العولمة الثقافية
كتبه: الشيخ عبد اللطيف الشبيب
العدد (46) السنة 21 - 1431هـ/ 2010م
التعليقات: 0
القراءات: 4301

العولمة والعولمة الثقافية

ندخل هذا العام[1] ما اصطُلح على تسميته بـ(الألفية الثالثة)، والمعلم البارز في هذه الألفية الذي جُعل عنواناً لها هو: (النظام العالمي الجديد)، أو ما اصطُلح على تسميته بـ(عصر العولمة).

حريّ بنا أن نقف قليلاً على معالم هذه الألفية، وعلى موضوع العولمة؛ لنرى أنفسنا في أيّ زاوية نعيش من زوايا خارطة هذا العالم؟، وما الذي يُراد لنا؟، وما الذي يُخطط لنا أو علينا؟؛ حتى نقف على أرض صلبة لنتجاوز من خلال هذه الوقفة معالم هذا التيه الذي تعيشه الأمة الإسلامية.

حريّ بنا أن نقف عند موضوع رئيس في موضوع العولمة وهو موضوع العولمة الثقافية.

قد يقول قائل: لماذا الحديث عن العولمة الثقافية تحديداً؟، لماذا ننأى بأنفسنا عن الحديث عن العولمة السياسية أو الاقتصادية؟، وهل العولمة الثقافية إلا جزء من منظومة عامة تشمل السياسة والاقتصاد والثقافة؟.

الحقيقة: أنّ العولمة الثقافية هي النافذة الأهم في موضوع العولمة، وهي الخطر الأشد، إذ إنّها هي مفتاح العولمة السياسية والاقتصادية.

قبل أن تكون هناك عولمة سياسية أو اقتصادية ينبغي أن تكون هناك عولمة على صعيد الفكر والثقافة، وما لم يُخترق هذا الجدار في أيّ أمة من الأمم، ما لم تُستلب هذه الأمة ثقافتها وفكرها، فلن يكون هناك مدخل اقتصادي أو سياسي.

العنوان الأساسي في العولمة والخطر الذي ينبغي أن نتنبّه إليه هو الموضوع الثقافي تحديداً.. الموضوع الفكري.

وهنا لا بدّ من الإشارة إلى أنّ الحضارات لكي تبقى قوية، ولكي تبقى صامدة، ولكي تبقى في مراكز الصدارة ينبغي لها أن تحارب عدوًّا ما.

إذا كان هناك عدو حقيقي للحضارة فبها، وإلا.. فمن عادة القائمين والمنظّرين لهذه الحضارة أن يخترعوا عدوًّا لهم، لكي يفلسفوا ويبرّروا حربهم تجاه الآخر.

بالأمس القريب كانت (المنظومة الشرقية) بالاصطلاح أو (الشيوعية) باصطلاح آخر هي العدو الواضح للمنظومة الغربية، وبالتالي كان الغرب طيلة عقود ممتدة يفترض في الشرق بشقه الشيوعي عدوًّا برّر هذا الكم الهائل من الإنفاق على التسلح وعلى حرب النجوم وعلى.. وعلى... وعلى.....، بلحاظ أنّ هناك عدوًّا حقيقيًّا.

اليوم وبعد انهيار هذه المنظومة تتوجه أنظار هذا العالم الغربي إلى العدو الجديد باصطلاحهم أو العدو الأخضر باصطلاح آخر، فبعد أن فرغوا من العدو الأحمر تفرّغوا وانصبت جهودهم لمحاربة العدو الأخضر ألا وهو الدين الإسلامي.

وسواء أكان الدين الإسلامي -حقيقة- يشكل عدوًّا لهذه المنظومة أم لا يشكل، فإنّه يُراد من هذه الحرب أن تخلق عدوًّا تتوجه الجهود نحوه، وتتحفز القوى الداخلية في الذات الغربية باسم مواجهته، مهم عندهم أن يخترعوا عدوًّا لكي يبقوا، ولكي يبرروا حربهم الجائرة على هذا الدين. لكي يبرروا هذا الإنفاق وهذا التدخل وهذه العنجهية لابدّ أن يفترضوا أنّ الدين الإسلامي عدو لهم.

ومن ثمّ نحن كمسلمين لا نعيش كما يتهمنا البعض (عقدة المؤامرة)، وأنّ الآخرين يتآمرون علينا ادعاءً فارغاً لا حقيقة له.

هذه حرب واضحة، وهذا عداء حقيقي يمتدّ من عصر الحروب الصليبية إلى يومنا هذا.

لا يمكننا أن ننام ونسلّم جدلاً أنّ الآخر يحترم هذا الدين، وأنّ الآخر يريد لهذا الدين أن يتعايش معه.

وقد يقول البعض: ها هم أرباب الحضارة يشيدون بهذا الدين، ويفخرون بوجود أقلية تنتمي لهذا الدين بين ظهرانيهم، لكنّي أقول: هذا وجه واحد من وجوه القضية.

هناك عدة مظاهر تنبئ عن أنّ هذا الدين يشكل بالنسبة إليهم عدوًّا يحتاج إلى المحاربة، وحين تُطرح قضية العولمة ويُطرح النظام العالمي الجديد ليس هناك ما يقارع هذا النظام العالمي، وليس هناك من سدّ يقف أمام نظام العولمة الجديد سوى هذا الدين بما يحمل من فكر، وبما يحمل من رؤى، وبما يحمل من حضارة، هو المرشح لكي يكون سدًّا أمام هذا النظام الجديد، ومن ثمّ لابدّ من أن يتنبّه له القائمون على هذا النظام.

كيف تتحقق العولمة الثقافية؟

باعتبار أنّ البحث في هذا الموضوع متشعب وطويل؛ سوف أقتصر -هنا- على بعض النقاط التي تشكّل مدخلاً لتحقيق العولمة الثقافية، والتي ينبغي علينا أن نتنبّه لها لكي نفهم الخطوات التي من خلالها يريد الآخر صياغة العالم الجديد، العالم الجديد الذي يشبِّهه بعض المفكرين بالأعور الدجال الذي لا يرى إلا شيئاً واحداً، الذي يريد العالم على سمت واحد، وعلى طريقة واحدة، يريد أن يصهر العالم بكلّ ثقافاته وبكلّ أفكاره؛ لكي يكون فكراً واحداً، ويا ليته يكون الفكر الأصح، إنّه فكر القوي، فكر المهيمن، وبالتالي لن يكون في هذا العالم ساحة ولا وجود إلا لمن يحمل قوة في نظرهم، ولعلّ قوة هذا الدين تكمن في داخله، تكمن في صلابته، تكمن في ثقافته، تكمن في أنّه الدين الخاتم باعتبار أنّ النبي محمداً (صلى الله عليه وآله وسلم) هو النبي الخاتم.

هناك مجموعة معالم لتحقيق العولمة الثقافية، منها:

1- تشكيك المنتمي بأصول الدين وثوابته:

أول المعالم في موضوع العولمة الثقافية وكيفية تحقيقها على هذا الصعيد هو تشكيك كلّ منتمٍ لهذا الدين بأصول هذا الدين وثوابته، ونظرة بسيطة إلى الإعلام في هذه السنوات المتأخرة تجد أن لا شغل لهذا الإعلام بأجهزته وأقنيته الفضائية سوى التشكيك في ثوابت هذه الأمة وفي أصولها، طبعاً بلسان قد يقبله البعض، بطريقة قد تنطلي على كثيرين، لكنّ المراد من هذه الطريقة أن يشكك المنتمون لهذا الدين في أصولهم وفي ثوابتهم بحيث لا تعود هناك ثابتة خارج الجدل وخارج النقاش، وذلك تحت عنوان (البحث الحرّ)، وتحت عنوان (الرأي والرأي الآخر)، وتحت عناوين معسولة متعددة.

وإذا كان معاوية قد قال يوماً: «إنّ لله جنوداً من عسل»[2]، فهذا هو الجندي الجديد والعسل الجديد الذي من خلاله تُطرح هذه القضية.

هذا الإعلام بهذه الطريقة يريد أن يشكك هذا المجتمع وهذه الأمة بثوابتها.

أنت داخل هذا المذهب كمنتمٍ لمذهب أهل البيت (عليهم السلام) بدأتَ تسمع عن كثير من الأفواه حتى البعض الذي يدَّعي انتماءً لهذا المذهب، بدأتَ تسمع تشكيكاً في كثير من الثوابت، متى كنا نسمع تشكيكاً في ثابتة كالإمامة داخل المنظومة الشيعية؟!، وكيف يدّعي أحد أنّه شيعي وهو يشكك في هذه المفردة العظمى التي على أساسها يقوم مذهب أهل البيت؟!.

يأتي لنا شخص من آخر الدنيا ليتحدث عن مذهب جديد تحت عنوان (المذهب الأحد عشري)، كأنّ المذاهب بالاختراع، وذاك يشككنا في وجود الإمام الغائب، وآخر يشكك في النصّ على أمير المؤمنين، وثالث يشكك في العصمة، وهكذا دواليك..، فلا تبقى مفردة ولا ثابتة من ثوابت هذا المذهب، بل من ثوابت هذا الدين إلا وهي عرضة للنقاش والجدل من جديد.

ويا ليتها تُطرح بصورة علمية وفي الأماكن العلمية التي تناسب البحث، بل تطرح في كلّ مكان وفي كلّ زمان، بحيث يشكك كلّ ضعيفِ نفسٍ وضعيفِ معتقدٍ بمبدئه وفكره.

الخطوة الأولى لكي تنتمي لهذا العالم الجديد بثقافته ومنظومته الجديدة عليك أنت أن تشكك في ثوابتك، كيف تستطيع أن تتعايش مع ثقافة الوافد وثقافة الآخر وأنت تمتلك ثقافة بهذه الرصانة، وأنت تمتلك فكراً بهذه القوة؟!.

الخطوة الأولى إذاً أن نشكك في ثوابتنا وأصولنا، ولا نعني هنا بـ(الشك): الشك العلمي والمنهجي الذي يقوم على أسس وثوابت علمية وضمن الحوارات العلمية، فذلك بداية اليقين، أما الشك الذي يُشاهَد على هذه الأقنية وفي أجهزة الإعلام فهو شك يُراد منه تشكيك المنتمين لهذا الدين وهذا المذهب بأصولهم وثوابتهم، بحيث لا تكون هناك مفردة أو فكرة خارج الجدل، فكلّ شيء قابل أن يكون أو لا يكون.

على أيّ أساس تريد أن تتكئ هذه الأمة في نهضتها إذا كانت لا تمتلك ثوابت تنطلق على أساسها؟!، ما الذي يشكل مقياس حضارة الأمة وفكرها وثوابتها إذا كانت كلّ ثوابتها عرضة للجدل وعرضة للنقاش؟.

2- إقصاء الدين من دوائر التشريع والتقنين:

النقطة الثانية في الحديث عن العولمة والنظام العالمي الجديد هي إقصاء الدين من دوائر التشريع والتقنين في البلاد الإسلامية، بغرض ألَّا يكون لهذا الدين وجود قانوني، ولعلّنا أشرنا في غير مكان إلى حركة الأحوال الشخصية في كثير من بلاد العالم الإسلامي، تلك الحركة التي تريد أن تطرد هذا الدين من دائرة التشريع في الأحوال الشخصية التي تمثل المعقل الأخير الذي بقي هذا الدين محافظاً فيه على دائرة التقنين والتشريع.

تحت عنوان من العناوين يُطرح في لبنان موضوع الزواج المدني، لبّ الزواج المدني هو إقصاء الدين سواء كان ديناً مسيحيًّا أو إسلاميًّا عن دائرة التشريع الشخصي، بحيث يتزوج المسلم من يشاء، وتتزوج المسلمة من تشاء.

في فترة من الفترات قبل سنة أو سنتين أُثير موضوع الزواج المدني، ثمّ أُقيم بعدها احتفالٌ عامٌّ في القاهرة بمناسبة مرور مئة عام على تحرير المرأة العربية بلحاظ قاسم أمين، وفي الفترة نفسها في القاهرة وفي المغرب يُطرح من جديد موضوع قوانين الأحوال الشخصية وإرادة تبديلها، بالإضافة إلى موضوع الخلع، وموضوع خروج المرأة والسفر، إلى غير ذلك.

المهم أنّها نوافذ تُفتح لكي يُلغى الدين كقانون وتشريع من دائرة الأحوال الشخصية، وإذا أُبعد الدين عن هذه الدائرة التي حتى المستعمر للبلاد الإسلامية لم يستطع إقصاء الدين منها؛ فذاك يعني أنّهم استطاعوا أن ينالوا في زمن السلم ما لم يستطيعوا نيله بالحرب والسلاح!!.

اليوم هناك محاولة من كثير من الأقليات المسلمة في البلاد الغربية لكي تُحكم في دائرة الأحوال الشخصية بقانون الإسلام، وإذا بنا نرى في كثير من الدول الإسلامية محاولات من البعض للحاق بركاب وقطار العولمة؛ لإلغاء الدين عن دائرة التشريع والقانون والأحوال الشخصية، فما الذي سيبقى لهذا الدين؟!.

إذا كان الدين في الإطار الشخصي مغيّباً لا يحكم الإنسان في حركته الشخصية، فهل سيُطالب بحكومة الدين في موضوع الاقتصاد أو في الموضوع المجتمعي بصورة عامة.

هي أيضاً خطوة أخرى لكي يفرّغ هذا المجتمع وهذه الأمة من انتمائها لهذا الدين.

العنصر الذي يربط كثيراً من الناس حتى غير المتدين بهذا الدين هو التزامه بالأحوال الشخصية وقانون الأحوال الشخصية الديني، فإذا فُرِّغ هذا من الأمة فلن يبقى رابط يربط الناس بدينهم.

3- استلاب الذات:

الثالث من معالم العولمة الثقافية هو: استلاب الذات، وهو أمر أشار إليه كثير من المفكرين قبل ثلاثين عاماً.

لكي تلتحق بالآخر لابدّ من أن يسحق ذاتك، لابدّ له من أن يفرّغك عن إرادتك، لابدّ أن يسلبك هذه الذات.

كثير من المفكرين في الشرق الآسيوي كان يحذّر هذا الشرق من قضية اللباس، ويشير إلى أنّ الخطوة الأولى لاندماجنا مع الآخر هو لباسنا.

المسيحية حين دخلت الشرق الآسيوي كان عنوان الدخول هو لباس المنتمي، البوذي له لباس يخصّه، والذي اندمج مع الحضارة المسيحية له لباس يخصّه، ثمّ تنتقل خطوة أخرى إلى الأكل والشرب.

اليوم يتدخل الآخر حتى في طريقة أكلنا وشربنا، لم يكتفوا أن نلبس كما يلبسون، بل تدخلوا حتى في أكلنا، وأرادوا أن نأكل كما يأكلون!!، فإذا بك تُبتلى بمطاعم الوجبات السريعة (بالمكدونالدز، والبرجر، والبيتزا هت)، إلى كلّ هذه المفردات؛ لكي تكون مستهلِكاً جديداً ضمن دائرة الآخر.

من هنا يُؤتى..، لكي تكون ملتحقاً بقطار العولمة، لابدّ أيضاً أن تلبس كما يلبسون، وأن تشرب كما يشربون، وأن تستهلك مما يستهلكون، لباسك هذا سيكون عيباً عليك في ظلّ هذا النظام العالمي الجديد، أكلك هذا سيكون عيباً.

في كثير من البلاد الإسلامية أيام الاستعمار حورب الاستعمار بالأكل والشرب واللباس؛ لأنّه كان يدلّ على إرادة الأمة وإرادة الناس، أما الطريق الأول للانتماء للآخر فكان عبر الأكل والشرب واللباس.

في فترة من الفترات كان بعض فقهائنا يفتي بحرمة لبس (الكربات)، والسبب أنّه يدخل تحت عنون (التشبّه)، وعنوان التشبه أساساً ما جاء به هذا الدين إلا لكي يحفظ لهذه الأمة هويتها، ولكي تكون هذه الأمة متميزة.

إذا كانت الأعاجم -بتعبير النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)- تقوم لسادتها وكبرائها، فإنّ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ينهى في وقت من الأوقات أن يقوم الناس له، ويقول: «لَا تَقُومُوا كَمَا تَقُومُ الْأَعَاجِمُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ»[3].

إذا كان هذا اللباس مؤشراً وعنواناً على انتمائي للآخر يجب عليّ أن أرفض هذا اللباس، إذا كان استهلاكي لهذه السلعة يعني بُعدي عن محيطي وعن أمتي وعن انتمائي، وانتمائي للآخر؛ ينبغي لي أن أرفض هذا اللباس وهذا الأكل وهذا الشرب.

الآخر يريد أن يسلبك ذاتك، بحيث لا تستشعر في ذاتك أيّ قوة، ولا تعود ترى لنفسك شيئاً في مقابله هو، فيرى الواحد منا نفسه ريشة في مهبّ الريح تتقاذفها أفكار الآخر وطرق الآخر وإرادة الآخر، تارة بالعنوان العسكري، وأخرى بالعنوان السياسي، وثالثة بالعنوان الاقتصادي، لكنّ المهم ألَّا يدخل الآخر إلى هذه الذات فيسلبني وإياك ذواتنا.

4- الربط بين العولمة الثقافية والعولمة السياسية والاقتصادية:

الرابع من هذه النقاط حين يربط الآخر بين موضوع العولمة الثقافية والعولمة السياسية في العولمة الاقتصادية.

لا نشكك هنا في خطر العولمة السياسية والاقتصادية، لكن نقول: إنّ المدخل لبعدي عن هذه الأمة وانتمائي للأمة الأخرى هو الثقافة والفكر، ولكي يستقطبك الآخر إلى ثقافته وفكره يلج إليك من باب السياسة والاقتصاد، فأنت لا شيء سياسيًّا، وأنت لا شيء اقتصاديًّا إذا لم تلتحق بركاب العولمة في طرفيها السياسي والاقتصادي، وبالتالي -وحسب تعبير بعض الكتاب السعوديين، مع الأسف الشديد- لا يمكننا أن نلتحق بقطار العولمة سياسيًّا واقتصاديًّا ما لم نلتحق به ثقافيًّا.

الثقافة في هذا النظام العالمي الجديد عادت في أذهان كثير من الناس جسراً لاقتصاد السوق الحرة وللسياسة بثوبها الجديد.

الآخر يريد أن يربط صندوق النقد الدولي والقات (الكات) وغيره.. بالثقافة، يريد أن يفرض على كثير من الأمم أنّه ما لم تلتحقوا ثقافيًّا لن تلتحقوا اقتصاديًّا، ولن تلتحقوا سياسيًّا، ولكي يقرض صندوق النقد الدولي دولة من الدول شيئاً يفرض عليها مجموعة من الشرائط التي تعود في النهاية إلى تدخل سياسي بل ثقافي في إرادة تلك الدولة.

بينما قد لا يكون هناك أيّ ربط بين العولمة الثقافية من طرف، والعولمة السياسية والاقتصادية من طرف ثان، ويستطيع الإنسان أن يستفيد من منجزات العولمة السياسية والاقتصادية دون أن يتنازل عن ثقافته وفكره ومبادئه.

إذاً هي خطوات أربع قد تكون الأهم، لا أعني بذلك حصر طريقة العولمة الثقافية في هذه النقاط الأربع، لكنّها قد تكون النقاط الأهم في سياق إرادة الآخر لصياغة هذا النظام العالمي الجديد، وفي سياق إرادة الآخر لسحق إرادة هذه الأمة وهذا الدين، لكي يعود المنتمون لهذا الدين ولهذه الأمة مجرد أشخاص يقتاتون على فتات ما يريده الآخر، والخطر كلّ الخطر من أن تُمحى من ذاكرتنا ثقافتنا وثوابتنا بحيث لا نعود متكئين على شيء في مقابل الآخر، فيسلبنا الآخر إرادتنا وذاتنا.

كيف نقاوم العولمة الثقافية؟

كيف نستطيع مقاومة هذه العولمة الثقافية؟، وما الذي يمكن أن نصنعه في مقابل هذه النقاط التي تراد لهذه الأمة؟.

1- نشر ثقافة الذات (الإسلام):

إنّ هذا الدين هو خاتم الأديان ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ[4]، والله -جل وعلا- تكفل بأن يظهر هذا الدين على الدين كلّه، وبالتالي شئنا أم أبينا، أردنا أم لم نرد، وقفنا إلى جانب هذه الفكرة أم لم نقف، هذا الدين سيظهر، فخير لنا أن نكون ممن يُظهر الله به دينه، من أن نكون ممن يرتد على عقبيه -والعياذ بالله-، ولن يضرّ الله شيئاً.

الذي يرتد عن هذا الدين -والارتداد أطياف وأنواع- لن يضرّ الله شيئاً، ولن يضرّ هذا الدين من شيء، فالله -جل وعلا- سيُظهر هذا الدين، وسيمكّن هذه الثقافة، وسيمكّن هذا الفكر لكي يحكم العالم.. اليوم أو غداً أو بعد غد، و«إنّ غداً لناظره قريب»[5].

إذا لم يظهر هذا الدين على الدين كلّه على أيدي المؤمنين بالإمام الغائب، فسيظهره الله -جل وعلا- على يدي الإمام الغائب ذاته، فخير لنا أن نكون ممن يلتحق بهذا الإمام في غيبته لكي نكون مؤهلين للالتحاق به في ظهوره -عجل الله فرجه-.

2- التفريق بين عولمة الثقافة وثقافة العولمة:

النقطة الثانية في سياق مقاومة العولمة الثقافية هي: أن نفرّق بين (عولمة الثقافة) و(ثقافة العولمة)، فالآخر يريدنا أن نمزج هاتين المفردتين، ويقول لنا: لكي تستفيدوا من ثقافة العولمة عليكم أن تقرّوا بعولمة الثقافة.

وقد ذكرنا في النقطة الرابعة من إجابتنا على سؤال (كيف تتحقق العولمة الثقافية؟)، أنّ الغرب يسوّق علينا أنّ العولمة السياسية والاقتصادية لا تتحققان دون العولمة الثقافية، وأنّ الإنسان لا يمكن أن ينخرط في العولمة السياسية والاقتصادية ويستفيد من معطياتهما ومنجزاتهما ما لم يلج فضاء العولمة الثقافية!!

والحقيقة أنّهما أمران منفصلان، يمكن للإنسان أن يستفيد من ثقافة العولمة، ومن مفردات العولمة، ومن إنتاجيات النظام العالمي الجديد، لكنّه في الوقت ذاته محتفظ بخصوصيته.

يمكن أن تركب السيارة، لكنّك لست مضطراً أن تلبس مما يلبسون، ولا أن تأكل مما يأكلون، تستطيع أن تحتفظ بخصوصياتك في الفكر والثقافة والدين، وتأخذ من إنتاجيات الحضارة الجديدة والوافدة ما يتلاءم مع هذا الدين ومع هذه الثقافة.

ليس هناك تضاد بين إيماننا بخصوصياتنا وثقافتنا وديننا وبين إيماننا بأنّنا نستطيع الاستفادة مما يفد علينا.

3- العودة إلى المصدرين الأساسيين لثقافة الأمة:

لكي نخرج من هذا التيه، ونستطيع الوقوف على أرجلنا في مقابل هذه الحملة الجديدة، ولكي نحتفظ بخصوصيتنا في ظلّ نظام يريد أن يعصر الجميع ضمن ثقافة واحدة؛ علينا أن نعود بجد وصدق إلى المصدرين الأساسيين في منظومة ثقافة هذه الأمة، ونعني بذلك كتاب الله وعترة نبيّه (عليهم السلام). الثقلان اللذان خلفهما رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، ثقل نزل عليه يوم مبعثه الشريف، وثقل خلَّفه يوم وفاته (صلى الله عليه وآله وسلم) بقوله: «إِنِّي مُخْلِفٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: الثَّقَلُ الْأَكْبَرُ الْقُرْآنُ وَالثَّقَلُ الْأَصْغَرُ عِتْرَتِي، وَأَهْلُ بَيْتِي هُمَا حَبْلُ اللهِ مَمْدُودٌ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الله عَزَّ وَجَلَّ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَمْ تَضِلُّوا»[6]، لن يكون لنا خلاص دون هذين الثقلين.

لن تكون هذه الأمة قادرة على الوقوف في وجه الآخر ما لم تستنبط ثقافتها، وتتكئ اتكاء حقيقيًّا وصادقاً على هذين الثقلين، ومع الأسف الشديد فالأمة منذ وفاة نبيّها (صلى الله عليه وآله وسلم) لم ترعَ حقوق الله في هذين الثقلين، أما الثقل الأكبر فحُرِّف، ولا يُعنى بذلك: التحريف المصطلح، أي (التحريف اللفظي) لآيات القرآن الكريم ومفرداته وجمله، فالقرآن الكريم مصون من التحريف اللفظي، لم يزد فيه حرف، ولم ينقص منه حرف، ولم يتغيّر فيه حرف، إنّه خال من التحريف اللفظي بوجوهه الثلاثة: الزيادة والنقيصة والتغيير، وإنّما يُعنى أن يُقرأ شيء ويحرّف معناه إلى شيء آخر (التحريف المعنوي)، وهو نوع من التحريف. والثقل الأصغر ظُلموا منذ اليوم الأول لوفاة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، ولا تزال ظلامتهم إلى يومك هذا.

بالأمس القريب تطالعنا إحدى المجلات عن تحقيق حول الروح التي تدبّ في هذه الأمة، وتجعل من بعض غير معتنقي مذهب أهل البيت يدخلون إلى مذهب أهل البيت؛ لأنّهم وجدوا فيه صدق الانتماء، لا لأنّهم يعيشون حالة إحباط من عالمهم الذي يعيشون فيه، ولا لأنّهم -كما يعبّر رئيس جبهة علماء الأزهر- لا يفرقون بين السماء والعماء، فقد التفتوا إلى أنّ هذا الدين من هنا يؤخذ، فلا يوجد دين صحيح أو علم صحيح إلا وخرج من هذا البيت، فليذهب الحكم يميناً وشمالاً، فالرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) فارق هذه الأمة جسماً وأودع فيها هذين الثقلين؛ لكي تكون آمنة يوم القيامة بعد أمنها في الحياة الدنيا.

في الحديث عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن آبائه (عليهم السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّكُمْ فِي زَمَانِ هُدْنَةٍ، وَأَنْتُمْ عَلَى ظَهْرِ السَّفَرِ، وَالسَّيْرُ بِكُمْ سَرِيعٌ، فَقَدْ رَأَيْتُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ يُبْلِيَانِ كُلَّ جَدِيدٍ وَيُقَرِّبَانِ كُلَّ بَعِيدٍ وَيَأْتِيَانِ بِكُلِّ مَوْعُودٍ فَأَعِدُّوا الْجَهَازَ لِبُعْدِ الْمَفَازِ.

فَقَامَ الْمِقْدَادُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله! مَا دَارُ الْهُدْنَةِ؟. قَالَ (صلى الله عليه وآله وسلم): دَارُ بَلَاءٍ وَانْقِطَاعٍ، فَإِذَا الْتَبَسَتْ عَلَيْكُمُ الْفِتَنُ كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ فَعَلَيْكُمْ بِالْقُرْآنِ، فَإِنَّهُ شَافِعٌ مُشَفَّعٌ، وَمَاحِلٌ مُصَدَّقٌ. مَنْ جَعَلَهُ أَمَامَهُ قَادَهُ إِلَى الْجَنَّةِ، وَمَنْ جَعَلَهُ خَلْفَهُ سَاقَهُ إِلَى النَّارِ، وَهُوَ الدَّلِيلُ يَدُلُّ عَلَى خَيْرِ سَبِيلٍ، وَهُوَ كِتَابُ تَفْصِيلٍ وَبَيَانٍ وَتَحْصِيلٍ، وَهُوَ الْفَصْلُ لَيْسَ بِالْهَزْلِ، وَلَهُ ظَهْرٌ وَبَطْنٌ، فَظَاهِرُهُ حِكْمَةٌ وَبَاطِنُهُ عِلْمٌ، ظَاهِرُهُ أَنِيقٌ وَبَاطِنُهُ عَمِيقٌ، لَهُ نُجُومٌ وَعَلَى نُجُومِهِ نُجُومٌ، لَا تُحْصَى عَجَائِبُهُ وَلَا تُبْلَى غَرَائِبُهُ، فِيهِ مَصَابِيحُ الْهُدَى وَمَنَازِلُ الْحِكْمَةِ، وَدَلِيلٌ عَلَى الْمَعْرُوفِ لِمَنْ عَرَفَهُ»[7].

ومحلّ الشاهد في هذا الحديث أنّنا في دار البلاء والانقطاع والتباس الفتن ينبغي أن نأخذ بالقرآن، ونتمسك به.

إلى غير ذلك من الروايات التي تؤكد على وجوب التمسك بالكتاب، إذا التبست علينا الأمور، وعشنا هذه الأهوال التي في واقع الأمر يكاد الإنسان إذا أخرج يده لم يكد يراها؛ لأنّه يعيش في ظلمات فوقها ظلمات: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ[8].

علينا أن نقف فيه وقفة صادقة لنرى مدى تمسّكنا بكتاب الله، وبالعترة التي تشكل التطبيق الحقيقي والقدوة: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كَانَ يَرْجُو اللهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ[9].

وختاماً، أتمنى أن يوفقنا الله لإشاعة علوم القرآن التي نرجو من الله -جلّ وعلا- أن تكون شعلة في هذه البلاد تنير الطريق أمام الأجيال الجديدة؛ لكي تتفتح أعينها على ثقافة القرآن، وأن يدمجوا موضوع القرآن بموضوع العترة؛ لكي نكون متمسّكين حقيقة بالثقلين؛ لأنّ الثقلين يقوداننا في هذه المعمعة وفي هذا التيه إلى خير سبيل، وهو سبيل رسول ربّ العالمين.

--------------------------------------------------------------------------------

[1] ألقي هذا البحث في بداية عام 2001م.

[2] الحموي، ياقوت بن عبد الله (ت 626هـ/ 1229م). معجم البلدان. ط1. بيروت/ لبنان: دار إحياء التراث العربي، 1399هـ/ 1979م. المجلسي، العلامة محمد باقر (ت1111هـ/ 1699م). بحار الأنوار. ط 4. بيروت/ لبنان: مؤسسة أهل البيت (عليهم السلام)، 1409هـ/ 1989م.

[3] العلامة المجلسي، بحار الأنوار 16/ 240، الباب 9، ذيل الحديث 34.

[4] سورة التوبة/ 33.

[5] الميداني، أبو الفضل أحمد بن محمد النيسابوري (ت 518هـ/ 1124م). مجمع الأمثال. تحق: محمد محيي الدين عبد الحميد. د ط. د ب. د ن، د ت.

[6] بحار الأنوار 89/ 102، الباب 8، ح 80.

[7] بحار الأنوار 89/ 17، الباب 1، ح 16.

[8] سورة النور، ‌آية: 40.

[9] سورة الممتحنة،‌ آية: 6.

الشيخ عبد اللطيف الشبيب

عالم دين، مختص بالشأن القرآني، أستاذ الدراسات العليا في حوزة القائم العلمية - السعودية.ولد عام 1384هـ، التحق بحوزة القائم العلمية في طهران، وأخذ علومه ومعارفه على يد جملة من فضلاء الحوزة العلمية في طهران، وسوريا، نذكر منهم: الفقيه العارف آية الله السيد محمد كاظم المدرسي، المرجع الديني السيد محمد تقي المدرسي (خارج الفقه والأصول)، آية الله الشيخ محمد علي الفاضل (خارج الأصول)، آية الله الفقيه السيد عباس المدرسي.

توفي العلامة الشبيب، في العام 1422هـ، مخلفًا تراثًا علميًّا وفكريًّا، صدر له العديد من المؤلفات نذكر منها: (قبساتٌ من حياة الزهراء، الموت بصائر وأحكام، الصوم آدابه وأحكامه، المثقف وأمانة الكلمة)، كما صدر له (بصائر من التشريع الإسلامي) في أربعة مؤلفات بالاشتراك مع الشيخ محمد العليوات.



ارسل لصديق