فهم النص في سياقه التاريخي*
كتبه: آية الله السيد حيدر علوى نجاد
العدد (39) السنة 17 - 1427هـ/ 2006م
التعليقات: 0
القراءات: 3485

إن تعاليم الوحي والثقافة الدينية لا تخص فرداً دون آخر أو جماعة دون أخرى، بل للجميع نصيب في هذا المجال، إلا أن الارتواء من نبع تعاليم الوحي؛ ومن الترع التي تستسقي المفاهيم من هذا النبع؛ يحتاج إلى أدوات ضرورية؛ وهذه الأدوات -في الواقع- ليست سوى المنهج المعرفي، والأسلوب الواضح والسليم؛ لأن امتلاك الخلفية المعرفية، والأدوات الضرورية، والأسلوب الفعّال، من شأنه أن يؤدي إلى نتائج طيبة وجديرة.

ولفهم النصوص الدينية المقدسة؛ فإلى جانب المستلزمات الضرورية؛ هناك مجموعة من الفرضيات التي يجب أن يتم الكشف عنها وتوضيحها. بعد ذلك.. وعلى ضوء منهج فعّال تبدأ عملية البحث والتعمق فيها. ولقد كان ولازال المنطق، وعلم الأصول، ومناهج التفسير، والعلوم الأدبية؛ والبلاغية، هي العلوم الأكثر استخداماً في هذا المجال، وتم استخدام الفلسفة أيضاً لفهم حقيقة النصوص.

ومن خلال نظرة على التاريخ الذي مرّ به المنهج التفسيري لتعاليم الوحي؛ ندرك أن استخدام مثل هذه الأساليب كان جارياً على الدوام، لكن هناك نقطة مهمة لا يمكن المرور هكذا دون الالتفات إليها بشكل جدي، وتلك هي الرؤية الأممية، والنظرة العالمية للمفسرين، وأثرها في مفاهيمهم وآرائهم، ومن هنا نجد في بعض الأحيان من يفسر القضايا العقائدية والمذهبية على ضوء العلوم الفلسفية والكلامية والطبيعية.

وقد أجريت في عصرنا الحاضر بحوث قيّمة وجديّة حول نقد النصوص الأدبية والفلسفية بينما ظهرت مناهج مختلفة للنقد الأدبي، كما وإن منهج (الهرمنيوطيقا)[1]؛ حظي باهتمام بالغ في العالم الغربي؛ ومن قبل فقهاء العلوم الإنسانية المعاصرين؛ وكذلك الفلاسفة، وهذا المنهج بحدّ ذاته متعدد الاتجاهات والنزعات.

وهناك نظريات مختلفة بخصوص استخدام منهج الهرمنيوطيقا في فهم النصوص الدينية المقدسة، فالبعض يرفض ذلك جملة وتفصيلاً، بينما يؤيده البعض الآخر بكل قوة، لكن المهم هنا هو أن يتم التعامل مع مثل هذا الأمر بلغة العقل والمنطق، وكذلك يجب الإذعان إلى نداء العقل والمنطق في هذا الخصوص، ومن هنا فإن المنهج الذي علينا اتباعه يجب أن يتناسب مع نوع النص ويطابق العقل والاستدلالات المنطقية والعقلية.

يقول الدكتور حسن حنفي وهو أحد المفكرين المعاصرين في مصر:

«يستطيع الباحث من جيلنا وفي عصرنا بالنسبة لمصادره العلمية أن يعتمد على طرق ثلاث:

الأولى، الاعتماد على التراث الغربي مستمداً منه مادته العلمية، وما أكثرها في الفلسفة المعاصرة في علم الهرمنيوطيقا.. ويؤيد ذلك أن علم الهرمنيوطيقا في صياغاته الحالية علم غربي ارتبط بالفلسفة المعاصرة ثم استقل عنها وعن باقي العلوم الإنسانية والاجتماعية، وإن كانت مادته العلمية وبعض صياغاته الأولى موجودة في كل تراث ديني وفي كل حضارة غربية أم شرقية..

والطريقة الثانية الاعتماد على تراثنا القديم وما أفرزه من مادة علمية تكشف عن مناهج واتجاهات في التفسير... وصعوبة هذه الطريقة أن الباحث قد يكرر ما قاله القدماء دون قراءة جديدة، وإن قرأ فإنه قد يعتمد في قراءته على علوم التفسير المعاصرة في الغرب فيسيء التأويل للتراثين معاً..

والطريقة الثالثة الاعتماد على منطق العقل الخالص وتحليل التجارب الإنسانية المشتركة لكل المشتغلين بموضوع النصوص أيًّا كان نوعها دون الإحالة إلى تراثنا القديم أو إلى التراث الغربي، وهما زاخران بالمادة العلمية بهدف تجاوز مرحلة النقل إلى مرحلة الإبداع..»[2].

وبعد شرح مسهب لتعقيدات الطريقة الأولى والثانية يخلص الدكتور حسن حنفي إلى إن الطريقة الثالثة هي الأكثر منطقية من بقية الطرق لكن: «..الحقيقة أن هذه الطرق الثلاث قد لا تبتعد بعضها عن بعض. ويمكن الجمع بينها من أجل الاستفادة من ميزة كل طريقة والإقلال من عيوبها..»[3].

ولو تجاوزنا المرحلة النظرية؛ فإن أغلب الباحثين الذين فهموا منهج الهرمنيوطيقا الغربي بشكل سطحي؛ عجزوا في محاولة التلفيق بين هذا المنهج وتراثنا الثقافي في مجال التفسير والعلوم البلاغية، والبعض الآخر لم يجد في نفسه -أصلاً- الرغبة الكافية في إجراء عملية التلفيق هذه؛ ومن بين هؤلاء الدكتور «نصر حامد أبو زيد»[4] وهو الكاتب المصري المثير للجدل؛ الذي يرى أن أسلوب التحليل اللغوي والاستفادة من الهرمنيوطيقا هو الأسلوب الصحيح الوحيد المتاح[5]، وهو يبني تحليله العام على أساس فرضية أن القرآن هو (نتاج ثقافي).. وهي فرضية ينبغي الوقوف عندها لمعرفة دوافها ومنطلقاتها.

ورغم أن أبا زيد على معرفة بتراثنا الثقافي في مجال التفسير وفهم النص القرآني، ولديه تحقيقات خاصة في هذا المجال كـ«المنهج العقلي للتفسير لدى المعتزلة»، وكذلك «المنهج العرفاني للتأويل لدى ابن عربي» و«دراسة بعض مفاهيم علوم القرآن» في «مفهوم النص»، لكنه يسعى إلى حشر جميع ما توصل إليه الفكر الإسلامي في مجال فهم النصوص في خانة واحدة. فهو يعتقد أن أسلوبه يختلف تماماً عن الأساليب التي اتبعها غيره من المفسرين والمفكرين المسلمين بخصوص فهم النص في سياقه التاريخي[6].

وسنقدم في هذا المقال دراسة مركزة نستعرض خلالها أفكار وآراء أبي زيد في هذا الخصوص، ونخضعها للنقد والتحليل، ونكتشف صحة أو سقم الأسلوب الذي اتبعه في فهم القرآن الكريم، كما ونشير إلى الاتهامات التي وجهت إليه في هذا المجال.

قاعدة أساسية لفهم النص

القاعدة الأساسية المطلوبة لفهم القرآن الكريم هي كونه كتاباً سماويًّا.. ويعني ذلك التالي:

ألف: فالقرآن وعلى الرغم من أنه يضع بعين الاعتبار الثقافة التي كانت سائدة في عصر النزول ويستعين بتلك الثقافة لتوضيح مفاهيمه، وعلى الرغم من أنه جاء في قالب ثقافي ولغوي معين؛ إلا أنه ليس نتاجاً لتلك الثقافة، ولم ينطلق من قواعدها، فالمعلقات السبع على سبيل المثال هي نتاج ثقافة ولغة المجتمع الجاهلي ولا يمكن فصلها عن هذا القالب مطلقاً، لكن القرآن؛ وبالرغم من أنه اختار ثقافة ولغة عصره؛ لكنه؛ ولكونه كتاب سماوي؛ ليس نتاج الثقافة الجاهلية التي كانت سائدة، ولا ثمرة العقلية التي كانت تحكم ذلك العصر.

باء: لا يمكن أن ينسب الباطل أو الخطأ إلى القرآن الكريم وذلك لأنه صدر عن إرادة لا يمكن أن ينسب إليها الخطأ أو الباطل بأي حال من الأحوال.

جيم: يحتوي القرآن الكريم على مفاهيم رفيعة تجاوزت المستوى الثقافي الذي كان سائداً في عصر نزوله، وهي المفاهيم التي بإمكانها أن تؤدي دوراً هاماً في جميع مقاطع التاريخ البشري.

دال: ليس هناك تعارض بين كون القرآن نتاج إرادة إلهية وبين إمكانية فهمه وإدراكه، لكن؛ على من يريد فهم هذا القرآن أن يلتفت إلى الإرادة التي أوجدته، وأن يعلم جيداً أن هذا الكتاب يختلف عن الكتب العلمية والأدبية التي أنتجها البشر.

ومن هنا؛ وعلى الرغم من القالب الثقافي الذي يحتضن القرآن الكريم؛ والهيمنة التي يحظى بها القرآن على الثقافة البشرية بشكل عام؛ وعلى ثقافة عصر نزوله بشكل خاص؛ إلا أنه ليس نتاج المجتمع الثقافي وثقافة المجتمع الجاهلي، وإنما جاء بثقافة بديلة اقتلعت الثقافة الجاهلية من الجذور، ولهذا فإن دراسة القرآن إلى جانب وعي الظرف الاجتماعي والثقافي لعصر نزوله هي أمر مفيد شرط أن توضع الحقيقة الآنفة الذكر بعين الاعتبار.

دراسة النص من خلال سياقه التاريخي

إن فصل النص عن سياقه التاريخي الذي وجد فيه هو بمثابة قطع شريان الحياة عنه، فكل النصوص كتبت بلغة خاصة واهتمت بعناصر ثقافية معينة، وذلك لأن اللغة بحد ذاتها؛ هي عنصر من عناصر الثقافة لدى الأمم، ولهذا؛ فمن أجل فهم نص معين؛ لزم معرفة ثقافة البلد الذي نما وتطور فيه هذا النص، والإلمام الكامل بمفاصل اللغة التي هي بمثابة أحد أغصان شجرة الثقافة؛ هذا الغصن الذي نضج عليه النص كما تنضج الثمار على الأشجار، وفي غير ذلك فمن الصعب فهم النص بشكل صحيح.

لكن؛ إلى أي حد يمكن لمعرفة الثقافة أو اللغة التي احتضنت النص أن يساعد على فهم هذا النص؟

وهل لدى النص بعض الاستقلالية التي تجعل من فهم بعض فصوله أمراً ممكناً؛ ولا يحتاج إلى معرفة السياق التاريخي والثقافي الذي أحاط بهذا النص عند ظهوره؟

وهل إن القواعد العامة لفهم النص في سياقه التاريخي تشمل النصوص المقدسة ومنها القرآن الكريم أيضاً؟

ماذا يفترض بنا أن نعرف من خلال وضع النص في إطاره التاريخي؟

وما هي الميزات التي تمنحها لنا هذه المعارف؟

وهل الكلام في هذا الموضوع هو كلام جديد لم يسبق أن طرحه أحد من قبل، أم أنه موجود في تراثنا الثقافي الذي لازال حيًّا حتى يومنا هذا؟

فيما يخص كل هذه الأسئلة هناك عدة مفاهيم لابد من شرحها؛ هي:

1- القراءة

2- السياق التاريخي لظهور النص.

3- النص.

4- تقييد النص بالسياق التاريخي الذي ظهر فيه.

لا تعني القراءة المعنى الشائع لها الوارد في مناهج التعليم والكتب المدرسية، أي إصدار الأصوات طبقاً لمخارج الحروف وكما هو الحال فيما بعد في الجامعات في علم الأصوات[7]، بل المقصود من القراءة هو فهم النص أو القراءة من أجل فهم النص.

وعندما نقول: السياق التاريخي فهو يشمل: الأحداث المؤثرة، والأسباب والدوافع وراء ظهور النص، والأرضيات الثقافية واللغوية.

كما وإن المراد من النص هو ذلك الشيء الذي ظهر في ظروف تاريخية معينة، واهتم بقضايا وأمور خاصة في إطار ثقافي معين، على شكل أقوال أو كتابات.

واشتراط قراءة النص بسياقه التاريخي يعني؛ أن من يقوم بعملية القراءة قد يحصل -مع عدم الالتفات إلى السياق التاريخي والثقافي الذي ظهر فيه النص- على فهم آخر لهذا النص يختلف عن الفهم الذي يحصل عليه فما لو قرأ النص في سياقه التاريخي، وبالتالي يؤدي ذلك إلى الإرباك في فهم النص.

ونتناول هنا المعاني المختلفة لهذا التعبير:

1- التحوّل في المعاني اللغوية

تعتبر المفردات اللغوية بالنسبة للّغة بمثابة الخلايا بالنسبة للكائن الحي، فمع مرور الزمن يترك عدد من الكلمات والمفردات مكانها في اللغة لتحتلها مجموعة أخرى؛ وهكذا.. حتى أنه قد يكون من الصعب على أديب ما أن يفهم بشكل صحيح نصاً ما، يصدر بعد خمسة قرون مثلاً من تاريخه. ففي عصرنا الحاضر جاء «اخوان الثالث» ببعض التعابير السائدة في اللغة الفارسية اليوم التي إن عرضت على الشاعر الكبير «سعدي» لما تمكن من فهمها؛ فكيف هو الحال بالنسبة للناس العاديين الذي عاشوا قبل عدة قرون؟ فهم بالتأكيد سوف لن يفهموها أيضاً. هذا على الرغم من ادِّعاء الرجل بأن الكلمات التي استخدمها في النص كانت متداولة في عصر سعدي أيضاً.

من هنا؛ فقد لا يمكننا من خلال معجم لغوي معاصر أن نفهم النصوص التي جاءت -مثلاً- قبل ثمانية قرون، وكمثال على ذلك: فإن في اللغة العربية حالياً أسماء كثيرة؛ كالسيارة التي تعني (العربة الحديثة المعروفة)، والمائدة التي تعني (طاولة الطعام)، فلا يمكن ترجمة هذه الأسماء -والتي جاءت أيضاً في القرآن- بمعناها الحالي المعاصر، وعلى هذا الأساس، فإن أحد معاني قراءة النص في سياقه التاريخي هو أن تكون القراءة ضمن ملاحظة التطور والتغيير الذي طرأ على اللغة عبر التاريخ.

وليس هذا الموضوع بالأمر الجديد على الرغم من أن علم اجتماع اللغة[8] (علم يتوسط بين علم اللغة وعلم الاجتماع) وعلم تاريخ المعاني أوجد مفاهيم ورؤى جديدة في هذا المجال، ورسم أيضاً الخارطة التي يتم من خلالها دراسة التغيرات التي تطرأ على اللغة، وهل إن اللغة هي في الأصل كائن ثابت أم متغير.

فاللغة سواء كانت أمراً مكتسباً -إذ يعتقد الفلاسفة التجريبيون وعلماء النفس والسلوك أن اللغة هي كسائر السلوكيات الاجتماعية الأخرى؛ من صنع المجتمع ولا أصل لها في البناء الوراثي والجيني الخاص بالإنسان- أم كانت أمراً سلوكياً كما يرى العالم اللغوي (نعوم تشومسكي) وعالم الأحياء (إريك لنبرغ) وعالم النفس (جورج ميلر) والذين يؤكدون على أن اللغة حالة فطرية وذاتية كحالة السير على القدمين- فسواء كانت اللغة نتيجة لهذا أو ذاك فإن الإنسان سيتعلمها في داخل المجتمع.

وهذا الأمر واضح من خلال نظرية علماء السلوك، وذلك لأن هذه النظرية ترى أن: «اللغة صنيعة المجتمع، وشأنها شأن جميع القيم والسلوكيات الاجتماعية ذات طابع اكتسابي»[9] ولهذا فهي تابعة للتغيرات الاجتماعية.

لكن؛ وعلى أساس النظرية الثانية والتي تقول بأن اللغة ذات طابع جيني وإنها تأتي نتيجة حالة التكامل خلال القرون، فإن الإنسان -في هذه الحالة أيضاً- يأخذ لغته وهو في حالة الطفولة من المجتمع، وهذا يكون بمثابة البناء على تلك الأسس الجينية أيضاً[10].

بشكل عام؛ فإن هناك عاملين مهمين في إحداث التغيرات داخل اللغة، وهذان العاملان هما:

1- اصطدام هذه اللغات بالثقافات.

2- حالة التجديد الفكري وتغير اللغة[11].

وهناك عوامل أخرى أكثر جزئية في هذا المجال..

وباختصار فإن الالتفات الى التغييرات في معاني اللغة هو عامل مهم جداً في فهم النصوص.

وقد تم تناول هذه القضية في علم الأصول؛ حيث بُحثت في موضوع (الحقيقة الشرعية)[12].

كلمة (الاجتهاد) نموذج لتطور المعنى:

قدم الشهيد الصدر بحثاً قيماً تناول فيه مراحل التطور التي مر بها مصطلح «الاجتهاد» والتغيرات التي طرأت عليه. وعندما بحث حكم الاجتهاد وهل هو جائز أم محرم؛ رأى أن وجود نظريتي الجواز والحرمة نابع من أن لهذا الاصطلاح معنيين، فمن قال بحرمة الاجتهاد فقد قصد معنى مغايراً لما نحن نفهمه في الوقت الحاضر، وذلك لأن مصطلح الاجتهاد تغير معناه خلال المراحل التاريخية الماضية.

«الاجتهاد في اللغة مأخوذ من الجهد وهو «بذل الوسع للقيام بعمل ما»، وقد استعملت هذه الكلمة -لأول مرة- على الصعيد الفقهي للتعبير بها عن قاعدة من القواعد التي قررتها بعض مدارس الفقه السني وسارت على أساسها وهي القاعدة القائلة: «إن الفقيه إذا أراد أن يستنبط حكماً شرعياً ولم يجد نصاً يدل عليه في الكتاب أو السنة رجع إلى الاجتهاد بدلاً عن النص». والاجتهاد -في هذه المدرسة الفقهية- يعني التفكير الشخصي، فالفقيه حيث لا يجد النص يرجع إلى تفكيره الخاص ويستلهم ويبني الحكم الشرعي على ما يرجحه فكره الشخصي، وقد يعبر عن هذا النوع من (الاجتهاد) بالرأي أيضاً.

والاجتهاد بهذا المعنى يعتبر دليلاً من أدلة الفقيه ومصدراً من مصادره.

وقد نادت بهذا المعنى للاجتهاد بعض مدارس الفقه السني، وعلى رأسها مدرسة أبي حنيفة. بينما لقي معارضة شديدة من أئمة أهل البيت (عليهم السلام) والفقهاء الذين ينتسبون إلى مدرستهم.

وتتبع تاريخ كلمة (الاجتهاد) يدل على أن الكلمة حملت هذا المعنى وكانت تستخدم للتعبير عنه منذ عصر الائمة المعصومين (عليهم السلام) إلى القرن السابع؛ فالروايات المأثورة عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) تذم الاجتهاد وتريد به ذلك المبدأ الفقهي الذي يتخذ من التفكير الشخصي مصدراً من مصادر الحكم، وقد دخلت الحملة ضد هذا المبدأ الفقهي دور التصنيف في عصر الائمة أيضاً والرواة الذين حملوا آثارهم، فقد صنف عبد الله بن عبد الرحمن الزبيري كتاباً أسماه «الاستفادة في الطعون على الأوائل والرد على أصحاب الاجتهاد والقياس». وصنف هلال بن إبراهيم بن أبي الفتح المدني كتاباً في الموضوع باسم كتاب «الرد على من رد آثار الرسول واعتمد على نتائج العقول».

وصنف في عصر الغيبة الصغرى أو قريباً منه إسماعيل بن علي بن إسحاق بن أبي سهل النوبختي كتاباً في الرد على عيسى بن أبان في الاجتهاد، كما نص على ذلك كله النجاشي صاحب الرجال في ترجمة كل واحد من هؤلاء.

وفي أعقاب الغيبة الصغرى نجد الصدوق في أواسط القرن الرابع يواصل تلك الحملة، ونذكر له على سبيل المثال تعقيبه على قصة موسى والخضر، إذ كتب يقول:

«إن موسى مع كمال عقله وفضله ومحله من الله تعالى لم يدرك باستنباطه واستدلاله معنى أفعال الخضر حتى اشتبه عليه وجه الأمر به، فإذا لم يجز لأنبياء الله ورسله القياس والاستدلال والاستخراج كان من دونهم من الأمم أولى بألَّا يجوز لهم ذلك... فإذا لم يصلح موسى للاختيار -مع فضله ومحله- فكيف تصلح الأمة لاختيار الإمام، وكيف يصلحون لاستنباط الاحكام الشرعية واستخراجها بعقولهم الناقصة وآرائهم المتفاوتة».

وفي أواخر القرن الرابع يجيء الشيخ المفيد فيسير على الخط نفسه ويهاجم الاجتهاد، وهو يعبر بهذه الكلمة عن ذلك المبدأ الفقهي الآنف الذكر ويكتب كتاباً في ذلك باسم «النقض على ابن الجنيد في اجتهاد الرأي».

ونجد المصطلح نفسه لدى السيد المرتضى في أوائل القرن الخامس، إذ كتب في الذريعة يذم الاجتهاد ويقول:

«إن الاجتهاد باطل، وإن الإمامية لا يجوز عندهم العمل بالظن ولا الرأي ولا الاجتهاد». وكتب في كتابه الفقهي «الانتصار» معرضاً بابن الجنيد قائلاً: «إنما عوَّل ابن الجنيد في هذه المسألة على ضرب من الرأي والاجتهاد وخطؤه ظاهر»، وقال في مسألة مسح الرجلين في فصل الطهارة من كتاب الانتصار: «إنا لا نرى الاجتهاد ولا نقول به».

واستمر هذا الاصطلاح في كلمة الاجتهاد بعد ذلك أيضاً فالشيخ الطوسي الذي توفي في أواسط القرن الخامس يكتب في كتاب العدة قائلاً: «أما القياس والاجتهاد فعندنا إنهما ليسا بدليلين، بل محظور في الشريعة استعمالها».

وفي أواخر القرن السادس يستعرض ابن إدريس في مسألة تعارض البينتين من كتابه السرائر عدداً من المرجحات لإحدى البينتين على الأخرى ثم يعقب ذلك قائلاً: «ولا ترجيح بغير ذلك عند أصحابنا، والقياس والاستحسان والاجتهاد باطل عندنا». وهكذا تدل هذه النصوص بتعاقبها التاريخي المتتابع على أن كلمة الاجتهاد كانت تعبيراً عن ذلك المبدأ الفقهي المتقدم إلى أوائل القرن السابع، وعلى هذا الأساس اكتسبت الكلمة لوناً مقيتاً وطابعاً من الكراهية والاشمئزاز في الذهنية الفقهية الإمامية نتيجة لمعارضة ذلك المبدأ والإيمان ببطلانه.

ولكن كلمة الاجتهاد تطورت بعد ذلك في مصطلح فقهائنا، ولا يوجد لدينا نص شيعي يعكس هذا التطور أقدم تاريخاً من كتاب المعارج للمحقق الحلي المتوفي سنة (676هـ) إذ كتب المحقق تحت عنوان حقيقة الاجتهاد يقول:

«وهو في عرف الفقهاء بذل الجهد في استخراج الاحكام الشرعية، وبهذا الاعتبار يكون استخراج الاحكام من أدلة الشرع اجتهاداً، لأنها تبتني على اعتبارات نظرية ليست مستفادة من ظواهر النصوص في الأكثر، سواء كان ذلك الدليل قياساً أو غيره، فيكون القياس على هذا التقرير أحد أقسام الاجتهاد. فإن قيل: يلزم -على هذا- أن يكون الإمامية من أهل الاجتهاد. قلنا: الأمر كذلك لكن فيه إيهام من حيث إن القياس من جملة الاجتهاد، فإذا استثني القياس كنا من أهل الاجتهاد في تحصيل الأحكام بالطرق النظرية التي ليس أحدها القياس».

ويلاحظ من خلال هذا النص بوضوح أن كلمة الاجتهاد كانت لا تزال في الذهنية الأساسية مثقلة بتبعة المصطلح الأول، ولهذا يُلمح النص إلى أن هناك من يتحرج من هذا الوصف ويثقل عليه أن يسمي فقهاء الإمامية مجتهدين.

ولكن المحقق الحلي لم يتحرج عن كلمة الاجتهاد بعد أن طوره أو تطور في عرف الفقهاء تطويراً يتفق مع مناهج الاستنباط في الفقه الإمامي.

.. وقد مر هذا المعنى الجديد لكلمة الاجتهاد بتطور أيضاً، فقد حدده المحقق الحلي في نطاق عمليات الاستنباط التي لا تستند إلى ظواهر النصوص، فكل عملية استنباط لا تستند إلى ظواهر النصوص تسمى اجتهاداً دون ما يستند إلى تلك الظواهر. ولعل الدافع إلى هذا التحديد أن استنباط الحكم من ظاهر النص ليس فيه كثير جهد أو عناء علمي ليسمى اجتهاداً.

ثم اتسع نطاق الاجتهاد بعد ذلك فأصبح يشمل عملية استنباط الحكم من ظاهر النص أيضاً، لأن الأصوليين بعد هذا لاحظوا بحق أن عملية استنباط الحكم من ظاهر النص تستبطن كثيراً من الجهد العلمي في سبيل معرفة الظهور وتحديده وإثبات حجية الظهور العرفي[13].

وعلى هذا الأساس فإن الاجتهاد -الذي طرأ على معناه شتى أنواع التطور والتحول مع تعاقب الزمن- هو في رأي الشهيد الصدر؛ يحمل المعاني التالية:

1- العودة إلى الفكر والرأي الشخصي كأحد المنابع المستقلة إلى جانب الكتاب والسنة.

2- السعي لاستنباط الأحكام الشرعية من مصادرها باستثناء تلك النصوص التي يمكن الاستفادة من ظاهرها.

3- بذل الجهد لاستنباط الأحكام الشرعية من مصادرها بصورة مطلقة، ويشمل ذلك أيضاً النصوص التي يمكن الاستفادة من ظاهرها.

4- بذل كامل الوسع والسعي لتحديد الموقف العملي إزاء الشريعة الإسلامية، سواء عن طريق إقامة الدليل على الحكم الشرعي أو من خلال إقامة الدليل على الوظيفة العملية في موارد الشك (الأصول العملية).

ويضيف الشهيد الصدر بهذا الخصوص:

«وعلى هذا الضوء يمكننا أن نفسر موقف جماعة من علمائنا الأخيار ممن عارضوا كلمة الاجتهاد بما تحمل من تراث المصطلح الأول الذي شن أهل البيت حملة شديدة عليه وهو يختلف عن الاجتهاد بالمعنى الثاني، وما دمنا قد ميزنا بين معنيي الاجتهاد فنستطيع أن نعيد إلى المسألة بداهتها ونتبين بوضوح جواز الاجتهاد بالمعنى المرادف لعملية الاستنباط، وتترتب على ذلك ضرورة الاحتفاظ بعلم الأصول، لدراسة العناصر المشتركة في عملية الاستنباط»[14].

2- الالتفات إلى أسباب النزول:

المعنى الآخر لقراءة النص في سياقه التاريخي هو الأخذ بشأن النزول، والأحداث التي وقعت في زمن النزول، وكذلك الظروف التي أخذها النص والقرآن بشكل خاص بعين الاعتبار.

وعلى الرغم من أن البعض لا يرى فائدة في الاهتمام بشأن النزول؛ إلا أنه في المقابل هناك من اعتبر بأن الاهتمام بشأن النزول له دور كبير في فهم القرآن الكريم وقالوا: «لا يمكن فهم تفسير الآية إلا عن طريق معرفة القصة التي نزلت بشأنها والسبب الذي نزلت من أجله»[15]. وقالوا أيضاً: «عدم معرفة أسباب النزول يدخل الناس في دوامة من الأخطاء، وبالتالي فإنهم سيفهمون الآية بشكل خاطئ»[16].

وقد أشار بعض العلماء إلى الفوائد الكثيرة التي يمكن أن تجنى من علم أسباب النزول، منها: معرفة فلسفة الأحكام، ومعرفة مستوى دائرة الخطاب، وتخصيص الحكم العام من خلال معرفة سبب النزول، ونفي توهّم الحصر، ومعرفة رجال وشخصيات صدر الإسلام، وتسهيل عملية حفظ وإدراك المعارف القرآنية، وفهم معاني الآيات، والتعرف على الآيات المكية والمدنية، ومعرفة الإعجاز القرآني، ومعرفة الأفكار والعقائد والآداب والخصوصيات التي كانت عند الناس في عصر النزول، والتعرف على الخلفية التاريخية لقضية الإمامة والولاية، والتعرف على أدلة بعض بحوث علم الكلام الإسلامي، وأخيراً.. معرفة الناسخ والمنسوخ[17].

بعض هذه الفوائد ترتبط بحالة من الفهم الأعمق والأصح للقرآن الكريم، فالفائدة التي يتم الحصول عليها من معرفة شأن النزول هي فهم معنى النص. يقول أبو زيد في هذا الصدد:

«إن معرفة أسباب النزول ليست مجرد الرغبة في معرفة الحقائق التاريخية المتعلقة في الهيكل التركيبي للنص، بل الهدف من هذه المعرفة، فهم النص واستنباط دلالاته». لأن (معرفة السبب تؤدي إلى معرفة المسبب) كما يقال، إضافة إلى ذلك فإن التحقيق بشأن الأسباب والأحداث يؤدي إلى فهم «حكمة التشريع» خصوصاً في آيات الأحكام حيث إن خصوصية فهم الحكمة أو العلة تساعد الفقيه على أن يقوم ومن خلال إحدى الأحداث الجزئية أو الخاصة إلى تعميمه على الأمور والحالات المشابهة ويقوم بعملية القياس، لكن لابد من الالتفات إلى أن الدخول في هذا المجال وسحب سبب ما والذي هو صورة مجردة عن السبب أو الحادثة على الأمور المشابهة لها يحتاج إلى دلالة في هيكل النص يمكن الاستناد إليها لدعم عملية السحب والتحول من الأمور الخاصة والجزئية إلى الأمور العامة والكلية»[18].

لكن لابد من الالتفات هنا إلى أمر مهم هو ألَّا يتحول البحث لمعرفة أسباب النزول إلى قيد لحركة الباحث، وألَّا يمنعه من السعي لتجاوز حدود الأحداث الجزئية، لأنه في غير ذلك ستتحول محاولة التعمق في فهم النص إلى الوقوع في حبائل الأحداث الجزئية والبسيطة وبالتالي سيكون الحدث البسيط هو محور البحث والدراسة.

إن معرفة سبب النزول تُعتبر عند شخص كأبي زيد -وهو من يحبذ قراءة النص من خلال سياقه التاريخي- أمراً مفيداً ومؤثراً شرط أن يسعى المفسر والفقيه من خلال هذه النافذة إلى كشف دلالة النص ومعناه، وهو يرى أن هذه الطريقة ليست غريبة عن أسلوب التحليل اللغوي للنصوص. ويقول في هذا الصدد:

«سندرك من خلال هذا الأسلوب أن السعي نحو اكتشاف دلائل النص لا يعني فصل النص عن الأحداث التي هو بصددها، ومع هذا وطبقاً لهذا الأسلوب، فإن التوقف عند تلك الأحداث الجزئية -ومع عدم الالتفات إلى الخصوصيات اللغوية لفصاحة النص وكفاءته في العبور من حدود هذه الأحداث- ليس بالأمر الصحيح، فالتحقيق والبحث في أسباب النزول يجعل من الفقيه يتسلح بإدراك العلل من وراء أحكام النصوص، ومن خلال اكتشاف هذه العلة يحصل الفقيه على القدرة على تعميم الحكم على أحداث مشابهة أخرى»[19].

إن مثل هذا البحث سبق وأن أثير في بحوث الفقه والتفسير وذلك تحت عنوان «اللفظ العام والسبب الخاص» أو «خصوصية المورد»، وقد اهتم به الفقهاء بصورة جدية، في حين تناوله أبو زيد أيضاً تحت هذا العنوان فقال:

«الأحداث لا نهاية لها والحدث في حالة من الحركة المستمرة، وذلك من جهة أن النصوص محدودة، وعلى الرغم من أن بإمكانية النصوص أن تضم كل هذه الأحداث وذلك لقدرتها اللغوية وحالة التعميم والتجريد التي تمتلكها، لكن هذه الإمكانية؛ وهذه الحالة الشمولية يجب أن تستند إلى استدلالات في هيكل النص أو في السياق الاجتماعي المخاطب من قبل النص»[20].

وقد ساق أبو زيد في هذا الصدد مثالاً حول اجتهاد الخليفة الثاني، وهو الاجتهاد المرتبط بموارد إنفاق الزكاة حيث إن أحد هذه الموارد هو إنفاق الزكاة على غير المسلمين وذلك لـ«تأليف قلوبهم»، يقول في هذا الصدد:

«أدرك عمر بن الخطاب الحكمة من تشريع إعطاء الزكاة للمؤلفة قلوبهم؛ لا من خلال النص؛ بل من خلال السياق العام له، فلقد عرف أن الحكمة من تأليف القلوب هو تقوية الإسلام الذي كان ضعيفاً في ذلك الوقت، لكن ومع انتشاره وسيطرته على الجزيرة العربية وأطرافها؛ أصبح قوياً، ولم تعد هناك حكمة من إعطاء جزء من الزكاة لغير مستحقيها»[21].

وعلى هذا الأساس فإن المرور بالأحداث الخاصة، يأتي مرة عبر شواهد موجودة في النص ذاته، ومرة من خلال الظروف التاريخية التي أحاطت بفترة النزول، وعلى هذا الأساس يمكن القول إن أحد عناصر قراءة النص في سياقه التاريخي هو معرفة سبب النزول، لكن هذا العنصر -كما مرّ القول- هو أحد العناصر التي يجب أن تشرف بشكل كامل على الحالة التاريخية والثقافية الحاكمة على عصر النزول.

3- الاهتمام باللغة العربية والأدب في العصر الجاهلي:

نزل القرآن باللغة العربية؛ واللغة في حد ذاتها هي أهم عنصر في ثقافة المجتمعات[22]، وعلى هذا الأساس يجب معرفة ثقافة العرب في الفترة التاريخية لنزول القرآن حتى يمكن الوصول إلى دقائق هذه اللغة، فمعرفة القواعد اللغوية، ومشتقات الكلمات والاصطلاحات في اللغة العربية في الوسط الثقافي لعصر النزول؛ من الأمور المهمة والضرورية لفهم القرآن ويعتقد البعض أن: «فهم أية لغة يرتبط بالتقاليد والأعراف التي كانت قائمة في زمانها، ولو أردنا أن نفصل اللغة عن زمانها وعن الأعراف والتقاليد المرتبطة بها فإنها سوف تفقد معناها»[23].

ولهذا السبب فإن ابن عباس والمفسرين الذين جاؤوا بعده كانوا يهتمون بالشعر الجاهلي بشكل خاص ويعتبرون أن فهم هذا الشعر يساعد بشكل كبير على الفهم الصحيح للقرآن الكريم، وقد نقل عن ابن عباس أنه متى ما عجز الإنسان عن فهم شيء من القرآن فعليه أن يرجع إلى الشعر؛ وذلك لأن الشعر هو ديوان العرب[24].

وقد أخذ نافع يسأل ابن عباس في إحدى المرات عن تفسير بعض آيات القرآن، وكلما سمع منه جواباً سأل عن دليله، وكان ابن عباس يستدل بالشعر العربي فبلغت مائتي مرة. وقد نقل هذا في كتاب الإتقان للسيوطي بشكل كامل[25].

وهذا هو أحد الموارد التي تساعد على قراءة النص في ظل سياقه التاريخي، وبالطبع فإن مثل هذا الرأي هناك من يخالفه كالنيسابوري الذي يرى أن حصيلة هذا الأسلوب في تفسير القرآن هو أن يصبح الشعر أصلاً والقرآن فرعاً له[26]. لكن الظاهر أن مثل هذا الانتقاد غير وارد، لأن القرآن على أية حال نص لغوي، وبالتالي يمكن فهم ظواهر القرآن ومعاني كلماته من خلال استخداماتها في الشعر الجاهلي.

بالطبع؛ فإن من الصحيح أيضاً القول بأن الكثير من الكلمات في القرآن الكريم لها استخداماتها الخاصة وهناك دلائل تشير إلى أن لها معاني مختلفة تتعارض مع استخداماتها في الشعر الجاهلي، ولابد من اعتبارها -على الأقل- مصاديق على الاستخدام القرآني الخاص. لكن ذلك لا يغنينا عن ضرورة معرفة اللغة، ومعرفة لغة نص يعود إلى ألف وأربعمائة سنة مضت تحتاج إلى فهم هذه اللغة في ذلك العصر وتلك الثقافة، وعن طريق هذه المعرفة فقط تنكشف أيضاً الفروقات بين مفاهيم وأحكام القرآن والقوانين الاجتماعية والثقافة الجاهلية.

4- القرآن هو المهيمن على ثقافة عصر النزول:

القرآن هو كتاب حياة، وقد كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وطيلة فترة تبيلغ الرسالة يقوم بدراسة وتحليل الأوضاع القائمة في مجتمع ذلك العصر وأخذها بعين الاعتبار قبل إصدار الحكم. ولهذا لا يمكن معرفة القرآن دون الالتفات إلى الثقافة السائدة في المجتمع، لأن القرآن تعامل مع تلك الثقافة وقام بتغييرها بشكل تدريجي، فعلى سبيل المثال جاء القرآن بتعاليم خاصة بمناسك الحج وهذه التعاليم لا يمكن معرفتها إلا عند الاطلاع على طريقة الحج التي كانت متبعة في الثقافة الجاهلية فهو يقول في إحدى الآيات:

﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ[27].

لاشك في أننه يجب -بمثل هذه الحالة- البحث لمعرفة متى كان العرب -في تلك الفترة- يفيضون إلى (منى)، وكيف كانت إفاضتهم، وأي طريق كانوا يسلكونه، وإلا فإن حكم هذه الآية سيكون غامضاً.

وهناك موارد أخرى مشابهة في القرآن الكريم لا يمكن فهمها وإدراكها من دون معرفة الثقافة التي كانت سائدة في ذلك المقطع التاريخي.

بالطبع توجد حقائق أخرى يمكن فهمها بعيداً عن الثقافة التي كانت سائدة وقتها، فعلى سبيل المثال ما جاء في سورة الإخلاص: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ حيث يمكن من خلال هذه الآية إدراك وحدانية الله، بينما تأكيد القرآن على أن الله لا يملك أمًّا ولا ولداً هو التفاتة إلى الثقافة الجاهلية التي كانت تنسب لله الولد، فالجاهليون كانوا يعتبرون الملائكة هم بنات الله[28].

بالطبع كان اليهود والنصارى في تلك الفترة أيضاً يعتقدون أن لله ولداً، فاليهود كانوا يعتبرون عزير ابن الله، والنصارى كانوا يعتبرون المسيح ابن الله[29].

وقد تجاوز البعض الآخر الحدود معتبراً أنه لا يمكن فهم أي جزء من القرآن من دون فهم الثقافة التي كانت سائدة في عصر النزول، لكن على أي حال لا يمكن إهمال هذه القضية، فقد تحدث أحد الباحثين عن ذلك فقال:

«إن القرآن الكريم والروايات هي شاهد على ما كان سائداً في المجتمع العربي حينها، فعلى سبيل المثال لو قام أحد ما بمطالعة كتاب العروة الوثقى؛ -حيث إن القسم الأعلى من صفحاته يحتوي النص الأصلي للعروة بينما يضم القسم التحتي التعليقات عليه-، وأراد أن لا ينظر إلى الأعلى -أي النص الأصلي- واكتفى بقراءة التعليقات؛ من أول الكتاب وحتى آخره، ففي هذه الحالة لا يمكن القول إن هذا الشخص سيخرج بتصور صحيح عن الفقه الشيعي، لأن تلك التعليقات هي أولاً: مقاطع مجزَّأة، وثانياً: لا يمكن أن يفهم إلى ماذا تشير، وثالثاً: إنها في كثير من الأوقات تكون مبهمة إذا فُصِلَت عن النص الأصلي. ولهذا لابد أولاً من قراءة نص العروة الوثقى الأصلي حتى تعطي تلك التعليقات قيمتها الحقيقية.

وفي الواقع فإن كل ما كان سائداً في المجتمع العربي في الفترة الأولى لظهور الإسلام شأنه شأن العروة الوثقى، وما جاء في القرآن والروايات حكمه حكم التعليقات على العروة الوثقى، ومن هنا فنحن لا نستطيع أن نتبين أمرنا من خلال مطالعة القرآن والروايات وحدها، لأن القرآن والروايات يحتويان على قضايا مرتبطة بما كان سائداً في المجتمع العربي في ذلك العصر، وفي كثير من الأحيان لا يمكن فهم القرآن والروايات إلا من خلال فهم السياق التاريخي الذي تدور حوله نصوصهما»[30].

5- قابلية التأثر بالثقافة الجاهلية:

والادِّعاء الآخر الذي يطرح في إطار قراءة القرآن في ظل سياقه التاريخي هو ما زعمه بعض الكتاب المعاصرين الذين يعتقدون أن القرآن شأنه شأن أي نص آخر يتأثر بثقافة عصره؛ أي أن هناك عناصر من تلك الثقافة دخلت القرآن؛ هذه العناصر ليس لها أي وجود حقيقي وواقعي، بل وجدت طريقها إلى القرآن من أجل محاكاة العرب أو لأي سبب آخر.

وعلى الرغم من أن القائلين بهذه النظرية حاولوا أن يخفوا مقاصدهم الحقيقية ببعض التعبيرات والمصطلحات، لكن الواقع هو أنهم يعتقدون أن قسماً من تلك الأمور التي وجدت طريقها إلى القرآن هي جزء من الثقافة الجاهلية والأباطيل التي لا أساس لها من الصحة. ولهذا يجب معرفة الثقافة التي كانت سائدة في عصر النزول كي تترك تلك الأباطيل جانباً وتتم عملية تطهير القرآن منها، ومن هنا فهم بصدد حذف ما يسمونه بالأساطير من القرآن، حيث يرون أنه وكما أدرك العلماء الغربيون الحاجة الماسة إلى تطهير التوراة والإنجيل من الأساطير، فكذلك القرآن أيضاً بحاجة إلى مثل عملية التطهير هذه.

كتب أبو زيد يقول:

«وإذا كانت النصوص الدينية نصوص بشرية بحكم انتمائها للغة والثقافة في فترة تاريخية محددة، هي فترة تشكلها وإنتاجها، فهي بالضرورة نصوص تاريخية، بمعنى أن دلالتها لا تنفك عن النظام اللغوي-الثقافي الذي تعد جزءاً منه، من هذه الزاوية تمثل اللغة ومحيطها الثقافي مرجع التفسير والتأويل»[31].

ومن الضروري الالتفات إلى نقطة مهمة هي أن هذه الرؤية تقول: إن القرآن والحديث ليسا مهيمنين على ثقافة عصرهما، بل إنهما جزء منها، ونتاج لها، ويجب التعامل معهما على هذا الأساس. وبسبب هذه الرؤية يجب أن تطرح الكثير من الأحكام الإسلامية والقرآنية جانباً، ومن هذه الأحكام حكم الربا، والغناء، والجزية، والحدود، ومفاهيم أخرى مثل: التعبّد، وعلاقة الإنسان بربه. لأن هذه القضايا -كما يقولون- مرتبطة بالثقافة الجاهلية وعصر النزول.

وسنتحدث عن هذا الأمر بشكل مفصّل.

6- الفصل بين الأحكام المطلقة والأوامر الحكومية:

إن الكشف عن معايير ومصالح الأحكام هو ضرورة أخرى تضاف إلى ضرورات قراءة النص من خلال سياقه التاريخي (يشمل هنا القرآن والروايات)، هذا مع التذكير بأن القرآن الكريم والحديث الشريف يحتويان على نوعين من الأحكام، النوع الأول هو الأحكام المطلقة، كوجوب بعض العبادات مثلاً والنوع الآخر هو الأحكام الاجتماعية والحكومية، ومن بين الأحكام الحكومية والاجتماعية التي جاءت في القرآن والأحاديث النبوية هناك أحكام تشمل جميع عصر الرسالة، وأحكام أخرى خاصة بحقبة معينة من ذلك العصر، ومع فهم ثقافة عصر النزول وقراءة النص في سياقه التاريخي فسيكون بالإمكان الفصل بين النوعين من الأحكام.

وعلى سبيل المثال فإن الآيات التي تحث على الصفح وعدم مواجهة المشركين تتعلق بالحقبة الأولى التي عاش فيها المسلمون في مكة المكرمة، وقد غيرت الآيات المدنية أحكام تلك الآيات وأجازت الدفاع عن النفس بل وطرحت مفهوم الجهاد ووجوبه، وهاتان المجموعتان من الآيات لا تعتبران متعارضتين عند المسلمين بسبب معرفة السياق التاريخي لكل واحدة منهن.

وهناك روايات أيضاً ذات أحكام اجتماعية يبدو وبسبب بعض العوامل الخاصة أنها كانت ضرورية للمجتمع الإسلامي في ذلك العصر، لكنها قد لا تستوجب الضرورة ذاتها في الفترات اللاحقة، وإحدى هذه الروايات جاءت في نهج البلاغة ونذكرها هنا بعيداً عن إطارها الفقهي:

«سُئِلَ (عليه السلام) عَنْ قَوْلِ الرَّسُولِ (صلى الله عليه وآله وسلم): «غَيِّرُوا الشَّيْبَ وَ لَا تَشَبَّهُوا بِالْيَهُودِ» فَقَالَ (عليه السلام): إِنَّمَا (صلى الله عليه وآله وسلم) ذَلِكَ وَالدِّينُ قُلٌّ، فَأَمَّا الْآنَ وَقَدِ اتَّسَعَ نِطَاقُهُ وَضَرَبَ بِجِرَانِهِ فَامْرُؤٌ وَمَا اخْتَارَ»[32].

أقل ما يمكن أن يستفاد من هذه الرواية هو أن حكمها يرتبط بزمن معين، حيث جاءت نتيجة مصلحة معينة؛ هذه المصلحة وضعت بعين الاعتبار الظروف التي مرت بها دولة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)؛ لكنه وفي ظل حكومة الإمام علي (عليه السلام) فإن ظروف عاصمة الدولة الإسلامية كانت قد تغيرت فلم تعد هناك حاجة للالتزام بهذه الأوامر ولا حاجة للظهور بمظهر الشباب.

وهناك مثال آخر وهو: الدعوة إلى الهجرة والنهي عن التعرّب بعد الهجرة، وقد كان الأمر بهذا الخصوص صارماً عند تأسيس الدولة الإسلامية في المدينة المنورة، وذلك لأن الهجرة إلى المدينة كانت مسألة مصيرية في بدايتها، وكانت تعني الالتحاق بجيش الإسلام بينما التعرّب بعد الهجرة كان له أثر تخريبي، وكان يُعد خروجاً عن صف المسلمين واعتزال الجيش الإسلامي. لكنه وبعد فتح مكة المكرمة، لم تعد مسألة التعرب بعد الهجرة تعطي المعنى السابق، وانتفى معها حكمها، وذلك لأن المدينة المنورة لم تعد بعد ذلك الأرض الإسلامية الوحيدة وخندق الجيش الإسلامي الوحيد لكي يكون الخروج منها والدخول إليها بمثابة الخروج من الإسلام والدخول إليه.

وبعبارة أخرى نقول: إن إحدى الحاجات التي يشعر بها المجتمع الإسلامي حالياً وهو في طريقه نحو التطور والتكامل هي ضرورة الإلمام بالأحكام الثابتة والأحكام المتغيرة في الإسلام، وكذلك الأحكام الأبدية والأحكام المتعلقة بالدولة في عصر صدور البيان، حيث إن الطريقة الوحيدة في الكشف عنها هو معرفة الظرف التاريخي والثقافي والوضع السياسي والاجتماعي الذي كان سائداً في عصر الحكم.

نظرية أبي زيد بخصوص السياق التاريخي للنص

نتناول هنا رؤية أبي زيد في هذا المجال والتي طرحها في الجامعة المصرية في وقت سابق وأحدثت ضجة كبيرة.

يمكن العثور على الجذور الأصلية لهذه القضية في علم اللغة المعاصر؛ وبالذات في علم المعاني التاريخي، وأيضاً يمكن العثور عليها في «الهرمنيوطيقا».

إن الأهداف والظروف والعوامل التي ساعدت على نشأة الهرمنيوطيقا في الغرب لها قصتها الخاصة، وقد حازت -في وقتنا الحاضر- على مكانتها الخاصة في الفكر الفلسفي، وقد ظهرت الكثير من البحوث في هذا المجال وجميعها يتساءل عن إمكانية الاستفادة من التحقيقات التي تمت في إطار الهرمنيوطيقا في مجال التفسير ومعرفة القرآن والسنة النبوية الشريفة، وقد اختلف الناس بهذا الخصوص بين مؤيد ومخالف وكل جهة عرضت ما لديها من استدلالات في هذا المجال.

الكثير من الداعين إلى الاستفادة من منهج الهرمنيوطيقا لتفسير القرآن الكريم هم في الواقع ليسوا سوى مجموعة من الأشخاص الذين يأملون أن يحصلوا على فهم عصري أفضل لمفاهيم الدين ويسعون من خلال الأفكار المعاصرة إلى اكتشاف منابع السعادة والتوفيق بين الأمور والفوز بخير الدنيا ونعيم الآخرة وذلك عن طريق التعمق في النصوص الأساسية للدين وخصوصاً القرآن الكريم، ولعلهم تسرعوا في هذا المجال وأخذوا بالخيار الخاطئ، لكن المخالفين لهذا الأمر لديهم تحفظاتهم في هذا المجال، وأحد أهم هذه التحفظات حول الفرضيات الأساسية في بعض نظريات المعارف اللغوية، أو بعض نظريات المنهج الهيرمينوطيقي الذي لا يقيم أي اعتبار للمكانة الإلهية في النص، ولا لحالة القداسة والخلود التي تتمتع بها الأحكام، وكون النصوص الأساسية في الإسلام ومنها القرآن هي المرجعية الأساسية في هذا المجال.

لكن في وضع كهذا، هناك بين من يسعى إلى استخدام الأساليب الحديثة والنظريات الجديدة لاخضاع القرآن والسنة للنقد والدراسة، هناك جهات تنطلق من قواعد فكرية غير إسلامية لقراءة مزاجية للنصوص الدينية، ويحصلون على نتائج لا تتناسب مع الأصول العقائدية للمسلمين؛ ناهيك عن بعض الفروع وضرورات الأحكام الدينية والتي تحظى بإجماع المسلمين.

ونحن هنا نلقي نظرة سريعة على رؤية أبي زيد ونبحثها في إطارين رئيسيين، ثم نخضعها بعد ذلك لنقد عام. وهذان الإطاران هما:

1- الرؤية الحقيقية لأبي زيد، وماذا تعني قراءة النص من خلال سياقه التاريخي بالنسبة له.

2- دراسة نماذج من تحقيقات أبي زيد والنتائج التي خرج بها بفضل هذه الطريقة من قراءة النص (القرآن). وفي هذا الخصوص سنستعرض آراء المؤيدين والمخالفين له باختصار.

ما عُرف بـ(قضية أبي زيد) أو (قضية أبي زيد وشاهين) التي اعقبت استعراض أبي زيد لأفكاره في الجامعة المصرية؛ هي في الواقع من أكثر القضايا التي أثارت مؤخراً جدلاً واسعاً على مستوى المفكرين في العالمين العربي والإسلامي.

بعض هذه الانتقادات التي وجهت لأبي زيد من قبل مناوئيه ظهرت عندما تقدم أبو زيد بطلب قبوله كأستاذ في الجامعة وكانت على النحو التالي:

1- إنه ينفي القدسية عن القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة.

2- الحط من قدر الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وجعله بمنزلة الإنسان والمفسر العادي، والذي لا يملك حق التشريع.

3- فتح الباب واسعاً أمام تأويل القرآن والأحاديث دون ضوابط أو قيود.

4- وقوعه ببعض الأخطاء التاريخية، مثل العصر الذي عاش فيه الشافعي، حيث ولد بعد الأمويين بسبعة أعوام، في حين يتحدث أبو زيد عن تعاون الشافعي مع الأمويين.

5- الأغلاط اللغوية؛ كاستخدام كلمة أحناف بدلاً من حنفاء (والتي تعني: المتدينين بالحنيفية في منطقة الحجاز).

6- تفكيره الانتقائي وفسح المجال أمام الأفكار الماركسية والإلحادية للتغلغل في البحوث والدراسات الدينية.

7- اعتبار أحكام القرآن محدودة بعصر النزول ونفي صفة الخلود عن أحكام القرآن.

8- الدفاع المستميت عن سلمان رشدي وكتابه الآيات الشيطانية.

9- دفاع سلمان رشدي عنه.

10- إدخال الفكر العلماني واستخدام المنهج الماركسي -مع كل سلبياته- في دراسة وتحليل القرآن والحديث، وكذلك التهجم على المقدسات الإسلامية[33].

واستناداً إلى هذه الانتقادات فإن عبد الصبور شاهين وأساتذة جامعيين آخرين قاموا بردّ مزاعم أبي زيد إلا إنهم لم يقوموا بتكفيره، وقد تهرب شاهين في إحدى اللقاءات الصحفية من مسألة تكفير أبي زيد واعتبر أن هذه المسألة مرتبطة بالعلاقة بين الرب وعبده[34]، ومع خروج قضية أبي زيد إلى أوساط إجتماعية أكثر عمومية؛ اشتد سخط واستياء بعض الجمعيات الدينية السنية، وخصوصاً بعد أن اتهم الخلفاء الراشدين بالميول العنصرية والتعصب لقريش، إلى جانب الاتهامات التي وجهها إلى الشافعي وأبي حنيفة، كل هذا بالإضافة إلى التشكيك في قداسة القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف الذي جعل بعض الجمعيات الدينية ومنها (جمعية الخلفاء الراشدين) تعلن تكفيره[35] وأدى ذلك إلى استدعائه إلى المحكمة وصدور حكم الارتداد بحقه.

أما الانتقاد الآخر الذي يوجه له فهو بخصوص السبب الذي يدفع الشخصيات الماركسية البارزة كلطفي الخولي وغيره إلى حمايته والدفاع عنه بشكل مستميت[36].

دراسة رؤية أبو زيد

1- يجب ألَّا يُعتقد أن قراءة النص في ظل سياقه التاريخي تعني الحصول على الفهم والتفسير اللذين توصل إليهما الرجال المعاصرون للنص، وبالتالي يتم التوقف عند حدود تلك المفاهيم، والاكتفاء بما وردنا من مفاهيم وتفاسير الصحابة والتابعين. يقول أبو زيد بهذا الخصوص:

«.. الموضوعية في الحالة الأولى موضوعية تاريخية تفترض إمكانية أن يتجاوز المفسّر إطار واقعه التاريخي وهموم عصره، وأن يتبنى موقف المعاصرين للنص، ويفهم النص كما فهموه في إطار معطيات اللغة التاريخية في عصر نزوله..»[37].

وبالطبع فهو لا يقبل بهذا الافتراض -وكما سيأتي لاحقاً؛ فإنه يتبع «جادامر» ونظريته في ترابط الآفاق واتصالها- وبالتالي فهو يعتبر هذا الأمر غير ممكن بالمرة. إضافة إلى أنه يرفض هذه الرؤية تماماً حتى وإن افترضنا أنه يقبل بهذا الافتراض، فهو يقول:

«.. ومثل هذا التصور يقع في تناقض منطقي من الوجهة الدينية الاعتقادية التي ينطلق منها أصحابه؛ إذ النص عندهم صالح لكل زمان ومكان لأنه يحتوي كل الحقائق ويُعد جماعاً للمعرفة التامة. ومثل هذا الاعتقاد يتناقض تماماً مع القول بضرورة اعتماد المفسّر على المأثورات المرويّة عن الجيل الأول أو الجيل الثاني على الأكثر، والوقوف عند فهمهم وتفسيرهم للنص.

ولكي يحلّ أصحاب هذا التصور مثل هذا التعارض المنطقي، ذهبوا إلى أن المعرفة الدينية لا تتطور وأن جيل الصحابة والتابعين قد أوتوا بالمعرفة الكاملة التامة، فيما يتصل بالوحي ومعناه، وأن التمسك بمعرفتهم هو العاصم من الزلل والانحراف. وهكذا انتهى الأمر بهم إلى عزل المعرفة الدينية عن غيرها من أنواع المعرفة من جهة، وإلى إنكار تطور المعرفة الإنسانية من جهة أخرى»[38].

وهو يعتبر أن ابن تيمية وتلميذه ابن القيم من أكبر ممثلي هذا الاتجاه[39].

بالطبع؛ لم يعترف أحد من المفسرين المسلمين وطيلة القرون الماضية بهذه النظرية، لأنه كان يجب عليهم أن يختاروا أحد الآراء التي جاء بها الصحابة، لكن هل إن أبا زيد أراد من خلال قراءة القرآن على أساس سياقه التاريخي أن يهتم بأسباب نزوله وعلل النسخ والوقائع التي حدثت في تاريخ الحركة الإسلامية في صدر الإسلام، وعصر نزول القرآن، أو -على أقل التقادير- هل يعتبر جميع هذه الأمور جزءاً من مشروعه التحقيقي؟

2- المقصود من قراءة النص في ظل سياقه التاريخي ليس فقط الأخذ بأسباب النزول، والنسخ، والحقائق التاريخية لعصر النزول.

ولكي يوضح أبو زيد رؤيته في هذا المجال ولا يترك مجالاً لفهم نظريته على خلاف ما يريد يقول:

«من المؤكد أننا لا نعني بذلك الحقائق التاريخية المعروفة للخطاب الديني ذاته عن نزول النصوص الدينية منجمة -أي مفرقة- بحسب الظروف والملابسات والوقائع العينية المباشرة، وهو ما يعرف باسم (أسباب النزول). وذلك رغم أهميتها ودلالتها على واقعية الظاهرة الدينية والطابع العملي لنصوصها. ومن المؤكد كذلك أننا لا نعني حقائق (النسخ)، أي تغيير الأوائل، وهي حقائق لا تقل من حيث الأهمية والدلالة على واقعية الوحي من (أسباب النزول). إن ما نعنيه بالوعي التاريخي العلمي بالنصوص الدينية يتجاوز أطروحات الفكر الديني قديماً وحديثاً، ويعتمد على إنجازات العلوم اللغوية خاصة في مجال دراسة النصوص. وإذا كان الفكر الديني يجعل قائل النصوص -الله- محور اهتمامه ونقطة انطلاقه فإننا نجعل المتلقي -الإنسان- بكل ما يحيط به من واقع اجتماعي تاريخي هو نقطة البدء والمعاد»[40].

إن هذا الكلام يكشف بوضوح عن موقف أبي زيد؛ حيث يمكن من خلاله استخلاص الآتي:

1- إن قصد أبي زيد من قراءة النص في إطاره وسياقه التاريخي ليس فقط الأخذ بأسباب النزول والنسخ والتعرف على الأحداث والحقائق المرتبطة بالنزول، والتي يتم اعتمادها في العلوم القرآنية وأصول الفقه وعلم الكلام والحقوق الإسلامية.

2- تختلف آراء أبي زيد مع آراء الفكر الديني وجميع المفكرين الإسلاميين وهذا الاختلاف هو -بشكل أساسي- على قسمين:

أولاً: المحور الأساس للفكر الديني والمفكرين الإسلاميين في فهم وتفسير القرآن كـ(نص) هو الجهة المُنزلة لهذا القرآن، إلا أن أبا زيد يصب اهتمامه على المتلقي لهذا النص وهو الإنسان. وكما سنأتي؛ فإنه يعتبر القرآن ظاهرة ونتاجاً ثقافيًّا ليس إلا، وهو نص نزل إلى مستوى البشر وأصبح بشرياً وبالتالي يجب أن يتم التعامل معه على هذا الأساس.

ثانياً: يعتمد هذا الأسلوب على ما تنتجه العلوم اللغوية، وخصوصاً علم فهم وتأويل النصوص، والذي هو (الهرمنيوطيقا). إذن فلكي نتوصل إلى حقيقة رؤيته؛ علينا أن نعرف أولاً أنه يصب اهتمامه على أية واحدة من نتاجات العلوم اللغوية وأية نظرية أو قاعدة في منهج الهرمنيوطيقا.

وهنا نذكر؛ أنه يعتمد على نظريات (سوسور) في علم اللغة، هذا على الرغم من اعتقاد بعض النقاد البارزين مثل (علي حرب) أنه لم يحظَ بأي نصيب من فهم هذه النظريات، وأنه لم يتمكن من إدراك الأمور الدقيقة في علم اللغة[41].

إنه ومن خلال الاستفادة من هذه الرؤية مدين لـ«توشيهيكو ايزوتسو»، والكثير من المفاهيم التي جاء بها هي في الواقع مشابهة لما جاء به «ايزوتسو» في كتابه «الله والإنسان في القرآن» أو ما جاء في كتابه الآخر: « الهيكل المحتوى بناء المعنى للاصطلاحات الأخلاقية والدينية في القرآن»، بالطبع فإن أبا زيد لا يُخفي هذه العلاقة، ويمكن معرفة ذلك من خلال الاطلاع على مفهوم الوحي في كتابه «مفهوم النص» ومقارنته مع رؤية ايزوتسو في هذا المجال.

أما بخصوص الهرمنيوطيقا فإن رؤيته واضحة في هذا المجال على الرغم من أنه أحياناً يقترب في تحقيقاته من بعض المناهج الأخرى، لكنه عند طرح النظريات يظهر اهتماماً كبيراً بآراء «جادامر».

وفي مقال له تحت عنوان «الهرمنيوطيقا ومعضلة تفسير النص» في كتابه «إشكاليات القراءة وآليات التأويل»، تحدَّث بالتفصيل عن تاريخ ظهور الهرمنيوطيقا المعاصرة منذ عصر «شليرماخر» و«ديلثي» وتبلور الهرمنيوطيقا الانتقادية لـ«هديجر» و«جادامر» والاختلافات بين هؤلاء وانتقاد بعضهم للبعض الآخر، وفي نهاية هذا المقال أعرب عن رضاه عن آراء «هيدجر» و«جادامر» معتبراً أن دور هذه الآراء سيكون فاعلاً في دراسة وفهم النصوص الدينية فهو يقول:

«وهكذا بدأت الهرمنيوطيقا -عند شليرماخر- بالبحث عن القوانين والمعايير التي تؤدي إلى تفسير صحيح وانتهت -في تطورها الأخير- إلى وضع نظرية في تفسير النصوص الأدبية. ولكنها بين البداية وتطورها المعاصر فتحت آفاقاً جديدة من النظر، أهمها -في تقديرنا- لفت الانتباه إلى دور المفسر، أو المتلقي في تفسير العمل الأدبي والنص عموماً. وتعد الهرمنيوطيقا الجدلية عند جادامر بعد تعديلها من خلال منظور جدلي مادي، نقطة بدء أصيلة للنظر إلى علاقة المفسر بالنص لا في النصوص الأدبية، ونظرية الأدب، فحسب، بل في إعادة النظر في تراثنا الديني حول تفسير القرآن منذ أقدم عصوره وحتى الآن، لنرى كيف اختلفت الرؤى، ومدى تأثير رؤية كل عصر -من خلال ظروفه- للنص القرآني. ومن جانب آخر نستطيع أن نكشف عن موقف الاتجاهات المعاصرة من تفسير النص القرآني، ونرى دلالة تعدد التفسيرات -في النص الديني والنص الأدبي معاً- على موقف المفسر من واقعه المعاصر، أيًّا كان ادِّعاء الموضوعية الذي يدعيه هذا المفسر أو ذاك»[42].

لقد عرفنا حتى الآن مدى اعتماده على نظرية «سوسور» في المعارف اللغوية، وتقليده لايزوتسو وانبهاره بنظرية جادامر في الهرمنيوطيقا، والآن نتحدث عن المنهج الذي يقترحه في هذا المجال.

لكن لا يمكن فهم رؤية أبي زيد من دون فهم فرضياته.

إحدى أبرز الفرضيات التي اعتمد عليها أبو زيد بهذا الخصوص هي التي ترى أن «نص القرآن» هو في حقيقته نتاج ثقافي؛ وأراد من ذلك القول بأن القرآن الكريم وخلال أكثر من عشرين عاماً تبلور كنص من خلال الواقع والثقافة[43].

والنتيجة التي يخلص إليها من هذه الفرضية هي:

«لم يعد ممكناً القول إنه كان للقرآن وجود ميتافيزيقي قبل النزول، ومن يقول بمثل هذا الكلام فهو يسعى إلى التكتم على كون القرآن نتاج ثقافي، ويحول دون فهم ظاهرة النص فهماً علمياً، لكن الواقع إن الإيمان بالنشأة السماوية للقرآن وإمكانية أن يكون له نوع من الوجود قبل حلوله داخل قالب ثقافي وواقعي لا يتعارض مع فهم النص من خلال معرفة الثقافة التي ينتمي إليها»[44].

الآفاق وفهم النص

أشار أبو زيد في آخر كتاب نشر له تحت عنوان «الخطاب والتأويل» إلى الأمور التي رأى أنها ضرورية لقراءة النص في سياقه التاريخي وهي الأمور التي جاء على ذكرها في كتبه «مفهوم النص» و«نقد الخطاب الديني» و«إشكاليات القراءة وآليات التأويل» لكنه هذه المرة أشار إليها بشكل مركّز:

هذا يفضي بنا إلى القول إننا في التعامل مع القرآن تفسيراً وتأويلاً يجب أن نُميّز بين مستويين أساسيين كلييّن من مستويات «السياق»:

المستوى الأول هو مستوى النزول الكلي، وهو القرن السابع الميلادي، وهو سياق يشمل الاجتماعي والسياسي والاقتصادي، إلى جانب الديني والفكري والثقافي. وهذا المستوى يتضمن مستويات كثيرة يكفي هنا الإشارة إليها في إجمال:

1- سياق موقع «شبه الجزيرة العربية» على خريطة الصراع الدولي بين القوتين الإمبراطوريتين الرومانية والفارسية.

2- أهمية مكة بالنسبة لطريق التجارة بين الشمال (الشام) والجنوب (اليمن)، رحلتا الشتاء والصيف اللتان أشار إليهما القرآن.

3- الأحوال الدينية في شبه الجزيرة العربية وإلى أي حد تأثرت بمسيحية «الشمال» ويهودية «الجنوب» وهجرة قبائل الجنوب اليهودية إلى يثرب. وفي هذا البعد من أبعاد السياق يتحتم دراسة أنواع وأنماط المسيحية، وطبيعة العلاقة أو العلاقات الدينية بين مسيحيي مكة وكنيسة «الحبشة».

4- مكانة «قريش» الاقتصادية والدينية وطبيعة التنافس بين فرعيها الرئيسيين، وهو التنافس الذي يعد الصراع بين بني هاشم وبني أمية بعد الإسلام تطوراً له، علاقة قريش.

5- طبيعة العلاقة بين «مكة» و «يثرب» تجارياً ودينياً[45].

يذكّر أبو زيد هنا بأهمية القراءة التاريخية لـ«أسباب النزول» و«الناسخ والمنسوخ» و«معرفة الآيات المكية من المدنية» وذلك لفهم التعارض الظاهري في بعض الآيات، لكن وفي الوقت نفسه يجد القارئ نفسه فجأة أمام معنى جديد للنسخ، هذا المعنى الذي يعتقد أبو زيد أنه أكثر اتساعاً من معنى النسخ المعروف لدى محققي العلوم القرآنية.

إن معنى النسخ الذي أشار إليه أبو زيد هو المعنى ذاته الذي كان محور كتاب سلمان رشدي الذي أحدث جدلاً كبيراً وهو «الآيات الشيطانية» فهو يقول:

«إن قراءة دقيقة للآيات التي استند إليها القائلون بالنسخ تكشف أنها فُهمت بطريقة متسرعة غير دقيقة. فقوله تعال: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللّهَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ[46]، في سياقها السردي، تتحدث عن المعجزات التي وقعت على أيدي الأنبياء السابقين، ولا تتحدث عن آيات القرآن. والآيات 108 بعدها تؤكد ذلك: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَن تَسْأَلُواْ رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِن قَبْلُ وَمَن يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء السَّبِيلِ. أما قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِيٍّ إِلاَّ إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ اللهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللهُ آيَاتِهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ[47]، فالسياق فيها واضح يشير إلى واقعة إلقاء الشيطان على لسان محمد -من خلال أمنيته أن يؤمن بدعوته أهل الحل والعقد في مكة- عبارات مدح لبعض آلهتهم؛ فالنسخ مقصود به المحو والإلغاء[48].

باء: سياق القارئ أو الباحث المعاصر، والمقصود هنا رؤية المفسّر أو الناقد المعاصر التي تساعده على استنتاج المعاني المعاصرة من النص، فتخرج المعاني نتيجة للتفاعل بين المعنى التاريخي للنص ورؤية المفسر في الوقت الحاضر، وتعتبر هذه المرحلة هي السلم الذي يوصلنا إلى المستوى الثالث.

جيم: مغزى النص، إن التفاعل بين معنى النص في سياقه التاريخي مع الخلفية التي تعتمد عليها رؤية المفسر؛ يؤدي إلى التوصل إلى «مغزى النص» -أي مفهوم النص في ظل ارتباط الآفاق-[49].

إن اصطلاح مغزى النص قد استخدم لجذره اللغوي الذي يعني «عمق معنى النص» أو لبّه -وهو المعنى الذي حاول البعض أن يستعيره من اللفظ-، لكنه يجب ألَّا ننسى أن أبا زيد يقصد من هذا اللفظ المعنى الذي ذهب إليه «جادامر» في نظريته بخصوص «ارتباط الآفاق» والتي عرف بها، وقد علمنا من قبل أن أبا زيد يستند إلى هذه النظرية في آرائه.

موقف أبو زيد من القرآن الكريم

سوف نتناول هنا القواعد التي ينطلق منها أبو زيد في التعامل مع القرآن الكريم، وبتعبيره هو يمكن أن نتحدث عن «الإطار الفكري والثقافي والتاريخي» الذي ينطلق منه في رؤيته للقرآن الكريم.

ولو تمكنا من توضيح هذا الأمر بكل بدقة وشفافية فإننا بذلك تمكنا من إلقاء الضوء على كل البحث الذي يتناوله هذا المقال.

وفي هذا الإطار سنعتمد على ما تحدث به أبو زيد ذاته وذلك كي نرسم صورة حقيقية لموقفه تجاه تفسير النص «القرآن». وسيكتشف القارئ بنفسه هذه المواقف حتى وإن لم نشر إليها.

تحدث أبو زيد في كتابه الأخير «الخطاب والتأويل» عن مواقف المفكرين من النص «القرآن» وتفسيره، وقسّم تلك المواقف إلى ثلاث تيارات هي:

1- التيار الأول: الذي أطلق عليه اسم «تيار القطيعة»، فهو «الذي يتبنّى أصحابه مقولة إننا الآن نعيش عصراً جديداً لا يمتّ بأي صلة للماضي»، ويرى هذا التيار «أن التراث هو الماضي بخيره وشره، بليبراليته وتقليديته، بعقلانيته وأساطيره، وأنه أيًّا ما كانت عناصر التقدم والاستنارة والعقلانية في هذا التراث، فإنها تظل في النهاية عناصر تنتمي إلى الماضي وتعجز عن مخاطبة الهموم والمشكلات التي تطرحها الحياة في شكلها الراهن» ويسوق لذلك مثلاً: «إن مشكلة الحرية في العصر الحديث أشد تعقيداً منها في التراث» حيث البعد الديني للحرية «يتلخص في قضية الجبر والاختيار» «قضية الحرية الآن أشد تعقيداً» لذلك لا يمكن للنص «القرآن» أن يجيب عن تساؤلاتها!

2- التيار الثاني: هو التيار الذي يقول: «إن الإسلام هو الحل»، وهو يسمي هذا التيار بتيار «التقليد»، ويقع في النقطة المعاكسة للتيار الأول. ويتهم أبو زيد هذا التيار بأنه اعتبر التراث أكثر أهمية من الدين، وبدلاً من دراسة آرائهم بشكل علمي أخذ يتهرب من ذلك ويلجأ إلى الانتقادات الشديدة التي يوجهها بعض مؤيدي هذا التيار لكتاباته.

فهو يختفي وراء بعض الكتّاب المشهورين أمثال: «طه حسين» في كتابه «في الشعر الجاهلي» (1926) و«علي عبد الرزاق» في كتابه «الإسلام وأصول الحكم» (1924)، اللذين ألّفا كتابي «الشعر الجاهلي» سنة 1947 و«الاسلام وأصول الحكم» سنة 1924 ويعتبر أن منتقديه ومنتقدي «أحمد خلف الله» صاحب كتاب «الفن القصصي في القرآن الكريم» هم ذاتهم منتقدوا «طه حسين»، ويصف هؤلاء المنتقدين بأنهم أهل السنة المقلدين للذين مارسوا الأسلوب نفسه مع المعتزلة.

وبالطبع إنه في هذا الإطار لا يتحدث عن آراء أشخاص آخرين أمثال سيد جمال الدين الأفغاني وإقبال اللاهوري ومحمد عبده الذين يرون أيضاً أن الإسلام هو الحل الوحيد. وهو يقابل الفكر الشيعي بالصمت المطبق.

3- التيار الثالث: هو التيار التلفيقي والذي يسميه بتيار «التوفيق»؛ فهو يتحدث عن هذا التيار فيقول:

«ومشكلة هذا التيار الوسطي والتوفيقي أنه ينتهي إلى «التلفيق»، بانتقاء عناصر فكرية من هنا وهناك، أي عناصر فكرية مأخوذة من أنظمة فكرية مختلفة، بل ومتعارضة أحياناً، ليضع منها على تفاوتها بناءً واحداً يصلح للحاضر. ولأن معيار «الانتقاء» هو معيار «المنفعة» بالمعنى الإيديولوجي وليس المعرفي، تصبح الفكرة صائبة لأنها نافعة وليس العكس، أعني كونها نافعة، فقط لأنها صحيحة».

وهو يعرّض التيارات الثلاثة للانتقاد ويحكم عليها في النهاية بأنها -وعلى الرغم من الاختلاف الذي بينها- تفسر النص من رؤية عقائدية بحتة ولا تترك له حرية التحدث عن نفسه، بل هي من يتحدث بلغة عقائدية وباستخدام النص والموروث الثقافي.

ويخلص في النهاية إلى القول: «أما كيف يمكن للتراث أن يتكلم، وكيف يمكن لنا أن ننصت فنُحسن الإنصات، فالسبيل إلى ذلك يتطلب تغيير الشروط (العلمية) المعرفية وتحريرها»[50].

وعلى هذا الأساس فهو يرى أن هذه التيارات الثلاثة تسير في الاتجاه الخاطئ وهو يبرِّئ ساحته من الانخراط فيها، لكن الأمر المؤكد هنا أنه لا يعتبر نفسه جزءاً من أولئك الذين يرون أن «الإسلام هو الحل» للبشرية في عصرنا، وإنما يعتبر نفسه جزءاً من التيار الذي يقف في الجهة المعاكسة للإسلاميين، فهو يقول في هذا المجال:

«فممثلوا الخطاب الإسلامي، مثلاً، يصفون الاستقطاب بأنه استقطاب بين «الإسلاميين» و «العلمانيين». ولكن خصومهم - الموصوفين بالعلمانيين - يتجنبون هذا الوصف، ويتحدثون بدلاً من ذلك عن الصراع بين «ثقافتين»: تقليدية محافظة من جانب، وتنويرية منفتحة من جانب آخر».

وقد أشار إلى بعض الأسماء التي يعتبرها من «فريق الإسلاميين» -حسب تعبيره- وهم: «محمد عمارة» و«فهمي هويدي» و«محمد غزالي» وغيرهم.. بينما أشار إلى أسماء أخرى يعتبرها من التيار الليبرالي المصري وهم: «علي عبد الرزاق» و«طه حسين» و«زكي نجيب محمود» و«فؤاد زكريا» و«محمود أمين العالم» مضيفاً اسمه أيضاً إلى هذه القائمة.

ويتحدث أبو زيد عمّا يدور في خلده، ولكن لا يكون صريحاً في ذلك فيقول:

«العلمانية، مصطلح يتجنّب كل المفكرين المصريين -إلا قليلاً- استخدامه ويفضِّل الجميع استخدام مصطلحات مثل «التنوير» و «الليبرالية» و «الدفاع عن المجتمع المدني».. إلخ»[51].

ويعني ذلك أن الإسلام والليبرالية إما أن يكونا على وئام أو لا، وفي الحالة الأخيرة فإن أبا زيد يقف في الجانب المخالف للإسلام طبعاً، مع تحاشي إستخدام مصطلح «العلمانية» ووصفه بها وذلك بسبب الانطباع السلبي الذي تتركه هذه الكلمة في المجتمع الفكري المصري، وليس بسبب معناها الواقعي.

النتائج التي تمخضت عن قراءة أبي زيد

ونتناول هنا النتائج التي توصل إليها أبو زيد من خلال دراساته لبعض المعارف القرآنية:

1- إن أول بحث له تناول مفهوم الوحي والظروف التي ساعدت على قبول العرب للوحي في العصر الجاهلي، وقد اعتمد في هذا المجال على تحقيقات «ايزوتسو» في كتابه: «الله والإنسان في القرآن»، وبالطبع فإنه كان أكثر جرأة في طرح استنتاجاته في هذا المجال، في حين كان «ايزوتسو» يستخدم أسلوباً أكثر واقعية في طرح آرائه، لكن أبا زيد في إطار استخدامه لنظريات ايزوتسو كان يخرج بنتائج لا يمكن أن يقال إن ايزوتسو نفسه كان يريد الخروج بمثلها.

في الدراسة الأولى؛ وبدلاً من الاستناد إلى حقيقة وجود الاعتقاد بمسألة الوحي وكذلك وجود الأديان السماوية كالحنيفية واليهودية والمسيحية، ركز أبو زيد على اعتقادات العرب بالجن والكهانة، بالطبع هناك دلائل تشير إلى أنه يعتقد بأصل مسألة الوحي وكذلك بوجود العلاقة الخاصة التي يطلق عليها هذا المعنى، إلا أنه يربط مسألة الوحي بمستوى إدراك العصر الجاهلي. ولكن، من جهة أخرى، توجد في كلامه شواهد تدل على أنه يقبل بالوحي بالشكل الذي يؤمن به عامّة المسلمين.

2- النقطة الثانية التي يؤكد عليها أبو زيد هي «أنسنة» القرآن، أي تحوّله من جهة الإنسان إلى نص إنساني، وأن فهم الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) للنص هو فهم نسبي.

يقول أبو زيد في كتابه «نقد الخطاب الديني» وهو من كتبه الأولى والذي أثار موجة الانتقادات التي وجهت ضده:

«النص منذ لحظة نزوله الأولى -أي مع قراءة النبي له لحظة الوحي- تحول من كونه (نصاً إلهياً) وصار فهماً (نصاً إنسانياً)، لأنه تحول من التنزيل إلى التأويل. إن فهم النبي للنص يمثل أولى مراحل حركة النص في تفاعله بالعقل البشري»[52].

إنه على علم بأن هذا الكلام لا يتوافق مع فكر المسلمين، فعلى مدى التاريخ الإسلامي كان المسلمون متفقين على أن فهم النبي للقرآن ليس فهماً عقلياً فقط بل إن كل ما يقوله هو نابع من تعاليم الوحي الإلهي ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى هذا في حين يحاول أبو زيد أن يصور هذه المسألة على أنها عديمة القيمة والفائدة؛ فهو يقول:

«ولا التفات لمزاعم الخطاب الديني بمطابقة فهم الرسول للدلالة الذاتية للنص، على فرض وجود مثل هذه الدلالة الذاتية. إن مثل هذا الزعم يؤدي إلى نوع من الشرك من حيث إنه يطابق بين المطلق والنسبي، وبين الثابت والمتغير، حين يطابق بين القصد الإلهي والفهم الإنساني لهذا القصد ولو كان فهم الرسول. إنه زعم يؤدي إلى تأليه النبي، أو إلى تقديسه بإخفاء حقيقة كونه بشر»[53].

وهكذا فهو يعتبر أن القرآن ومنذ لحظة نزوله لم يعد نصاً إلهياً مقدساً وثابتاً؛ بل مفهوم إنساني متغير وغير مقدس. مستدلاً على ذلك بأن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وفي لحظات نزول الوحي كان له قراءة خاصة لهذا الوحي، وهذه القراءة هي قراءة إنسانية حيث إن الرسول إنسان؛ وإن فهم الإنسان غير ثابت. لكنه لم يلتفت إلى حقيقة هي؛ إن فهم الرسول يمكن أن يكون نتيجة تعلم لا نتيجة الفهم التجريبي والعقلي، أو الفهم المجرد من كل شيء، أو المبني على أساس الهرمنيوطيقا؛ ونظرية جادامر في ارتباط الآفاق، وبواسطة هذا الاستدلال يقوم أبو زيد بإنكار الكثير من الحقائق العقائدية المسلّمة وينفي القداسة لا عن كلام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فحسب بل وحتى عن النص القرآني، وقد تحدث في كتابه «نقد الخطاب الديني» عن هذه النقطة بالتحديد فقال فيه:

«وليس ثمة عناصر جوهرية ثابتة في النصوص، بل لكل قراءة -بالمعنى التاريخي الاجتماعي- جوهرها الذي تكشفه في النص»[54].

وهكذا فهو لايعترف بوجود معنى ثابت وجوهري للقرآن الكريم كونه -كما يرى- تحوّل وأخذ طابع النص البشري، وإن أحاديث الرسول بخصوص القرآن يعتبرها قراءة بشرية للنص ذات طابع نسبي ومتغير، ولهذا يمكن الاستغناء عنها واستبدالها بفهم إنساني آخر، ولا يجب اعتبارها نصاً مقدساً لأن الثابت هو القصد الإلهي بينما فهم النبي والذي هو فهم بشري لا يمكن منحه قيمة ثابتة ومطلقة بل هو متغير ونسبي. يقول في هذا الصدد:

«وَهْم التطابق بين المعنى الإنساني -الاجتهادي الفكري- الآني، وبين النصوص الأصلية التي تنتمي من حيث لغتها على الأقل إلى الماضي، هو وهم يؤدي إلى مشكلات خطيرة على المستوى العقيدي، لا ينتبه إليها الخطاب الديني، يؤدي التوحيد بين الفكر والدين إلى توحيد مباشر بين الإنساني والإلهي، وإضافة قداسة على الإنساني والزماني..»[55].

كما وإنه يرى أن إضفاء القدسية على التفسير النبوي، أو النصوص القرآنية التي خضعت للقراءة؛ -أو نص القرآن ذاته- أمر يخالف العقيدة الإسلامية، فهو يقول:

«ولابد هنا من التمييز والفصل بين (الدين) والفكر الديني، فالدين هو مجموعة النصوص المقدسة الثابتة تاريخياً، في حين أن الفكر الديني هو الاجتهادات البشرية لفهم تلك النصوص وتأويلها واستخراج دلالتها»[56].

لكن مع دراسة كلام أبو زيد الذي يقول فيه: «إن القرآن ومنذ لحظة نزوله تحوّل من كونه (نصاً إلهياً) وصار فهماً (نصاً إنسانياً)» يتوضح إنه لا يعترف بالقداسة لأي نص، وذلك لأنه يعتقد أن القرآن تحوّل إلى نص وفهم إنساني منذ اللحظة الأولى لنزول الوحي وخضوعه لقراءة الرسول البشرية.

3- القرآن ليس له وجود أزلي وسابق على النزول: إحدى النظريات الأساسية لأبي زيد هي أنه يعتبر القرآن نصاً متحوّلاً إلى نص إنساني، وقد اطلعنا فيما مرّ عن رؤيته في هذا المجال؛ فهو يقول في كتابه «نقد الخطاب الديني»: «إن النصوص دينية كانت أم بشرية محكومة بقوانين ثابتة، والمصدر الإلهي للنصوص الدينية لا يخرجها عن هذه القوانين لأنها (تأنسنت) منذ تجسدت في التاريخ واللغة وتوجهت بمنطوقها ومدلولها إلى البشر في واقع تاريخي محدد. إنها محكومة بجدلية الثبات والتغير»[57]. وهو من خلال ذلك -كما يرى- يستنتج عبر الجدلية الصاعدة «من تحت إلى فوق» بأنه لم يكن للقرآن وجود حسي قبل نزوله، ويرى أن الإيمان بوجود أزلي للقرآن في اللوح المحفوظ يخالف القراءة العلمية للقرآن[58] وهو من الأفكار الأسطورية، ويرى أن الاستدلال بالآية التي تقول: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ فيِ لَوْحٍ مَحْفُوظٍ استدلال خاطئ، لأن مثل هذا الاستدلال يستند إلى المنهج الجدلي الهابط «من فوق إلى تحت»، على عكس منهجه الذي سمّاه بالجدلية الصاعدة والتي ترتقي -كما قلنا- بالمفاهيم من تحت إلى فوق، حيث يبدأ من كون القرآن نصاً إنسانياً ليصعد إلى فوق، أي إلى نفي وجود القرآن في اللوح المحفوظ جملة وتفصيلاً.

4- لا يتمتع الرسول بحق التشريع، كما إن كلامه ليس مقدساً: يرى أبو زيد في كتابه «الإمام الشافعي وتأسيس الإيديولوجية الوسطية» أن النبي حصل على مكانته نتيجة الأفكار العنصرية التي كانت تحملها قريش فهو يقول:

«رؤية الشافعي بخصوص السنة -التي يعتبرها بمنزلة الوحي- لا تنفصل عن موقفه الإيديولوجي في هذا المجال، أي نفس الموقف العنصري لقريش التي كانت تحرص على نفي الصفات الإنسانية عن النبي وتمنحه صفات الإلوهية المقدسة وتعتبره مشرِّعاً»[59].

وهكذا يبقي هذا السؤال مطروحاً وهو: إذا كان الرسول لا يتمتع بحق التشريع، وإذا لم يكن كلامه مقدساً ويجب اتباعه، فما معنى النبوة إذن، وما هي القيمة التي ستبقى لكون النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) هو نبي الدين الإسلامي؟، ومن يملك القدرة على إعطاء تفسير صحيح ودقيق للقرآن الكريم؟، ألم تترك مهمة بيان القرآن للرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)؟.

بالطبع فإن أبا زيد لا يعتبر الحقيقة ثابته بلى يرى أن مفهوم الحقيقة في ذاته هو مفهوم نسبي..[60] ويعتبر أن القرآن أصبح ومنذ لحظة نزوله نصاً إنسانياً[61]، ويعتبر الرسول إنساناً يشارك البشر في جميع خصائصهم، ومنها العجز والنقص، وهي الخصائص التي لا تنفك عن البشر فيقول في هذا الصدد:

«إن العقل الإنساني يتواصل مع الخطاب الإلهي (تأويلاً) بكل جهله ونقصه وضعفه وأهوائه»[62].

إنه يعتبر أن إضفاء هالة القداسة على الرسول وتنزيهه من الصفات التي يتشارك فيها البشر كالعجز والنقص والضعف واتباع الهوى هو بمثابة الشرك، كما يرى أن ما كانت تقوم به قريش من نفي الصفات البشرية عن محمد، وإضفاء حالة القداسة عليه، هو الذي جعل منه «مشرِّعاً»[63].

إذن فليس هناك طريق للوصول إلى الحقائق القرآنية الأصيلة، وليس بإمكان الرسول أيضاً أن يقدم تفسيراً صحيحاً ثابتاً ومطلقاً للقرآن الكريم، أو يقوم بدور التشريع من خلال شرح وتفسير الأحكام المجملة في القرآن.

5- علاقة الإنسان بالله: من الأمور التي يتحدث عنها أبو زيد هو علاقة الإنسان بالله، فهو يعتقد أن هذه العلاقة ليست علاقة العبودية بل هي الحرية.

فهو يرى أن هذه الكلمة لها معنيان أحدهما بمعنى الرّق وجمعها «العبيد»، والثاني بمعنى الإنسان وجمعها «عباد»، ثم يخلص إلى نتيجة تقول: «إن العلاقة بين الإنسان وبين الله ليست علاقة العبودية[64] بل هي علاقة عبادية، أي علاقة إنسانية. وإن علاقات مجتمع الرق في ذلك الوقت هي التي أوحت بعلاقة العبودية بين الله والإنسان. فهو يقول:

«كان المجتمع العربي قبل الإسلام مجتمعاً قبلياً عبودياً تجارياً، وكانت تجارة العبيد جزءاً جوهرياً من بنائه الاقتصادي، وكان من الطبيعي أن ينعكس هذا الواقع في النص لغة ودلالة وأحكاماً وتشريعات»[65].

فهو من ناحية يعتبر أن هذه العلاقة لا تتلاءم مع العلاقة المشربة بالحب بين الله والإنسان فيقول:

«إن إصرار الخطاب الديني على اختصار علاقة الإنسان بالله في بعد (العبودية)، بالمعنى الحرفي التاريخي، إصرار يصادم الموقف الإسلامي ذاته، بالإضافة إلى أنه يصادم النصوص بإلغاء البعد الآخر المتمثل في علاقة (الحب)»[66].

لكن المسألة الأهم -في رأيه- فيما يتعلق بالعلاقة المبنية على العبودية هي أنها لا تتلاءم مع الاستقلال الذاتي والحرية العقلية للإنسان، فيقول في هذا الصدد:

«ولا خلاف أن الإسلام بالفعل حرر الإنسان من سيطرة الأوهام والأساطير على عقله، وحرر وجدانه وعقله من كل ما يعوق حريته، لكن الخطاب الديني يصر على اختصار علاقة الإنسان بالله في بعد واحد فقط هو العبودية. التي تحصر فاعلية الإنسان على الطاعة والإذعان، وتحرم عليه السؤال أو النقاش»[67].

وقد ذهب في كتابه الأخير إلى أبعد من ذلك واعتبر أن الحرية الإنسانية هي إحدى المقاصد الثلاث العامة للإسلام وبذلك يدع المقاصد الخمس التي وضعها علماء أصول الدين ومنهم «الشاطبي»؛ جانباً لكنه لا يقدم بحثاً علمياً في هذا المجال، ولا يقدم استدلالاته لاختيار مقاصد جديدة للإسلام وبدلاً عن المقاصد التي وضعها علماء الإسلام.

وهذه الحرية التي اعتبرها هو إحدى المقاصد الأساسية للإسلام لا تتلاءم مع العبودية، وفي النهاية فهو يرجِّح هذه الحرية على العبودية لله ويقول:

«المبدأ الكلي الثاني هو مبدأ (الحرية) نقيضاً للعبودية، وهو مبدأ شديد الالتصاق من حيث دلالته بمبدأ (العقل)، ذلك أن الإنسان الحر هو الإنسان العاقل أساساً..» ثم يضيف: «وهذا ينفي مفهوم علاقة (العبودية) بكل دلالاتها السلبية، تلك العلاقة التي يحاول البعض حصر العلاقة الأعمق بين الله سبحانه وتعالى والإنسان داخل أسوارها الضيِّقة الخانقة..»[68].

لكن؛ ومن خلال نظرة سريعة إلى آيات القرآن الكريم وعلى المقاطع التي تكررت فيها هذه المصطلحات في الآيات؛ نجد أن هناك آيات كثيرة تؤكد بوضوح أنه وعلى الرغم من وجود معنيين لمصطلح «العبد» أحدهما يعني الرق وجمعه «عبيد» والثاني يعني العبادة لله وجمعه «عباد»[69] لكن كلمة عبد التي جمعها «عباد» تعني أيضاً التسليم والطاعة للأوامر الإلهية؛ حيث أكد القرآن على أن هذا المعنى هو أساس العلاقة بين الإنسان وبين الله، وكلما ذهب الإنسان بعيداً في عبادة الله كلما حظي بقرب أكثر من الله...

وعلى خلاف ما ذهب إليه أبو زيد والذي ليس له -في الواقع- جذور علمية، فالعبد استخدم هنا ليس للدلالة على الإنسان فقط، والعبادية لا بمعنى الإنسانية فحسب، خصوصاً وأن هذا المصطلح جاء في القرآن على صيغ مختلفة ومنها على سبيل المثال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ، وفي آيات كثيرة جاء التعبير بكلمة «اعبدوا» مثل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ..[70]، ﴿وَاعْبُدُوا اللهَ وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا[71]، وغيرها من الآيات.

فهل من المعقول أن تعطي هذه الأفعال ذات المعنى، أم أن الفعل الذي جاء على صيغة الضمير المتكلم وحده يعطي هذا المعنى؟؟.

ولنقرأ هنا هذه الآيات:

﴿وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ..[72].

و﴿..وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ..[73].

و﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى..[74].

و ﴿الْحَمْدُ لِلهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ..[75].

و ﴿قُلْ يَاعِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ..[76].

وهناك العشرات من الآيات الأخرى.. فهل يمكن القول إن كلمة عبدنا تعني إنساننا في جميع الموارد؟

فإذا كان القرآن قد منح الإنسان المؤمن -وهو عبد الله- حق التفكير واستخدام العقل، فإنه ليس هناك في المنطق القرآني أي تعارض بين العبودية لله وحرية الفكر، فمن خلال الأخذ بواحدة منها سينعم الإنسان بالثانية.

وهكذا فإن القارئ الحصيف سيدرك أن أبا زيد وقع في مغالطة كبيرة، فهو عندما يتحدث عن كون العبودية تعني الرّق ويؤكد على أن الإسلام جاء بمنهج متكامل للقضاء على هذه الظاهرة فهو صادق فيما يقول، لكنه يخطئ عندما يأتي مرة أخرى ليقول إن المفكرين الإسلاميين يصرّون على أن العلاقة بين الله والإنسان تتلخص في معنى يصفه بـ(المرفوض)، لأن العبودية في الواقع هي بمعنى التسليم والخضوع لأوامر الله، فالإسلام عندما يرفض الرّق فلأن الإنسان ليس عبداً للإنسان الآخر، بينما الأساس الذي تقوم عليه العلاقة بين الله والإنسان هو الطاعة والعبودية لله، بالطبع من باب الاختيار لا الإكراه، ومع عدم أخذ هذا الأمر بعين الاعتبار فإن الكثير من الآيات والمفاهيم والأوامر التي جاء بها القرآن الكريم ستكون دون جدوى أو فائدة.

وجود الجن والشياطين:

يعتقد أبو زيد أن الجن والشياطين التي ورد ذكرها في القرآن الكريم -على أنها كائنات حية وموجودة- ليس من باب كونها موجودة في الواقع، بل بسبب أن الاعتقاد بوجود مثل هذه الكائنات كان سائداً في الجاهلية، وبالتالي فإن القرآن وُجِدَ في مثل هذه البيئة ومن الطبيعي أن يتحدث عن مثل هذه الكائنات. ويقول أبو زيد:

«وإذا كنا ننطلق هنا من حقيقة أن النصوص الدينية نصوص إنسانية بشرية لغة وثقافة، فإن إنسانية النبي بكل نتائجها من الانتماء إلى عصر وإلى ثقافة وإلى واقع لا تحتاج لإثبات»[77].

ولم يتوقف أبو زيد عند حدود الاعتقاد بأن حديث القرآن عن الجن هو ناشئ عن تصورات العصر الجاهلي، بل يقول: إن القرآن جيّر هذه التصورات لصالح الفكر الإسلامي. فهو يقول:

«ظهر الجن في القرآن على شكل الجني المؤمن والمسلم الثابت على دينه السابق، وكذلك الحال بالنسبة لأولئك الناس الذين كانوا يلجؤون إلى الجن: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنْ الإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنْ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا[78]، وفي سورة الناس تنقلب اللهجة، فهناك يتحدث عن الوسواس الذي يجب أن يستعاذ منه بالله وهذا الجني يوصف بـ(الوسواس الخناس)، عندما نعلم أن سورة الناس نزلت قبل سورة الجن، فيمكننا حينها أن نميز بين الصورتين، فإحدى الصورتين مرتبطة بجني يقوم بالوسواس ويستعاذ منه بالله، والصورة الأخرى للجني الذي يشبه البشر، أي تم تقسيمه إلى مؤمن وكافر، ولا شك أن الصورة الثانية هي نوع من التطور والتحول في رؤية القرآن الذي يحاول من جهة أن يتكيف مع ثقافة عصره ومن جهة أخرى فإنه يعتبر التطور الحاصل لصالح الإسلام.

هذا التصور؛ أي تصور العلاقة التي تربط بين الإنسان وعالم الجن أو العوالم الأخرى؛ هي جزء من المفاهيم الإسلامية العربية، وعلى هذا الأساس فإن تفسير أصل النبوة لدى الفلاسفة والمتصوفة أصبح ممكناً على ضوء نظرية الخيال»[79].

على أساس هذا التحليل (الاجتماعي - التاريخي)!، يخلص أبو زيد إلى أن القرآن إنما يقبل بوجود الجن لكي يتلاءم مع عصره، بل وإن الاعتقاد بالقرآن ورسالة الوحي يعود الفضل فيه أساساً إلى خرافة الجن التي اعتقد بها عرب الجاهلية، وبالتالي فإن هذا يعني أن القرآن الكريم تحدث في سورة الجن عن قصة ليس لها أي واقع، وأن الاستماع إلى القرآن وهو يتحدث عن إيمان بعض من الجن هو استماع إلى (كذب ليس إلا)!.

لعل أبو زيد يعتقد عن علم أو عن جهل، بأن هذين النصين متناقضين فيما بينهما معتبراً أن النص الثاني تحدث عن بعض التغييرات التي جاءت لصالح الإسلام، حيث أصبح الجن هنا في وضع مشابه للبشر، فجماعة مؤمنة وجماعة كافرة، في حين لو كان قد تلا سورة الناس القصيرة حتى الآية الأخيرة، كان يدرك أن حالة التشابه موجودة أيضاً هناك، حيث إن الوسواس الخناس الذي يجب أن نعوذ بالله منه يصدر من الجن والناس، لا من الجن فقط، وأيضاً تم تقسيم الجن في هذه السورة إلى خناس وغير خناس.

والنقطة الأخرى هي: أن ما أشير إليه في سورة الجن هو لجوء بعض الناس إلى رجال من الجن والذي أدى بدوره إلى إضلالهم أكثر وهو يؤكد بدوره على ما جاء في سورة الناس، ولم يتحوّل إلى شكل آخر. أي أن هذا التحوّل حدث على الواقع الخارجي فقط وهو بحدّ ذاته حدث تاريخي؛ وذلك عندما استمع عدد من رجال الجن إلى القرآن ثم آمنوا به، وهذا لا يقلب أي مضمون، بل تم التحدث عن واقع جديد.

وعلى أي حال فإن الاعتقاد بوجود الجن لا يمكن أن يكون خرافة وباطلاً لمجرد أنه كان اعتقاداً سائداً في الجاهلية، كما وإن القرآن متنزّه من أن يأتيه الباطل من أي جهة كانت: ﴿لاَ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ[80].

العودة إلى الحدود والأحكام الإسلامية:

بخصوص العودة إلى الإسلام وتطبيق أحكامه يقول أبو زيد:

«يعتقد البعض بأن خلاصنا الحقيقي في العودة إلى الإسلام وتطبيق تشريعاته وأحكامه في جميع الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، بل وحتى على مستوى القضايا الجزئية في الحياة الفردية والاجتماعية.

إن المطالبة بتطبيق أحكام الشريعة الإسلامية واعتبارها هدفاً أساسياً للفكر الديني المعاصر -مع افتراض صحة الأسس النظرية لذلك- يعني تجاهل الواقع، خصوصاً عندما نختصر هذا الأمر في تطبيق الحدود الإسلامية، وهو ما يبدو من خلال رؤية الكثير من الجماعات التي تدَّعي انها إسلامية، فحصر الدين وأهدافه في رجم الزاني، وبتر يد السارق وإقامة الحد على شارب الخمر، هو تحجيم لمقاصد الشريعة وأهداف الوحي من تشريع هذه الحدود»[81].

إنه يؤكد من خلال هذه الكلمات على أن تطبيق أحكام الإسلام وحدوده يخالف الأهداف التي نزل من أجلها الوحي، وبالتالي فهو في الواقع يتجاهل الهدف الحقيقي من وراء مقاصد الشريعة.

(الجزية) وعلاقة المسلمين بغيرهم:

يدفع المسلمون لدعم النظام الاقتصادي للدولة الإسلامية وتأمين الميزانية العامة لهذه الدولة بعض المستحقات المالية على عدة صور هي: الزكاة، وزكاة الفطرة، والخمس، وهذه الضرائب يُعفى منها غير المسلمين في داخل المجتمع الإسلامي، وبدلاً عن ذلك يدفع هؤلاء في مقابل الخدمات التي تقدم لهم على الصعيد الأمني وغيره بعض المبالغ المالية والتي تسمى بـ«الجزية». وهذه المبالغ تشبه إلى حد كبير الضرائب التي تستلمها الحكومات اليوم.

يرى أبو زيد أنه يجب على المسلمين أن لا يأخذوا هذه المبالغ من غير المسلمين، وذلك ليس بسبب المصلحة القائمة اليوم في المجتمع الإسلامي فحسب بل ولأنه أيضاً نظام (رجعي ومتخلف)، ويرجع عهده إلى عصر ما قبل الحرية والمساواة بين البشر، فهو يقول في هذا الصدد:

«الآن وقد استقر مبدأ المساواة في الحقوق والواجبات بصرف النظر عن الدين واللون والجنس لا يصح التمسك بالدلالات التاريخية لمسألة الجزية»[82].

وهو لا يشير هنا إلى أن الجزية هي نوع من أنواع الضرائب، وأنها فرضت لأن غير المسلمين هم معفوون من دفع الزكاة التي تجمعها الدولة الإسلامية، لكنهم يدفعون هذه الضريبة تحت اسم آخر. هذا على الرغم من أنه يقبل بهذا الأمر في مكان آخر[83]. وعلى أي حال فهو لا يعتمد على رفض الجزية في إطار حماية المصالح -كما يدعي- بل لأنه يعتبرها من الأساس قضية رجعية انتهى عهدها.. أي أن أبا زيد نفسه لم يضع قضية الجزية في إطارها التاريخي كنوع من أنواع الضرائب التي كانت تدفع، فيقول:

«إن التمسك بالدلالات الحرفية للنصوص في هذا المجال لا يتعارض مع مصلحة الجماعة فحسب، ولكنه يضر الكيان القومي ضرراً بالغاً، وأي ضرر أشد من جذب المجتمع إلى الوراء، إلى مرحلة تجاوزتها البشرية في نضالها الطويل من أجل عامل أفضل مبني على المساواة والعدل والحرية»[84].

إنه يعتبر أصل الجزية هي سياسة تمييز ضد الإنسانية وأن العودة إلى مثل هذا المنهج هي عودة إلى الرجعية والأفكار البالية والمنافية للمساواة والعدالة والحرية.

وقد كتب أبو زيد في كتابه «الخطاب والتأويل» يؤكد على وجوب التخلص من سلطة الدين فيقول:

«وهل يتم ذلك كله إلا بتحرير العقل من سلطتي: النصوص الدينية والسلطة السياسية، وبتحرير الذاكرة من عمليات المحو والإثبات الإيديولوجية، أي بتحرير الثقافة من عوائق النمو، أي بتنميتها»[85].

وعلى الرغم من أنه طلب قبل ذلك في كتابه «نقد الخطاب الديني» بقيام ثورة للتخلص من سلطة النص إلا أن مطالبته هذه أصبحت في كتبه الجديدة أكثر صراحة.

--------------------------------------------------------------------------------

[1] «الهرمنيوطيقا» مصطلح قديم ظهر في اللاهوت الكنسي بمعنى مجموعة القواعد التي يعتمد عليها المفسّر في فهم الكتاب المقدس، غير أن مفهومه اتسع بالتدريج فشمل دوائر أخرى تستوعب بجوار الدراسات اللاهوتية العلوم الإنسانية والنقد الأدبي وفلسفة الجمال والفولكلور. وقد وضعه أرسطو كجزء من أجزاء المنطق، ويعني «العبارة». ثم تطور معناه ليكون «تفسير العبارة» وقد أخذ به البعض ليكون منهجاً لتفسير القرآن الكريم. بمعنى إخضاع النص للعقل، فالشخص الذي يفسر نصاً يلون هذا النص بتفسيره له وفهمه إياه إذ إن المتفهم للعبارة هو الذي يحدد بشخصيته المستوى الفكري لها وهو الذي يعين الأفق العقلي الذي يمتد إليها معناها ومرماها. (مجلة الوعي عدد 4677- وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية- الكويت).

[2] دراسات فلسفية في الفلسفة الغربية الحديثة والمعاصرة، حسن حنفي، ج2، ص241.

[3] المصدر، ص243.

[4] ولد الدكتور نصر حامد أبو زيد سنة 1943 في مدينة طنطا بمصر، حفظ القرآن الكريم في سن الثامنة من عمره. حصل على دبلوم المدارس الثانوية الصناعية-قسم اللاسلكي، ثم حاز على رتبة ممتاز في قسم اللغة العربية في كلية الآداب في القاهرة. -وعلى حد قوله فإن دراسته الجامعية منحته المزيد من التجارب التي عمقت لديه روح النقد-، باشر عام 1976 عملية التدريس في الجامعة الأمريكية في القاهرة وحاز عام 1981 على درجة الدكتوراه من كلية الآداب في القاهرة، وبعدها اختير من سنة 1986 وحتى 1989 كأستاذ زائر في جامعة (اوزاكا) في اليابان، أصبح في طنطنا أحد أعضاء حركة الأخوان المسلمين، وكان في فترة شبابه إمام مسجد، ولم يكن عضواً في أية جماعة سياسية؛ على الرغم من أنه يعتبر نفسه قريباً إلى الحزب التقدمي والاتحاد الوطني، ولديه ميول اشتراكية ويدعو إلى الوحدة الوطنية ونبذ التخلف. تزوج عام 1992 من السيدة ابتهال يونس وهي أستاذة اللغة الفرنسية في جامعة القاهرة، وفي عام 1993 لم تتم الموافقة على حصوله على رتبة أستاذ في جامعة القاهرة وذلك بسبب التقرير الذي رفعه الدكتور عبد الصبور شاهين ضده، ولم تنجح محاولاته بعد ذلك. وقد صدر عام 1994 بحقه حكم الارتداد، وحكم آخر يقضي بفصله عن زوجته؛ وذلك بعد محاكمة قضائية رافقتها ضجة كبيرة، وفي مرحلة الاستئناف تم تأكيد حكم الارتداد بينما ألغي الحكم الثاني، وأعلنت إحدى المنظمات الإسلامية عن قرارها بهدر دمه. غادر مصر في العام نفسه إلى مدينة (أليدن) الهولندية واستأنف نشاطه العلمي هناك. قام عام 1998 بعقد مؤتمر دولي حول البحوث القرآنية في القرن الواحد والعشرين.نشر لأبي زيد حتى الآن أحد عشر كتاباً والكثير من المقالات، تتمحور أكثر بحوثه حول علوم القرآن ومعارضته كل ما توصل إليه المفكرون الإسلاميون والذي يطلق عليه عبارة (الخطاب الديني) وكذلك نفى القداسة عن القرآن الكريم ومخالفته لعقيدة الأشاعرة بخصوص أزلية القرآن، ووجود القرآن في اللوح المحفوظ.

يقوم أسلوبه على أساس دراسة المعرفة اللغوية للقرآن الكريم، ويستفاد من معطيات الهرمينوطيقا في هذا المجال، وهو يدَّعي باستمرار أن القرآن هو مُنتَج ثقافي ونتاج عصر نزوله، ويمكن فهمه من خلال فهم ثقافة ذلك العصر، ومن هنا فهو يعتبر الكثير من أحكام القرآن -ولكونها مرتبطة بثقافة عصر النزول- غير قابلة للتطبيق في العصر الحاضر. ومن أبرز مواقفه هو دفاعه عن سلمان رشدي، بينما قام سلمان رشدي هو الآخر بالدفاع عنه والاصطفاف إلى جانبه. يتحدث الناقد العربي المشهور «على حرب» عن أبي زيد:

«مهما بلغت به المعرفة اللغوية والهرمينوطيقا مبلغاً إلا أن نتاجاته لم تحض بنصيب وافر من هذه العلوم، إن أفكاره الخلافية والمحاكمة التي جرت له جعلت منه شخصية مثيرة للجدل».

--------------------------------------------------------------------------------

* تعريب: السيد أحمـد القزويني.

[5] مفهوم النص، نصر حامد أبو زيد، (دراسة في علوم القرآن) ط4، ص25.

[6] نقد الخطاب الديني، نصر حامد أبو زيد ط4، ص134، (سيأتي النص كاملاً في مرحلة لاحقة).

[7] دراسات فلسفية في الفلسفة الغربية الحديثة والمعاصرة، حسن حنفي، ج2، ص244.

[8] درآمدي بر جامعه شناسي زبان (نظرة على علم اجتماع اللغة)، يحيى مدرسي، مؤسسة البحوث والتحقيقات العلمية والثقافية، المقدمة.

[9] در باره زبان (حول اللغة)، الدكتور محمد رضا باطني، مجلة (آكاه) الفصلية، عدد 1991، ص63.

[10] المصدر.

[11] درآمدي بر جامعه شناسي زبان (نظرة على علم اجتماع اللغة)، يحيى مدرسي، ص53.

[12] كفاية الأصول، محمد كاظم الخراساني.

[13] دروس في علم الأصول - السيد محمد باقر الصدر ج 1 ص 45-50.

[14] المصدر، ص 51.

[15] أسباب النزول، للواحدي، ص3.

[16] مباحث في علوم القرآن، صبحي الصالح، ص130.

[17] مجلة بجوهشهاى قرآني (بحوث قرآنية) الفصلية، محمد بهرامى وسيد إبراهيم سجادي، العدد1، ص19.

[18] مفهوم النص، صص 103 و104.

[19] المصدر، ص103.

[20] المصدر.

[21] المصدر، ص104.

[22] در باره زبان (حول اللغة)، الدكتور محمد رضا باطني، ص63.

[23] كفتكوهاى فلسفه فقه - بالفارسية - (حوارات فلسفة الفقه)، مصطفى ملكيان، مركز البحوث والتحقيقات العلمية والثقافية، العدد1998، ص23.

[24] تفسير الطبري، محمد بن جرير الطبري، ج17، ص129.

[25] الإتقان في علوم القرآن، للسيوطي، ج1، ص120.

[26] غرائب القرآن ورغائب الفرقان، للنيسابوري، ج10، ص6.

[27] البقرة، 199.

[28] جاء ذلك في سورة الصافات، آية 149 و 150

[29] جاء ذلك في سورة التوبة، آية 30.

[30] كفتكوهاى فلسفه فقه (حوارات فلسفة الفقه)، ص21.

[31] نقد الخطاب الديني، ط1، ص198.

[32] نهج البلاغة، قصار الحكم، الحكمة 17.

[33] قصة أبو زيد وانحسار العلمانية في جامعة القاهرة، عبد الصبور شاهين، ص134، وص180.

[34] المصدر، ص180.

[35] المصدر، ص189.

[36] المصدر، ص193.

[37] فلسفة التأويل، نصر حامد أبو زيد، ص11.

[38] المصدر، ص11-12

[39] المصدر، ص12 انظر إلى الهامش.

[40] نقد الخطاب الديني، ط1، ص190.

[41] نقد النص، علي حرب، النص والحقيقة، ص216.

[42] إشكاليات القراءة وآليات التأويل، نصر حامد أبو زيد، ص49.

[43] مفهوم النص، ص24.

[44] المصدر.

[45] الخطاب والتأويل، نصر حامد أبو زيد، ص258.

[46] البقرة، 156.

[47] الحج، 52-53.

[48] الخطاب والتأويل، نصر حامد أبو زيد، ص259 يقول: فالسياق فيها واضح، يشير إلى واقعة إلقاء الشيطان على لسان محمد -من خلال أمنيته أن يؤمن بدعوته أهل الحل والعقد في مكة- عبارات مدح لبعض آلهتهم؛ فالنسخ مقصود به المحو والإلغاء.

وهذه الكذبة الكبيرة نُقلت ونُوقشت في كتب التفسير تحت اسم (قصة الغرانيق).

[49] المصدر، 263.

[50] المصدر، ص 177، 180، 184، 186.

[51] المصدر، ص 194 و196.

[52] نقد الخطاب الديني، ط1، ص93.

[53] المصدر، ص93.

[54] المصدر، ص83.

[55] المصدر، ص52

[56] المصدر، ص185.

[57] المصدر، ص84.

[58] مفهوم النص، ، ص24/ إهدار السياق في تأويلات الخطاب الديني، ص28.

[59] الإمام الشافعي وتأسيس الإيديولوجية الوسطية، ص55.

[60] مفهوم النص، ص18.

[61] نقد الخطاب الديني، ط1، ص214.

[62] المصدر، ط1، ص63.

[63] الإمام الشافعي وتأسيس الإيديولوجية الوسطية، ص55.

[64] نقد الخطاب الديني، ط4، ص149.

[65] الخطاب والتأويل، صص 204 و205.

[66] المصدر، ص214.

[67] المصدر، ص 80.

[68] المصدر، ص143.

[69] المفردات، الراغب الأصفهاني، مادة (عبد).

[70] البقرة، 21.

[71] النساء، 36.

[72] البقرة، 23.

[73] ص، 17.

[74] الإسراء، 1.

[75] الكهف، 1.

[76] الزمر، 10.

[77] نقد الخطاب الديني، ط1، ص 206.

[78] الجن، 6.

[79] نقد الخطاب الديني،، ط4، 35.

[80] فصلت، 42.

[81] نقد الخطاب الديني،، ط1، ص 14.

[82] المصدر، ط1، ص 204.

[83] دوائر الخوف، نصر حامد أبو زيد، قراءة في خطاب المرأة، 130.

[84] - نقد الخطاب الديني، ط1، ص 205.

[85] - الخطاب والتأويل، الطبعة الأولى، ص138.


ارسل لصديق