن الأحداث التاريخية والوقائع التي كانت من دواعي النص القرآني»[2].

أما السيد محمد باقر الحكيم فعرف أسباب النزول بقوله: «هي أمور وقعت في عصر الوحي واقتضت نزول الوحي بشأنها»[3].

وعرف الزرقاني سبب النزول هو: «ما نزلت الآية أو الآيات متحدثة عنه أو مبينة لحكمه أيام وقوعه»[4].

ونلاحظ أن كل هذه التعريفات تصب في مصب واحد وإن اختلفت التعابير فيما بينهم فسبب النزول عندهم هي أمور وحوادث في عصر التشريع الإسلامي، وجاء الوحي القرآني لحلها. ومن خلال التعريفات السابقة لا نستطيع أن نعد أحداث الأمم السالفة الماضية من أسباب النزول لأنها أحداث تاريخية سبقت عصر الوحي، ولذا نرى السيوطي ينكر على الواحدي في ذكره أن سبب نزول سورة الفيل قدوم أبرهة من الحبشة لهدم الكعبة قال في الإتقان: «والذي يتحرر من سبب النزول أنه ما نزلت الآية أيام وقوعه ليخرج ما ذكره الواحدي في سورة الفيل من سببها قصة قدوم الحبشة به، فإن ذلك ليس من أسباب النزول في شيء بل هو من باب الإخبار عن الوقائع الماضية كذكر قصة نوح وعاد وثمود وبناء البيت ونحو ذلك وكذلك ذكره في قوله: ﴿وَاتَّخَذَ اللهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً[5] سبب اتخاذه خليلاً ليس ذلك من أسباب نزول القرآن كما لا يخفى»[6].

لذلك عمد الشيخ المحقق محمد هادي معرفة إلى التفريق بين مصطلحين: سبب النزول، وشأن النزول. قال في التفريق بينهما: «أسباب النزول أي السبب الداعي والعلة الموجبة لنزول قرآن بشأنها. وهذا أخص من قولهم: «شأن النزول» لأن الشأن أعم مورداً من السبب في مصطلحهم بعد أن كان الشأن يعني الأمر الذي نزل القرآن آية وسورة لتعالج شأنه بياناً وشرحاً أو اعتباراً بمواضع اعتباره كما في أكثرية قصص الماضين والإخبار عن أمم سالفين أو عن مواقف أنبياء وقدّيسين كانت مشوهة وكادت تمسّ كرامتهم أو تحطّ من قدسيتهم، فنزل القرآن ليعالج هذا الجانب ويبين الصحيح من حكاية حالهم والواقع من سيرتهم بما يرفع الإشكال والإبهام وينزه ساحة قدس أولياء الله الكرام.

وعليه فالفارق بين السبب والشأن اصطلاحاً أن الأول يعني مشكلة حاضرة لحادثة عارضة، والثاني مشكلة أمر واقع سواء أكانت حاضرة أم غابرة وهذا اصطلاح ولا مشاحة فيه»[7].

ولكي يتضح التعريف بجلاء ووضوح أعرض هنا أمثلة متعددة لأغراض شتى لأسباب النزول:

1- مسجد ضرار: شيّد بنو عمرو بن عوف مسجد قباء وطلبوا من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يصلي فيه، فصلى فحسدهم جماعة من المنافقين، فقالوا: نبني مسجداً آخر فنصلي فيه ولا نحضر جماعة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) فأنزل الله تعالى: ﴿وَالذِينَ اتَّخَذُواْ مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ المُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِّمَنْ حَارَبَ اللهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ وَلَيَحْلِفَنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ الحُسْنَى وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ[8].

فصار بناء مسجد ضرار سبباً من أسباب النزول»[9].

2- إطعام المسكين اليتيم والأسير: مرض الحسنان فنذر الإمام علي (عليه السلام) صوم ثلاثة أيام لله تعالى عند شفائهما، فشفيا فصام وفاطمة الزهراء (عليهم السلام) وجاريتهم فضة، وكانوا إذا أرادوا الإفطار جاءهم في اليوم الأول مسكين واليوم الثاني يتيم واليوم الثالث أسير، وكانوا يعطونهم إفطارهم ويفطرون على الماء وحده كل ليلة»[10].

فأنزل الله تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا[11] وأورد سبب النزول هذا السيوطي عن ابن مردويه عن ابن عباس أن الآية نزلت في علي بن أبي طالب وفاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) [12]. ونظير له ما قاله الثعلبي قال: نزلت في علي بن أبي طالب وفاطمة وجارية لها يقال لها فضة ثم ذكر تمام القصة[13].

3- التصدق بالخاتم: عن ابن عباس قال: خرج رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى المسجد والناس يصلون بين راكع وساجد وقائم وقاعد، وإذا مسكين يسأل، فدخل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: أعطاك أحد شيئاً؟ قال: نعم. قال: من؟ قال: ذلك الرجل القائم. قال: على أي حال أعطاكه؟ قال: وهو راكع. قال: ذلك علي بن أبي طالب. قال: فكبر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) [14]، فأُنزلت الآية: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالذِينَ آمَنُواْ الذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ[15].

4- الإيمان بالله أفضل من سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام: افتخر طلحة والعباس، فقال طلحة: أنا صاحب البيت بيدي مفتاحه، ولو أشاء بُت فيه، وقال العباس: أنا صاحب السقاية والقائم عليها، وقال علي: ما أدري ما تقولان لقد صليت ستة أشهر قبل الناس وأنا صاحب الجهاد[16] فأنزل الله تعالى: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الحَاجِّ وَعِمَارَةَ المَسْجِدِ الحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللهِ....

5- حكم الظهار: روي أن خولة بنت ثعلبة امرأة أوس بن الصامت رآها زوجها وهي تصلي وكانت حسنة الجسم وكان بالرجل لمم (ميل إلى النساء) فلما سلمت راودها، فأبت. فغضب وكان به خفة فظاهر منها فأتت رسول الله وقالت: إن أوساً تزوجني وأنا شابة مرغوبة فيّ فلما خلا مني وكثر ولدي جعلني كأمه، وإن لي صبية صغاراً إن ضممتهم إليه ضاعوا وإن ضممتهم إليّ جاعوا[17]، فنزلت الآية المباركة: ﴿قَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ التِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللهِ وَاللهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ[18].

6- آية النجوى: كان الأغنياء يأتون النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فيكثرون مناجاته ويغلبون الفقراء على المجالس حتى كره النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) طول جلوسهم ومناجاتهم فأمر الله تعالى بالصدقة عند المناجاة[19]، فنزلت الآية ﴿يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً[20].

قال الإمام علي (عليه السلام): «إن في كتاب الله آية ما عمل بها أحد قبلي ولا يعمل أحد بها بعدي وهي الآية ﴿يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ... كان لي دينار فبعته فكنت إذا ناجيت الرسول تصدقت بدرهم حتى نفد فنسخت بالآية الأخرى[21] ﴿أَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ[22]».

من خلال الأمثلة السابقة يتضح أن أسباب النزول ليست على نمط واحد وإنما تتنوع حسب مقتضيات الآية فقد تكون مدحاً وإطراءً لموقف كما في المثال الثاني والثالث أو تعقيباً على حادثة كما في المثال الأول، وقد تكون حلاً لمشكلة وبياناً لحكم كما في المثال الخامس وغيرها وذلك حسب الظروف والاقتضاء.

ثانياً: أهمية معرفة سبب النزول:

إن للوقوف على سبب النزول أهمية كبيرة في التعرف على مدلول الآية ومفهومها ووجه الحكمة الباعثة على تشريع الحكم إذ كما قيل: «العلم بالسبب يورث العلم بالمسبب» ولا شك أن صياغة الآية وطريقة التعبير عنها يتأثر إلى حد كبير بسبب نزولها، فالاستفهام مثلاً لفظ واحد ولكنه يخرج إلى معانٍ أخرى كالتقرير وغيره ولا يفهم المراد إلا بالأمور الخارجية والقرائن الحالية[23].

قال الواحدي في أسباب النزول: «لا يمكن معرفة تفسير الآية وقصد سبيلها دون الوقوف على قصتها وبيان نزولها»[24].

وقال ابن دقيق العيد: «بيان سبب النزول سبب قوي في فهم معاني القرآن»[25]، ويقول المحقق الشيخ جعفر السبحاني: «إن لمعرفة أسباب النزول دوراً هاماً في رفع الإبهام عن الآيات التي وردت في شأن خاص لأن القرآن الكريم نزل نجوماً عبر ثلاثة وعشرين عاماً إجابة لسؤال أو تنديداً لحادثة أو تمجيداً لعمل جماعة إلى غير ذلك من الأسباب التي دعت إلى نزول الآيات، فالوقوف على تلك الأسباب لها دور في فهم الآية بحدها ورفع الإبهام عنها»[26].

وفيما يلي نعرض أمثلة متعددة لآيات كان لمعرفة سبب نزولها دور كبير في تفسيرها:

1- قوله تعالى: ﴿وَللهِ المَشْرِقُ وَالمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ إِنَّ اللهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ[27].

حيث المتبادر من مدلول ألفاظ الآية ومن مظاهر سياقها أن المصلي له أن يصلي إلى أية جهة كانت في السفر والحضر فلله المشارق والمغارب فأينما يُولي المصلي وجهه فقد توجه إلى الله تعالى وهذا خلاف الإجماع[28]، وهو يتعارض مع قوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرَامِ[29]، وبالنظر في أسباب النزول تجد أنها نزلت في الصلاة المستحبة يستطيع الإنسان أن يؤديها على راحلته أينما اتجهت الراحلة دون اشتراط الاتجاه نحو القبلة[30].

2- قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللهِ فَمَنْ حَجَّ البَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا[31].

إن ظاهر لفظ ﴿فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ لا يقتضي أن السعي واجب وفرض وعندما نرجع إلى أسباب النزول نرى أنه كان على الصفا صنم على صورة رجل يقال له: «أساف» وعلى المروة صنم على صورة امرأة تدعى: «نائلة» فزعم أهل الكتاب أنهما زنيا في الكعبة فمسخهما الله تعالى حجرين ووضعهما على الصفا والمروة ليُعتبر بهما، فلما طالت المدة عُبدا من دون الله تعالى، فكان أهل الجاهلية إذا طافوا بينهما مسحوا الوثنين، فلما جاء الإسلام وكسرت الأصنام كره المسلمون الطواف لأجل الصنمين فأنزل الله تعالى هذه الآية[32].

قال الطاهر بن عاشور: وتأكيد الجملة بـ(أن) لأن المخاطبين مترددون في كونها من شعائر الله وهم أميل إلى اعتقاد أن السعي بينها من أحوال الجاهلية[33].

3- قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُواْ[34].

حكي بالقول أن الخمر مباحة واحتجوا بالآية المتقدمة، قال الواحدي: «مات أُناس من أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وهم يشربون الخمر، فلما حُرمت قال أناس: كيف لأصحابنا؟ ماتوا وهم يشربونها؟ فنزلت الآية[35].

قال الدكتور صبحي الصالح: «ولولا بيان سبب النزول لظل الناس إلى يومنا هذا يبيحون تناول المسكرات وشرب الخمور أخذاً بظاهر الآية»[36].

4- قوله تعالى: ﴿لاَ تَحْسَبَنَّ الذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَواْ وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ[37].

حيث أشكل على مروان بن الحكم فهم الآية وقال: «لئن كان كل امرئ فرح بما أوتي وأحب أن يُحمد بما لم يفعل لنعذبن أجمعون حتى بيّن له ابن عباس أن الآية نزلت في أهل الكتاب»[38].

قال صاحب الأمثل في نزول الآية: «إن اليهود كانوا يفرحون لما يقومون به من تحريف لآيات الكتب السماوية وكتمان حقائقها ظناً منهم بأن يحصلوا من وراء ذلك على نتيجة وفي الوقت نفسه كانوا يحبون أن ينسبهم الناس إلى العلم ويعتبرونهم من حماة الدين، فنزلت هذه الآية ترد على تصورهم الخاطئ هذا[39].

5- قوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ البِرُّ بِأَنْ تَأْتُوْاْ البُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ البِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُواْ البُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُواْ اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ[40].

قد يتعجب الإنسان عندما يقرأ الآية ولكن عندما يقف على سبب نزولها يزول تعجبه لأن الآية نزلت في طوائف من العرب عندما كانوا يحرمون لا يدخلون بيوتهم من أبوابها ولكنهم كانوا ينقبون في ظهر بيوتهم أي في مؤخرها نقباً يدخلون ويخرجون منه فنهوا عن التدين بذلك[41].

ويمكن تلخيص أهمية معرفة سبب النزول بالأمور التالية:

أ- بيان الحكمة التي دعت إلى تشريع حكم من الأحكام وإدراك مراعاة الشرع للمصالح العامة في علاج الحوادث رحمة بالأمة كما في نزول آيات حكم الظهار في قصة خولة بنت ثعلبة وزوجها أوس بن الصامت.

ب- معرفة سبب النزول خير سبيل لفهم معاني القرآن وكشف الغموض الذي يكتنف بعض الآيات في تفسيرها ما لم يعرف سبب نزولها كما في المثال الثاني.

ج- تخصيص حكم ما نزل إن كان بصيغة العموم كما في المثال الرابع.

د- يوضح سبب النزول من نزلت فيه الآية حتى لا تحمل على غيره بدافع الخصومة والتحامل[42]. وسوف نعرض في آخر البحث لهذا النوع من الآيات فانتظر.

هـ- سبب النزول فيه دلالة على إعجاز القرآن إذ في نزول القرآن عند حدوث حوادث دلالة على إعجازه من ناحية الارتجال، وهي إحدى طريقتين لبلغاء العرب في أقوالهم، فنزوله على حوادث يقطع دعوى من ادعوا أنه أساطير الأولين[43].

هل تتقدم نزول الآية على الحكم؟

أورد هذا السؤال الزركشي في برهانه وقال: «اعلم أنه قد يكون النزول سابقاً على الحكم واستشهد بعدة آيات إثباتاً لذلك»[44].

وعند النظر والتدقيق فيما استشهد به من آيات لا نستطيع أن نوافقه على ما ذهب إليه فمن شواهده على ما ادعاه قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى حيث استدل بها على زكاة الفطرة والآية مكية، ولم يكن بمكة عيد ولا زكاة، وأجاب بذلك من تفسير البغوي بقوله: «بأنه يجوز أن يكون النزول سابقاً على الحكم».

والجواب: أن حمل الآية على زكاة الفطرة لا يُساعد عليه الظهور لاحتمال أن المراد تزكية النفس بتطهيرها من الرذائل والعلائق الدنيوية خصوصاً إذا لاحظنا قوله تعالى بعد ذلك: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الحَيَاةَ الدُّنْيَا?(16) وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى[45] هذا من جهة، ومن جهة أخرى لا يستفاد من الآية الوجوب، بل أقصى ما يستفاد منها هو الرجحان والاستحباب لا أكثر[46]، لذلك لم يعدها الفقهاء من آيات الأحكام، ومن شواهده أيضاً التي استدل بها قوله تعالى: ﴿لاَ أُقْسِمُ بِهَذَا البَلَدِ?(1) وَأَنتَ حِلٌّ بِهَذَا البَلَدِ[47].

قال: فالسورة مكية وظهور أثر الحل يوم فتح مكة، حتى قال (صلى الله عليه وآله وسلم): «أحلت لي ساعة من نهار»[48].

والجواب: أن هذا التفسير الذي ذكره الزركشي للآية المباركة هو واحد من عدة آراء في الآية، والذي عليه أكثر المفسرين أن الله يقسم بنبيه، والمعنى أي وأنت يا محمد مقيم به وهو محلك، وهذا تنبيه على شرف البلد بشرف من جلّ به من الرسول الداعي إلى توحيده وإخلاص عبادته، وبيان أن تعظيمه له وقسمه لأجله (صلى الله عليه وآله وسلم)، ولكونه حالاً فيه كما سميت المدينة طيبة لأنها طابت به حياً وميتاً[49].

وإذا تنزلنا وأخذنا بالتفسير الذي قاله الزركشي فنفهم من الآية وعد إلهي لنبيه أن يحل له مكة حتى يقاتل فيها ويفتحها على يده ويكون بها حلاً يصنع بها ما يريد القتل والأسر[50]. وهذا من إعجاز القرآن الكريم في التنبؤ بالمستقبل، وهذا ما نفهمه من الآية الكريمة التي استشهد بها الزركشي أيضاً ﴿سَيُهْزَمُ الجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ[51]، فالآية مكية لكنها تتحدث عن أمر مستقبلي هو هزيمة الكفار والمشركين قال صاحب الأمثل: «إن الإخبار بهذه النهاية هو إنباء من الغيب حول المصير الخائب الذي ينتظر هذه المجموعة ولقد صدق هذا التنبؤ في معركة بدر وسائر الحروب الأخرى مما كانت هزيمة الكفار نهاية محتمة فإنه رغم قدرتهم وقوتهم فقد تلاشى جمعهم»[52].

ولهذه الآيات أشباه ونظائر في القرآن الكريم مثل قوله تعالى: ﴿قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا القُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا[53].

حيث الآية تتنبأ بعجز الجن والإنس عن معارضة القرآن بشكل أبدي إلى يوم القيامة، وكذلك قوله تعالى: ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ?(2) فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ?(3) فِي بِضْعِ سِنِينَ[54].

وصدق تنبأ القرآن الكريم فقد هُزم الفرس على يدي الروم في أقل من عشر سنين[55]. يتضح من ذلك كله أن الآيات التي ساقها الزركشي للدلالة على تقدم الآية على الحكم غير ناهضة ولا يصح الاستدلال عليها في هذا العنوان، بل هي دالة على إعجاز القرآن في التنبؤ بالمستقبل، أما عن الآية الأولى فقد صرفت إلى المعنى اللغوي للزكاة وهو التطهر من الرذائل والعلائق ا لدنيوية، ولم يقم دليل عليها بالمعنى الشرعي للزكاة، وإذا صحت بهذا المعنى فأقصى ما يقصد بها الزكاة المستحبة لا أكثر.

ثالثاً: تعدد الأسباب والنازل واحد، وتعدد النازل والسبب احد:

أ- تعدد الأسباب والنازل واحد: قد يحدث في عصر الوحي ما يكون سبباً لنزول آية وأكثر وهذا السبب نفسه قد يتكرر في أكثر من مكان أو زمان أو من أكثر من شخص أو ظرف، ويستدعي ذلك نزول الوحي بجواب له، وتسمى هذه الحالة تعدد الأسباب والنازل واحد ومثاله سورة الإخلاص نزلت مرتين: إحداهما بمكة جواباً للمشركين من أهلها، والأخرى بالمدينة جواباً لأهل الكتاب من أهلها[56]. ونزول الشيء أكثر من مرة قد يكون تعظيماً لشأنه وتذكيراً به عند حدوث سببه خوف نسيانه[57].

ب- تعدد النازل والسبب واحد: كما يكون النازل واحد والأسباب متعددة يصير العكس وهو تعدد النازل والسبب واحد، قال السيوطي في الإتقان: «ولا إشكال في ذلك فقد ينزل في الواقعة الواحدة آيات عديدة في سور شتى، ومثاله ما أخرجه الحاكم، والترمذي، عن أم سلمة أنها قالت: يا رسول الله، لا أسمع الله ذكر النساء في الهجرة بشيء، فأنزل الله ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى[58]».

وأخرج الحاكم عنها أيضاً قالت: «قلت يا رسول الله تذكر الرجال ولا تذكر النساء؟ فأنزلت[59] ﴿إِنَّ المُسْلِمِينَ وَالمُسْلِمَاتِ وَالمُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ وَالقَانِتِينَ وَالقَانِتَاتِ[60]».

رابعاً: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب:

السؤال المطروح هو: هل السبب الذي استدعى نزول الآية يخصص أو يقيد المدلول القرآني لها؟ وبعبارة أخرى: هل أن ما ينزل من القرآن لسبب من الأسباب يقتصر على ذلك السبب فيما أفاد من حكم ومدلول؟ أم يتعداه إلى غيره من الأمور والوقائع المطابقة؟

اتفق علماء الأصول على أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وأرادوا بهذا أن السبب الذي ينزل إثره الوحي لا يحبس التشريع ولا يقيده، وإنما يكون ذلك السبب مجرد مثير لنزول الوحي فيشمله الحكم النازل ويبقى هذا الحكم على عمومه سارياً على كل الوقائع والأحداث المماثلة لذلك السبب[61]، ومثاله آية الظهار كما مرَّ، وإن نزلت بمناسبة مظاهرة أوس بن الصامت لزوجته خولة بنت ثعلبة، إلا أن حكم الظهار الذي تضمنته الآية لا يختص بهما ولكنه يجري في كل حالة مشابهة إلى يوم القيامة[62]. لأن الحكمة في نزول آية وسورة ليست بالتي تقتصر على معالجة مشاكل حاضرة وليست دواء وقتياً لداء عارض وقتي، إذاً تنتفي فائدتها بتبدل الأحوال والأوضاع، بل القرآن في جميع آيه وسوره نزل علاجاً لمشاكل أمة بكاملها في طول الزمان وعرضه، ,إلى ذلك يشير قولهم (عليهم السلام): «نزل القرآن بإياك أعني واسمعي يا جارة»[63].

وإلى هذا المعنى أشار العلامة السيد الطباطبائي في ميزانه قال: «القرآن نزل هدى للعالمين يهديهم إلى واجب الاعتقاد، وواجب الخلق، وواجب العمل وما بينه من المعارف النظرية حقائق لا تختص بحال دون حالا ولا زمان دون زمان، وما ذكره من فضيلة أو رذيلة أو شرعه من حكم عملي لا يتقيد بفرد دون فرد ولا عصر دون عصر لعموم التشريع، وما ورد من شأن النزول لا يوجب قصر الحكم على الواقعة لينقضي الحكم بانقضائها ويموت بموتها لأن البيان عام والتعليل مطلق»[64].

ولا ريب في صحة هذه القاعدة «العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب» والدليل على ذلك هو احتجاج الصحابة وغيرهم في وقائع عديدة بعموم آيات نزلت على أسباب خاصة. جاء في الدر المنثور عن سعيد بن منصور وابن جرير والبيهقي في الشعب عن أبي سعيد المقبري أنه ذاكر محمد بن كعب القرظي فقال: إن في بعض كتبا لله: إن لله عباداً ألسنتهم أحلى من العسل وقلوبهم أمر من الصبر، لبسوا لباس سوك الضأن من الليل يجترون الدنيا بالدين، قال الله تعالى: أعليَّ يجترئون؟ وبي يغترون؟ وعزتي لأبعثن عليهم فتنة تترك الحليم فيهم حيران. فقال محمد بن كعب: هذا في كتاب الله ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا الآية.

فقال سعيد: قد عرفت فيمن أنزلت؟ فقال محمد بن كعب: إن الآية تنزل في الرجل تكون عامة بعد[65].

ومن هذا المنطلق نرفض ما قاله الدكتور عبدالمجيد الشرفي من أن القرآن ينطوي على حلول ظرفية استجابت لواقع تاريخي محدَّد، وعبّرت عن وضع معرفي معيَّن. ومن ثم ينبغي تدبر الآيات المرجوة من تلك الحلول حتى لا ننجرف بالرسالة المحمدية عن مقاصدها[66]. لأن القرآن حلوله عامة وغير مقتصرة على الناس الذين عايشوا فترة الوحي، بل حلوله وأحكامه لكل البشر وفي كل زمان. وهذا سر خلود وإعجاز القرآن. وبه نطقت الروايات الشريفة عن أهل البيت (عليهم السلام).

فعن الباقر (عليه السلام) قال: «ولو أن الآية إذا نزلت في قومٍ ثم مات أولئك القوم ماتت الآية لما بقي من القرآن شيء، ولكن القرآن يجري أوله على آخره ما دامت السماوات والأرض ولكل قوم آية يتلونها هم منها من خير أو شر»[67].

وعن الإمام الرضا (عليه السلام) عن أبيه أن رجلاً سأل أبا عبدالله (عليه السلام): «ما بال القرآن لا يزداد على النشر والدرس إلا غضاضة؟ فقال: إن الله تبارك وتعالى لم يجعله لزمان دون زمان ولناس دون ناس فهو في كل زمان جديد وعند قوم غض إلى يوم القيامة»[68].

خامساً: أسباب النزول بين الرد والقبول:

يمكن أن نقول أن هناك ثلاثة اتجاهات في قبول أسباب النزول وردها بين العلماء والمفسرين وهذه الاتجاهات هي:

1- الاتجاه الأول: يرى أن يمتنع تفسير أي آية دون الوقوف ومعرفة سبب نزولها ومن أبرز القائلين بهذا الرأي الواحدي صاحب كتاب أسباب النزول قال في مقدمة كتابه هذا: «فآل الأمر بنا إلى إفادة المبتدئين المتسترين بعلوم الكتاب إبانة ما أنزل فيه من الأسباب إذ هي ما يجب الوقوف عليها وأولى ما تصرف العناية إليها لامتناع معرفة تفسير الآية وقصد سبيلها دون الوقوف على قصتها وبيان نزولها»[69].

ويبدو أن هذا الرأي مبالغ فيه وغير دقيق ولا سيما إذا عرفنا أن ثمانية أعشار آيات المصحف ليست لها أسباب نزول، ومع ذلك فلم نرَ مفسراً وقف حائراً أمام تفسير آيات من القرآن بدعوى أن ليس لها سبب نزول، بل رأينا بعض المفسرين لم يعتنِ بأسباب النزول ولم يوردها في تفسيره، وثمة أمر آخر وهو أن بعض بل الكثير من أسباب النزول الواردة حتى لو لم نعرفها ولم نقرأها يستطيع الإنسان أن يفهم المراد من الآية، وتبقى الآية واضحة، وهذا ما نجده بكثرة في كتب أسباب النزول للواحدي أو لباب النقول للسيوطي، وهنا آتي بمثال واحد فقط للتمثيل وله أشباه ونظائر، وهو قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا لاَ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ[70].

فهذه الآية الكريمة عندما يقرأها الإنسان يفهم منها النهي عن الدخول إلى بيت الغير دون استئذان، وهي من التعاليم الإسلامية الاجتماعية التي دعا أبناء المجتمع إلى التحلي بها؛ لما فيها من حفظ العفة عندهم، وهذا بالفعل ما قاله المفسرون في الآية، ولكن لو رجعت إلى أسباب النزول لرأيت أن لهذه الآية سبب نزول، فالآية نزلت في امرأة من الأنصار جاءت للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقالت: يا رسول الله إني أكون في بيتي على حال لا أحب أن يراني عليها أحد لا والد ولا ولد، فيأتي الأب فيدخل عليّ وإنه لا يزال يدخل عليّ رجل من أهلي وأنا على تلك الحال فكيف أصنع؟ فنزلت الآية[71].

يتضح من ذلك أن المفسر يستطيع تفسير الآية دون الوقوف على سبب نزولها، ولا نقول إن سبب النزول غير مفيد بل هو مهم؛ لأنه قد يرفع إشكالاً أو إبهاماً في الآية، ويساعد على توضيحها ولكنه في نفس الوقت لا يمنع معرفة سبب النزول من تفسير الآيات، وإلى هذا المعنى أشار الدكتور محمد الصادقي قال: «إن شؤون نزول الآيات وإن كانت تساعد على تفهم معانيها أحياناً ولكنها ليست شرطاً في التعرف على معاني آيها، ولا أنها تحدد معاني الآيات بمواردها، فلو أن الآية ماتت بموت الشأن الذي نزلت فيه إذاً لماتت الآيات كلها، وإنما شؤون النزول مبررات وقتية لنزولها تماشياً مع كل حادث وحديث في نزولها، فالآيات مستقلة في دلالاتها على معانيها عرفت شؤونها أم لا، وأما شؤون نزولها فلا شأن لها أصلاً في تفسيرها، وإنما الشأن الأصيل هو شأن الآيات أنفسها دون شؤون سواها»[72].

الاتجاه الثاني: على النقيض تماماً، فقد أنكر أسباب النزول لضعف سندها ولكثرة الإسرائيليات فيها، ونظر إلى الآيات كليات تنطبق في كل عصر زماناً ومكاناً، ولذا نرى عمد أصحاب هذا الاتجاه إلى تجاهل أسباب النزول ورفضها ولم يجعلوها في كتبهم التفسيرية، ونذكر من هؤلاء على سبيل المثال لا الحصر:

أ- الشيخ محمد جواد مغنية، قال في مقدمة تفسيره الكاشف: «تجاهلت ما جاء في الروايات في أسباب التنزيل إلا قليلاً منها؛ لأن العلماء لم يمحصوا أسانيدها ويميزوا بين صحيحها وضعيفها»[73].

ب- السيد عبد الأعلى السبزواري، حيث قال في مقدمة تفسيره: «كما أني لم أهتم بذكر شأن النزول غالباً؛ لأن الآيات المباركة كليات تنطبق على مصاديقها في جميع الأزمنة، فلا وجه لتخصيصها بزمان النزول أو بفرد دون فرد آخر»[74].

ج- السيد محمد صادق الصدر، قال في مقدمة تفسيره: «ومما ينبغي الإلماع إليه أنني بطبعي لا أميل إلى الأخذ بروايات موارد النزول وأسبابه، فإنها جميعاً ضعيفة السند وغير مؤكدة الصحة، بالرغم من اهتمام بعض المؤلفين بها كالسيوطي وغيره، وإنما المهم في نظري كما ينبغي أن يكون هو المهم في نظر الجميع، إن كل آية من آيات الكتاب الكريم تعد قاعدة عامة ومنهج حياة وأسلوب سلوك قابل للانطباق على جميع المستويات وعلى جميع المجتمعات، بل على جميع الأجيال، بل كل الخلق أجمعين، فإن القرآن هو خلاصة القوانين والمعارف المطبقة فعلاً في الكون والموجودة في أذهان الأولياء والراسخين في العلم»[75].

د- السيد محمد حسين الطباطبائي، يمكن أن يعد من هذا الاتجاه الرافض إلى أسباب النزول، فهو يرى أن المعارف القرآنية أنها معارف عالمية دائمة لا تحتاج كثيراً أو لا تحتاج أبداً إلى أسباب النزول[76].

وإن تعرض في تفسيره الميزان لبعض أسباب النزول، فهو من باب مجاراة كتب التفسير الأخرى، فهو ناقل وليس متبنٍ لها.

الاتجاه الثالث: تبع أمراً وسطاً، فهو لم يتجاهل أسباب النزول واعتبرها معين على فهم الآية، ولكن في نفس الوقت حذر من الأخذ بأي رواية إذ لابد من معرفة صحتها من سقمها بسبب دخول الكثير من الإسرائيليات في الأحاديث والروايات، يقول المحقق السبحاني في هذا الصدد: «لا يمكن الاعتماد على كل ما ورد في الكتب باسم أسباب النزول، بل لابد من التحقيق حول سنده والكتاب الذي ورد فيه، فإن أكثر المفسرين في القرون الأولى أخذوا علم التفسير من مستسلمة أهل الكتاب خصوصاً فيما يرجع إلى قصص الأنبياء وسيره أقوالهم، فلا يمكن الاعتماد على كلام هؤلاء»[77].

وسبق السبحاني الشيخ البلاغي حيث قال في مقدمة تفسيره (آلاء الرحمن): «وأما الرجوع في التفسير وأسباب النزول إلى أمثال عكرمة ومجاهد وعطاء وضحاك، كما ملئت التفسير بأقوالهم المرسلة، فهو مما لا يعذر فيه المسلم في أمر دينه فيما بينه وبين الله، ولا تقوم به الحجة؛ لأن تلك الأقوال إن كانت روايات فهي مراسيل مقطوعة، ولا يكون حجة من المسانيد إلا ما ابتنى على قواعد العلم الديني الرصينة»[78].

ولهذا السبب نرى بعض المفسرين يقيدون في مقدمات تفاسيرهم بعد ذكرهم أسباب النزول، (إن صحت) وذلك للدلالة على سقم وعدم صحة أكثر الروايات الواردة في أسباب النزول، فهذا المراغي مثلاً يقول في مقدمة تفسيره: «أعقبنا ذلك بما ورد من أسباب النزول لهذه الآيات إن صح شيء من ذلك لدى المفسرين بالمأثور»[79]. وهذا قيد مهم ينبئنا على قلة وصحة ما ورد في ذلك، وقد أكد على هذه الحقيقة الدكتور يوسف القرضاوي، قال: «أن ما صح من سبب النزول قليل، بل قليل جداً، فليحذر من الأسباب المروية بطرق واهية أو موضوعة، إذ لا قيمة لها في الميزان العلمي، وهذا يحتم الرجوع إلى الأسانيد التي رويت بها أسباب النزول، وتحكيم منهج الجرح والتعديل فيها، أو الرجوع إلى أئمة الحديث المعتبرين وإلى أقوالهم الموثقة في ذلك، ولا ينبئك مثل خبير»[80].

سادساً: روايات أسباب النزول في الميزان

اهتم المحدثون من الصحابة والتابعين بأحاديث أسباب النزول، ونقلوا أحاديث كثيرة بلغت الآلاف من طريق أهل السنة والجماعة، بينما هي بالمئات عن طريق الشيعة الإمامية ونظر العلماء وأهل التحقيق بريبة وشك لمثل هذه الروايات، وذلك لأسباب عدة منها:

1- العامل السياسي: أدى هذا العامل إلى إخفاء كثير من الحقائق، فالحاكم يعمد إلى إظهار الشيء الذي يقويه ويبرزه؛ من أجل استمرار حكمه، ويعمد إلى الحقائق التي تضره وتزلزل حكمه، وهذا أمر لا يخفى على أحد، وقد أشار العلامة الطباطبائي إلى هذه الحقيقة، قال في الميزان: «إن الأجواء السياسية والبيئات الحاكمة في كل زمان أثراً قوياً في الحقائق، من حيث إخفائها أو إبهامها، فيجب على الباحث المتأمل أن لا يهمل أمر هذه الأسباب الدخيلة في فهم الحقائق»[81].

لذا تعرضت حقائق للإبهام وزورت روايات وصرفت آيات عن معانيها الحقيقية بسبب روايات أسباب النزول.

وفي كتاب صدر حديثاً انتهى الباحث بسّام الجمل في كتابه (أسباب النزول) إلى «أن القسم الأكبر من مادة أسباب النزول مختلفة ومشكوك في صحتها، وعدم ملاءمتها لمنطوق نص المصحف، ومقاصد الرسالة المحمدية، وهذا الاختلاف كانت وراءه دواع سياسية ومذهبية وبيئية، حتى قد تكون لعقد صلة بين آيات المصحف وما شاع من أخبار سيرة الرسول ومغازيه انطلاقاً من مجالس القصاص والإخباريين ابن عباس مثلاً الذي استأثر برواية أكثر من ثلثي المرويات لا يعتبر شاهداً حقيقياً على مرحلة الوحي إذ لم تكن سنه، وهو في سن الثانية عشرة عند وفاة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) تسمح له بأن يكون صحابياً بالمعنى الدقيق للصحبة وشاهداً موثوقاً به على أحداث فترة الوحي، ولكن من يجرؤ في ظل الدولة العباسية على تكذيب «جد الخلفاء» وقتها أو التشكيك في سلامة رأيه»[82].

2- منع الخلافة تدوين الحديث[83]: من المعلوم والثابت تاريخياً أن الخلافة في أول يوم لتسلمها السلطة منعت تدوين السنة، وكانت كل ورقة توجد مكتوب عليها أحاديث، إما تحرق أو تماث في الماء، وقد استمرت هذه الحالة عند أهل السنة أخذاً باجتهاد عمر بن الخطاب حتى خلافة عمر بن عبد العزيز الأموي، وحيث انتهى آخر جيل من الصحابة بدؤوا يكتبون الحديث، وبأمر عمر بن عبد العزيز، ومرت الكتابة عندهم بمراحل ثلاث: مرحلة الجمع، ومرحلة المسانيد، ومرحلة الصحاح»[84].

وكان نتيجة هذا المنع أن فتح للرواة طريق النقل بالمعنى، وكان يصيب الحديث تغييرات، كما حدث راوٍ إلى راوٍ آخر، حتى أصبحت الأحاديث تروى على غير وجوهها، وهذا واضح بين لمن راجع قصة ورد فيها أحاديث بطرق مختلفة، فإن الإنسان ربما يشاهد حديثين في قصة واحدة لا يمكن اجتماعها في نقطة من النقاط، وشيوع النقل بهذا الشكل المريب هو أحد الأشياء التي تسبب عدم الوزن لأحاديث أسباب النزول وقلة اعتبارها[85].

3- الاجتهاد عند الرواة: حيث أن سياق كثير من أسباب النزول يدل على أن الراوي لا ينقل السبب من طريق المشافهة والتحمل والحفظ، بل ينقل قصة ما ثم يحمل الآيات عليها حملاً ويربطها ربطاً، وفي الحقيقة سبب النزول الذي يذكره إنما هو سبب اجتهادي نظري وليس بسبب شاهده بالعيان وضبطه بحدوده الدقيقة[86].

ويبدو أن هؤلاء الرواة سمعوا هذه القصص والحكايات من أهل الكتاب من أمثال كعب الأحبار، ووهب بن منبه، وعبدالله بن سلام، وصاغوا من مخيلتهم للآيات أسباب نزول، ولذا نجد الآية الواحدة فيها أكثر من سبب نزول لا تجتمع مع بعضها البعض، ويعزو ابن خلدون السبب في ذلك إلى أن العرب لم يكونوا أهل كتاب ولا علم وإنما غلبت عليهم البداوة والأمية، فإذا تشوقوا إلى معرفة شيء مما تشوق إليه النفوس البشرية في أسباب المكونات وبدء الخليقة وأسرار الوجود، فإنما يسألون عنه أهل الكتاب قبلهم ويستفيدونه منهم، وهم أهل التوراة من اليهود ومن تبع دينهم من النصارى[87].

لذا ينبغي الفحص والتدقيق في روايات أسباب النزول[88] وعرض هذه الروايات على القرآن، فما وافق مضمونه مضمون الآية يؤخذ ويعمل عليه، وما خالف يطرح، ومعنى هذا أن الحديث هو الذي يعرض دائماً على القرآن لا القرآن يعرض على الحديث، وهذه الطريقة تسقط أكثر أحاديث أسباب النزول عن الاعتبار[89].

وفيما يلي أعرض للقارئ العزيز شواهد وأمثلة مدسوسة وطالتها يد التحريف والتغيير في أسباب النزول:

1- ﴿الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالمِينَ?(2) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ[90].

قال الواحدي في سبب نزول سورة الفاتحة: «أن رسول الله كان إذا برز سمع منادياً يناديه يا محمد، فإذا سمع الصوت انطلق هارباً وقال له: ورقة بن نوفل إذا سمعت النداء فأثبت حتى تسمع ما يقول لك، قال: فلما برز سمع النداء، يا محمد فقال لبيك قال: قل أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، ثم قال:﴿الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالمِينَ?(2) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ?(3) مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ حتى فرغ من فاتحة الكتاب»[91].

وعلق ابن حجر العسقلاني على هذا الحديث «بأنه مرسل ورجاله ثقات، فإن ثبت حمل على أن ذلك كان بعد قصة غار حراء، ولعله كان بعد فتور الوحي والعلم عند الله تعالى»[92].

والحق أن ذلك غير ثابت وبعيد عن الصحة ولا يقبل ولا يتماشى مع عقيدتنا الثابتة، وهي أن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) لم ينزل عليه الوحي إلا بعد أن تربى تربية دقيقة، وأُعد كامل العدة لتحمل مسؤولية النبوة العظيمة، وهو يعلم أنه نبي مبعث قبل أن يُوحى إليه، وقد دلت على ذلك الكثير من الروايات، فقد ورد في تفسير القمي: «أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لما أتى له سبع وثلاثون سنة كان يرى في منامه كأن آتياً يأتيه فيقول: يا رسول الله! ومضت عليه برهة من الزمن وهو على ذلك يكتمه، وإذا هو في بعض الأيام يرعى غنماً لأبي طالب في شعب الجبال إذ رأى شخصاً يقول له: يا رسول. فقال له: من أنت؟

قال: أنا جبرائيل أرسلني الله إليك ليتخذك رسولاً»[93].

وعن زارة أنه سأل الإمام الصادق (عليه السلام): كيف لم يخف رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فيما يأتيه من قبل الله أن يكون مما ينزع به الشيطان؟ فقال: إن الله إذا اتخذ عبداً رسولاً أنزل عليه السكينة والوقار فكان الذي يأتيه من قبل الله مثل الذي يراه بعينه»[94].

والمستفاد من هذه الروايات وغيرها أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يعلم أنه مبعث بالرسالة، وأعد نفسه لتحمل هذه المرحلة، وهذه الروايات أيضاً بمثابة الرد على أكذوبة هلعه وفزعه عندما نزل عليه الوحي ولجوئه إلى السيدة خديجة، ومن ثم إلى ورقة بن نوفل ليخبره الأخير أنه نبي مبعث! بل عندنا في الروايات كما تقول السيدة الزهراء (عليها السلام): اختاره قبل أن أرسله، وسمّاه قبل أن اجتباه، واصطفاه قبل أن يبعثه»[95].

2- ﴿مَا كَانَ للنَّبِيِّ وَالذِينَ آمَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ للمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِي قُرْبَى مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الجَحِيمِ[96].

نقل الواحدي والسيوطي: «أن الآية نزلت في أبي طالب عم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقد أخرج الشيخان من طريق سعيد بن المسيب، عن أبيه قال: لما حضرت أبا طالبٍ الوفاة دخل عليه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وعنده أبو جهل، وعبدالله بن أبي أمية فقال: «أي عم قل: لا إله إلا الله أُحاج لك بها عند الله» فقال أبو جهل وعبدالله: يا أبا طالب، أترغب عن ملة عبد المطلب، فلم يزالا يكلمانه حتى آخر شيء كلمهم به هو على ملة عبد المطلب، فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): «لاستغفرن لك ما لم أنه عنك» فنزلت هذه الآية»[97].

سبب النزول هذا غير صحيح، بل هو مختلق ومدسوس لكون سورة التوبة مدنية بالإجماع، وهي آخر ما نزل على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وحادثة سبب النزول في مكة قبل الهجرة بثلاث سنين، وقد تنبه الفخر الرازي لهذا الإشكال، ولم ينكر الفاصلة الزمنية بين الحادثة الحاصلة في مكة والآية الكريمة التي نزلت في أواخر ما نزل على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ولكنه عمد إلى توجيه عجيب وهو أن النبي استغفر لأبي طالب بعد موته وبقي إلى حين نزول الآية قال في تفسيره: «فأي بأس أن يقال: إن النبي عليه الصلاة والسلام بقي يستغفر لأبي طالب من ذلك الوقت إلى وقت نزول هذه الآية»[98].

والجواب على هذا أن النهي عن محبة وموالاة الكافرين لم يكن بداية في هذه السورة، وهناك آيات تدل على ذلك منها قوله تعالى في سورة النساء: ﴿الذِينَ يَتَّخِذُونَ الكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ العِزَّةَ فَإِنَّ العِزَّةَ للهِ جَمِيعًا[99].

قال القرطبي في تفسيره للآية: «الآية تضمنت المنع من موالاة الكفار وأن يتخذوا أعواناً على الأعمال المتعلقة بالدين»[100].

وقال الطاهر بن عاشور معلقاً على الآية: «وهذا الكلام يفيد التحذير من مخالطتهم بطريق الكناية»[101].

فإذا كان الله سبحانه وتعالى ينهى المؤمنين عن موالاة الكفار ومخالطتهم فكيف بالاستغفار لهم! ومن المسلم به أن سورة النساء نزلت قبل سورة التوبة، وأما ما قالوه عن تقدم نزول الآية عن الحكم فهذا مما لا دليل عليه، وقد تبين في صفحات ماضية تهافت هذا القول وعدم اعتباره.

بالإضافة إلى أن نزول الآية في أبي طالب يتعارض مع العقيدة الصحيحة في أن أبا طالب مات مؤمناً كتم إسلامه إيثاراً للسلامة، ولكيلا يصطدم بشراسة الملأ من قريش الذين يرون في الجديد خطراً كبيراً لا لأنه يخرجهم عما ألفوه وعما وجدوا عليه آباءهم من عبادة الأصنام والأوثان بل لأنه سيفسد عليهم أمر الكعبة والتجارة[102].

والذي يدل على ضعف هذا الحديث وجود ثلاثة أسباب مختلفة لنزول الآية الكريمة[103]، والعجيب من الدكتور مناع القطان بعد ذكره لهذه الأسباب الثلاثة إصراره على نزولها في أبي طالب لا لشيء إلا أنها وردت في الصحيحين البخاري ومسلم، قال: «وحسبك برواية الشيخين قوة، فالراجح أن الآية نزلت في أبي طالب»[104].

وصحة كل روايات البخاري ومسلم فيه نظر؛ لأنه يضفي عليها طابع القداسة والصحة، ولا ينبغي إضفاء طابع القداسة والصحة على كتاب غير كتاب الله سبحانه وغيره، وإن بلغ من الإتقان بمكان خاضع للتمحيص والإمعان والبحث في السند والمتن، وتكذيب الحديث لا يلازم تكذيب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وإنما يراد به تكذيب الراوي فقط لا غير[105].

وللسيد الإمام محمد الشيرازي (رضي الله عنه) تعليق لطيف على الآية يعتبر خلاصة لما قلناه قال: «ومن المفسرين من أقحم في الآية ما اختلقته الأهواء الأموية من كفر أبي طالب، ولقد كان أبو طالب من أشد المؤمنين بالله ورسوله حتى أنه قال (عليه السلام):

ولقد علمت بأن دين محمدٍ

من خير أديان البرية دينا

وحتى أنه حين مات نزل جبرائيل قائلاً للرسول: «مات ناصرك فاخرج من مكة» وسمى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عام وفاته ووفاة خديجة «عام الحزن» وإنما الكلام هنا أن ذلك لا يرتبط بالتفسير وإنما يرتبط بالتعصب وكم أخفى التعصب الحق[106].

وقد يسأل البعض فيمن نزلت إذاً؟

الآية نزلت كما قال الطبرسي (رضي الله عنه) في نفر من المسلمين قالوا للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ألا تستغفر لآبائنا الذين ماتوا في الجاهلية، فأنزل الله سبحانه هذه الآية وبيّن أنه لا ينبغي لنبي ولا مؤمن أن يدعو لكافر ويستغفر له[107].

3- ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى?(1) أَن جَاءهُ الأَعْمَى[108].

وردت الروايات عن طريق أهل السنة، كما في الدر المنثور وأسباب النزول وغيرهما أن الآيات الأولى من سورة عبسى نزلت في قصة عبدالله بن أبي مكتوم الأعمى عندما دخل على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وعنده صناديد وكبار القوم من قريش يناجيهم ويستميلهم إلى الإسلام، فعبس النبي في وجه ابن مكتوم، ووردت أيضاً بعض من هذه الروايات عن طريق الشيعة.

والحق يقتضي خلاف ذلك لأنه لا يتناسب مع خلق الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) قال صاحب الميزان في بيانه لهذه الآيات: «وليست الآيات ظاهرة الدلالة على أن المراد بها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بل خبر محض لم يصرح بالمخبر عنه بل فيها ما يدل على أن المعني بها غيره لأن العبوس ليست من صفات النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مع الأعداء المباينين فضلاً عن المؤمنين المسترشدين، ثم الوصف بأنه يتصدى للأغنياء ويتلهى عن الفقراء لا يشبه أخلاقه الكريمة كما عن المرتضى (رضي الله عنه).

وقد عظّم الله خلقه (صلى الله عليه وآله وسلم) إذ قال -وهو قبل نزول هذه السورة- ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ والآية واقعة في سورة (نون) التي اتفقت الروايات المبينة لترتيب نزول السور على أنها نزلت بعد سورة اقرأ باسم ربك، فكيف يعقل أن يعظم الله خلقه في أول بعثته، ويطلق القول في ذلك، ثم يعود فيعاتبه على بعض ما ظهر من أعماله الخلقية ويذمه بمثل التصدي للأغنياء وإن كفروا والتلهي عن الفقراء وإن آمنوا واسترشدوا[109].

ويمكن أن يضاف على الكلام السابق حسب مضمون الرواية الواردة هذا الاستفهام: هل كان إسكات ابن أبي مكتوم متوقفاً على العبوسة والتولي عنه؟ أم كان هناك أمر آخر هو أمره بالسكوت والاستمهال منه حتى يتم كلامه مع القوم أمراً غير شاق على النبي، فلماذا ترك هذا الطريق السهل؟![110].

وقد صار سبب النزول هذا المدسوس حراباً في أيدي الصليبيين للهجوم على الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، حتى بعض كراريسهم كتبت: أيهما خير المسيح أو محمد، فإن الأول كان يبرئ الأعمى بنص كتابكم ﴿وَأُبْرِئُ الأكْمَهَ والأَبْرَصَ[111]، والثاني كان يعبس ويتولى إذا جاءه الأعمى بنص كتابكم[112].

والصحيح أن الآيات نزلت في رجل من بني أمية كان عند النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فجاء ابن مكتوم، فلما رآه تقذر منه وجمع نفسه وعبس وأعرض بوجهه فحكى الله سبحانه ذلك وأنكره عليه[113].

4- ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللهِ[114].

نقل الواحدي عن سعيد بن المسيب، قال: «أقبل صهيب مهاجراً نحو رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فاتبعه نفر من قريش من المشركين، فنزل عن راحلته ونثر ما في كنانته وأخذ قوسه، ثم قال: يا معشر قريش لقد علمتم أني من أرماكم رجلاً وأيم الله لا تصلون إليّ حتى أرمي بما في كنانتي، ثم أضرب بسيفي ما بقي في يدي منه شيء، ثم أفعلوا ما شئتم. قالوا: دلنا على بيتك ومالك بمكة فنخلي عنك، وعاهدوه إن دلهم أن يدعوه ففعل، فلما قدم على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: أبا يحيى ربح البيع ربح البيع وأنزل الله ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللهِ[115]، علق ابن حجر العسقلاني على الحديث بقوله: «أخرجه ابن أبي خيثمة من طريق علي بن زيد عن سعيد بن المسيب مرسلاً»[116].

وسبب النزول في الآية الكريمة واضح فيه أنه مدسوس ومختلق من قبل حكام بني أمية لصرف منقبة من مناقب أمير المؤمنين (عليه السلام) وهي مبيته في فراش النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وفدائه بنفسه والأخبار متضافرة في ذلك عن طريق الفريقين السنة والشيعة.

قال الثعلبي: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لما أراد الهجرة خلف علي بن أبي طالب بمكة لقضاء ديونه ورد الودائع التي كانت عنده فأمره ليلة خرج إلى الغار، وقد أحاط المشركون بالدار أن ينام على فراشه (صلى الله عليه وآله وسلم)، وقال له: «اتشح ببردي الحضرمي الأخضر ونم على فراشي، فإنه لا يخلص إليك منهم مكروه إنشاء الله، ففعل ذلك عليٌ، فأوحى الله تعالى إلى جبرائيل وميكائيل إني قد آخيت بينكما وجعلت عمر أحدكما أطول من عمر الآخر فأيكما يؤثر صاحبه بالبقاء والحياة؟ فاختار كلاهما الحياة، فأوحى الله تعالى إليهما: أفلا كنتما مثل علي بن أبي طالب (عليه السلام) آخيت بينه وبين محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) فبات على فراشه يفديه بنفسه ويؤثره بالحياة، اهبطا إلى الأرض فاحفظاه من عدوه، فنزلا فكان جبرائيل عند رأس علي وميكائيل عند رجليه وجبرائيل ينادي: بخ بخ من مثلك يا بن أبي طالب، فنادى الله عزّ وجلّ الملائكة، وأنزل الله على رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو متوجه إلى المدينة في شأن علي (عليه السلام) ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللهِ»[117].

وأورد الفخر الرازي هذا الخبر فقال: «الآية نزلت في علي بن أبي طالب بات على فراش رسول الله ليلة خروجه إلى الغار»[118].

أما عن طريق الشيعة فالأخبار كثيرة ومتضافرة في نزولها في علي بن أبي طالب (عليه السلام) منها ما رواه هشام بن يونس اللؤلؤي عن محمد بن فضيل عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس (رضي الله عنه) في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللهِ قال: نزل في علي بن أبي طالب، حين بات على فراش رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حيث طلبه المشركون[119].

هذا من جهة الأخبار ومن جهة أخرى رأى بعض الأعلام أن هناك طعن في الرواية والحديث الذي ذكره الواحدي لأنه عن طريق سعيد بن المسيب حيث عدوا سعيد بن المسيب من المنحرفين عن أمير المؤمنين.

قال الشيخ ناصر مكارم الشيرازي: سعيد بن المسيب وبغضه لأمير المؤمنين (عليه السلام) أشهر من نار على علم وعلى هذا لا يمكن الاعتماد على روايته في شأن علي (عليه السلام) أو أبيه أو أبنائه مطلقاً[120].

وهذا الرأي والحكم اعتماداً على رواية أن سعيد بن المسيب مر بجنازة علي بن الحسين (عليه السلام) انجفل الناس فلم يبقَ في المسجد إلا سعيد بن المسيب فوقف عليه خشرم مولى أشجع فقال: يا أبا محمد ألا تصلي على هذا الرجل الصالح في البيت الصالح؟ فقال: أصلي ركعتين في المسجد أحبّ إليَّ من أصلي على هذا الرجل الصالح في البيت الصالح[121].

ورجح الشيخ محسن المعلم في كتابه النصب والنواصب سعيد بن المسيب من المنحرفين عن علي بن أبي طالب (عليه السلام) فقال فيه: «كان ممن ينصب العداء لأمير المؤمنين (عليه السلام) وكان منحرفاً عنه وكان ختن أبي هريرة وبطريقته أشبه»[122].

وفي مقابل ذلك نرى مدحاً وإطراءً لسعيد بن المسيب حيث وصف من الشيعة الموالين لأهل البيت (عليهم السلام) [123]، ورد البعض على من قال أن طريقة سعيد بن المسيب تخالف طريقة أهل البيت (عليهم السلام) بقوله: «ومخالفة طريقته لطريقة أهل البيت (عليهم السلام) لا ينافي التشيع كيف! وكثير من أصحابهم وأعاظم شيعتهم في غير واحد من المسائل بناؤهم، بل فتواهم على ما ظهر علينا وعلى العلامة ومن تقدم عليه أنه موافق للعامة كما لا يخفى على المطلع، بل بعض من ظهور مخالفته لطريقتهم (عليهم السلام) صار بحيث عدّ بطلانه من ضروريات مذهب الشيعة كالقياس، فإذا كان مثل ابن الجنيد قال به وبكثير من نظائره فما ظنك بغيره، وبالنسبة إلى ما بطلانه أخفى من بطلان القياس سيما أصحاب علي بن الحسين (عليه السلام) لأنه (عليه السلام) لشدة التقية لم يتمكن من إظهار الحق أصولاً وفروعاً إلا قليلاً ويؤمن إليه أن الشيعة الذين لم يقولوا بإمامة الباقر (عليه السلام) تبعوا العامة في الفروع إلا ما شذوا ذلك لأنه (عليه السلام) أول من تمكن من ذلك رفع ذلك لم يتمكن إلا القليل[124].

وقد تسأل لماذا كل هذا الاختلاف في شخصية الرجل وما المرجح فيه؟

والجواب على ذلك: أن منشأ هذا الاختلاف في سعيد بن المسيب هو تضارب الروايات الذامة والمداحة فيه والمرجح كما قال السيد الخوئي هو التوقف في أمر الرجل لعدم تمامية سند المدح والقدح، أما الرواية السابقة القائلة بعدم صلاته على جنازة الإمام علي بن الحسين فقال: لا يعتد عليها لأنها رواية مرسلة، وأثنى على العلامة المجلسي حين اقتصر على نقل الخلاف في حال الرجل من دون ترجيح[125].

وهنا أمر جدير بالالتفات إليه في مسألة أسباب النزول، وهو عمد المدلس إلى تنقية السند من أي شائبة فيختار الرجال الثقات ليقنع القارئ بصحة دعواه وصحة الخبر الذي ينقله. يقول الهادي الجطلاوي في هذا الصدد: أسباب النزول في غاية الخطورة، يمكن أن ينفخ بالمعنى في جميع الاتجاهات، فكان من أكبر الذرائع التي توسلت بها الفرق لتوجيه الدلالة في خدمة المذهب دفاعاً عن النفس وطعناً في الغير، ولم يكن ذلك يكلف من العناء سوى تهيئة السند الصحيح الموهم بصحة الخبر[126].

وكمثال على ذلك ما أورده الواحدي فيمن نزلت الآية ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ البَيْتِ[127] حيث ذكر أن الآية نزلت في نساء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وذلك عن طريق صالح بن موسى القرشي عن خفيف عنس عيد بن جبير عن ابن عباس، قال: أنزلت هذه الآية في نساء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) [128].

والرواية كما ترى منتهٍ سندها إلى ابن عباس، وإقحام ابن عباس في سلسلة الرواية ما هو إلا لإعطائها قوة ومصداقية للقارئ، فالرواية لم تروَ عن عكرمة مقاتل المعروفين ببغضهما لأهل البيت (عليهم السلام)، وإنما رويت عن ابن عباس الصحابي الجليل تلميذ الإمام علي (عليه السلام) الذي عرف بحبه وتفانيه لأهل البيت (عليهم السلام). وقد تنبه السيد محمد تقي الحكيم (رضي الله عنهم) لهذا الأمر واستقرب أن تكون الرواية فيها تدليس[129].

ومن المعلوم بمكان أن تنقية السند بالرجال الثقات ما هو إلا ترويج للأحاديث الباطلة التي تقوي عقائدهم ومواقفهم، وابن عباس من الرجال الذين كثر الوضع عليهم لهذا الغرض والهدف كما نص على ذلك كثير من العلماء والباحثين.

قال الدكتور محمد حسين الذهبي: ويبدو أن السر في كثرة الوضع على ابن عباس هو أنه كان من بيت النبوة، والوضع عليه يكسب الموضوع ثقة وقوة أكثر مما لو وضع على غيره، أضف إلى ذلك أن ابن عباس كان من نسله الخلفاء العباسيون، وكان من الناس يتزلف إليهم ويتقرب منهم مما يرويه لهم عن جدهم[130].

وقال الدكتور الصاوي: ولعل في كثرة ما وضع ونسب إليه (ابن عباس) آية على تقدير له وإكباراً من الوضاع ورغبة في تنفق بضاعتهم موسومة بمن في اسمه الرواج العلمي[131].

وقد يكون سعيد بن المسيب من هؤلاء الرجال الذين وضعوا في أسانيد الأحاديث لتقويتها ورواجها والله العالم.

وقد تكون الرواية الصادرة من سعيد بن المسيب في سبب النزول جاءت عن طريق التقية فمن يجرؤ في العصر الأموي أن ينقل حديثاً أو يبرز منقبة من مناقب أمير المؤمنين، فالأمويون حاولوا طمس مناقب أمير المؤمنين، بل حاولوا دس آيات ذامة لأشخاص، وقالوا بنزولها في علي (عليه السلام)، فهذا ابن أبي الحديد المعتزلي ينقل عن شيخه أبي جعفر أن معاوية بذل لسمرة بن جندب مئة ألف درهم حتى يروي أن هذه الآية نزلت في علي بن أبي طالب ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الخِصَامِ?(204) وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ[132]، وأن الآية الثانية نزلت في ابن ملجم وهي قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللهِ[133]، فلم يقبل، فبذل له أربعمئة ألف، فقبل وروى ذلك.

وعقب أبو جعفر، وقد صح أن بني أمية منعوا من إظهار فضائل علي (عليه السلام) وعاقبوا على ذلك الراوي له حتى إن الرجل إذا روى عنه حديثاً لا يتعلق بفضله بل بشرائع الدين لا يتجاسر على ذكر اسمه فيقول: عن أبي زينب[134].

سابعاً: أهل البيت والقرآن

لجأ بعض المفسرين من أهل السنة والجماعة إلى الأخذ بأسباب النزول دون تمييز الصحيح والسقيم منها، وأوردوها في كتبهم دون الاعتناء بتمحيصها والتدقيق من صحتها وعرضها على القرآن الكريم والعقائد الثابتة والصحيحة وأهملوا وأغفلوا روايات وأحاديث أهل البيت (عليهم السلام) الذي هم عدل القرآن بشهادة حديث الثقلين الذي ثبت تواتره: «إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي الثقلين أحدهما أعظم من الآخر: كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي ولن يتفرقا حتى يردا عليّ الحوض فانظروا كيف تخلفوني فيهما»[135].

وأقل ما يستفاد من هذا الحديث[136]: أن على المسلمين أن يتبعوا أهل البيت (عليهم السلام) وأن يعملوا بتعاليمهم كي لا يضلوا ولا يضيعوا وأنهم إذا ابتعدوا عنهم فسوف يقعون لا محالة في الضلالة والضياع، وهذا موضوع يختلف عن إمامة أهل البيت وولايتهم وبموجب هذه الأحاديث فإن على المسلمين أن يرجعوا إلى أهل البيت في تعلّمهم الأحكام والتعاليم الدينية حتّى ولو لم يعترفوا بإمامتهم[137].

ولو تعامل المسلمون بهذا الاعتبار لهدوا إلى طريق الهدى والرشاد في شتى جوانب الحياة أو على أقل تعاملوا معهم كما تعاملوا مع الصحابة والتابعين وأخذوا آراهم باعتبارهم صحابة أو تابعين، لكن ذلك لم يحصل للأسف الشديد وهذه خسارة فادحة للمسلمين.

وروايات وأحاديث أهل البيت (عليهم السلام) ليست خاصة في أسباب النزول فحسب بل في شتى جوانب الحياة، وهناك كم هائل من هذه الروايات في تفسير وتوضيح آيات القرآن الكريم وكشف الإبهام في الآيات حيث ترشد هذه الروايات إلى فهم أفضل وتزيل الغموض الذي يكتنف بعضها[138].

وشيعة أهل البيت يؤمنون بأن الأحاديث والروايات الصادرة عن أئمة أهل البيت بعد تمحيصها والتدقيق في سندها ومتنها حجة[139]، وهي سنة مثلها مثل أحاديث النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فالسنة التي هي أحد مصادر التشريع الإسلامي تشمل أحاديث النبي والأئمة على السواء، لذا لا نوافق الدكتور صبحي الصالح فيما ذهب إليه في أنه لا ينبغي أن يؤخذ كلام علي عليه السلام بمعناه الحرفي حتى لو أقسم في قوله: «والله ما نزلت آية إلا وأنا أعلم فيم نزلت» لأنه يراد به المبالغة على طريقة العرب تأكيداً لعنايتهم بهذا الكتاب الكريم[140].

ونقول الكلام الصادر من علي في غاية الدقة لأنه في نظرنا معصوم وهو المتلقي الأول لعلوم رسول الإنسانية، وقد رباه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لتلقي جميع العلوم، فكان خير وعاء، وكان يتبع النبي في كل شيء تأمل معي ما يقول علي (عليه السلام) في الخطبة القاصعة لتعرف منزلته من رسول الله، وأنه المتلقي الأول لهذا العلم: «وقد علمتم موضعي من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بالقرابة القريبة، والمنزلة الخصيصة، وضعني في حجره وأنا ولد يضمني إلى صدره، ويكنفني إلى فراشه، ويمسني جسده، ويشمني عرفه، وكان يمضغ الشيء ثم يلقمنيه، وما وجد لي كذبة في قول، ولا خطلة في فعل، ولقد قرن الله به (صلى الله عليه وآله وسلم) من لدن أن كان فطيماً أعظم ملك من ملائكته يسلك به طريق المكارم ومحاسن أخلاق العالم ليله ونهاره، ولقد كنت أتبعه اتباع الفصيل أثر أمه يرفع لي في كل يوم من أخلاقه علماً ويأمرني بالاقتداء به»[141].

وعنه (عليه السلام) قال: «سلوني عن كتاب الله، فوالله ما نزلت آية من كتاب الله في ليل ولا نهار، ولا مسير ولا مقام، إلا وقد أقرأنيها رسول الله، وعلمني تأويلها. فقام ابن الكوا فقال: يا أمير المؤمنين فما كان ينزل عليه وأنت غائب؟ قال: كان يحفظ عليّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ما كان ينزل عليه من القرآن وأنا غائب عنه حتى أقدم عليه فيقرئنيه، ويقول: يا علي أنزل الله بعدك كذا وكذا وتأويله كذا وكذا فعلمني تأويله وتنزيله»[142].

وعن الأصبغ بن نباته قال: لما قدم علي (عليه السلام) الكوفة صلىّ بهم أربعين صباحاً فقرأ بهم ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى فقال المنافقون: والله ما يحسن أن يقرا ابن أبي طالب القرآن، ولو أحسن أن يقرأ لقرأ بنا غير هذه السورة. قال: فبلغه ذلك فقال: ويلهم إني لأعرف ناسخه ومنسوخه، ومحكمه ومتشابه، وفصله من وصله، وحروفه من معانيه، والله ما حرف نزل على محمد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إلا وأنا أعرف فيمن نزل وفي أي يوم نزل وفي أي موضع نزل، ويلهم أما يقرؤون ﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الأُولَى?(18) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وإنها عندي ورثتها من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وورثها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من إبراهيم وموسى. ويلهم والله إني أنا الذي أنزل الله فيّ ﴿وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ فإنا كنا عند رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فيخبرنا الوحي فأعيه ويفوتهم فإذا خرجنا قالوا: ماذا قال آنفا»[143].

وصفوة القول: هناك ثروة تفسيرية ضخمة عند شيعة أهل البيت صادرة عن الأئمة الأطهار في شتى جوانب العلوم المختلفة على وجه الخصوص في الموضوع الذي نحن بصدده وهو تفسير آيات القرآن الكريم لكنها تناست وأهملت من جانب المسلمين، فلو أن المسلمين كانوا قد اعترفوا بالمرجعية العلمية للإمام علي (عليه السلام) وأهل البيت بعد وفاة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أو أنهم كانوا على الأقل رجعوا إلى العترة للحصول على العلوم، لأصبحت الحقائق والمعارف الصحيحة والحيوية للإسلام بين أيديهم، ولبقوا مصونين من الاختلاف وتشتت المذاهب ولكانوا باستخدامهم لهذه العلوم أضاءوا الدنيا ولفتوا انتباه العالم نحوهم، ولأصبح الوضع في العالم غير الذي نراه الآن، ولكن لم يحصل هذا، لذلك ابتعد المسلمون عن مرجعية أهل البيت تدريجياً ولم يستفيدوا جيداً من هذا المنبع الغني والموثوق به في تعلمهم الأحكام والعلوم الدينية، ولأجل توفير احتياجاتهم العلمية تشتتوا هنا وهناك، وفي بعض الأحيان سقطوا في حبائل خونة الدين ومزوري الأحاديث[144].

وهنا أجد نفسي مضطراً للاستشهاد على ما أقول لإقامة الدليل والبرهان ولكي لا أُلقي الكلام على عواهنه وسوف أكتفي بمثال واحد فقط وله أمثال وأشباه كثير في كتب التفسير، ومن أراد المزيد فعليه الرجوع إلى كتب تفاسير العامة ومقارنتها بتفاسير مدرسة أهل البيت (عليهم السلام).

والمثال هو قوله تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا?(1) لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا[145].

في هاتين الآيتين من سورة الفتح هناك تساؤلات عدة بحيث لا نستطيع الوصول إلى فهم أفضل إلا بعد الإجابة على هذه التساؤلات وأول سؤال يثار في الأذهان:

ما المراد من قوله تعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ هل النبي يخطئ ويرتكب ذنباً حتى يحتاج إلى المغفرة؟

وسؤال آخر يمثل مفتاح الإجابة عن جميع التساؤلات ويزيل الغموض الذي يكتنف الآيتين وهو ما سر العلاقة بين مغفرة الذنب والفتح؟

وثمة سؤال أخير: إذا كان المقصود من قوله تعالى: ﴿وَمَا تَأَخَّرَ الذنوب المستقبلية فكيف يمكن أن تكون هذه ضمن دائرة العفو والمغفرة ألا يعد ذلك ترخيصاً لارتكاب الذنب؟

أما عن السؤال الأول فقد أُجيب عنه بإجابات سقيمة لا تتفق مع العقيدة الصحيحة عندنا، وهي أن الأنبياء معصومون عن الخطأ والزلل والمعصية في كل أدوار حياتهم.

جاء في الدر المنثور عن ابن المنذر عن عامر وأبي جعفر (عليه السلام) في قوله: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ قال: في الجاهلية، ﴿وَمَا تَأَخَّرَ قال: في الإسلام[146].

وفي الكشاف للزمخشري قال في تفسير الآية: يريد جميع ما فرط منك. وعن مقاتل: ما تقدم في الجاهلية وما بعدها[147].

وفي تفسير الثعلبي: ﴿مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ يعني ذنب أبويك آدم وحواء ببركتك، ﴿وَمَا تَأَخَّرَ ديوان أمتك بدعوتك[148].

وعلق الطبري في تفسيره للآية بقوله: إنما وعد نبيه محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) غفران ذنوبه المتقدمة[149].

وواضح أن جميع هذه الآراء لا تقبل ويجب أن تُطرح لأنها تخالف العقيدة الصحيحة كما تقدم.

أما عن السؤال الثاني وهو كما قلنا مفتاح الإجابة لفهم الآية وهي بيان العلاقة بين الفتح (صلح الحديبية كما هو المشهور عند المفسرين) وغفران الذنوب حسب تتبعي القاصر في كتب التفسير عند أبناء العامة لم أجد أحداً فسّر العلاقة بوضوح وجلاء بين الفتح وغفران الذنب، قال بعضهم: يجوز أن يكون فتح مكة من حيث إنه جهادٌ للعدو سبب للغفران والثواب[150].

وهذا الجواب غير شافٍ إلى الاهتداء ومعرفة العلاقة الخفية بين الفتح ومغفرة الذنب من هنا وجب الانتقال إلى مدرسة أهل البيت في التفسير لمعرفة هذه العلاقة الخفية يقول السيد المدرسي في تفسيره للآية دافعاً وكاشفاً لهذا التساؤلات:

ويبدو أن كلمة الذنب لا تنصرف إلى المعنى الظاهر منها وهو المعصية، وإنما تنصرف إلى ما كان الكافرون المشركون يعدونه ذنباً إذ كانت حركة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بذاتها ذنباً في اعتقادهم لأنها تمرد على الواقع القائم فصار جزءاً من الواقع القائم بعد الصلح فارتفع عنه ذلك التصور وغفر له ذنبه في نظرهم.

ولتقريب الفكرة أكثر نقول: إن موسى (عليه السلام) لم يكن في ذمته ذنب حينما قال: ﴿وَلَـهُمْ عَلَيَّ ذَنبٌ فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ[151] وإنما كان ذلك وفق القانون الحاكم، كذلك الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) كان مذنباً حسب ذلك القانون حتى تغير القانون في صلح الحديبية حيث إن رسولنا الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) كان قد قتل منهم في بدر وأحد والأحزاب، وغنم أموالهم وأسر رجالهم، بل وغيّر أوضاعهم، فهو كان عندهم مذنباً، وجاء الصلح ليطوي هذه الصفحة من أذهان المشركين ويصيِّرهم في سلام مع المسلمين.

أما أن يكون معنى الذنب هو ظاهر الكلمة فإن ذلك لا يليق بمقام الأنبياء وبالذات مقام أعظمهم شأناً وأرفعهم منزلةً عند الله، وحاشا الله أن يبعث رسولاً يرتكب الذنوب، كما أنه من الخطأ أيضاً القول بأن الله أعطى الرسول صك الغفران؛ إذ كيف يرفع المسؤولية عن أحدٍ بدون مبرِّر؟ وهل بينه وبين أحدٍ من خلقه قرابة حتى يفعل ذلك[152].

وهذا التفسير مستمد ومستقى من روايات أهل البيت (عليهم السلام)، فقد سأل المأمون العباسي الإمام الرضا (عليه السلام) عن قوله تعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ فقال الإمام (عليه السلام): لم يكن أحد عند مشركي أهل مكة أعظم ذنباً من رسل الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لأنهم كانوا يعبدون من دون ثلاث مئة وستين صنماً فلما جاءهم بالدعوة إلى كلمة الإخلاص كبر ذلك عليهم وعظم وقالوا: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ?(5) وَانطَلَقَ المَلأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ?(6) مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي المِلَّةِ الآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلاَّ اخْتِلاَقٌ[153].

فلما فتح الله عز وجل على نبيه مكة قال له: يا محمد ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا?(1) لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ عند مشركي أهل مكة بدعائك إياهم على توحيد الله فيما تقدم وما تأخر لأن مشركي مكة أسلم بعضهم وخرج بعضهم عن مكة ومن بقي منهم لا يقدر على إنكار التوحيد عليه إذا دعا الناس إليه، فصار ذنبه عندهم مغفوراً بظهوره عليهم.

فقال المأمون: لله درك يا أبا الحسن![154]

خلاصة البحث

يمكن أن نلخص البحث في النقاط التالية:

1- أسباب النزول: هي حوادث ووقائع وقعت في عصر التشريع، جاء الوحي الإلهي لمعالجتها وحلها بنزول الآيات الكاشفة والمبينة لهذه الحوادث.

2- معرفة سبب النزول يعطي فهم أفضل للآية وله الأثر الكبير في فهم النص القرآني.

3- لا يعني الجهل بأسباب النزول عدم استطاعتنا تفسير الآيات، بل نستطيع أن نفسر النص القرآني بدون الرجوع إلى أسباب النزول.

4- ينبغي أخذ الحيطة والحذر من قبول أسباب النزول برمتها، بل لابد من التحقق من سندها ومتنها ومن ثم عرضها على القرآن الكريم والعقائد الثابتة الصحيحة لدى المسلمين لأن الكثير من روايات أسباب النزول تعرضت للدس والتزوير وتسربت إليها من الإسرائيليات الشيء الكثير وذلك لأسباب عدة ذكرت في ثنايا البحث.

5- ضرورة الرجوع إلى الروايات الصحيحة وبالأخص الروايات الصادرة من أهل البيت (عليهم السلام) لأنهم هم المفسر الحقيقي للقرآن الكريم وهم عدل القرآن كما ورد في حديث الثقلين.

6- خسر المسلمون بإهمالهم لأحاديث وروايات أهل البيت خسارة فادحة حيث تنكبوا الطريق وابتعدوا عن طريق الرشاد ووقعوا في تيه الأحاديث المزورة والمدسوسة وقبول الإسرائيليات السقيمة.

--------------------------------------------------------------------------------

[1] أنكر بعض الكتّاب المعاصرين أن هناك آيات نزلت ابتداءً مما يعني أن كل آيات القرآن نزلت لأسباب. وممن يتبنى هذا الرأي حسن حنفي، لكنه لم يُقم الدليل والبرهان على صحة دعواه، بل اكتفى بتقرير هذا الموقف دون تعليل. وفي مقابل ذلك ذهب محمد شحرور إلى أن القرآن ليس له أسباب نزول، وإنما هي مندرجة في نشاط التفسير القرآني. وهذه دعوى يرفضها الواقع التاريخي والسيرة الصحيحة الواصلة إلينا. راجع أسباب النزول لبسّام الجمل.

[2] داود العطار، موجز علوم القرآن، ص21.

[3] السيد محمد باقر الحكيم، علوم القرآن، ص38.

[4] محمد عبد العظيم الزرقاني، مناهل العرفان، ج1، ص105.

[5] سورة النساء، آية 125.

[6] جلال الدين السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، ج1، ص64.

[7] محمد هادي معرفة، تلخيص التمهيد، ج1، ص112 - 113.

[8] سورة التوبة، آية 107.

[9] داود العطار، موجز علوم القرآن، ص127.

[10] أبو علي الطبرسي، مجمع البيان، ج10، ص611. بتصرف.

[11] سورة الإنسان، آية 9.

[12] جلال الدين السيوطي، الدر المنثور، ج8، ص371.

[13] أبو إسحاق الثعلبي، الكشف والبيان، ج10، ص98.

[14] ابن كثير الدمشقي، تفسير القرآن العظيم، ج2، ص77.

[15] سورة المائدة، آية 55.

[16] علي بن أحمد الواحدي، أسباب النزول، ص129.

[17] الفخر الرازي، مفاتيح الغيب، ج29، ص217.

[18] سورة المجادلة، آية 1.

[19] أبو إسحاق الثعلبي، الكشف والبيان، ج9، ص261.

[20] سورة المجادلة، آية 12.

[21] محمد بن أحمد القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ج17، ص256.

[22] سورة المجادلة، الآية 13.

[23] داود العطار، موجز علوم القرآن، ص130.

[24] علي بن أحمد الواحدي، أسباب النزول، ص10.

[25] جلال الدين السيوطي، لباب النقول في أسباب النزول، ص8.

[26] جعفر السبحاني، المناهج التفسيرية في علوم القرآن، ص38.

[27] سورة البقرة، آية 115.

[28] داود العطار، موجز علوم القرآن، آية 131.

[29] سورة البقرة، آية 144.

[30] ناصر مكارم الشيرازي، الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل، ج1، ص303.

[31] سورة البقرة، آية 158.

[32] علي بن أحمد الواحدي، أسباب النزول، ص27.

[33] الطاهر بن عاشور، التحرير والتنوير، ج2، ص158.

[34] سورة المائدة، آية 93.

[35] علي بن أحمد الواحدي، أسباب النزول، ص111.

[36] صبحي الصالح، مباحث علوم القرآن، ص131.

[37] سورة آل عمران، آية 188.

[38] جلال الدين السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، ج1، ص59.

[39] ناصر مكارم الشيرازي، الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل، ج3، ص41.

[40] سورة البقرة، آية 189.

[41] أبو علي الطبرسي، مجمع البيان، ج1، ص508.

[42] مناع القطان، مباحث في علوم القرآن، ص79.

[43] الطاهر بن عاشور، التحرير والتنوير، ج1، ص49.

[44] بدر الدين الزركشي، البرهان في علوم القرآن، ج1، ص32.

[45] سورة الأعلى، آية 16 - 17.

[46] باقر الإيرواني، دروس تمهيدية في تفسير آيات الأحكام، ج1، ص147.

[47] سورة البلد، آية 1 - 2.

[48] بدر الدين الزركشي، البرهان، ج1، ص33.

[49] أبو علي الطبرسي، مجمع البيان، ج10، ص747.

[50] المصدر السابق.

[51] سورة القمر، آية 45.

[52] ناصر مكارم الشيرازي، الأمثل، ج17، ص317.

[53] سورة الإسراء، آية 88.

[54] سورة الروم، آية 2 - 4.

[55] للمزيد في هذا الموضوع راجع مفاهيم القرآن، للشيخ جعفر السبحاني، ج3.

[56] داود العطار، موجز علوم القرآن، ص134.

[57] بدر الدين الزركشي، البرهان، ج1، ص29.

[58] سورة آل عمران، آية 195.

[59] جلال الدين السيوطي، الإتقان، ج1، ص67.

[60] سورة الأحزاب، آية 34.

[61] داود العطار، موجز علوم القرآن، ص135.

[62] مصطفى قصير العاملي، الوجيز في علوم القرآن، ص86.

[63] محمد هادي معرفة، تلخيص التمهيد، ج1، ص115.

[64] السيد محمد حسين الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، ج1، ص42.

[65] جلال الدين السيوطي، الدر المنثور، ج1، ص572.

[66] بسام الجمل، أسباب النزول، ص32.

[67] محمد رضا الحكيمي، الحياة، ج2، ص148 - 149.

[68] المصدر السابق.

[69] علي بن أحمد الواحدي، أسباب النزول، ص8.

[70] سورة النور، آية 27.

[71] علي بن أحمد الواحدي، أسباب النزول، ص176.

[72] محمد الصادقي، الفرقان في تفسير القرآن، ج1، ص50.

[73] محمد جواد مغنية، الكاشف، ج1، ص14.

[74] السيد عبد الأعلى السبزواري، مواهب الرحمن، ج1، ص7.

[75] السيد محمد صادق الصدر، منة المنان في الدفاع عن القرآن، ص21.

[76] السيد محمد حسين الطباطبائي، القرآن في الإسلام، ص153.

[77] جعفر السبحاني، المناهج التفسيرية في علوم القرآن، ص40 - 41.

[78] محمد جواد البلاغي، آلاء الرحمن في تفسير القرآن، ج1، ص45.

[79] أحمد مصطفى المراغي، تفسير المراغي، ج1، ص17.

[80] يوسف القرضاوي، كيف نتعامل مع القرآن العظيم، ص294.

[81] السيد محمد حسين الطباطبائي، الميزان، ج4، ص74.

[82] بسام الجمل، أسباب النزول، ص134. بتصرف.

[83] راجع السفر القيم، للعلامة السيد علي الشهرستاني، بعنوان (منع تدوين الحديث أسباب ونتائج).

[84] عبد الهادي الفضلي، أصول الحديث، ص42 - 43.

[85] السيد محمد حسين الطباطبائي، القرآن في الإسلام، ص152.

[86] المصدر السابق.

[87] عبد الرحمن بن خلدون، المقدمة، ص348.

[88] ذهب الكاتب الصادق بلعيد في كتابه (القرآن والتشريع) على ثقته المطلقة بأسباب النزول. وهو لا يخلو من غرابة فكيف ثبت بعض أسباب النزول وهي مخالفة للعقل والعقائد الثابتة الصحيحة، بالإضافة إلى بعضها ترى فيها الإسرائيليات الواضحة ورواتها غير ثقات أمثال عكرمة ومقاتل!

[89] السيد محمد حسين الطباطبائي، القرآن في الإسلام، ص153.

[90] سورة الفاتحة، آية 1 - 2.

[91] علي بن أحمد الواحدي، أسباب النزول، ص13.

[92] ابن حجر العسقلاني، العجاب في بيان الأسباب، ص19.

[93] محمد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج18، ص184.

[94] المصدر السابق، ص262.

[95] أحمد بن علي الطبرسي، الاحتجاج، ج1، ص133.

[96] سورة التوبة، آية 113.

[97] جلال الدين السيوطي، لباب النقول في أسباب النزول، ص135.

[98] فخر الدين الرازي، مفاتيح الغيب، ج16، ص165.

[99] سورة النساء، آية 139.

[100] محمد بن أحمد القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ج5، ص396.

[101] الطاهر بن عاشور، التحرير والتنوير، ج4، ص283.

[102] عبد الرحمن الشرقاوي، علي إمام المتقين، ج1، ص15.

[103] راجع هذه الوجوه في (لباب النقول)، للسيوطي.

[104] مناع القطان، مباحث في علوم القرآن، ص97.

[105] جعفر سبحاني، الحديث النبوي بين الرواية والدارية، ص35.

[106] السيد محمد الشيرازي، تقريب القرآن إلى الأذهان، ج2، ص473.

[107] أبو علي الطبرسي، مجمع البيان، ج5، ص115.

[108] سورة عبس، آية 1 - 2.

[109] السيد محمد حسين الطباطبائي، الميزان، ج20، ص203.

[110] جعفر سبحاني، مفاهيم القرآن، ج5، ص132.

[111] سورة آل عمران، الآية 50.

[112] محمد الشيرازي، تقريب القرآن إلى الأذهان، ج5، ص615.

[113] أبو علي الطبرسي، مجمع البيان، ج10، ص664.

[114] سورة البقرة، آية 207.

[115] علي بن أحمد الواحدي، أسباب النزول، ص35.

[116] ابن حجر العسقلاني، العجاب في بيان الأسباب، ص165.

[117] أبو إسحاق الثعلبي، الكشف والبيان، ج2، ص125 - 126.

[118] فخر الدين الرازي، مفاتيح الغيب، ج5، ص174.

[119] فرات الكوفي، تفسير فرات الكوفي، ج1، ص65.

[120] ناصر مكارم الشيرازي، الأمثل، ج6، ص220.

[121] السيد أبو القاسم الخوئي، معجم رجال الحديث، ج8، ص135.

[122] محسن المعلم، النصب والنواصب، ص329 - 328.

[123] انظر محمد هادي معرفة، التفسير والمفسرون، ج1، ص326.

[124] محمد بن إسماعيل المازندراني، منتهى المقال في أحوال الرجال، ج3، ص346 - 347.

[125] السيد أبو القاسم الخوئي، معجم رجال الحديث، ج8، ص139.

[126] بسام الجمل، أسباب النزول، ص34.

[127] سورة الأحزاب، الآية 33.

[128] علي بن أحمد الواحدي، أسباب النزول، ص195.

[129] راجع: السيد محمد تقي الحكيم، الأصول العامة للفقه المقارن، ص152.

[130] محمد حسين الذهبي، التفسير والمفسرون، ج1، ص82 - 83.

[131] محمد هادي معرفة، التفسير والمفسرون، ج1، ص205.

[132] سورة البقرة، آية 204 - 205.

[133] سورة البقرة، آية 207.

[134] ابن أبي الحديد المعتزلي، شرح نهج البلاغة، ج2، ص313.

[135] ابن حجر الهيثمي، الصواعق المحرقة، ص341.

[136] راجع دلالات هذا الحديث في كتاب حديث الثقلين، للسيد علي الميلاني.

[137] إبراهيم الأميني، مرجعية أهل البيت، ص17.

[138] راجع في ذلك ما كتبه العلامة الشيخ فيصل العوامي في كتابه التفسير العلمي التربوي، ص52 وما بعدها.

[139] راجع حجية سنة أهل البيت في كتاب الأصول العامة للفقه المقارن، للسيد العلامة محمد تقي الحكيم (رضي الله عنه).

[140] صبحي الصالح، مباحث في علوم القرآن، ص132 - 133.

[141] الإمام علي بن أبي طالب، نهج البلاغة، ص436 - 437.

[142] محمد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج89، ص79.

[143] المصدر السابق، ص87.

[144] إبراهيم الأميني، مرجعية أهل البيت، ص29.

[145] سورة الفتح، الآية 1 - 2.

[146] جلال الدين السيوطي، الدر المنثور، ج7، ص512.

[147] محمود بن عمر الزمخشري، الكشاف، ج4، ص335.

[148] أبو إسحاق الثعلبي، الكشف والبيان، ج9، ص42.

[149] محمد بن جرير الطبري، تفسير الطبري، ج26، ص80.

[150] محمد بن أحمد القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ج16، ص244.

[151] سورة الشعراء، الآية 14.

[152] السيد محمد تقي المدرسي، من هدى القرآن، ج13، ص292.

[153] سورة ص، الآية 5 - 7.

[154] أحمد بن علي الطبرسي، الاحتجاج، ج2، ص222.

حسين عبدالله دهنيم

 كاتب - السعودية.



ارسل لصديق