فضاءات التعايش
كتبه: الشيخ محمد زين الدين
العدد (46) السنة 21 - 1431هـ/ 2010م
التعليقات: 0
القراءات: 2724

تمثل قيمة التعايش بين الطوائف والأديان مسارًا حضاريًّا، ينطلق من خلاله المجتمع في صفٍّ واحدٍ للتكامل والرقي. وتأتي أهمية التعايش لتعزز التعددية والحرية اللتين تجدان في التعايش المناخ الأرقى لتأكيد حضورهما في الواقع المجتمعي، وبهذا يتجه الإنسان للعيش في الأمن والاستقرار بعيدًا عن التناحر والتنافر التي تفرضهما الطائفية والتعصب والتطرف الفكري.

وبهذا فإن قيمة التعايش ترفض رفضًا قاطعًا كل ما من شأنه أن يُذكي روح الطائفية، والتطرف الفكري، فالفتاوى التي جاءت لتبيح دمًا، ولتُؤَسِّسَ الإرهاب في مناخ جغرافي، إنما تحكم على هذه القيمة بالانتحار في مناخها البغيض الذي نشأ على قاعدة الإقصاء والتهميش. ولأن الاختلاف الفكري والعقدي القائم على الاجتهاد، إنما هو -من المفروض- يسير في طريق التلاقي المعرفي على مائدة الإسلام، لا طريق التناحر، وهو في واقعه أنما ينطلق من: «مهما اختلفتم في شيء فإن مرده إلى الله عز وجل وإلى محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)». إذن فقيمة التعايش هي في الأصل جاءت من روح الإسلام وقيمه، تلك الروح التي أَسَّست الإخاء والتآلف في واقع المجتمع المدني. وحتى تأخذ هذه القيمة مسارها الحضاري في الواقع المجتمعي لا بد من توفير فضاءات مناسبة لها، ومن هذه الفضاءات:

* التأكيد على القواسم المشتركة بين المذاهب والأديان، فقيمة التوحيد، والنبوة، والرسالة السماوية المتمثلة في كتاب الله، قيم تتفق عليها المذاهب وتنهل منها، كلٌّ حسب منطلقاته المعرفية، بحيث تكون هذه القيم مرجعًا معرفيًّا تُلزِم كل طرف بما فهمه وعرفه من اجتهاده المعرفي، ولا ضير من الجلوس على طاولة التشاور والتلاقي المعرفي، والحوار المُفْضِي إلى ذلك.

* التأكيد على مبدأ المساواة بين الإنسان وأخيه الإنسان، ورفض كل ما من شأنه زعزعة أمنه وحياته، وإشاعة جو الحرية السلوكية والعبادية، وإعطاء كل ذي حقٍّ حقَّه من المواطنة والعيش المشترك. وهذه الأهداف العليا التي لا بد أن تصب في مصلحة الإنسان بالدرجة الأولى، إنما هي رسالة النبي الأكرم الأولى عند تأسيسه لدولة الإسلام في المدينة المنورة.

* وأخيرًا: تأتي ضرورة التأكيد على إشاعة جَوِّ الاحترام المتبادل للرأي والرأي الآخر، والتحاكم إلى القواسم المشتركة التي ترسم المسار العام لسير التعايش وفق التعاطي الحضاري، وفي ذلك صيانة للتعايش من الانحراف والانجراف وراء التقهقر الحضاري.


ارسل لصديق