من أمس الأمة إلى غدها..[1]
كتبه: د. السيد مصطفى جمال الدين
العدد (46) السنة 21 - 1431هـ/ 2010م
التعليقات: 0
القراءات: 2374

إلى مثيري الفتن الطائفية، نُهدي لهم هذه القصيدة الرائعة، لعلهم يفيقوا من سباتهم، وينقذوا أنفسهم من براثنها وحبائلها الشيطانية. (المحرر).

عُودِي لأمسِكِ ينطلق منكِ الغدُ

ما شعَّ في دَمِكِ النبيُ محمدُ

يا أُمةً يبسَ الزمانُ، وعُودها

ريانُ من نبعِ النُبوّةِ أملَدُ

تَسرِي بأعماقِ السنينِ جُذورُهُ

وتَشُدُّ أذْرُعَهُ النجومُ فيصعدُ

ما ارتاعَ مِن عَسْفِ المُحُولِ ولا انثنى

بيدِ العواصفِ فَرعُهُ المُتَأوِّدُ

ومُذْ اشتَكَتْ تلكَ الجَنائِنُ حَولَهُ

مِمّا يَعيثُ بِها الخريفُ الأجرَدُ

ألقى رُواءَ الهَديِ بينَ غُصونِها

فأفاقَ حتى الهَامِدُ المتقصِّدُ

وسَرَتْ بِها بعدَ الذُبولِ غَضَارةُ الـ

ــقرآنِ، تُخَصِبُ رُوحَها، وتُوَرِّدُ

وتَطلّعتْ فإذا بسُنَّةِ أحمدٍ

سُحُبٌ يَفيضُ بها النعيمُ ويرفُدُ

وإذا النُبوّةُ في الوُجوهِ نَضارةٌ

والعقلُ نورٌ.. والقلوبِ تَوَدُّدُ

وإذا بصرعى الجاهليةِ في الوغى

حُمَمٌ.. وفي ليلِ المَتِيهَةِ فرقدُ

وإذا بمكّةَ وهي صُمُّ جَنادلٍ

سُودِ، لمؤتلِق الكَواكبِ مَقصِدُ

* * *

عُودِي لدربِكِ لا يَصُدَّكِ أنّهُ

عَسِرٌ ودربُ الآخرينَ مُعَبَّدُ

وبأنَّ أمسَكِ من متاعبِ شوطِهِ

هَرِمٌ ويومَكِ، من صِقالٍ، أمرَدُ

فالمجدُ لا تَرقى إِليهِ أُمَّةٌ

لم يُبْنَ فيها بالضحايا مِصعَدُ

والفكرُ لم يَقْبِسْهُ يوماً خاطرٌ

تَرِفُ المَجسَّةِ، من جَلِيدٍ أبرَدُ

عودي، لأنّ غداً طَرَقْتِ رِتاجَهُ

بابٌ -بغيرِ جَلالِ أمسِكِ- مُوصَدُ

يُبنى الجديدُ على القديمِ، وخيرُ ما

يبقى من النَّشَبِ الطريفُ المُتْلِدُ

ويُغورُ في النِسيانِ وَهْجُ حضارةٍ

بَتراءَ، لم يَرفع سناها مَحتِدُ

سُنَنُ الحياةِ: على الرمالِ قلاعُها

تَهوِي، وفي القِمَمِ المُنيفةِ تخلُدُ

* * *

يا أُمةَ القرآن لم يَذْبُلْ على

شَفَتَيْكِ هذا اللؤلؤُ المتوقِّدُ

تَندى به، خَضِلَ البَيانِ، تِلاوةٌ

ويَنثُّهُ، عَطِرَ الخشوعِ، تَهجُّدُ

وتشِبُّ فيهِ بالفتوحِ سَرِيَّةٌ

ويَضِجُّ مِنهُ بالمعارفِ مسجدُ

ويكاد حتى الصَخرُ لو رَنِّتْ به

آياتُهُ، يُصغِي لها، ويُردِّدُ

هَدَرتْ به لُغَةٌ، كأنّ حُروفَها

من طِيبِ ما حَمَلتْ، شَذىً مُتَجسِّدُ

تتساءَلُ الكَلِماتُ، وهي تُقِلُّهُ:

مِن أينَ هذا الفارسُ المتفرِّدُ؟!

للشِعرِ نَنْسِبُهُ؟ ونَعرِفُ أنَّه

بَوْحُ الحياةِ، وزَهوُها المُتمرَّدُ

لكنّه مهما استَطالَ يَظَلُّ في

حَصَرٍ، أمامَ شُموخِهِ يتنهْدُ

يا أُمةَ القُرآنِ أَمسُكِ مُخصِبُ

بوَرِيفِ ما أعطى ويومُكِ أَربَدُ[2]

ما بالُكِ استدبرتِهِ وتَرَكتِهِ

يَخْتالُ بَين بَنِيهِ وهو مُصَفَّدُ

يُلقِيهِ في حَلَكِ القلوبِ تَبرُّكٌ

ويُذِيبُهُ بين الشِفاهِ تَعوُّدُ

ويكاد يستجدي الهُدى مِنْ فِتْيَةٍ

لولا تَوهُّجُ نُورِهِ لم يهتدُوا

* * *

يا أمّةً بَهَرَ الخُلودُ لِداتِها

فيما أَقامَ بها البُناةُ وشَيّدوا

وتَأنَّقَ التاريخُ في خُطُواتِهِ

يجلو بها ما شَرَّعوهُ وقَعّدوا

العدلُ أُسٌّ.. والعُلومُ فريضةٌ

والحُكمُ شورى.. والسياسةُ سُؤدَدُ

والناسُ عند وُلاتِها وقُضاتِها

شَرَعٌ.. سواءٌ عبدُهم والسيّدُ

والأرضُ أرضُ اللهِ لا (كسرى) بها

يَهِبُ الحياةَ، ولا (هِرَقْلُ) يُسعِدُ

و(محمدٌ) عُرُشُ المَمالكِ دونَهُ

قَدراً، على خَشِنِ الحَصِيرة يرقُدُ

و(عليٌ) ذو الثَوْبينِ يَكسوا (قمبراً)

أغلاهُما وله الرخيصُ الأجرَدُ

و(الراشِدونَ)، خلائِفاً وأئِمةً،

ما بين أقدام الرَعيّةِ أعبدُ

حتى إذا فَتَحوا الفُتوحَ، وأَسرَجوا الـ

ـدنيا، فَضَاءَ بها الزمانُ الأسودُ

وزَهَتْ بوَهْجِ ذُبالةٍ في (يَثربٍ)

غُرَفٌ بأعلى (طاشَقَنْدٍ) هُجَّدُ

أَلفيتُنا يحدو طلائعَ ركبِنا

تَيْهٌ، ويَغمرُهنْ ليلٌ سَرمَدُ

وتشعَّبتْ طُرُقُ المَتِيهِ: فَشرَّقَ الـ

أعمى.. وغرَّبَ في دُجاهُ الأرمدُ

* * *

يا أُمّةَ الإسلامِ وِقْفَةَ حائرٍ

تَزِنِيْنَ فيها: ما يُرِيحُ.. ويُجهِدُ

عودي لأمسِكِ تركبي طُرُقَ الهدى

فالأرضُ سَهْلٌ، والركائبُ حُشَّدُ

وأمامَ عَينِكِ حاضِرٌ متقدَّمٌ

فيه من الرَّشَدِ الوفيرُ الأجوَدُ

فتخيّري ما تَشتهينَ، وجَدِّدي

هِمَماً تكادُ من التَغرُّبِ تهمُدُ

وتعدّدي طُرُقاً فلا تُوهِي السُّرى

سَعَةُ (المذاهِبِ) والمدى مُتوحِّدُ

فالرأي تَصقُلُهُ العقولُ، تَخالَفَتْ

نَظَراً، وقد يُصدِيهِ عقلٌ مُفرَدُ

والخوفُ ليسَ بأن نكونَ مَنائِراً

شتّى، تُضِيءُ لنا السبيلَ وتُرشِدُ

الخوفُ أن يُبْنى فريقٌ مُسلِمٌ

بحُطامِ آخرَ، مِثلَهُ، يتبدَّدُ!

والخوفُ من لُقيا عَدوِّكَ شَاهِراً

لأخيكَ صارِمَ حِقدِهِ فتُمجِّدُ!!

والخوفُ أنَّ (العُنصريّةَ) هَوَّمتْ

زَمَناً.. فأيْقَظَها الدمُ المُستورَدُ

والخوفُ أنّ (الطائِفيّةَ) تَبتني

أعشاشَها بينَ العُقولِ فنحمَدُ

ونَطيرُ أسراباً نُرفرِفُ حولَها

ونَعُبُّ فَضْلَ دمائِنا.. ونُغَرِّدُ

* * *

يا قومُ حَسبُكمُ التفرقُ في المدى

فالليلُ طاغٍ، والضَياعُ مُعربِدُ

والطائفيّةُ -وهي أسوءُ ما سعى

أعداءكم فيه- تُصانُ وتُعضَدُ

ويكادُ (رَمزُ الطائفيّةِ) -وهو مَنْ

تَدرونَ بُغضاً للتديّنِ- يُعبَدُ

ما انْفَكَّ يَلمِزُ مِنْ ذُرى أحسابِنا

حَنَقاً، فَـ(يُعجِمُنا) لكم أو (يُهنِدُ)[3]

نحنُ العراقُ شُموخُهُ وإباؤهُ

وكريمُ ما أعطى بنوهُ وأنجدوا

عُرُبٌ تكاد عُروقُنا -ممّا بها

من (دارِمٍ) و (مجاشِعٍ)- تتفصَّدُ

وجرى بنا الإسلامُ سَيْلَ حضارةٍ

وتَمَدُّنٍ، يُرغي هُداهُ ويُزبِدُ

وامْتدَّ وَهْجُ (القادسيّةِ) من دِما

آبائِنا.. حتى (الشُّعَيْبَةِ) يَشهَدُ[4]

أَتكونُ مِحنَتُنا؛ لأنَّ قلوبَنا

من نَبْعِ آلِ محمدٍ تَتَزوّدُ؟!

ويكون عُذرُ بني أبينا أنّهم

خُدِعوا ببارقِ ما يَقولُ فأرعدوا؟

هَبْكُمْ صَدَقْتُمْ ما تَنطَّعَ فيه من

حَرقِ اليهودِ مُنافقٌ مُتَهوِّدُ

أفتسكتونَ، وقد أحالَ خرائباً

مَثوى الأئمةِ، جيشُهُ المستأسِدُ

حتى كأنّ بكربلاءِ (حائط المبكى)

وفي النجف (الكِنيسِتُ) يُعقَدُ!!

* * *

--------------------------------------------------------------------------------

[1] الديوان، ص231، نشر دار المؤرخ العربي، ط1، 1995م.* عالم دين، شاعر كبير وأديب بارع، ولد عام 1927م في قرية المؤمنين بسوق الشيوخ (العراق)، أكمل دراسته الدينية في النجف الأشرف، تخرّج في كلية الفقه عام 1962م، حاز على الماجستير في الشريعة الإسلامية عام 1972م، ثم الدكتوراه في اللغة العربية 1979م، شارك في العديد من المؤتمرات الشعرية والثقافية الفكرية، نشر له عدة من المؤلفات منها: (القياس حقيقته وحجيته)، (الاستحسان: حجيته ومعناه)، (البحث النحوي عند الأصوليين)، (الديوان) يضم أروع أشعاره، طبع عام 1995م عن دار المؤرخ العربي، توفي عام 1996م، ودفن في الشام (مدينة السيدة زينب (عليها السلام)).

[2] أَربَد: مقحِط.

[3] إشارة إلى ما كتبه النظام البائد عن شيعة العراق مرةً بأنهم عجم إيرانيون، ومرةً بأنهم هنود جاء بهم محمد بن القاسم لما فتح الهند.

[4] القادسية المعركة المعروفة بين الإسلام والفرس. والشعيبة المعركة بين المسلمين والإنكليز، وكلاهما في العراق.

د. السيد مصطفى جمال الدين

عالم دين، شاعر كبير وأديب بارع، ولد عام 1927م في قرية المؤمنين بسوق الشيوخ (العراق)، أكمل دراسته الدينية في النجف الأشرف، تخرّج في كلية الفقه عام 1962م، حاز على الماجستير في الشريعة الإسلامية عام 1972م، ثم الدكتوراه في اللغة العربية 1979م، شارك في العديد من المؤتمرات الشعرية والثقافية الفكرية، نشر له عدة من المؤلفات منها: (القياس حقيقته وحجيته)، (الاستحسان: حجيته ومعناه)، (البحث النحوي عند الأصوليين)، (الديوان) يضم أروع أشعاره، طبع عام 1995م عن دار المؤرخ العربي، توفي عام 1996م، ودفن في الشام (مدينة السيدة زينب (عليها السلام).



ارسل لصديق