تأسيس العلم في الواقع الإسلامي
آفاق المخرج العلمي من انسدادات الحداثة
كتبه: الشيخ حسن البلوشي
العدد (46) السنة 21 - 1431هـ/ 2010م
التعليقات: 0
القراءات: 2192

· الكتاب: العلم والنظرة العربية للعالَم: التجربة العربية والتأسيس العلمي للنهضة.

· المؤلف: الدكتور سمير أبو زيد.

· الحجم: 400 صفحة من الحجم الكبير.

· الناشر: مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت - لبنان - أكتوبر 2009م.

منذ النهضة العربية - الإسلامية وحتى اليوم «لم تنتج المجتمعات العربية، باستقلال عن الغرب، ابتكاراً علميًّا واحداً، ولا عالماً بارزاً واحداً، ولا تطبيقاً تكنولوجيًّا عالميًّا جديداً، أو حتى منتجاً صناعيًّا جديداً بشكل تام». هكذا يلخص المؤلف قصة التجربة العربية - الإسلامية فيما يرتبط بمجال النهضة العلمية. وليس من المبالغة القول: إنه وضع يده على جرح كبير في هذه التجربة، لامست جانباً كبيراً من الحقيقة.

ولكن الملفت في قراءة المؤلف لهذه التجربة أنه لا يستعجل التحليل بمبررات معلبة وسطحية، هذا أولاً. ولا ينتهي في اقتراحات الحل إلى خيارات سهلة وعاطفية، وهذا ثانياً. فهو يروي قصة هذه التجربة بصورة علمية تعتمد على جملة من المفاهيم والمفردات التي تحاول الاقتراب من واقع التجربة.

وللإحاطة بقراءة المؤلف يمكن رصد أربعة مفردات أساسية في عمله كانت بمثابة مداخل أو أدوات من خلالها فسَّر وحلَّل التجربة، كما أنه من خلالها اقترح الحلول التي يعتقد أنها «المخرج» من هذا الانسداد.

وهذه المفردات هي: النظرة إلى العالم، الاتساق، التصورات الجديدة للعلم المعاصر، منهج الفصل والوصل. وفي ضمن هذه المفاهيم فإن المؤلف يتوقف عند أمور أخرى تاريخية أو فلسفية أو منطقية راصداً وعارضاً ومحللاً.

النظرة إلى العالم

قد تختلف جملة من المفردات في تكوينها اللفظي لكنها وبصورة إجمالية تشير إلى مفهوم واحد، وفيما نحن فيه في مجال تحديد مفهوم «النظرة إلى العالم» نجد أنفسنا أمام هذا النوع من المصطلحات، حيث تعددت الألفاظ الدالة عليه مع اشتراكها في معنى عام واحد.

يناقش المؤلف في جذور هذا اللفظ في التداول الغربي، وكيف بدأ في الوسط الألماني، ومن ثم اتسع استخدامه. كما أنه يتوقف عند محددات منطقية أو فلسفية للتدقيق في معناه، ويسعى لتأسيس المصطلح بشكل أكثر دقة بحيث يتناسب مع غرض عمله.

ومحصلة النقاش في المسألة، أن مفهوم «النظرة إلى العالم» يعني ذلك الوعي الجمعي اللاشعوري في بنية مجتمع ما، ينطلق من خلالها في النظر إلى مختلف جوانب الحياة، بحيث يضفي عليها المعنى والغرض. والقضية الأساس في المسألة أن آثار النظرة إلى العالم لا تتوقف على المستوى المعرفي فحسب، بل تتعداه إلى المستوى النفسي والسلوكي وبالتالي الفعل الحضاري للإنسان، بل يمكن القول: إن مستواها المعرفي لا يبدو واضحاً إلا لذوي الاختصاص والمعرفة؛ إذ إن أثرها النفسي والسلوكي هو الأكثر وضوحاً.

من خلال التحديد السابق نرى كيف أن مفهوم النظرة إلى العالم عبّر عنه بألفاظ مختلفة حسب التداول والسياق الحضاري لكل طرف، فهو عند البعض يرادف مفهوم «الاعتقاد»، «فلسفة الحياة»، «فرضيات العالم»، «النظرة الخارجية إلى العالم»، «العوالم الافتراضية»، «المنظومة البنائية للذات»، «تبصرات الحقيقة»، «نظم المعنى اللاواعية»، «قلب الثقافة».. وغيرها من الألفاظ.

وقد حاول أكثر من مجال علمي دراسة العلاقة بين النظرة إلى العالم وفعل الفرد أو المجتمع، وهي على قيمتها وثروتها إلا أنها لا تزال في طور النمو، لكن الثابت في مجمل تلك الدراسات أن ثمة تأثير عميق ومباشر للنظرة إلى العالم وفعل الإنسان كفرد أو مجتمع وإن كان هذا التأثير في اللاشعور. ومن هذا المنطلق فإن المؤلف فتح الباب للحديث عن «جدوائية» بعض النظرات، وقدرتها أولاً على الاتساق مع نفسها، وثانياً مع العالم الخارجي. وهذا في الحقيقة هو المفهوم الثاني الذي يعتمد عليه عمل المؤلف، ولكن قبل الانتقال مفهوم الاتساق لابد من تحديد عناصر النظرة إلى العالم كما حددها المؤلف، لنرى بعد ذلك كيف تتسق أو تتعارض هذه العناصر مع العالم الخارجي.

وعناصر النظرة إلى العالم كما حددها المؤلف تتمثل في ثلاثة، هي: تصوراتنا لموجودات العالم؛ فهل الموجود في العالم منحصرٌ للمكونات المادية أو يتعداه إلى غيره من الموجودات وما هي طبيعتها؟ تصوراتنا لأسلوب المعرفة؛ أي ما هي السبل التي تكفل لنا طرق الوصول إلى معرفة الموجودات؟ وهل ثمة تناسب بين طبيعة الموجود وطرق معرفته؟ تصوراتنا للقيم المجتمعية؛ ما هي القيم التي تحدد علاقة الإنسان بالموجودات التي تحيط به؛ سواء على المستوى الفردي أو الاجتماعي؟

الاتساق والنظرة إلى العالم

المفهوم الثاني الذي يرتكز عليه عمل المؤلف هو مفهوم «الاتساق»؛ الذي يستخدمه المؤلف في عدة جوانب، منها: في تأسيسه لنظرة عربية - إسلامية متسقة مع العالم الخارجي، وبالتالي لها قدرة على تنمية العلم في المجتمع. ومنها: في تحليله وقراءته للعلاقة بين فكر الحداثة والفكر الإسلامي، وأسباب الصدام بينهما أو عدم التوافق، وهذا الموضوع قد يتضح أكثر عند الحديث عن التصورات الجديدة للعلم المعاصر.

المقصود من «الاتساق» هو: الترابط العضوي بين عناصر النظرة إلى العالم، وهو ينقسم إلى اتساق داخلي وخارجي. والمقصود من الاتساق الداخلي هو التناسب المنطقي بين عناصر النظرة إلى العالم، أي أن تكون المجالات الثلاثة السابق ذكرها (الاعتقاد النهائي، منهج المعرفة، القيم المجتمعية) متسقة مع بعضها منطقيًّا بحيث لا تتناقض أو تتضاد. أما الاتساق الخارجي فهو أن تكون عناصر النظرة إلى العالم متسقة مع الطبيعة والإنسان في الواقع الخارجي العلمي؛ أي المكتشف وفق خبرة الإنسان العلمية تجاه الحياة بمختلف مستوياتها.

ولتوضيح هذا المفهوم وتطبيقه على تجارب تاريخية فإن المؤلف يعطف نحو تجربة الحداثة الغربية ويقرؤها من منظور الاتساق الداخلي والخارجي، لينتهي إلى قراءة وتحليل كيف أنها اتسقت داخليًّا لكنها واجهت عدم اتساق مع العالم الخارجي مع نهايات النصف الأول من القرن العشرين، ومن ثم امتداد الفجوة وتنامي عدم الاتساق مع تطور العلم.

وكان المهم في المسألة هو عرض نموذج لمفهوم الاتساق حتى يتسنى استيعابه ومن ثمة تطبيقه على النظرة العربية إلى العالم.

من ثمّ عرج المؤلف لقراءة مصادر النظرة العربية إلى العالم حتى يقارب بينها وبين علم الحداثة ومن ثم التصورات الجديد للعلم المعاصر، أو كما يحلو له تسميتهما بـ«العلم الحديث» و«العلم المعاصر».

ولأن ما يشغل المؤلف هو المجال العلمي فإنه اهتم بتوضيح عناصر النظرة المعرفية العربية للعالم؛ وذلك أنها هي المعنية بالدرجة الأولى بمجال العلم، وهنا حدد المؤلف موقف هذه النظرة إلى ثلاثة مبادئ أساسية هي: حدود المعرفة العلمية، طبيعة المعرفة العلمية، وظيفة المعرفة العلمية؛ إذ إن هذه المبادئ تتضمن أموراً تفصيلية أخرى في داخلها معنيةً بمسائل العلم.

بالنسبة لحدود المعرفة العلمية؛ فإن المؤلف يرى أن النظرة المعرفية العربية وُفقاً لمصادرها (القرآن الكريم) يؤكد على إمكانية المعرفة لكنها في الوقت نفسه تثبت أن المعرفة محدود بالنسبة للكون، فلا يستطيع الإنسان من حيث المبدأ الإحاطة بكل أسرار الكون بمختلف مستوياته وجوداته بل تظل هنالك دائماً مناطق وأطراف لا يصلها العقل، فالعقل محدود في معرفته وإن كانت هذه الحدود واسعة، وبمناسبة الحديث عن هذا المبدأ فإن المؤلف يقابلها بنظرة الحداثة أو العلم الحديث لحدود المعرفة؛ إذ إن نظرة الحداثة لا ترى حدوداً للعقل في المعرفة.

أما طبيعة المعرفة فوق النظرة المعرفية العربية؛ فإن المؤلف يسمها بالمعرفة اللاحتمية في العلاقات السببية، أي أن العلاقة التي تربط الأسباب بمسبباتها وبالتالي تربط بين الموجودات بمختلف مستوياتها ليست حتمية رياضية ميكانيكية بل هي احتمالية عقلانية، أي أنها ليست احتمالية فوضوية نسبية محضة بل عقلانية تعطي للإنسان فرصة المعرفة، كما أنها تتيح له فرص التنبؤ وتقعيد القواعد لتتأسس عليها الأنظمة والتشريعات وبالتالي الممارسة العقلانية مع الحياة. وهذه النظرة هي الأخرى تقابل طبيعة النظرة المعرفية الحداثية تلك التي ترى العلاقة السببية حتمية ميكانيكية.

وأخيراً بالنسبة لوظيفة العلم؛ فإن النظرة المعرفية العربية تعرف بمحددات ثلاثة في هذا المجال؛ هي: أن العلم وظيفته خلاص الإنسان من الجهل وسبيله إلى التقدم، وفي الوقت نفسه هو وسيلة للإيمان ومعرفة الخالق، وأخيراً هو محدد بأخلاقيات تحده من الجور على الطبيعة.

بعد توضيح عناصر النظرة المعرفية العربية للعالم يمكننا الانتقال إلى المفهوم الثالث من المفاهيم التي ارتكز عليها عمل المؤلف، وهو مفهوم التصورات الجديدة للعلم المعاصر.

التصورات الجديدة للعلم المعاصر

يعتبر مفهوم التصورات الجديدة للعلم المعاصر أحد أهم المفاهيم التي يرتكز عليها عمل المؤلف، بل لا نبالغ إن قلنا: إنه المفهوم الأساس في العمل كله، وذلك أنه الخير الذي يراد للنظرة العربية للعالم أن تتسق معه، وهو أيضاً الفرصة الممكنة -حسب تحليل المؤلف- للعلم العربي كي يتأسس ويأخذ دوره.

ولإحاطة المفهوم ولملمة أطرافه فإن هنالك مفردتين بتوضيحهما تكتمل صورة المفهوم، وهما: المفهوم التاريخي للعلم، العناصر الأساسية للعلم المعاصر.

المفهوم التاريخي للعلم: يعني هذا المفهوم، أن ننظر إلى العلم على أنه خبرة متحركة ضمن التجربة الإنسانية، ينتقل من حضارة إلى أخرى، وتساهم فيه كل حضارة بقدرها. هذا المفهوم بهذا التحديد يقابل المفهوم الحداثي للعلم؛ الذي ينظر إلى العلم من زاوية معيارية بحتة، أي أن العلم بالنسبة للنظرة الحداثية له ليس إلا ما انتجته الحداثة، فمنها بدأ العلم وإليها انتهى وفي مسارها يتنامى. وقد أحدثت هذه النظرة إلى العلم قطيعة وصدام مع الثقافات الأخرى حيث وُسمت مساهماتها العلمية بالخرافة أو الدونية.

والنتيجة المهمة المترتبة على المفهوم التاريخي التطوري للعلم هي أن يتحول السؤال من: كيف يتغلغل العلم الحديث (الحداثي) في المجتمعات العربية (أو أي مجتمع يروم التقدم)؟ إلى: ما النظرة العلمية الصحيحة للعلم المناسبة للنظرة العربية للعالم؟

وهذا بدوره يعطي للثقافات المتعددة لتشكيل صيغ مختلفة للعلم تتناسب وظروفها الحضارية، كما وتتضمن مساهماتها.

العناصر الأساسية للعلم المعاصر:

يقصد من العلم المعاصر هو النموذج العلمي المقابل للعلم الحديث، وحيث ينتمي العلم المعاصر إلى بدايات الثلث الأول من القرن العشرين، والعلم الحديث هو الفترة السابقة لهذه.

السمات الأساسية للعلم الحديث ترتكز على ثلاثة مبادئ كما يصورها المؤلف، وهي: أن المكونات النهائية للوجود بكامله هي الذرات المصمتة، وبالتالي فإن أي موجود يمكن رده في نهاية الأمر إلى هذه الذرات المصمتة، هذا أولاً، ثانياً: أن هذه الذرات المصمتة في حالة حركة دائمة وتتصادم طبقاً للقوانين النيوتنية الميكانيكية، ثالثاً: أن ناتج حركة الجسميات وعلاقتها السببية الحتمية هي التي تمثل المستويات المختلفة للوجود.

ولكن التطور التدريجي لجملة من العلوم وعلى رأسها الميكانية الكمية (الكوانتم) والرؤى الجديدة في فلسفة العلم أزاحت النموذح العلمي الحداثي ليحل محله نموذج جديد لم تكتمل صورته النهائية بعدُ لكن سماته الأساسية تبدو واضحة -حسب تحليل للمؤلف-.

ويوجز المؤلف هذه السمات بالتالي:

أولاً: اللاحتمة والحرية: ويقصد منها انهيار النموذج الحتمي الميكانيكي للطبيعة، وهذا يترتب عليه جملة من الآثار على مستوى التنبؤ، وتقعيد القوانين، واليقين الصارم.. وغيرها. وفي مقابل هذا الانهيار ليس هنالك مفهوم محدد للاحتمية، بل هي جملة تصورات تتشكل في أيامنا هذه.

ثانياً: حدود العقل: بفضل الاكتشافات الهائلة للإنسان كميًّا ونوعيًّا، فإن من سمات العلم المعاصر محدودية العقل البشري على فهم التعقيد المحيط بالكون، ولهذا أثرٌ في طبيعة ووظيفة العلم بالنسبة للإنسان المعاصر.

ثالثاً: النظرة الكلية: وهي النظرة المقابلة للنظرة الرديَّة التي ترد كل الأشياء إلى جزئيات نهائية، إذ إن في النظرة الكلية هنالك قناعة بالنظر إلى بعض الأشياء من منظور كلي مستقل لا بردِّها إلى جزئيات أصغر، كالنظر إلى العقل على أنه وجود كلي مستقل لا جزئيات عصبية متناثرة.

الفصل والوصل كمخرج لمشكلة الاتساق مع العلم المعاصر

بعد أن استعرض المؤلف جملة تلك المفاهيم التي استخدمها في عمله، ووقف محللاً المشكل المعرفي إزاء قضية تأسيس العلم، فإن المؤلف في نهاية المطاف يرى في نموذج الفصل والوصل الذي أسس له الشيخ عبدالقاهر الجرجاني مساهمةً جدية تستوفي كل شروط الاتساق.

وخلاصة مساهمة الجرجاني تتمثل في التالي:

واجه الجرجاني قضية دينية هي إعجاز القرآن الكريم، لكنه عالجها بصورة علمية تحفظ للجهة الدينية مكانتها، كما أنها تحفظ للجهة العلمية كيانها هي الأخرى، وفي الوقت نفسه تؤسس للترابط بينهما بل وتساهم في التقدم العلمي.

وصورة المسألة أن القول بإعجاز القرآن الكريم قول ديني اعتقادي، مؤداه عدم محدودية القدرة الإلهية، لكن تمثل هذه المعجزة في قالب علمي تحكمه قواعد ونظم (اللغة) أي يجعلها قضية علمية. هنا ابتكر الجرجاني نظرية «النظم» التي تجعل من اللغة كوعاء علمي قابل للترقي إلى غير حدود، وعندما يكون القول الديني مدعياً أن الله -جل وعلا- بقدرته اللامتناهية أعجز البشر في قرآنه المنزل على نبيه الكريم محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) فإن هذا القول لا يخرج عن الإطار العلمي.

بهذه الصورة الشديدة التركيز يطرح المؤلف مساهمة الجرجاني كنموذج لاتساق النظرة العربية إلى العالم مع الواقع العلمي المعاصر، ولكنه يؤكد في الوقت نفسه أن هذه المحاولة بحاجة إلى تطوير وتكميل، لكنها تبقى مساهمة جادة في مجالها. وقد خصص لها فصلاً مستقلاً بذاته لعرضها وتحليلها.

وما يمكن أن يقال عن عمل المؤلف أنه يقدم عملاً جديداً للمكتبة العربية، يناقش المسألة على مستوى جيد من الخبرة، وبصورة هادئة بعيدة تشنجات ردود الأفعال التي تحكم الكثير من الاعمال التي قدمت في هذا المجال.


ارسل لصديق