مستقبل حركة الاجتهاد
قراءة في آليات الاجتهاد المعاصر - حوار مع سماحة العلامة الحجة السيد منير الخباز
كتبه: أسرة التحرير
العدد (46) السنة 21 - 1431هـ/ 2010م
التعليقات: 0
القراءات: 3485

مر الفقه الإسلامي بالعديد من المراحل التي أثرت في تطوره وتكوين اتجاهاته، ولعل من أهم المراحل هي الفترة التي تلت غياب المعصوم وبروز إشكالية التعامل مع الواقع السياسي، وتبرز خطورة وحساسية التعامل مع هذه المرحلة لأسباب عديدة أهمها:

1- عدم استعداد الفقيه المسلم للتعامل مع السلطة السياسية، ويكمن السبب في نظرات الريبة والشك التي يحملها الفقهاء تجاه نوايا الحاكم.

2- عدم نضج آليات البحث الفقهي، مع تسارع تطورات واقع المجتمع وتجدد معارفه وثقافته وأساليب حياته.

3- ضغط المؤسسة السياسية على الفقهاء لتقديم المشروعية الدينية للسلطة وممارساتها وسياساتها تجاه العديد من الموضوعات، وبالأخص تجاه المعارضة التي لم تخل مرحلة زمنية في تاريخ السلطة السياسية منها.

4- فقدان الاستقلالية لبعض المدارس الفقهية نتيجة دخول أئمتها ومؤسسيها في أروقة السلطة، مما سهل تطويعها لينتج بعد ذلك فقه يخدم السلطان ويقدم التبريرات لكل ما يقوم به.

5- تحذير النص المؤسس من التعامل مع السلطة.

إن وجود العديد من النصوص التي تضع الكثير من علامات الاستفهام على السلطة خلقت عند الفقهاء المنتمين لمدرسة فقه أهل البيت (عليهم السلام) رؤى متعددة، كان أبرزها وأشهرها القول بحرمة الدخول في السلطة وعدم التعامل معها إلا في حدود الضرورة، وقد أثّر هذا الرأي الفقهي الذي طبع مسيرة فقه أهل البيت (عليهم السلام) في كيفية تعاطيه مع المشكلات، ليتم تأجيل بعضها والتعاطي مع بعضها الآخر.

فقد تعاطى فقهاء مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) مع الفقه الفردي الذي يبحث في شؤون الفرد المسلم في تعاطيه مع واقعه وإشكالياته، لينتج في مسيرة طويلة فقه يهتم بالقضايا الخاصة وما سمي بعد ذلك بفقه الأفراد، لكن تغير الواقع وظهور سلطة تؤمن بالأئمة من أهل البيت (عليهم السلام) فرض واقعاً آخر، أخرج الفقهاء من زاوية الفقه الفردي إلى البحث في القضايا الكبرى، كنظرية العلاقة مع الحاكم، وأسلوب إدارة البلاد، وكيفية تداول السلطة، وعلاقات الحاكم والسلطة السياسية مع غيرها من المؤسسات السياسية الأخرى، والنظر إلى الآخر وتجديد التعامل معه، وكيفية توزيع الثروة العامة، ونظرة الإسلام للاقتصاد وإدارة الأمور المالية، وغيرها من الإشكاليات الكبرى.

ولعل ما ساعد على إبداع مدرسة الفقه الشيعي هو انفتاح باب الاجتهاد وتواصل مسيرة التطوير الفقهي الذي لم يتوقف أبداً، فبخلاف مدارس الأئمة الأربعة المعروفة عند السنة الذين سدوا باب الاجتهاد نرى فقهاء مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) قاموا بتطوير الفقه سواءً في آليات البحث والاستنباط أو في النظريات السياسية والاقتصادية، والاجتماعية، وقد أظهرت حركة الفقه الأخيرة المكانة التي يمتاز بها فقهاء مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) وخصوصاً بعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران التي خلقت ثورة من التساؤلات الفقهية وأثارت بذلك روح التحدي عند الفقهاء.

كما أن الحراك المعرفي العام أنبت مدارس جديدة في قراءة النص والنص الديني، كالمدارس الألسنية الحديثة، وظهرت تساؤلات كثيرة موجهة لحركة الاجتهاد المعاصر، منها صلته بالرؤية الاجتماعية العرفية للنص، وعلاقته بالزمان والثقافة.

وإيماناً من مجلة البصائر في متابعة ورصد حركة التجديد الفقهي كانت هناك العديد من الحوارات الفقهية مع نخبة من فقهاء مدرسة أهل البيت (عليهم السلام)، ويندرج هذا الحوار مع سماحة العلامة السيد منير بن السيد عدنان الخباز القطيفي، من أفاضل علماء القطيف وخطبائها الكبار.

أخذ علومه ومعارفه على يد جملة من علماء مدينة النجف الأشرف حيث حضر أبحاث خارج الفقه لدى آية الله العظمى السيد أبو القاسم الخوئي، وأبحاث آية الله العظمى الشيخ مرتضى البروجردي، كما حضر أبحاث آية الله العظمى السيد علي السيستاني.

وفي مدينة قم المقدسة حضر أبحاث آية الله العظمى الشيخ الوحيد في الأصول، وفي الفقه والأصول لدى سماحة آية الله العظمى الشيخ ميرزا جواد التبريزي.

شرع سماحته بتدريس مادة البحث الخارج في مدينة قم المقدسة في الأصول عام 1418هـ، في (فروع العلم الإجمالي)، وقد قرّره بعض تلامذته. كما فتح بحثاً آخر في الفقه تناول فيه المسائل المستحدثة.

له عدة مؤلفات مطبوعة بعضها من تقريرات تلامذته، نذكر منها:

- العرف ودوره في فعلية الحكم الشرعي.

- بحوث في قاعدة الإلزام.

- بحوث في فقه الحج.

كما قرر سماحته بحث الأصول لأستاذه آية الله العظمى السيستاني، تحت عنوان (الرافد في علم الأصول).

وضمن سياق فهم حركة التطور الفقهي ومعرفة مستقبل حركة الاجتهاد، كان لنا هذا اللقاء مع سماحته، وإليك نص الحوار الذي أُجري مع سماحته في جمادى الثانية عام 1426هـ، حالت دون نشره ظروف فنية كانت خارجة عن الإرادة، ولأهميته حرصنا على نشره:

طبيعة الاجتهاد

البصائر: هل تعود صعوبة الاجتهاد إلى أمور في طبيعة الفنّ؟، أم إلى أمور طارئة عليه؟، أم إلى مزيج من النوعين؟

الخباز: إنّ تطور كلّ علم يرجع لعاملين:

ذاتي، وهو حركة الفكر نفسه في إطار العلم نفسه. وعرضي، وهو ما يطرأ عليه من العلوم الأخرى. وعلم الفقه كغيره من العلوم الذي تطور وتكامل بسبب هذين العاملين، وبيان ذلك يستند لذكر أمرين:

ألف: إنّ كلّ فكر جدليّ يحمل في باطنه تطوره وتكامله نتيجة المطارحات العلمية في إطار هذا الفنّ نظير علم الأصول الذي أسهم في تطويره المطارحات بين المحقِقِينَ الثلاثة النائيني والعراقي والأصفهاني (قدهم).

باء: إنّ هناك مناشئ خارجية ثلاثة ساعدت على تطوير الفقه:

1- القراءة التأملية في فقه الفرق الإسلامية الأخرى؛ مما يستدعي التطوير نتيجة تلافي الثغرات ومواطن الضعف في الفكر الآخر، كما يُرى ذلك جليًّا في مبسوط الشيخ، وتذكرة العلامة، وكتب الشهيدين.

2- توقف تحقيق بعض مسائل الفقه أو الأصول على إدراج بعض العلوم الأخرى، كتوقف تحقيق مسألة اجتماع الأمر والنهي على بعض النظريات الفلسفية في باب التركيب الاتحادي والانضمامي، وتوقف تحقيق مسألة الضد على بحث التضاد في الحكمة، وتوقف تحقيق حجية الدليل العقلي على بحث الحُسن والقُبح العقليين في علم الكلام.

3- الانفتاح على الثقافات والعلوم الأخرى بداعي إبراز مواكبة الفقه للفكر المعاصر، كما صنع السيّد الشهيد الصدر (قدس سره)، حيث أدخل دليل حساب الاحتمالات في بحث الإجماع والتواتر وبعض القواعد الرجالية، ونظرية الظهور الذاتي والموضوعي في بحث حجية الظهور ونحو ذلك. وهذه كلّها عوامل حيوية أسهمت في تطور وتكامل علم الأصول مما انعكس على علم الفقه أيضاً لكون علم الأصول هو الأداة المتحركة في عملية الاستنباط.

البصائر: يرى البعض أنّ الاجتهاد إلى نهاية حياة شريف العلماء لم يكن بهذا التعقيد..، فقد كان (رحمه الله) يجيز من أتقن (معالم الأصول) للحسن ابن الشهيد الثاني بالاجتهاد، بيد أنّ هناك أموراً دخلت ـ فيما بعد ـ عقّدت عملية الاجتهاد. ما رأيك في هذا القول؟، وما هي تلك الأمور؟.

الخباز: علم الفقه علم تطبيقي كعلم الطبّ لا نظري كالفلسفة وعلم الكلام، وكلّما ملك الفقيه حدة الذهن وحسن السليقة وسرعة البديهة كان تطبيقه أجود وأدقّ -وفي هذه الجهة يتبيّن تفاوت الفقهاء-، ولأجل ذلك كلّما قلَّت الكبريات والقواعد وقلَّت التفريعات كان التطبيق أسهل، وحيث إنّ تفاوت العصور من حيث المستوى الاجتماعي والثقافي يوجب تفاوت الفروع من حيث القلة والكثرة والسهولة والتعقيد كان الاجتهاد في زمان الشيخ أسهل من زمان شريف العلماء؛ إذ يكفي في الأول ضبط عدة الأصول، وكان الاجتهاد في الزمان الثاني أسهل منه في زماننا لكفاية (المعالم) فيما سبق دون زماننا حيث لا يكفي فيه حضور عشر سنوات في بحث الأصول.

البصائر: يعتقد البعض أنّ إدخال مباحث الفلسفة في كتب الفقه والأصول لم يخدم عملية الاستنباط بمقدار ما عقّدها، وصعّب عبارات تلك الكتب، وأبعد غير المختصّ عن إمكانية الاستفادة منها، فهل توافقونهم على هذا؟

الخباز: إنّ المزج بين الفلسفة وعلمي الفقه والأصول في ثلاثة موارد:

1- أن يتوقف تحقيق المسألة الفقهية أو الأصولية على المسألة الفلسفية، كتحقيق أنّ اجتماع الأمر والنهي في مورد واحد هل يستلزم التضاد أم لا؟، حيث يتطلب ذلك تحقيق الفرق بين التركيب الاتحادي والانضمامي، وتحقيق أنّ موضوع التضاد هل يشمل المجردات كالنفس البشرية أم لا؟ وغيرها من المسائل.

2- أن يحتاج في فهم مصطلحات البحث إلى الرجوع للفلسفة، كما في بحث استصحاب العدم الأزلي، حيث يحتاج للفلسفة في الفرق بين العدم النعتي والمحمولي ونحو ذلك.

3- أن تُقحم المباني الفلسفية في المسألة من دون حاجة لها، كإدخال بعض المحاذير الحكمية في بحث الشرط المتأخر ونحوه.

فالمطلوب فعلاً من أجل تهذيب الأصول والفقه عن الشوائب الفلسفية الاقتصار على النحو الأول دون النحوين الآخرين؛ لإمكان الاستغناء عن المصطلحات الفلسفية والإشكالات الحكمية.

البصائر: يعتقد بعض فقهائنا أنّ أهم عِلمين مؤثرين في الاستنباط هما علم الأصول وعلم الرجال، وباقي العلوم والمعارف إما بديهية أو لا تحتاجها عملية الاستنباط، فما رأيك في هذا التقييم؟

الخباز: يلاحظ على هذه المقالة:

أولاً: إنّ علم الأصول نفسه يحتاج لقدر من علم الفلسفة وعلم الكلام كما سبق بيانه.

ثانياً: إنّ هناك حاجة ماسة للعلوم الأدبية -حيث يقع البحث مثلاً في قوله تعالى: ﴿فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ[1]، في أنّ ﴿أَنَّى زمانية أو مكانية، ويقع البحث في حديث «لا ضرر ولا ضرار» في تحديد (لا) النافية أو الناهية، وفي أنّ هيئة المفاعلة بمعنى المبدأ المشترك أو بمعنى أصل المادة أو بمعنى إنهائها للطرف الآخر، ويقع البحث في قوله: «والربح بينهما» في أنّ (أل) جنسية أو استغراقية أو عهدية، وغير ذلك من الأمثلة الكثيرة الدالة على دخالة علوم أدبية ولغوية في عملية الاستنباط. نعم؛ لا حاجة للإطالة في هذه العلوم بل يكفي الإلمام بالقواعد العامة منها لكفايتها في إتمام عملية الاستنباط.

علم الكلام والاستنباط

البصائر: تعددت المدارس في موضوع الإلهيات بين مشارب كلامية وفلسفية، وهي مفاصل بحثها الفقهاء، ولهم نتاجهم فيها، بيد أنا نلحظ تبايناً واضحاً بين منهجية الاستنباط الفقهي من جهة والمشارب الكلامية والفلسفية من جهة أخرى، فبينما تميّز الاستنباط الفقهي بصرامة منهجية تأصيلية ضبطت الاجتهاد في مراحل تاريخ الفقه، لم يحظَ علم الكلام والفلسفة بذلك في المنهج، فما سبب هذه المفارقة؟

الخباز: المدعى في السؤال هو عدم انضباط علم الكلام في عصرنا الحاضر، وبناءً عليه نتساءل بأنّ عدم ضبط علم الكلام قد يُقصد به الخلل في نفس المنهج، وقد يُقصد به الخلل في مقام التطبيق، فهنا دعويان:

ألف: الخلل في المنهج، وهو غير صحيح؛ لأنّ علم الكلام ينقسم لحقلين:

1- الحقل العقلي.

2- الحقل النقلي.

فالأول هو الحقل المشتمل على البراهين العقلية على إثبات أصول الدين الخمسة، وما يتعلق بها من مسائل، كمسألة العصمة والحُسن والقُبح العقليين ونحو ذلك، وتشارك في ذلك معارف الإلهيات من علم الفلسفة، وهذا الحقل لا يقلّ من حيث الدقة والمتانة عن حقل الاستنباط الفقهي.

والثاني: وهذا الحقل هو المشتمل على الاستدلال بالنصوص، وهو نوعان:

1- قطعي.

2- ظنّي.

فالنوع الأول هو المشتمل على الأدلة النقلية قطعية الصدور، كالاستدلال بآية التبليغ والولاية على إمامة أمير المؤمنين (عليه السلام)، والاستدلال بالخبر المتواتر كحديث الغدير على إمامته، أو الخبر المحفوف بالقرائن الموجبة للقطع بصدوره، كالاستدلال بحديث الثقلين على إمامة أهل البيت (عليهم السلام).

والنوع الثاني وهو الاستدلال بالخبر ظنّي الصدور على بعض المعتقدات، كالاستدلال على ثبوت عذاب القبر، ورؤية الإمام علي (عليه السلام) عند الموت بخبر الثقة -بناءً على شمول الحجية لخبر الثقة وشمول أدلة حجية خبر الثقة للمعتقدات-، أو الاستدلال بمطلق الظنّ على بعض المعتقدات، كالاستدلال على بعض الكرامات بالروايات الضعيفة بناءً على تمامية دليل الانسداد بنحو الكشف وكفاية الانسداد في باب العقائد للأخذ بمطلق الظنّ فيها، وعلى فرض عدم تمامية ذلك، فإنّ الوثوق بالصدور الناشئ عن مناشئ عقلائية مما لا ريب في حجيته، وتحصيل الوثوق في أغلب المعتقدات أمر ميسور، إذن.. فلا خلل في منهج علم الكلام بحيث يُوسم بعدم الضبط.

باء: أن يُدّعَى أنّ المنهج تام لكنّ العلماء يتسامحون في مقام التطبيق، كما قيل بأنّهم قد يستدلون على بعض المعتقدات بأخبار ضعيفة السند، كالاستدلال على أفضلية الأئمة على الأنبياء بأخبار ضعاف، ولكن يُلاحظ عليه بأنّ من يستشهد بالخبر الضعيف على معتقد معيّن من الفقهاء فإنّ مدعاه إما كون الخبر مما كثرت روايته إلى أن وصل حدّ التواتر الإجمالي، أو استفاض بنحوٍ كان ذلك قرينة على الوثوق بصدوره، أو أنّه يرى الخبر مدعوماً بإجماع أو تسالم موجب للقطع به، أو أنّه يرى حجية الظنّ الانسدادي في المعتقدات، وبذلك يتبيّن عدم الخلل في تطبيق الأعلام لقواعد علم الكلام.

نعم؛ تحديد ما يوجب الوثوق من درجات الشهرة، وما يوجب اليقين من القرائن العقلائية، وما لا يوجب ذلك؛ أمرٌ لا ضابطة له، لكنّ هذه المشكلة لا تختصّ بعلم الكلام، بل تجري في الفقه أيضاً، فإنّ كثيراً من الفقهاء قد يختلفون في وجود الإجماع أو في وجود سيرة متشرعية أو ارتكاز عقلائي أو في القرائن الموجبة للقطع وعدمها؛ نتيجة لاختلافهم في مستوى الإجماع أو السيرة المدعاة، والخلاصة أنّ علم الكلام لا يقلّ من حيث الدقة والضبط عن علم الفقه والأصول.

مكانة القرآن في الاستنباط

البصائر: تعارف في الحوزات العلمية اعتبار ما يقارب من الـ 500 آية بوصفها آيات أحكام، في حين هناك من يرى أنّ الآيات الأخرى -غير آيات الأحكام- يلزم التعرّف عليها؛ لأنّها إن لم تدلّ بالمباشرة على الحكم فقد تشكِّل الضابط أو الموجِّه للحكم الشرعي، ما رأيك في ذلك؟

الخباز: إنّ الآيات القرآنية على أربعة أقسام:

1- ما كان في مقام التشريع نحو ﴿وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا[2]، وآيات المواريث.

2- ما كان في مقام الإرشاد إلى ملاكات التشريع نحو ﴿لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ[3]، ونحو ﴿كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأغْنِيَاء مِنكُمْ[4].

3- ما كان في مقام الإرشاد إلى حسن الفعل أو الصفة، نحو ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ[5].

4- ما لا ربط له بالتشريع لأنّه في مقام الحكاية عن صفات الله أو قصص الأنبياء أو طريقة الخلق.

وبعد اتضاح هذه الأقسام الأربعة نقول:

ينبغي للفقيه المرور بالقرآن الكريم مروراً تدبريًّا لفرز هذه الأقسام، حيث يُستفاد من الأول في الاستنباط المباشر للحكم، ويُستفاد من الثاني في مجال طرح الأخبار المنافية لروح الكتاب بناءً على أنّ المراد بالمخالفة في روايات العرض المخالفة الروحية، أو في مجال عدم العمل بإطلاق خبر يستلزم المخالفة لروح القرآن، كما يُستفاد من المداليل الالتزامية للقسم الثالث اقتناص بعض الملاكات أو بعض الأحكام.

ولذلك ذهب بعضٌ إلى أنّ المستفاد من قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ؛ أنّ وظيفة العاميّ عند تساوي الفقيهين هو اختيار أحسن القولين لكونه أحوط أو أنّه هو المشهور ونحو ذلك من المرجحات العقلية أو الشرعية، بل لا يبعد أن يُقال: إنّه يمكن للفقيه أن يستفيد حتى من القسم الرابع أيضاً، ولذلك أفتى بعض الأساتذة بحرمة الاستنساخ نظراً إلى أنّ المستفاد من قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ[6]، أنّ من الأغراض الملحوظة للشارع المقدس هو الاختلاف في الخلقة، فلا يجوز أيّ فعل يؤدي لنقض هذا الغرض كالاستنساخ المؤدي للتشابه التام.

نعم، كثير من الفقهاء لا يرى هذا المنهج إما لأنّه يرى أنّ جميع الآيات المدعى استفادة حكم شرعي منها يوجد على طبقها روايات كافية في استنباط الحكم الشرعي منها، فلا حاجة للاستدلال بالآية، أو لأنّه يرى أنّ الميزان في طرح الخبر المخالفة الحرفية لا الروحية، أو لأنّ جميع الآيات التي تتحدث عن الحُسن والقُبح وطريقة الخلقة ما هي إلا إرشاد لما عليه البناء العقلائي في مقياس حُسن الفعل وقبحه، وبعبارة أوضح: إنّ التحسين والتقبيح الصادر من المولى -عزّ وجلّ- بما هو سيّد العقلاء لا يعني صدوره عنه بما هو شارع كي يستدل به على الحكم الشرعي، كما أنّ الغرض المطلوب له كخالق لا يعني أنّه مطلوب له كشارع، إذ لا ملازمة عقلية بين المراد التكويني والتشريعي ونحو ذلك، ولأجل ذلك كلّه لا يعتمد هؤلاء الفقهاء على القرآن في مجال الاستنباط كاعتمادهم على الحديث.

البصائر: جاء في عيون أخبار الرضا (عليه السلام): «فما ورد عليكم من خبرين مختلفين فاعرضوهما على كتاب الله، فما كان في كتاب الله موجوداً حلالاً أو حراماً فاتبعوا ما وافق الكتاب، وما لم يكن في الكتاب فاعرضوه على سنن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فما كان في السنة موجوداً منهياً عنه نهي حرام، أو مأموراً به عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أمر إلزام فاتبعوا مما وافق نهي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأمره، وما كان في السنة نهي إعافة أو كراهة ثم كان الخبر الآخر خلافه فذلك رخصة فيما عافه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وكرهه ولم يحرمه، فذلك الذي يسع الأخذ بهما جميعاً، أو بأيّهما شئتَ وسعكَ الاختيار من باب التسليم والاتباع والرد إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وما لم تجدوه في شيء من هذه الوجوه فردوا إلينا علمه فنحن أولى بذلك، ولا تقولوا فيه بآرائكم، وعليكم بالكفّ والتثبّت والوقوف وأنتم طالبون باحثون حتى يأتيكم البيان من عندنا».

يرى البعض من منطلق هذا الحديث أنّ هناك تراتبية في النصوص تسير وفق التالي (القرآن الكريم - السنة النبوية - السنة المعصومة)، ومن هذا الباب (لا تغلب السنةُ الفريضةَ) و(التفويض بالتأديب)، نعم ما كان تفسيراً منهم (عليهم السلام) فهو عدل المفسَّر لأنَّه تبيانه، ما رأيكم في هذه المقولة؟

الخباز: إنّ الطولية والترتب بين كلام الله -عزّ وجلّ- ورسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل البيت (عليهم السلام) لها ثلاثة موارد:

1- ولاية التشريع: فقد ثبت بالنصوص أنّ للرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ولاية على التشريع نحو «إنّ الله فوَّض إلى نبيه أمر دينه»، ونحو «فرض الله الصلاة ركعتين وزاد رسول الله ركعتين»، ونحو «حرَّم الله الخمر، وحرّم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كلّ مسكر»، ومن الواضح أنّ ولايته (صلى الله عليه وآله وسلم) على التشريع في طول القواعد العامة التي شرَّعها الخالق -عزّ وجلّ-، كما أنّ ولاية أهل البيت (عليهم السلام) على التشريع في طول التشريع النبوي، بناءً على ثبوت الولاية لهم على التشريع، كما في بعض النصوص «فما فُوِّض إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقد فُوِّض إلينا»، هذا إذا قلنا بولايتهم على التشريع كما هو المعروف.

وأما لو قلنا بانتفاء ولايتهم على التشريع -كما يراه شيخنا الأستاذ التبريزي- لا لقصور في ولايتهم، وإنّما لاكتمال التشريع في زمان الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، كما تدلّ عليه بعض النصوص المعتبرة نحو «وإنّ عندنا الجامعة بإملاء رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وخطّ علي بن أبي طالب (عليه السلام)، وفيها جميع ما يحتاجه الناس من حلال وحرام حتى أرش الخدش إلى يوم القيامة»، فبناءً على ذلك لا ولاية لهم إلا على النشر والكتمان، والحكم الولايتي في منطقة الفراغ، وهو أيضاً في طول التشريع النبوي.

2- قاعدة «لا تنقضُ السنةُ الفريضةَ»: ومحصّلها أنّ الإخلال بالسنة في أيّ مركّب اعتباري مركّب من سنن وفرائض كالصلاة أو الحج أو الصوم أو التذكية لا يوجب بطلان الفريضة، إذا كان الإخلال عن عذر، هذا بناءً على أنّ المراد بالفريضة ما جعله الله، وأنّ المراد بالسنة ما جعله النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وأما بناءً على أنّ المراد بـ(الفريضة) هو ما فُرض في الكتاب، وأنّ المراد بـ(السنة) ما ورد على لسان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ولو كان إخباراً عن السماء، فالترتب حينئذٍ يكون بين ما فُرض بالحديث وما فُرض في الكتاب، بينما لو قلنا بالمعنى الأول فالترتب لا محالة بين كلام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وكلام الله -عزّ وجلّ-.

3- الاختلاف بين ما ورد عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وما ورد عنهم (عليهم السلام)، وهو إنّما يُتَصوّر بلحاظ مقام الإثبات لا الثبوت؛ إذ لا يُعقل واقعاً صدور حديث عن الأئمة (عليهم السلام) مخالف لحديث النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الصادر عنه، كما أنّ الاختلاف الإثباتي على نوعين:

ألف: اختلاف غير مستقرّ، وهو ما يمكن فيه تحصيل الجمع العرفي بين المختلفين، وفي هذا النوع من الاختلاف لا ترتّب ولا طولية بين ما ورد عن أهل البيت (عليهم السلام)، وما ورد عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، بل قد يكون ما ورد عن المعصومين (عليهم السلام) حاكماً أو مقيِّداً أو مخصِّصاً أو ناسخاً لما ورد عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، بناءً على جواز النسخ بهذا النحو، كما ورد في المعتبرة «يرِدُ الخبر عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من أناس لا نشكّ فيهم، ثمّ يجيء منكم خلافه. قال (عليه السلام): إنّ الحديث يُنسخ كما يُنسخ القرآن».

باء: الاختلاف المستقرّ، وفي هذا النوع قد يُقال بالطولية بين ما ورد عنهم، وما ورد عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، بلحاظ أنّ من المرجّحات الصدورية (موافقة الكتاب والسنة)، ولكن للتأمل في ذلك مجال، حيث إنّه لا يُراد بالسنة أيّ خبر ثقة يحكي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، بل المراد بها السنة القطعية بقرينة قرنها بالكتاب، وبناءً على ذلك فالمرجح في الواقع هو موافقة الكلام القطعي سواءً كان كتاباً أم سنةً نبويةً أم سنةً معصوميةً، إذن.. فلا طولية ولا ترتّب بين ما صدر عنهم أو ورد عنهم وما ورد عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في تمام الموارد.

الحكم الأخلاقي والحكم الفقهي

البصائر: يفرّق البعض بين الحكم الأخلاقي/ والحكم الفقهي، فيقول إزاء النصوص التي تحثّ على الوفاء بالوعد وتذمّ على مخالفته: (الوفاء بالوعد واجب أخلاقي لا فقهي)، هل هناك فعلاً فرق بين الحكمين؟ هلا تفضلتم ببيان الفرق بين هذين النوعين من الحكم؟

الخباز: إنّ هناك فرقاً بين الخطاب المولوي والخطاب الإرشادي، فالمولوي هو الخطاب الصادر من المولى بما هو مولى، أي ما صدر منه مقروناً بالوعيد -كما في موارد الإلزام-، أو مقروناً بالوعد -كما في موارد الندب-، والإرشادي هو الخطاب الصادر من الشارع بما هو مخبر عن الخصائص الواقعية -كالنصوص الصادرة في مجال الطبّ، كالأمر بأكل الرطب والسفرجل وأكل الملح قبل المائدة ونحو ذلك-، أو بما هو مخبر عن الخصائص العرفية نحو ما ورد «ختان الذكر سنّة، وختان الأنثى مكرمة»، أي أنّه حسن بنظر العرف؛ لأنّه يساعد على كسر الشره الجنسي للمرأة بنظرهم، أو بما هو مخبر عن الخصائص السلوكية بنظر المرتكز العقلائي نحو قوله تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا *.....* وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا[7].

ومن هذا النوع ما يُعبَّر عنه بالحكم الأخلاقي، وهو عبارة عن الخطاب الصادر من الشارع بما هو مرشد إلى كمال الخُلق لدى الإنسان لا بما هو مولى، نحو «الغضب ضرب من الجنون»، و «إن لم تكن حليماً فتحلَّم»، فإنّ هذه إرشاد إلى خصائص الأخلاق وعواقبها ونتائجها وليست صادرة على نحو المولوية. فالخطاب الوارد في سياق الإرشاد أخلاقي لا مولوي، هذا إذا لم يقترن الخطاب بقرينة تدلّ على كونه مولويًّا، كالتعبير بالمؤمن ونحوه. ولذلك فقوله (عليه السلام) في روايات الحج: «المؤمن محرم المؤمنة» ظاهر في الحكم الندبي بلحاظ مدلوله الالتزامي، أي من الراجح للمؤمن رعاية عرض المؤمنة كرعاية المحرم لحرمه؛ لا أنّه حكم أخلاقي كما ذكر بعض الفقهاء.

ومن هذا القبيل أيضاً ما ورد في الوعد، حيث إنّ الوعد على قسمين: إخباري وإنشائي، فإن كان إخباراً عن متعلّق الوعد، فالوعد به مع عدم العلم بتحققه من صغريات الكذب المحرَّم، وإن كان إنشاءً للالتزام والتعهّد بالعمل، فالراجح شرعاً الوفاء به؛ لاقتران الروايات الآمرة بالوفاء بالوعد بما يدلّ على كونه حكماً مولويًّا ندبيًّا نحو «المؤمن إذا وعد وفى»، لا أنّه حكم أخلاقي كما أُفيد في بعض الكلمات، نعم لا يُستفاد من روايات الوعد حرمة عدم الوفاء به؛ لتعارف ألسنة التشديد في كلام الأئمة (عليهم السلام) في الأمور الندبية نحو «من نام وحده أو أكل وحده فهو ملعون».

مقاصد الشريعة

البصائر: كان الفقهاء (رضوان الله عليهم) في مرحلة من المراحل يستندون على قواعد فقهية تفصيلية اُستُلّت من ثنايا النصوص المأثورة عن المعصومين (عليهم السلام). وهناك منهج آخر حين فقدان هذه القواعد التفصيلية -كما هو حاصل في بعض الفروع الفقهية- وبعد عدم القدرة على إدراجها ضمن عموم أو إطلاق يلجأ إلى قاعدة أخرى هي قاعدة المقاصد والتي هي عبارة عن تشكيل كليات متضافرة من مجموعة نصوص نقلية (القرآن والسنة) بشرط أن توصل أصحاب هذا المنهج إلى اطمئنان مستند في الجملة إلى تلك النصوص.  فهل المناهج الاجتهادية ـ بآلياتها وأدواتها المعروفة ـ هي نهائية منحصرة، أم أنّ هناك توقعاً في استحداث أبواب ومناهج جديدة؟ وما رأيك في مبنى (مقاصد الشريعة)؟.

الخباز: المراد بـ(مقاصد الشريعة) هي الأغراض التي يهدف الشارع إلى تحقيقها بتشريعاته، ولا إشكال عند الفقهاء في ضرورة مراعاة هذه الأغراض إذا أحرزت بعلم أو علمي كخبر ثقة مثلاً، وإنّما البحث في أمور ثلاثة:

1- في كيفية إحراز غرض الشارع أو مقصده:

إذا قطع الفقيه بمقصد الشارع -كما لو قطع بأنّ الشارع يرى لزوم حفظ النظام الاجتماعي- فلا ريب في حجية قطعه، وكذا إذا كان النصّ ظاهراً في بيان غرض الشارع أو مقصده، كما ورد في الروايات المعتبرة «وإنّما حرَّم الله الخمر لعاقبتها فما كانت عاقبته عاقبة الخمر فهو خمر»، أما لو انكشف مقصد الشارع بالحدس أو التخمين -المعبَّر عنه بالقياس- فلا عبرة به لاندراجه تحت عموم قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ[8].

نعم، وقع البحث في حجية الظهور المجموعي كما لو اقتنص الفقيه من مجموع النصوص الواردة في شأن المرأة مثلاً أنّه لا عبرة برأي المرأة مطلقاً أي في القضاء والفتيا والتصويت وغير ذلك، ببيان أنّ موضوع الحجية لدى البناء العقلائي هل هو مطلق الظهور، ولو كان مركباً من عدة خطابات، أو خصوص الظهور الفردي؟، لكنّ القدر المتيقن من بناء أهل المحاورة هو العمل بالظهور الفردي لا مطلقاً.

2- إذا أحرز الغرض أو المناط بالظهور فهل هو علة للحكم، بحيث يدور مداره وجوداً وعدماً، أم أنّه مجرد حكمة؟، مثلاً ما ورد في الذكر الحكيم من تعليل حرمة الربا بالظلم: ﴿لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ[9]، هل هو العلة المنحصرة للحرمة أم هو أحد الملاكات، أو جزء علة للحكم في بعض الموارد؟، وكذلك ما ورد في تعليل كون شهادة الرجل ضعف شهادة المرأة: ﴿أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى[10]، فقد يُقال: إنّ مجرد تعليل الحكم بشيء لا يعني أنّه العلة المنحصرة التي يدور الحكم مدارها وجوداً وعدماً، بل غاية مفاد التعليل أنّه مجرّد أحد الملاكات أو أحد أجزاء الملاك ولو في بعض الموارد -المعبَّر عنه بالحكمة-، إذن.. فانتفاؤه لا يعني انتفاء الحكم لقيام ملاك آخر مقامه.

3- على فرض أنّ المستظهر من النصّ هو كون المناط أو الغرض مجرّد حكمة لا علة منحصرة كما في تعليل جعل العدة على المطلقة أو المتوفى زوجها بعدم اختلاط المياه فإنّه أحد الملاكات لا علة منحصرة، فهل للحكمة تأثير في مقام الاستنباط؟، والصحيح أنّه وإن لم يمكن الفتوى على طبق الحكمة؛ إذ لا يدور الحكم مدارها وجوداً وعدماً، ولكنّها مانع عن العمل بالإطلاق الترخيصي أو الجري وراء الأصل الترخيصي، مثلاً الظلم حكمة لحرمة الربا لا علة له، ولذلك يحرم الربا حتى مع عدم الظلم كالربا بين الوالد وولده، إلا أنّه ملاك صالح للمنع من الفتوى بخلافه، فمثلاً تحويل القرض بشرط البيع إلى البيع بشرط القرض، أو تحويل قرض النقد بأكثر إلى بيع النقد بأكثر نسيئة، وإن كان جائزاً بالنظر للإطلاقات ومقتضى الأصل، إلا أنّ حكم العقل بقبح تفويت أغراض المولى مع فرض إحراز أنّ غرض الشارع ولو على نحو الحكمة هو عدم ظلم المقترض أو المحتاج للمبلغ.. مانعٌ من العمل بالمطلقات والعمل بالأصل الترخيصي، فلا يصحّ الفتوى بالجواز لاستلزامه تفويت الغرض المولوي -وهو عدم الظلم-، بل إنّنا وإن لم نحرز أنّ الحكمة غرض للشارع المقدّس، لكنّنا لا نحرز إطلاق الأدلة المرخّصة لمورد الحكمة؛ إذ لا يصحّ للمولى أن يتكئ على بيان الحكمة كمانع من الإطلاق إن لم يصلح قرينة على التقييد.

الفهم الاجتماعي للنصّ

البصائر: يدعو بعض فقهائنا إلى الأخذ بما يُسمّى (الفهم الاجتماعي للنصّ)، ويرى أنّ عملية (الظهور) لمعنى النصّ لا تتم عند الأخذ بالمدلول اللفظي فقط (الظهور اللغوي)، بل.. تحتاج إلى الأخذ بالفهم الاجتماعي للنصّ -أيضاً- (الظهور العرفي)، وفهم النصّ كما يتلقاه العرف الاجتماعي العام، ومن ذاك حمل الأمثلة الواردة في النصوص -كتلك التي تذكر الاحتكار في التمر والزبيب والحنطة والشعير والزيت- على أنّها مجرّد أمثلة زمنية للاحتكار لا تنحصر حرمة الاحتكار فيها، فكيف نقوّم مبنى (الفهم الاجتماعي للنصّ)؟

الخباز: الظهور نوعان:

ألف: الظهور اللغوي، وهو ما ينصرف له اللفظ بالنظر للوضع والقرائن اللفظية المتصلة.

باء: الظهور الموضوعي، وهو الظهور المستند لمجموع القرائن الداخلية كالقرائن اللفظية، والخارجية كالقرائن الارتكازية والعقلية.

ومن هذا المنطلق جاءت نظرية الفهم الاجتماعي، فإنّ فهم النصّ فهماً اجتماعيًّا يعتمد على خطوتين:

1- دراسة النصّ من خلال ظروفه الاجتماعية، وذلك عن طريق دراسة الاتجاهات الفكرية المعاصرة للنصّ، ودراسة الملابسات المكتنفة بصدوره.

2- إذا كان مضمون النصّ مضموناً اجتماعيًّا كالنصوص المرتبطة بباب المعاملات فيمكن فهمه على أساس دراسة النصّ من خلال مقارنته بالنكات العقلائية العامة التي لا تخصّ مجتمعاً أو زمناً، باعتبار ورود النصّ في إطار الأفق العقلائي ردعاً أو إمضاءً. ومن أمثلة ذلك ما ورد «من استأجر داراً فلا يؤاجرها بأزيد حتى يحدث فيها حدثاً»، فإنّه لو جمدنا على الظهور اللغوي للنصّ لقلنا بأنّ مفاده نهي تعبديّ خاصّ بباب الإجارة، وأما لو لاحظنا الفهم الاجتماعي للنصّ لقلنا بأنّ النهي ناظر للنكتة العقلائية التي عبّرت عنها الآية ﴿وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ[11]، وهي أنّ نيل المال والربح من دون جهد وبذل طاقةٍ أكلٌ بالباطل من دون اختصاص بباب الإجارة، فيشمل ذلك بيع السلعة بأكثر من سعرها السوقي بفرق فاحش.

ومن الأمثلة أيضاً ما ورد من النهي عن احتكار بعض الأطعمة؛ إذ لا يرى العرف خصوصية لهذه الأطعمة، وما ورد من كون العيوب التسعة موجبة لانفساخ عقد النكاح -حيث لا يرى الارتكاز العرفي موضوعية لهذه العيوب- بل إنّ المناط هو كلّ عيب مانع من الاستمتاع بين الزوجين سواءً كان في المرأة أو في الرجل وإن لم يكن من العيوب التسعة.

فقه الفرد وفقه الجماعة

البصائر: يقول السيّد الشهيد محمد باقر الصدر (قدس سره): «فالمجتهد -خلال عملية الاستنباط- تمثّل في ذهنه صورة الفرد المسلم الذي يريد أن يطبِّق النظرية الإسلامية للحياة على سلوكه، ولا يتمثّل صورة المجتمع المسلم الذي يحاول أن ينشئ علاقاته على أساس الإسلام....، إنّ الانكماش في الهدف وأخذ المجال الفردي للتطبيق بعين الاعتبار فقط، نجم عنه انكماش الفقه من الناحية الموضوعية، فقد أخذ الاجتهاد يركّز باستمرار على الجوانب الفقهية الأكثر اتصالاً بالمجال التطبيقي الفردي، وأُهملت المواضيع التي تمهِّد للمجال التطبيقي الاجتماعي؛ نتيجة لانكماش هدفه واتجاه ذهن الفقيه حين الاستنباط غالباً إلى الفرد المسلم وحاجته إلى التوجيه بدلاً من الجماعة المسلمة وحاجتها إلى تنظيم حياتها الاجتماعية». ما هي السبل لإعادة المكانة للمجال التطبيقي الاجتماعي في عملية الاجتهاد؟

الخباز: إنّ الجواب يشتمل على نقاط ثلاث:

ألف: إنّ الفرق بين فقه الفرد وفقه الجماعة هو أنّ المقصود بفقه الجماعة ما كان للاجتماع دخل في الحكم أو متعلِّقه بخلاف فقه الفرد، فمثلاً وجوب الصوم أو الحج على الفرد لا ربط له باجتماع غيره معه فهو فقه فردي، بينما وجوب الجمعة -بناءً على وجوبها في عصر الغيبة ولو تخييراً- منوط باجتماع خمسة كما في الرواية المعتبرة «إذا اجتمع خمسة وفيهم من يخطب أمَّهُم» -وهذا هو الفقه الجمعي-، والفقه الجمعي على نوعين، فإنّ الاجتماع قد يكون دخيلاً في الوجوب كمثال صلاة الجمعة -على بعض المباني-، أو في نفوذ الحكم كما في الشهادة على الزنا، فإنّ نفوذها منوط باجتماع الشهادات الأربع، وقد يكون دخيلاً في الواجب كما في مثال صلاة الجمعة على المبنى الآخر، وكما في النفر للجهاد -عند وجوبه- حيث يجب على مجموع الأمة إعداد جماعة تقوم بقتال العدو.

باء: إنّ مقصود السيّد الشهيد (قدس سره) أنّ المستفاد من المطلقات نحو ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ[12]، هو نظرية الفقه الجمعي، وهو أنّه يجب على الأمة إيجاد فئة تقوم بالدعوة للدين والأمر بالمعروف، وليس مفاد الآية ونحوها الحكم الانحلالي بلحاظ الأفراد، بمعنى أنّه يجب على كلّ فرد أن يوجد من نفسه داعياً للخير أو آمراً بالمعروف، وإن كان هذا المعنى مستفاداً من نصوص أخرى أو من هذه الآية ولكن بالمدلول الالتزامي، وعلى كلّ حال ففتح هذا الاتجاه في الفقه يثمر في إبراز امتداد الفقه الجمعي لكثير من الأبواب بحيث يُستفاد من كثير من النصوص تعلّق الخطاب بالجماعة كتعلقه بالفرد.

جيم: إنّ النصوص الواردة عن الأئمة (عليهم السلام) على قسمين:

1- ما ورد في مقام الإفتاء والإجابة عن الأسئلة المتعلقة بالوظيفة الفعلية للمكلف، وهذا القسم يشكل أغلب النصوص.

2- ما كان في مقام التعليم وإلقاء الكبريات الفقهية كما ورد عنه (عليه السلام): «علينا إلقاء الأصول، وعليكم التفريع»، ولعلّ منشأ طغيان الفقه الفردي على علم الفقه هو كون ما ورد على نحو الإفتاء هو النصّ الغالب، والمفروض أنّه ناظر للفقه الفردي، فينبغي للفقيه إذا اقتنع بنظرية الفقه الجمعي أن يحاول أن يقتنص هذه التكاليف العامة من النصوص الواردة في مقام التعليم، أو النصوص الواردة في مقام الإفتاء بلحاظ مداليلها الالتزامية.

فقه الدولة (الفقه الولائي: السلطاني)

البصائر: من إحدى نتائج إبعاد الفقه الشيعي عن الحكم والدولة انحسار ما يُسمّى بـ(الفقه السلطاني) أو (فقه الدولة)، بحيث تضخّم الفقه في البعد الفردي الممكن التطبيق، وانحسر فقه الدولة، فما آلية إعادة هذا النوع من الفقه إلى مكانته المناسبة له؟

الخباز: الجواب يتضمن أمرين:

ألف: هناك فرق بين الحكم السلطاني وفقه الدولة، فالمراد بالحكم السلطاني هو الحكم الولايتي الصادر عن ولي الأمر في منطقة الفراغ، وقد بحث عنه بحثاً مفصلاً في بحث (ولاية الفقيه) في كتاب البيع للشيخ الأنصاري ومن علَّق عليه، والمراد بفقه الدولة هي وظائف السلطات الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية على نحو الحكم الشرعي القانوني الذي لا يختصّ بفرد أو زمان لوروده على نحو القضية الحقيقية، وهو غير الحكم الولايتي الوارد على نحو القضية الخارجية المختصّ بزمان معيّن أو ظرف معيّن، وهذا النوع من الفقه نادر الطرح في فقه الإمامية كما هو ظاهر.

باء: ينبغي في العصر الحاضر تبويب الفقه بشكل مواكب لمسيرة الحياة الاجتماعية بأن يُنظّم على أساس (فقه الأسرة) و(فقه المستشفى) و(فقه المدرسة) و(فقه الدولة) ونحو ذلك..، بطريقة فنية يتلافى فيها تداخل الفروع والمسائل.

وينبغي بالنسبة لفقه الدولة أن يقوم جمع من الفقهاء بقراءة فقه المذاهب الإسلامية الأخرى في هذا المجال، وقراءة الدستور الوضعي لماهية الدولة وجدول وظائفها، والاستفادة من المسائل المستجدة في الجمهورية الإسلامية في إيران من أجل صياغة باب فقه الدولة صياغة محكمة.

المؤثرات في عملية الاستنباط

أثر الزمان في الاستنباط

البصائر: يقول الإمام الخميني (قدس سره): «إنّ إحدى القضايا المهمة جدًّا في عالم اليوم المليء بالفتن هي: دور الزمان والمكان في مسألة الاجتهاد واتخاذ القرارات». فما هو أثر الزمان في الاستنباط؟.

الخباز: إنّ دخالة الزمان في استنباط الحكم الشرعي تتبيّن في موارد ثلاثة:

1- قد يكون تغيّر الزمن موجباً لتغيّر الموضوع، وبما أنّ الحكم تابع لموضوعه تبعية المعلول لعلته التامة، فتغيّر الزمن موجب لتغير الحكم، مثلاً بيع الدم قبل مائتي سنة كان بيعاً فاسداً لانتفاء شرط المالية في المبيع، ثمّ تغيّر الحكم لتغيّر الموضوع، فإنّه لما تبيّن أهمية الدم بالنسبة لإنقاذ حياة الإنسان في هذا العصر؛ أصبح الدم محطّ الرغبة النوعية العقلائية، وتحوّل إلى مال يُباع ويُشترى فتغيّر حكم بيعه من البطلان إلى الصحة.

2- إنّ تغيّر الزمان موجب عادة لولادة فروع وأبواب فقهية جديدة كمسائل البنك وعقد التأمين ونحو ذلك من المسائل التي حدثت نتيجة تطور المفاهيم الاقتصادية، ومهارة الفقيه قد لا تبرز في استنباط أحكام الأبواب المعروفة لكثرة ما كُتب فيها، وإنّما تبرز في استنباط أحكام المسائل المستحدثة.

3- إنّ تغيّر الزمن ملازم عادة لتطور المفاهيم القانونية وتطور أدوات الاستنباط نتيجة استثمار العلوم المستحدثة في هذه المجالات، فمثلاً نتيجة قراءة القانون الوضعي كما في كتاب (الوسيط في القانون) للسنهوري وقع البحث عند بعض الفقهاء في أنّ إجارة الأعمال من قبيل الحقّ العيني أو الشخصي، كما استُفيد أيضاً من بحث فلسفة الحقوق في القانون الوضعي سعة مفهوم الحقّ للحقوق الاعتبارية المحضة وقابليتها للنقل والانتقال كحقّ البراءة العلمية ونحوه، كما نتوقع أيضاً الاستفادة من علم الدلالة اللغوية البنيوية مستقبلاً في مباحث صغريات أصالة الظهور.

أثر الثقافة في الاستنباط

البصائر: يقول أحد الفقهاء: «يجب على الفقيه والمرجع الديني أن يطلع على سنخ الحوادث الواقعة في عصره من المشكلات الاقتصادية والسياسية والنظامية العامة على حدّ استطاعته حتى يتمكّن من استنباط أحكامها من الكتاب والسنة ويميّز بين الحقّ والباطل». ويقول آخر: «الفقيه يجب أن يمتلك رؤية شمولية ورحبة، تنبني على ثقافة واسعة بمشكلات عصره ومجتمعه وحاجات هذا المجتمع». ما رأيك في أثر ثقافة الفقيه على فتاواه؟، وهل هذه الثقافة على نحو الشأنية أو الفعلية؟

الخباز: إنّ إلمام الفقيه بواقع زمانه، وأوضاع عصره عنصر ضروري في مواكبة الفقه لمسيرة الحياة -وإن لم يكن دخيلاً في حجية الفتوى-، فإنّ الغرض الأكمل لدى الفقيه أن تكون فتواه في الأمور الكلية، أو حكمه الولايتي في الحوادث الجزئية مصداقاً لعنوان الدعوة إلى الخير﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ[13]، وصدقُ هذا العنوان منوط بتطابق خطاب الفقيه مع واقع عصره، وهو متوقف على ثقافته وإلمامه بملابسات زمانه، مضافاً إلى ما ورد عنهم (عليهم السلام): «مَنْ لم يكن عارفاً بزمانه هجمت عليه اللوابس»، وهو ظاهر في أنّ عدم معرفة الفقيه بملابسات زمانه موجب لتعثّر أحكامه واختلاط الأمور عليه، وعدم انصياع العامة من الناس لقراراته.

المعصوم ولغة الخطاب

البصائر: عند ملاحظة اشتغال الفقهاء بتحليل نصوص المعصومين (عليهم السلام) نشهد لونين من التحليل، يعتمد أولهما على تحليل دقيّ يقترب من الطابع الفلسفي، ويتصف ثانيهما بتحليل مقارب للفهم العرفيّ؛ تأسيساً على مخاطبة النصوص للناس على قدر عقولهم. وذاكما اللونان هما ما يسميهما البعض: الفهم الدقيّ والفهم العرفيّ للنصّ. ماذا ترون في هذين اللونين؟

الخباز: الجواب يعتمد على مقدمتين:

ألف: إنّ الظهور نوعان: ذاتي وموضوعي، فالظهور الذاتي هو الظهور المستند لعوامل ذاتية في شخص المستظهر، كأن يكون للبيئة أو المزاج الشخصي دخل في استظهاره. والظهور الموضوعي هو الظهور المستند لعوامل خارجية -أي خارج ذات المستظهر- وهي قد تكون لغوية كالوضع والقرائن اللفظية، وقد تكون عقلية، أو ارتكازية ونحو ذلك، وما قام البناء العقلائي على حجيته هو النوع الثاني.

باء: إنّ فهم النصّ على لونين: عرفي وعقلي، والمراد بالأول هو الظهور الموضوعي الذي ذكرناه في المقدمة السابقة، والمراد بالعقلي هو الفهم المستند لمقدمات عقلية خفية ليست من سنخ القرائن؛ مثلاً قوله (عليه السلام): «لا تنقض اليقين بالشك»، ظاهر عرفاً في الإرشاد إلى مرجعية اليقين السابق في ظرف الشك، ولكن قد يُدَّعَى ظهوره في إمارية الاستصحاب، بتقريب أنّ مفاد الرواية هو عدم ناقضية الشك لليقين، وحيث إنّ عدم الناقضية من اللوازم العقلية لانكشاف الواقع، إذ لو لم ينكشف لكان الشك ناقضاً، إذن.. فما دلّ على اللازم وهو انتفاء الناقضية دالّ على الملزوم وهو انكشاف الواقع في ظرف الشك المساوق للإمارية.

إلا أنّ هذا الفهم مبني على مقدمات عقلية خفية لا تصلح أن تكون قرينة عليه، وهذا ما يُعَبَّر عنه بالفهم العقلي التحليلي، ولا شاهد على حجيته.

البصائر: يقول الإمام الصادق (عليه السلام): «ولا يكون الرجل منكم فقيهاً حتى يعرف لحن كلامنا، وإنّ الكلمة منّا لتنصرف على سبعين وجهاً، لنا منها جميعاً المخرج». ورد في لسان بعض الأحاديث الشريفة -كالحديث المتقدّم- أنّ الفقيه من يعرف لحن كلام المعصومين (عليهم السلام)، أو معاريض كلامهم (عليهم السلام)، وأنّ في كلامهم محكماً كمحكم القرآن، ومتشابهاً كمتشابه القرآن، هلا تفضلتم بتبيان المقصود من ذلك وتأثيره على الاستنباط؟

الخباز: إنّ المقصود بهذه النصوص اشتمال كلام الأئمة (عليهم السلام) على الدلالة الرمزية -المعبَّر عنها بلحن القول ومعاريض الكلام-، وهي الإشارات التي يرمز المتكلم بها لمعاني لا يريد التصريح بها، وهذا ما يؤكد ضرورة القراءة الموضوعية للنصّ، فإنّ القراءة على اتجاهين:

1- القراءة التجزيئية، وهي قراءة النصّ منفصلاً عن الملابسات الخارجية، كما هو ديدن كثير من الفقهاء، وهذا النوع من القراءة قد لا يوصل الفقيه لمعرفة بطون كلامهم (عليهم السلام) ومعاريضه.

2- القراءة الموضوعية، والمقصود بها قراءة النصّ ضمن السياق التاريخي والفكري والشخصي لسيرة الأئمة (عليهم السلام)، وهذا الاتجاه يعتمد على عدة خطوات منها:

ألف: قراءة جميع أحاديثهم من الطهارة إلى الديات قبل الخوض في عالم الاستنباط، كما يُنقل عن السيّد السبزواري (قدس سره) أنّه قرأ (البحار) ثلاث مرات، وعلَّق عليه.

بلحاظ أنّ لكلّ مفكر لغة خاصة، ومنهجاً متميّزاً في طرح الفكر ومعاريض الخطاب، والإمام المعصوم ذو لغة ومنهج خاصّ أيضاً، ومن أجل اكتساب الخبرة بلغة الأئمة، ومنهجهم ولحن كلامهم، فلابد من قراءة جميع رواياتهم (عليهم السلام)، وهذه الخطوة عنصر ضروري لكمال الاستنباط، فإنّه بها يُعرف الحديث الموضوع المنافر للغتهم ومنهجهم من غيره، كما ورد عنهم: «إذا ورد عليكم الحديث فقيسوه على أحاديثنا المتقدمة فإن وافقها فهو منَّا»، وبهذه الخطوة أيضاً يتمكن الفقيه من تحصيل الجمع العرفي بين النصوص المتعارضة لمعرفته بسياقها، وبها أيضاً قد يتوصل الفقيه لحكم من غير بابه المعهود، إذ ربّما يتطرّق الإمام (عليه السلام) ضمن حديثه عن المواريث أو الديات لحكم من أحكام الصلاة أو البيع ولو بالمدلول الالتزامي، وربّما يحصل العكس، وبهذه الخطوة أيضاً يُعرف النصّ السابق واللاحق فيتمكن الفقيه بذلك من الجمع بينهما بالحكومة، باعتبار نظر المتأخر للمتقدم، وهذا ما أشار إليه الإمام (عليه السلام) في بعض الروايات «أرأيتَ إن حدثتكَ بحديث أو أفتيتكَ بفتيا، ثمّ جئتَ من قابل فحدثتكَ بخلافه؛ بأيّهما كنتَ تأخذ؟ قلتُ: بأحدثهما، قال: قد أصبتَ يا أبا عمرو».

باء: قراءة ظروف صدور النصّ وملابساته لمعرفة أنّه صادر على سبيل التقية أم لا، نحو ما ورد عنه (عليه السلام): «اروِ عني من طلَّق زوجته ثلاثاً في مجلس واحد فقد بانت منه». ومعرفة أنّه صادر على نحو الحكم القانوني أو الحكم الولايتي، نحو ما ورد عنه (عليه السلام): «خذ مال الناصب أينما وجدته، وادفع إلينا الخمس»، ومعرفة أنّه من خصوصياته (عليه السلام). أو أنّه خطاب مولوي مشترك نحو ما ورد في معتبرة زرارة عنه (عليه السلام): «ثلاثة لا أتقي فيهن أحداً: شُرْب المسكر، ومتعة الحج، والمسح على الخفين. ثم قال زرارة: قال (عليه السلام): لا أتقي، ولم يقل: لا تتقوا».

جيم: قراءة الاتجاهات الفكرية والمذاهب الفقهية المعاصرة للنصّ من أجل فهم معاريضه وفك دلالاته، نحو معتبرة أبي عبيدة الحذّاء قال: سمعتُ أبا جعفر (عليه السلام) يقول: «أيّما ذميّ اشترى من مسلم أرضاً، فإنّ عليه الخمس»، فإنّه لو انفصلت الرواية عن سياقها الفكري لاستُفيد منها تعلق الخمس الاصطلاحي بالأرض، ولكن لو قرأ الفقه المعاصر للنصّ وهو ما ذهب له الإمام مالك وغيره من أنّ الذمي إذا اشترى أرضاً زكوية من مسلم، فحيث إنّ المسلم كان مطالباً بدفع العشر منها، فإنّ الذمي إذا اشتراها تضاعف عليه الزكاة فيتعلّق بذمته عشران (الخُمس) لا عشر واحد، فمنظور الرواية للأرض العشرية لا مطلق الأرض، ومفاده تضعيف الزكاة على الذمي لا الخمس الاصطلاحي، ولا موجب لحملها على التقية؛ لعدم المعارض، بل مقتضى (أصالة الجِد) كونها حكماً واقعياً.

البصائر: الخطاب المعصوم هل هو موجّه لمخاطب واحد -سواء أكان عرفيًّا (عاميًّا مستفتياً) أم علميًّا (فقيهاً)، وما تأثير ذلك على فهم النصوص؟

الخباز: هناك بحث في الأصول حول شمول الخطاب لغير المشافَهين، ومحصله أنّ كلام الأئمة (عليهم السلام) على نوعين:

1- ما ورد في مقام التعليم.

2- وما ورد في مقام الإفتاء.

فأما ما ورد في مقام التعليم فهو وارد على نحو القضية الحقيقية، والمخاطب فيه طبيعي المكلَّف لا المشافه، بلحاظ تكفّل هذا النوع من الخطاب لبيان الكبريات الكلية، وأما ما ورد في مقام الإفتاء وهو الخطاب المتكفّل لبيان الوظيفة الفعلية للمستفتي، فهل هو على نحو القضية الخارجية، بمعنى أنّ الشخص المشافه فيه هو المخاطب بالتكليف وإنّما ثبت التكليف في حقّ غيره بقاعدة الاشتراك، أم هو على نحو القضية الحقيقية، بمعنى أنّ المخاطب بالتكليف فيه طبيعي المكلف، وبناءً على ذلك فلا وجه للبحث في أنّ المخاطب واحد أو متعدد بلحاظ أنّ المخاطب هو الطبيعي؟

وتظهر ثمرة المسلكين فيما إذا احتمل دخل خصوصية في موضوع التكليف، فإن قلنا بأنّ شمول الخطاب لغير المشافَهين بنفس الخطاب لوروده على نحو القضية الحقيقية أمكن نفي احتمال الخصوصية بإطلاق الخطاب، وإن قلنا بأنّ شموله بقاعدة الاشتراك لوروده على نحو القضية الخارجية، فالقدر المتيقن من موضوع التكليف ما كان واجداً للخصوصية بلحاظ أنّ مدرك قاعدة الاشتراك لبيّ، فيُقتصر فيه عند الشك على القدر المتيقن.

وأما تنقيح ما هو الحقّ في هذا البحث فموكول لعلم الأصول.

البصائر: يذهب بعض الأصوليين إلى نفي ما يُسمّى بـ(الحقيقة الشرعية)، ومن جهة أخرى ثمة دلالات خاصة بالشارع المقدس، فكيف نوفق بين هذين الاتجاهين؟، وهل للحقيقة الشرعية تأثير في الفهم؟

الخباز: إنّ مسالك البحث في الحقيقة الشرعية ثلاثة:

ألف: إنّ الشارع المقدس وضع ألفاظ (الصلاة، والصوم، والمذكى...) لمعان جديدة غير معانيها اللغوية وضعيًّا وتعيينيًّا، وهذا هو مسلك (الحقيقة الشرعية).

باء: ما ذهب له السيّد الأستاذ السيستاني (دام ظلّه)، وهو مسلك (متمّم الجعل التطبيقي) ومحصله: أنّ (الصلاة) مثلاً لدى المرتكز العقلائي ماهية خضوعية لها مصاديق مختلفة باختلاف الملل، فمصداقها لدى أهل الكتاب مغاير لمصداقها لدى البوذيين مثلاً، والشارع المقدس لم يتدخل في اختراع هذه الحقيقة الاعتبارية، فهي اعتبار عقلائي، وإنّما تدخل في تطبيق هذه الماهية الخضوعية على مصداق خاصّ وهو المركب من الأجزاء والشرائط المعيّنة.

جيم: مسلك (الحقيقة المتشرعية) ومحصله: أنّ الشارع المقدس استعمل لفظ (الصلاة) مثلاً في المركّب الخاصّ لا من باب الوضع التعييني كي يندرج في مسلك (الحقيقة الشرعية)، ولا من باب تطبيق الحقيقة العقلائية على مصداق جديد كي يندرج في المسلك الثاني. وإنّما من باب الاستعمال المجازي لمناسبة بين المعنيين، إلا أنّ كثرة الاستعمال من قبل المتشرعة أوجبت انصراف لفظ (الصلاة) مثلاً للمركب الاعتباري المعبَّر عنه بالوضع التعيّني.

وبناءً على ذلك فالتسليم بأنّ للشارع مداليل خاصة كتحديده الكرّ بحدّ معيّن، وكذلك تحديد القبلة، والزكاة وغيرها..، لا يستلزم التسليم بالحقيقة الشرعية؛ إذ لعلّ من يسلّم بالمداليل الخاصة يرى المسلكين الآخرين.

الذائقة الفقهية

البصائر: يُلاحظ في عبارات الفقهاء -رضوان الله عليهم- تعابير مثل: (شامة الفقيه)، (مذاق الفقيه) تشير إلى خاصية يمتلكها الفقيه تؤثر في توجيه مساق فهم النصوص وعملية الاستنباط. فما هو المقصود من هذه الخاصية؟، وكيف يمكن تنميتها بصورة واضحة؟.

الخباز: في الفقه مشارب أربعة:

1- فقه الظهور، والمقصود به: أن يمتلك الفقيه ذوقاً سليماً يقتدر به على تحديد الظهور العرفي للرواية وتحصيل الجمع الدلالي بين المتعارضين، وهذا ما تميّز به سيّد (المستمسك) (قدس سره).

2- فقه الصناعة، والمقصود به: أن يمتلك الفقيه ذهنية حادة يقتدر بها على تحقيق الكبريات الفقهية وتطبيق الأصول العملية على مواردها، وهو مما تميّز به السيّد الخوئي (قدس سره).

3- فقه الحديث، والمقصود به: أن يكون للفقيه ممارسة طويلة للحديث في كتب العامة والخاصة، بحيث يقتدر بخبرته الواسعة على تحديد متون الأحاديث من حيث التقطيع، والتصحيف، وموارد الاختلاف، ونكات الترجيح، والوحدة والتعدد. وهذا ما تميّز به السيّد البروجردي (قدس سره).

4- فقه الأشباه والنظائر، والمقصود به: أن يكون للفقيه خبرة وافرة بالفروع الفقهية وسليقة حسنة يقتدر بها على الالتفات للنكات المشتركة بين الفروع، بحيث إذا طُرح عليه فرع جديد يلتفت لنظائره في الفقه سريعاً، ويقتنص النكات المشتركة بينهما بحسن سليقته، ويصل إلى حكمه -لا من باب القياس المبني على العلل الظنية، بل من باب اكتشاف الكبريات الصادقة على هذه الفروع جميعاً-، وهذا ما يُعبَّر عنه بـ(شمّ الفقاهة)، وهو ما يتميّز به السيّد أبو الحسن الأصفهاني -كما قيل-.

مدى دائرة الاستدلال

البصائر: لا نجد كثيراً من العلماء يستدلون بنهج البلاغة، ولا الأحاديث القدسية، ولا التوقيعات المروية عن الإمام المهدي (عجل الله فرجه الشريف).. في عملية الاستنباط، فإلام تعزو السبب؟

الخباز: إنّ عدم الاستدلال بأيّ حديث يرجع لأحد أمرين:

1- الخلل في الصدور.

2- الإشكال في الدلالة.

وهذا ما ينطبق على الحديث القدسي. حيث لم يرد بطريق معتبر، مضافاً لعدم وروده في مقام التشريع كي يُستند له في مجال استنباط الحكم الشرعي.

وأما بالنسبة لنهج البلاغة فلا أتصور مانعاً من الاستفادة منه في مجال الاستنباط؛ لإمكان ترميم جهة الصدور فيه وجهة المضمون، أما من جهة الصدور فلتضافر القرائن الموجبة للوثوق بصدوره على نحو المجموع من حيث المجموع -لا الجميع منها لتعدد مصادره وطرقه- كما نقح ذلك المرحوم السيّد عبد الزهراء الخطيب في كتابه (أسانيد نهج البلاغة) -ومنها: النفس الأدبي، حيث إنّ للإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) لغة خاصة في الخطب الثابت صدورها عنه، فإذا قيست الخطب الأخرى عليها أمكن تمييز ما هو منسجم مع النفَس العلوي من غيره-، وهذا ما نقله ابن أبي الحديد عن مصدّق بن شبيب الواسطي قال: قلت لابن الخشاب -عن الخطبة الشقشقية-: أتقول إنّها منحولة؟، فقال: لا والله، وإنّي لأعلم أنّها كلامه كما أعلم أنّك مصدِّق، فقلت له: يقولون إنّها من كلام الرضي، فقال: أنَّى للرضي ولغيره هذا النفَس وهذا الأسلوب؟، فقد وقفنا على رسائل الرضي، وعرفنا طريقته وفنّه في الكلام، وما يقع مع هذا الكلام في خلٍّ ولا خمر. وقال ابن أبي الحديد: «وأنتَ إذا تأملتَ نهج البلاغة وجدته كلّه ماءً واحداً ونفَساً واحداً كالجسم البسيط الذي لا يكون بعض منه مخالفاً للبعض الآخر، وكالقرآن العزيز أوله كوسطه، وأوسطه كآخره»، ومن القرائن أيضاً: السمة الفلسفية والعرفانية التي يتسم بها كلام الإمام (عليه السلام) دون كلمات غيره. فهذه القرائن المتضافرة كافية في تحصيل الوثوق بصدوره.

وأما من جهة المضمون، فبعضه مما ورد في مقام التشريع كعهد الإمام (عليه السلام) لمالك الأشتر، وبعضه مما ورد في مقام الإرشاد للكمال والحُسن -كخطبته حول المتقين-، ويمكن الاستفادة من هذا القسم من خلال اقتناص بعض مقاصد الشارع وملاكاته التي تساهم في عملية الاستنباط كما سبق بيانه في جواب -6-، هذا بلحاظ نهج البلاغة.

وأما بالنسبة للتوقيعات المروية عن الحجة (عجل الله فرجه الشريف)، فهي وإن كانت مرسلة أو مشتملة على المجاهيل. إلا أنّ السيّد الشهيد (قدس سره) بنى على الوثوق بصدورها، والوجه في ذلك أنّ هذه التوقيعات نُسبت للإمام (قدس سره) في الغيبة الصغرى، وسكتَ علماء الطائفة في تلك الفترة عن الحديث فيها مع تضمنها لأحكام ابتلائية وانقياد الشيعة لها في ذلك الوقت، وذلك كاشف إما عن كون الراوي لها في غاية الضعف فلهذا سكت الفقهاء عن روايته لوضوح ضعفه، وإما لكونه مما لا ريب في وثاقته لدى الناس فلا حاجة للتوثيق، وحيث إنّ الأول باطل وإلا لنُقل إلينا كما هو مقتضى ديدن المؤرخين والرجاليين؛ تعيّن الثاني وهو تمامية التوقيع سنداً.

وعندي تأمل في ذلك ومحصله: إنّ سكوت فقهاء ذلك الوقت عن الطعن في هذه التوقيعات لا يجدي شيئاً في مجال التوثيق، وذلك لأنّه إنّما يكشف عن قبولهم بها لو كانت هذه التوقيعات رائجة في تلك الفترة، وكانت الشيعة في معرض العمل بها، فإنّه حينئذٍ ينبغي للفقيه أن يتصدى لتنقيح الحديث قبولاً أو رفضاً لكيلا يكون سكوته إغراء بالجهل وإيقاعاً للمكلفين في مفسدة خلاف الواقع، وأما إذا لم تكن هذه التوقيعات رائجة في تلك الفترة -حيث لا شاهد على انتشارها ورواجها- بحيث لم تكن في معرض العمل بها، مع وجود الأحكام المذكورة فيها في نصوص أخرى ثابتة، فلا يترتب على السكوت عنها أيّ محذور شرعي أو عرفي ككثير من المنقولات التي يسكت الفقهاء عنها لعدم تأثيرها في عمل العامة من الشيعة. وربما يكون سكوتهم على التنقيح في سندها لقيام مجموعة من القرائن عندهم على صدورها، ولكن لو اطلعنا نحن على هذه القرائن لم نجدها كافية في الوثوق؛ إذ لا ملازمة بين ما يوجب الوثوق بالصدور لدى القدماء وما يوجبه لدينا، نعم لو أحرز شهرة العمل لدى القدماء برواية معينة فهذه الشهرة إحدى قرائن الوثوق لا أنّها العلة التامة في تحصيله، أو أنّها مانع من الفتوى على خلافها، إذ لا يُحرز بناء أهل المحاورة على العمل بأيّ ظهور مع قيام ظنّ شخصي على خلافه ناشئ من منشأ عقلائي كالشهرة العملية أو الفتوائية، والمتحصّل أنّ الشهرة وإن لم تكن دليلاً على الحكم لكنّها قد تكون مانعاً من الحكم بخلافها، وأما في التوقيعات المروية عن الإمام الحجة (عجل الله فرجه الشريف) فلم تحرز شهرة العمل بها فضلاً عن دعوى تضافر القرائن المفيدة للوثوق بصدورها.

الرأي الصناعي والرأي العملي

البصائر: يفرِّق بعض الفقهاء بين الرأي الصناعي (الاستدلالي) والرأي العملي (الفتوائي)، فيُدخل -في مرحلة الإفتاء- عناصر مثل: الاحتياط والشهرة قد توصل لخلاف ما يرتئيه على المستوى الصناعي، فهل ينطلق هذا التفريق من دليل يُركن إليه؟

الخباز: قد يتوصل الفقيه لنتيجة معيّنة في مقام الاستدلال لكنّه لا يفتي بها وإنّما يحتاط في الفتوى.

والنكتة في عدم الفتوى بما يراه تتضح بذكر أمور:

ألف: قد يتصور أنّه يجب على الفقيه المتصدي للمرجعية الإفتاء، ولكنّ الصحيح غير ذلك إذ لم يقم دليل على وجوب الفتوى على الفقيه وجوباً عينيًّا، وإنّما غاية ما دلت عليه النصوص الآمرة بالتعليم نحو قوله تعالى: ﴿وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ[14]، ونحو «أخذ على العلماء أن يعلِّموا» أنّه يجب على الفقيه وجوباًَ كفائيًّا الإنذار في خصوص المسائل الابتلائية التي لو لم يتعلمها لوقع في مفسدة مخالفة الواقع، والمقصود بالإنذار ليس هو الفتوى، وإنّما تنبيه العامي على طريق يبرئ به ذمته من التكليف الواقعي سواء أكان وظيفة شرعية وهي الفتوى، أو وظيفة عقلية وهي الاحتياط، فإذا لم يجب على الفقيه الفتوى، وإنّما الواجب مطلق الإنذار كما أنّه لا يجب على الفقيه الإنذار وجوباً عينيًّا، بل وجوباً كفائيًّا وفي المسائل الابتلائية، فلا حزازة في أن يترك الفقيه ما اقتنع به ويحتاط في الفتوى، نعم لا يمكنه أن يفتي بخلاف رأيه العلمي لأنّ ذلك من الفتوى بغير علم، ولكن لا يجب عليه أن يفتي على طبق رأيه.

باء: إنّ عدم فتوى الفقيه بما يراه في مقام البحث يرجع لأحد أسباب:

1- عدم إيقاع العامي في الحرج، كما لو فرضنا أنّ الفقيه يرى على مستوى البحث العلمي أنّ المتَنَجِّس منَجِّس، ولكنّه في مقام الفتوى يحتاط -لأجل أنّ الفتوى بذلك توقع العامي في الحرج- احتياطاً وجوبيًّا بالنجاسة، ولا يفتي بها لكي يتمكن العامي من الرجوع لغيره ممن لا يرى النجاسة. بلحاظ أنّ الاحتياط وظيفة شخصية للفقيه، وليست فتوى كي يجب على العامي العمل بها.

2- ألَّا تكون فتواه سبباً لوهن الدين أو المذهب، كما لو اقتنع الفقيه بأنّ تملّك مال الكافر بالنهب والسرقة جائز، ولكنّه يحتاط في مقام الفتوى احتياطاً وجوبيًّا بعدم الجواز، إذ قد تُعَدّ الفتوى بالجواز وسيلة عالمية للتشهير بالدين وعلمائه في أنّهم يحثون على ظلم الآخرين وسرقة أموالهم، وهذا وهن لمقام المرجعية.

3- ألَّا تكون الفتوى سبباً لجرأة العامة على فعل الحرام، كما لو اقتنع الفقيه بأنّ الغناء بالقرآن أو الحكمة جائز، ولكنّه في مقام الفتوى يحتاط وجوباً لكيلا تكون الفتوى بالجواز وسيلة لجرأة الناس على الغناء في غير هذا المورد.

4- ألَّا تكون الفتوى على خلاف المشهور بين علماء الطائفة، كما لو اقتنع الفقيه بأنّ الكتابي طاهر، ولكنّه احتاط بالنجاسة، أو اقتنع بأنّ حلق اللحية جائز، لكنّه احتاط بالمنع؛ لأجل أنّ الفتوى بالجواز مخالفة للمشهور، ولا يعني هذا أنّ الشهرة الفتوائية حجة ودليل، وإلا لجاز للفقيه أن يفتي على طبق المشهور، بل لأنّ الشهرة الفتوائية لدى القدماء منبِّه عرفي على وصول دليل لهم على المنع لم يصل إلينا، وهذا الاحتمال كافٍ في منع الفقيه من الاطمئنان بأنّ رأيه عن حجة لاحتمال عدم استقرائه لتمام الأدلة، إذن.. فعدم فتوى الفقيه بما يراه في مقام البحث إنّما هو لملاك محبوب شرعاً كالملاكات الثلاثة السابقة، أو لعدم الاطمئنان باستكمال مدارك الاستنباط كما في السبب الرابع، مضافاً إلى أنّه لا يجب عليه الفتوى من الأساس. وقد سبق في جواب -20- مزيد توضيح لتعامل الفقيه مع الشهرة.

جيم: هناك أمران لابد من الالتفات إليهما:

1- هناك فرق بين (الاحتياط في الفتوى)، و(الفتوى بالاحتياط)، فالاحتياط في الفتوى هو ألَّا يفتي المجتهد بشيء، ولكنّه يكتب في رسالته (الأحوط وجوباً)، والمقصود بهذا الاحتياط أنّه وظيفة شخصية يمارسها المجتهد لنفسه في مقام الإفتاء لأحد الأسباب السابقة فكأنّه قال: أنا امتنع عن الفتوى بالجواز أو الفتوى بالحرمة احتياطاً لنفسي، والعامي ملزم بفتاوى الفقيه لا باحتياطاته الشخصية.

والمقصود بالفتوى بالاحتياط هو أن يقوم دليل اجتهادي على لزوم الاحتياط في مورد السؤال فيفتي المجتهد على طبقه ويكون العامي ملزماً به، كما لو كان الفقيه ممن يرى عدم جريان البراءة عقلاً ونقلاً في الشبهات الحكمية التحريمية، وأنّ الجاري فيها أصالة الاحتياط الشرعي المستفاد من «أخوك دينك، فاحتط لدينك» ونحوه كما في مورد الشك في حرمة الجمع بن الفاطميتين. فيفتي بالاحتياط في المقام، أو كان المورد من موارد تنجّز العلم الإجمالي، كما إذا شك المكلف في أنّ السفر للدراسة مما يجب فيه التمام لصدق العمل عليه، أو مما يجب فيه القصر لانصراف عنوان العمل للمهنة، فمقتضى منجزيّة العلم الإجمالي في المورد هو الاحتياط بالجمع بين القصر والتمام. أو قام دليل في مورد خاصّ على الاحتياط كما في موارد الشبهات الموضوعية للدماء والأعراض، حيث قام الارتكاز المتشرعي القطعي على الاحتياط فيها، ففي هذه الموارد يفتي الفقيه بالاحتياط، وعلى العامي اتباعه؛ لكون ما صدر منه فتوى لا احتياطاً في الفتوى.

إنّ بعض الفقهاء لا يجوّز الرجوع للغير حتى في بعض موارد الاحتياط في الفتوى، وذلك في فرض قطع الفقيه بأن لا دليل على الجواز، كما لو قطع الفقيه بأن لا دليل على جواز العقد على البكر دون إذن وليها، وإنّما لم يفتِ باشتراط الإذن لسبب من الأسباب، فهو في هذا الفرض لم يصدر منه فتوى باشتراط الإذن لكنّه يقطع بخطأ من يفتي بعدم الاشتراط لقطعه بعدم الدليل على الجواز؛ وحينئذٍ فلا يجوز بنظره الرجوع لغيره في هذه المسألة التي لم يفتِ فيها؛ لأنّه من باب إرجاع العامي للجاهل لا للعالم. لكنّ ما أُفيد محلّ تأمل ونقاش مذكور في محله بلحاظ أنّ ما هو حجة على العامي فتوى الفقيه، وأما قطعُهُ بخطأ الفقيه الآخر من دون إبراز الفقيه لذلك فلا دليل على حجيته في حقّ العامي، فلا مانع حينئذٍ من الرجوع للغير لانتفاء فتوى مرجعه في هذه المسألة.

--------------------------------------------------------------------------------

[1] سورة البقرة/ 223.

[2] سورة البقرة/ 275.

[3] سورة البقرة/ 279.

[4] سورة الحشر/ 7.

[5] سورة الزمر/ 18.

[6] سورة الروم/ 22.

[7] سورة الفرقان/ 63، 72.

[8] سورة الإسراء/ 36.

[9] سورة البقرة/ 279.

[10] سورة البقرة/ 282.

[11] سورة البقرة/ 188.

[12] سورة آل عمران/ 104.

[13] سورة آل عمران/ 104.

[14] سورة التوبة/ 122.


ارسل لصديق