ندوة ثوابت الوطن: مشروع النهضة وإشكالية الاختطاف
كتبه: أسرة التحرير
العدد (46) السنة 21 - 1431هـ/ 2010م
التعليقات: 0
القراءات: 1869

أقام مركز الدراسات والبحوث في منتدى القرآن الكريم بدولة الكويت (الرميثية) ندوته الأسبوعية (ثوابت الوطن) تحت عنوان (مشروع النهضة وإشكالية الاختطاف)، ليلة السادس عشر من شهر مارس للعام 2010م، الموافق 30 ربيع الأول للعام 1431هـ.

قدمت الندوة ورقتين، حملت الأولى محور: المنزلق الطائفي واختطاف فكر النهضة. تناوله أمين عام التحالف الإسلامي الوطني في الكويت الشيخ حسين المعتوق.

والثانية حملت محور: الفراغ القيادي وبدائل النهضة، تناوله الأستاذ حسن العطار، مدير عام منتدى القرآن الكريم بالكويت، وقد أدار الندوة الدكتور عادل الرمضان.

بدأت الندوة بكلمة مقدمة من مدير الندوة الأستاذ السيد حسن ضياء الدين، ثم كلمة شرفية لآية الله السيد هادي المدرسي.

كلمة مدير الندوة:

افتتحت الندوة بكلمة مدير الندوة سيد حسن ضياء الدين أكد فيها على ضرورة البحث عن القاسم المشترك والخطاب الجامع بين العناوين التي تجسد مفهوم ثوابت الوطن مشيراً إلى أن الدستور يؤكد في جميع مواده على أن الأمة مصدر السلطات، مستغرباً من أن أبناء الوطن بمختلف أطيافهم قد استغرقوا طويلاً في مراحل سابقة ولا زالوا في الدفاع عن قضايا الأمة وحمل همومها العامة، وهذا الأمر على حسنه إلا أنه أبعدهم عن متطلبات توطين المشروع، وتطوير مفاهيم التعايش السلمي، والتعددية، والتسامح، والمواطنة، والمشاركة، والعلاقة مع الطرف الآخر، والعلاقات المفترضة بين الحركات الثقافية والاجتماعية المختلفة في الدولة الواحدة.

الكلمة الشرفية لآية الله المدرسي:

تلاه سماحة آية الله السيد هادي المدرسي بكلمة شرفية، حرص فيها بالتأكيد على أهمية ثوابت الوطن والنهضة والوطن.

وقال: إذا استطعنا أن نعرف تلك القيم والمثل التي نستطيع التحرك من خلالها سنستطيع أن نجعل الأوطان على السكة الصحيحة.

وأضاف: هذا الكون خُلق من مجموعة من القيم، وتلك القيم أشبه بالغدد التي في جسم الإنسان التي تنظم حركته وحركة دمه، وكذلك القيم في الحياة، فكل قيمة في مكانها ضرورة. ومن هنا لابد من أخذ القيم كلها بعين الاعتبار دون إغفال جانب منها. إلا أن هناك أمرين، فهناك سلم تفاضلي بين القيم، فأحياناً تكون هناك مثلاً عدالة ولا تكون هناك حرية والعكس صحيح، فأيام الاتحاد السوفيتي السابق كانت العدالة كقيمة منظورة موجودة في المجتمع السوفييتي؛ لأن النظام كان ينادي بمبدأ تكافؤ الفرص لكنه أغفل جانب الحرية وصادرها فانهار النظام بأجمعه.

وقال: في الغرب اليوم توجد حرية لكن لا توجد عدالة بالنسبة للأقليات، وهذا يؤكد أن سلم القيم تفاضلي في بناء الأوطان.

وأشار إلى أن الأوطان لا تُبنى على رمال متحركة، فالوطن هو السكة الثابتة، وهو الذي تمشي ثوابته على ثوابت سليمة أقام الله الكون عليها، تتمثل في الحق الذي يجمع كل القيم.

وأضاف: لا يمكن لشعب أن يتجاهل قيمة من القيم إلا ويدفع ثمن تجاهله لها. وحين نقول (الوطن) فنحن لا نعني الحدود الجغرافية، فتلك أمور مرتبطة بالسلطة، لكننا نعني الثوابت التي لا يمكن تجاوزها، فإذا كان هناك تقدم في مجال من المجالات فهو تقدم في الثوابت نفسها، وما الطب والفيزياء وباقي العلوم إلا تقدم وتطور في ثوابت أساسية ورئيسية أقيم الكون عليها كما أسلفنا، وهذا يعد تقدماً في معرفة الثوابت، ولكي يمشي القطار نحن بحاجة لسكة ثابتة وعربة متحركة والمتغيرات جزء من الثوابت، وتُعنى بمحاولات النهضة أن تستخرج ما أودع الله فينا من طاقات وكنوز ونستفيد منها إضافة الى الطاقات الكامنة في هذا الكون فيما يفيد أوطاننا وأنفسنا.

واختتم سماحة آية الله سيد هادي المدرسي كلمته قائلاً: يبقى أن هناك قيمتين في هذه المنطقة، هما قيمة الأخوة والحرية، فأنت حر بمقدار ما لا تضر الأخوة، هذه حدودك دون أن تخرّب السلم الأهلي وتضع حواجز بين الناس.

الشيخ المعتوق: المنزلق الطائفي واختطاف فكر النهضة

قدم أمين عام التحالف الإسلامي الوطني سماحة الشيخ حسين المعتوق ورقته، التي رأى فيها أنه من الضروري تحديد الثواب التي تقوم على أساسها المواطنة بشكل واضح والفصل بينها وبين المتغيرات، فهناك عدة أمور يحكم بها العقل. أولاً: وهي الأحكام التي يمكن أن تطرح في المجتمع لأنها من مسلمات العقل؛ ولذلك لا نجد مجتمعاً من المجتمعات البشرية يرفض مسألة حقوق الإنسان مثلاً.

وأضاف: إن مبدأ احترام العقل واحترام كرامة الإنسان ضروريان؛ لأن الأصل في الإنسان كرامته وعقله، وهذه أمور يدركها كل عاقل أيًّا يكن حتى ولو لم نتفق معه في الرؤى والأهداف والدين والقناعات.

وواصل: البعض يصف المجتمع الغربي مثلاً بالحقارة، وهذا ظلم، فمن حق المجتمعات الغربية علينا أن نتحدث عنها بإنصاف، وأن يكون موضوع تشخيص الحقوق عادلاً، فمبدأ العدل من خصوصيته أنه جاء هدفاً لرسالات الأنبياء.

وأكمل: إذا أردنا أن نلخص المشروع الإلهي كله في كلمة واحدة فسنلخصه في كلمة العدل، وهي تلخص لنا كل ما جاء في الكتاب والسنة وجميع الأديان، فإذا أصبحت الذهنية تقودها العصبية فلن ترى إلا كل ما هو عصبي ومتطرف ومتعصب، ولن يقود هذا الأمر حتماً للإنصاف والعدل.

وأضاف: الإنسان يجب أن يكون عادلاً في تحركاته وسكناته وأفعاله، ففي الكويت هناك إيجابيات عند جميع الأطراف، كما أن هناك سلبيات عند الجميع كذلك ولا أستثني أحداً، وما يحدث من أي فئة يكون عادة نتيجة ردة فعل خاطئة على تصرف خاطئ جاء من أحد الطرفين؛ لذا من الضروري أن نقيّم نقد الآخرين، فمجتمعاتنا الإسلامية مع الأسف الشديد ورغم مرور أكثر من ألف سنة ويزيد على رسالة رسولنا الأعظم؛ إلا أنها لا زالت بعيدة عن المشروع الإلهي، فنمط تفكيرها وسلوكها ليس هو النمط السليم والقويم في أكثره.

فمن مبدأ العدالة يمكننا أن نؤسس نظرة منصفة متبادلة ولا يأتي التغيير حتماً من السلوك الدفعي، فهذه عملية مستحيلة يجب أن يأتي التغيير متدرجاً بحسب ما تقتضيه كل مرحلة في إطار التغيير التدريجي، فمثلاً مبدأ التحاور بين السلفي والشيعي يجب أن يكون مبنيًّا على أسس سليمة من الحوار، وأن تأتي من العقلاء لا أن نترك الحمقى يقودونا إلى ما لا تحمد عقباه.

واختتم سماحة الشيخ حسين المعتوق كلمته مؤكداً على ضرورة تصدي العقلاء لمثل هؤلاء الحمقى، وعدم إعطائهم الفرصة في إدارة زمام الأمور، فالصراخ حاليًّا لدينا منتصر على العقل في كل جماعة وفئة دون استثناء، وهذا الصراخ من الطرفين يجرّد الآخرين من فضائلهم ودينهم، ولا يترك لهم مثقال ذرة من حسنة إلا ويصاردها وينسبها لنفسه. يجب على الحكماء والعقلاء أن يُمسكوا بزمام الأمور، وأن يبادروا ويتحملوا مسؤولياتهم.

الأستاذ العطار: الفراغ القيادي وبدائل النهضة

أكد الأستاذ حسن العطار في ورقته على ضرورة التمييز بين مفهومين: بين مفهوم التمثيل النيابي والتمثيل القيادي، فالتمثيل السياسي متاح لكل صاحب كفاءة سياسة ليمارس دوره في خدمة الوطن، ومتاح أيضاً لمن لا يتمتع بالكفاءة السياسية، فقد يأتي أحدهم للسلطة دون أن يتمتع بأي كفاءة، إما لركوبه الموجه، أو بسبب المال السياسي، أو بسبب معرفته للتكتيكات السياسية، أو بسبب نفوذه، أو بسبب عشيرته، أو طائفته سواء كان يحمل مشروع نهضوي، أو لا يحمل.

وأضاف: بعضهم وصل وخدم وطنه وله الشكر، إلا أن بعضهم الآخر -ولتلك الأسباب التي أبديناها- حين وصل رأى في المشروع مشروع سلطة والبقاء فيها مهما كلف الأمر، وهو بهذا يخطف مشروع النهضة ويصادره، فنهضة المجتمعات لا تقوم على الفردية والأنانية والمصالح الشخصية الضيقة لكنها تقوم على فكرة التعاون والعمل الجمعي.

وتابع: الذي يستطيع أن يقود مسيرة النهضة هو من يملك الثقافة والتواصل والقناعات المشتركة، فالتمثيل السياسي يتحرك في ظل الفراغ القيادي، فمثلاً الطائفة الشيعية تمتلك مخزوناً هائلاً من الثقافة الفكرية والعقائدية التي تمكّن أبناءها من إضفاء المزيد من التلاحم والتكاتف في بناء مشروع الوطن والنهضة به، والاندماج مع الآخرين وكافة أطياف المجتمع، إلا أن تلك الأشياء كانت محصورة سابقاً على النخب وعلى التجمعات الدينية، لكن ما نشهده هذه الفترة من تطور في التجمعات والنخب يبشّر بالخير بسبب تغير الأجيال وتطورهم وإيمانهم بالعمل الجمعي والمشترك.

وواصل: فالمشروع الأساسي لبناء الوطن ونهضته هو مشروع بناء الإنسان، فالإنسان هو رأس المال الحقيقي للوطن، وهو أساس نهضته. والآن أصبح الجميع يبحث عن بدائل من أجل تحقيق هذا المشروع بعيداً عن التعصب والتحزب والفردية والأنانية؛ لأن الأمر السابق أدّى إلى اهتزاز حالة الاندماج الوطني. والمفارقة في الكويت أننا مثلاً بعد أن تخلصنا من مسألة الهاجس الأمني أبان حكم الرئيس العراقي المقبور قلنا سنمضي في طريق التنمية وسنحققها لكننا وجدنا أنفسنا في مكاننا نفسه.

وأضاف: مشروع الوطن أكبر من الفرد يجب أن يكون هناك إسهام من جميع أبناء المجتمع لتحقيق كل ما نصبو إليه من نهضة وتطور وازدهار، ونحن للأسف لا زلنا في الكويت (ما في هالبلد إلا هالولد)، فالتجمعات والأحزاب بعضها لا زال يسبح عكس التيار، وأحياناً أصبحت تنتج آليات للسيطرة على من فيها. ونحن فعلاً بحاجة إلى بدائل تخلصنا من كل ذلك وتقود بالمجتمع بمساهمات أفراده إلى الأعلى.

واختتم الأستاذ حسن العطار حديثه قائلاً: الزعيم الأوحد الذي سيوحد الساحة السياسية جميعها أصبح سيناريو قديماً وبالياً لن يجد له مكاناً على أرض الواقع معنا؛ لذا يجب أن تُطوّر صيغ القيادة، وأن تمضي باتجاه الجماعة والانسجام والتفاهم والعمل المشترك. وأعتقد أن الجماعات الشيعية بدأت تعي هذه القضية مؤخراً، وتتحرك عليها، وهي خطوة تحسب لها بلا شك.


ارسل لصديق