مسلمو تايلند..تاريخ وقضية
كتبه: أ.د.فاي تنكو بتاني
العدد (33) السنة 15 - 1425هـ/ 2004م
التعليقات: 0
القراءات: 1907

يمثل المسلمون اليوم أكثر من ربع عدد سكان العالم، يُكون قسم منهم مجتمعات ذات غالبية سكانية، وأخرى ذات أقلية، وتتوزع الأقليات الإسلامية في الكثير من الدول الحديثة، يعيش بعضها حالة من الاستقرار والتواصل مع المحيط الاجتماعي الذي يمثلون فيه أقلية دينية، كالأقليات الدينية التي تعيش في الدول الأوربية واليابان، ويعيش البعض الآخر حالة من الصراع والقطيعة يختلفان في شدتها من مجتمع لآخر، ومن الأقليات المسلمة التي تعيش حالة من الصراع مع الأكثرية هم المسلمون في تايلند التي يبلغ عدد سكانها 65.000.000 نسمة يتبع الغالبية منهم الديانة البوذية، ويبلغ عدد المسلمين 10% من مجموع السكان.

وقبل أن نتحدث عن أحوال المسلمين نلقي نظرة على الديانة البوذية التي تمثل ديانة الغالبية السكانية في تايلاند.

البوذية..المؤسس والتعاليم

تنسب الديانة البوذية إلى سيدهارتا غواتاما الذي سمي فيما بعد ببوذا، وهو اسم هندي معناه عالـم أو حكيم أو عاقل، وهو جنس لمعلمين من البوذيين اتخذوهم معبودات ونسبوا إليهم، ويعتقد البوذيون أنَّه ظهر عدد لا يُحصى من البوذات ليخلّصوا العالـم وأنَّه في العصر الحالي يوجد واحد منهم، ويُعرف أيضاً بسقياموني أي القديس أو الناسك، سقيا الذي يعتقد البعض أنَّه تجسَّد تاسع لوشنو، وأنَّه أصلح البرهمية بإدخاله فيها قانون إيمان بسيط، وإبداله شرائعها وعاداتها القاسية بشرائع أدبية ذات لين ورفق، وقد عاش سيدهارتا غوتاما في كابيلافستو حوالي العام (560- 480 ق.م).

ونشأت البوذية كاتجاه أخلاقي يدعو للفضيلة، لكن ما لبثت أن تحولت إلى ديانة وضعية لكثرة التفسيرات والخرافات التي أدخلها أتباعها فيها، وتميل البوذية إلى نفي الخالق جلت قدرته، لكنها مع ذلك تعطي تفسيرات مختلفة لمعنى الإله، وفي هذا الصدد يقول البستاني: «إن الله عند الشيع البوذية المعروفة بـ(أيس فاريكا) ومعناه الذات الأصلية السابقة كل الكائنات، ويسمونه أيضاً سقايام بو، أي الذات القائمة بنفسها، ويوجد بين هذه الشيع من يجعل من أديبوذة مبدأ مادياً يعادله في القوة وهو مثله سرمدي ومشارك له في خلق العالم، إلا أن الباقين يعتبرون أديبوذة المبدأ الإلهي المفرد والسبب الوحيد لكل الكائنات ومقامه في أعلى أقاليم الكون وهو إقليم النار (أغنختا بوفانا) ووجود كل شيء في الكون نشأ عن رغبته الشديدة في التخلص من وحدته لتكثير ذاته، فانبعث من تلك الرغبة المسماة عندهم برجنا ومعناها العقل المعلن ذاته خمس معبودات أخرى يسمون بوذة كل واحد منهم أنشأ بذاته وبالتوسط السماوي المسمى عندهم ذيان ابناً روحياً يعرف عندهم ببوذيستفا، وكان للإله أميتابا ابن روحي اسمه بادماباني وهو الخالق الحقيقي للكون وذلك لأنه خلق الآلهة الثلاثة المعروفين عندهم بالقوى السامية وهم: براهما وفيخنو وسيفا.

ويعتبر تاريخ البوذية منذ تأسيسها حتّى أصبحت ديناً لمملكة فارس وما وراء النهر تاريخاً غامضاً، ولكنَّ المعروف أنَّه عصفت بها المشاكل وحدثت بها انشقاقات وصلت إلى حوالي ثماني عشرة طائفة، كان أشهرها اثنتان:

الأولى: الفيبها شيكا أي المنشقون وفروعهم كثيرة.

والثانية: هي السوتونيتكا أي المحافظون على القواعد الأصلية.

وتجدر الإشارة هنا إلى أنَّ انتشار البوذية يعود الفضل فيه لشخص عاش في مرحلة متأخرة على ظهور بوذا بحوالي قرنين ونصف هو آشوكا.

ويعود السبب في انتشارها إلى غزو الإسكندر المقدوني لبلاد الهند حيثُ سيطر على معظمها، وكان من آثار ذلك أن نهض الأمير الهندي شاندار غوتبا، سنة 321ق.م. وجمع حوله قبائل عديدة وكوَّن جيشاً قوياً مكنه من إجلاء الإغريق عن بلاده، وجعل الهند بأسرها تحت مملكة واحدة خاضعة لسلطانه، واتخذ من أصله السودري وهو من أدنى أصناف الهنود وغزو المكدونيين للهند وسيلة لسحق قوّة البراهمة.

وتولى الحكم من بعده ابنه (بندو سارا) الذي قبل في بلاطه (ميغشينس) المؤرخ اليوناني ليشبع له فضوله، وخلف (بندو سارا) في الحكم ابنه «ذارماسوكا» أو «شوكا» كما في بعض المصادر في حكم الدولة المورية، فوسع مملكته ومارس العنف والتسلّط على الآخرين من خلال العمل العسكري، ولكنَّه -كما يقول ديورانت- لـم يلبث أن اشمأز من الحرب والقوّة، ومال إلى البوذية ووجد ضالته فيها، فاعتنقها وعمل على نشرها، وأعلن أنَّ فتوحه من ذلك الوقت ستكون في سبيل الدين، وقد لقب نفسه بياداسي (المحب التّقي) وقام بنشر قوانين ذات حلم وشفقة وجدت محفورة على أعمدة في دلهي، والله آباد، وعلى صخور بالقرب من بشاور في غزارة وأوريسا وغيرها ولكنَّها كتبت باللغة البركليتية أي الدراجة وليست باللغة السنسكريتية لغة البراهمة، وتلك القوانين تأمر بممارسة الفضائل وحفر الآبار وزرع الأشجار، وبناء الطرق والمستشفيات والحدائق العامة والبساتين، وتنهى عن القصاص بالقتل، وأرسل البعثات الدينية إلى كشمير وسيلان والإمبراطورية اليونانية وجبال هملايا، فتحوّلت بذلك البوذية من مذهب من المذاهب الهندية إلى دين عالمي تعتنقه شعوب آسيوية، كما في الصين والهند وبورما وفيتنام وتايلاند.

الانحراف

لقد أحدث أشوكا نقلة نوعية في البوذية، ولعل هذا الذي دعا المؤرخين لتاريخ البوذية إلى اعتبار أشوكا المؤسس الثاني للبوذية بحيث تحوّلت مع انتشارها على يديه من فلسفة أخلاقية إلى ديانة وضعية لها معابدها ومفهومها للألوهية ولها نظامها الطقسي.

ويمكن أن نصنف البوذية اليوم إلى نوعين هما:

الأول: هينايانا Hinaiana أو العجلة الصغيرة... ويرتدي كهنتها ثوباً أصفر اللون ويحلقون رؤوسهم، وعليهم الالتزام بعددٍ من القواعد الكهنوتية شديدة التعقيد، مثلاً: لا يسمح لهم تناول أي طعام بعد منتصف النهار، ولا يسمح لهم بحمل أيّ نقود أو ملكية، وهي أصغر أشكال البوذية، وأتباعها يعتبرون أنَّ بوذا ليس إلاَّ مجرّد رجل وضع بعض القواعد للسلوك، وهو ليس إلهاً يُعبد، ولا تزال توجد في سيريلانكا أشهر آثار بوذا وهي إحدى أسنانه.

الثاني: ماهيانا Mahiana أو العجلة الكبيرة... وهي شكل منحرف للبوذية، وأتباعها يعتبرون بوذا إلهاً، ويعبدون الروح التي ألهمت بوذا، وهم يؤمنون بالملائكة والشياطين، وتؤمن بعض طوائفهم بوجود الجنّة والجحيم، وأنَّه لا بُدَّ من مرور الروح بهما قبل أن تصل مرتبة الينرفانا، وتمثل هذه الطائفة القسم الأكبر من أتباع البوذية في العصر الراهن، ويمثلون أغلبية السكان في دول مثل بورما والتبت وفيتنام وكمبوديا وتايلاند.

المسلمون التايلانديون..تاريخ وحضارة

عرفت تايلاند الإسلام في بداية القرن الرابع الهجري عن طريق التجار المسلمين الذين قدموا إليها من الجزيرة العربية وإيران والعراق، وقد زاد التبادل الاقتصادي بين المسلمين وشعب تايلاند الإقبال على الدخول في الإسلام وترك الديانة البوذية، حتى تحول القسم الأكبر من الأقاليم الجنوبية لتايلاند إلى الإسلام، وتوحدت هذه الأقاليم فيما بعد تحت مملكة يحكمها المسلمون وتطبق التعاليم الإسلامية فيما عرف بمملكة فطاني.

وكان القرن الثامن والتاسع الهجريين يشهدان تحولاً نحو الإسلام في منطقة فطاني، وتنقل لنا الأخبار الفطانية تحولاً ادراماتيكياً أحدث انقلاباً كبيراً إن صح ما ينقله المؤرخون الفطانيون، فقد ذكر أنه حوالي عام 751هـ حكم فطاني (اندراسري وانغ ساه) وكان مصاباً بداء عضال عجز عن شفائه الأطباء فدقت الطبول تعلن للشعب أن من كان لدية علم بالطب فليتقدم إلى السلطان، فسمع بذلك الشيخ (صفي الدين) الذي لم تذكر الروايات التاريخية شيئاً عنه، فتقدم لعلاج الملك شرط أن يستجيب لمطالبه وهي:

• أن يعتنق الإسلام إذا قُدِّر له الشفاء.

• أن يترك الحرية لدعاة الإسلام في العمل.

وشاء الله أن يشفى الملك فيدخل في الإسلام هو وأفراد أسرته ومن ثم الشعب، وقد قام الملك بتغيير اسمه البوذي إلى (محمد شاه)، وخلف الملك من الأولاد، ابنين هما: مظفر ومنصور، وبنتاً وهي عائشة، وبعد أن مات محمد شاه تولى ابنه مظفر الحكم.

ابتدأ السلطان مظفر ولايته بتوطيد علاقة حسن الجوار فأرسل وفداً برئاسة أخيه منصور إلى (سيام) (تايلند حاليا) فقد كان يشعر بأطماع هذه الجارة البوذية تجاه دولته، ومع أن ملك (سيام) لم يستقبل الوفد بما يليق به إلا أنه أهدى له بعض الأسرى من أهالي ( فيكور).

واستمر السلطان مظفر في سياسته السلمية مع عدم إغفال جانب الصناعة والتسليح تحسباً لأي طارئ، وبالفعل فبعد أن كثرت تحرشات (سيام) بدولته انتهز فرصة انشغالها بحربها مع بورما فجهز جيشاً قاده بنفسه إلى سيام فأثخن فيها وعاد منتصراً دون أن يستولي على شيء منها مع قدرته على ذلك.

وفي طريق العودة توفي السلطان مظفر فخلفه أخوه منصور واستمر حكمه تسع سنوات وأوصى بالعرش لابن أخيه وكان صغيراً فقتل ثم تولى الملك (بهدور) ابن السلطان منصور، وقتل أيضاً إلى أن استقرت البلاد في يد ابنة بهدور التي لقبت (راج هيجو)، وكانت هذه السلطانة حكيمة في أمرها محبة لشعبها، فاهتمت بالأمن والاستقرار والتجارة، وفعلاً ازدهرت في عهدها التجارة والصناعة وأصبحت فطاني أكثر تحضراً من جارتها تايلاند، كما شقت الأنهار وبنت المساكن، وكان هذا سبباً آخر لانتشار الإسلام وإقبال البوذيين على الدين.

وفي عام 1603م تحركت الدولة البوذية (سيام) فأرسل ملكها (فرأ ناري سوان) جيشاً إلى سواحل فطاني فقادت السلطانة حملة الدفاع عن دولتها وكانت قد زودت جيشها بمدافع نحاسية لا مثيل لها في ذلك الوقت فاندحر جيش (سيام) وعاد خاسراً مما زاد في شهرة فطاني بين دول شرق آسيا.

وبعد سنوات توفيت السلطانة (راج هيجو) فخلفتها (راج بيرو)، واستمرت على نهج أختها في الإصلاح وعمارة المجتمع وتوفير عوامل بناء الدولة المتحضرة، إلا أن حركة التسليح توقفت في بداية عهدها وبعد سنوات من توليتها علمت بأن ملك (سيام) يعد العدة للاستيلاء على فطاني، فعقدت اجتماعاً وقررت أن تنشط صناعة المدافع النحاسية لأن سيام لم تعد كما كانت من ضعف، في حين تراجعت استعدادات فطاني، وكان من ضمن قرارها منع إخراج النحاس من فطاني مطلقاً وأن من يفعل ذلك فجزاؤه الإعدام وذلك لحاجة البلاد الماسة إلى كل سبيكة نحاس.

وما لبثت سيام حتى اجتاح أسطولها البحري سواحل فطاني عام 1632م، وسعى الجيش السيامي إلى المدينة، فنزل الجنود إلى البر وبدؤوا في التقدم فتصدى لهم جيش فطاني بمدافعه التي صنعت في عهد (راج بيرو)وكانت الغلبة للفطانيين الذين كانوا أكثر استعداداً لهذه المعركة.

وفي العام التالي(1633م) حركت تايلاند أسطولها نحو فطاني بعد أن تحالفت مع الأسطول البحري الهولندي ليقدم لها الدعم والمساندة عند بدء الحرب، وتحرك الجيش الفطاني لصد الهجوم عن بلاده، وفي الوقت ذاته استمر التايلانديون في هجومهم أملا منهم بمجيئ الدعم الهولندي الذي لم يصل إلا بعد أن انهزم التايلانديون وعادوا إلى سيام.

بعد سنتين وبالتحديد في عام 1635م توفيت (راج أونغو) فتولت ابنتها (راج كونينغ) زوجة ابن سلطان جوهر مقاليد الحكم في فطاني، فانتهز حاكم سيام هذه الفرصة وأرسل إلى هذه السلطانة الصغيرة وفداً يحمله رسالة يطلب فيها أن تعترف بسيادة مملكة سيام عليها إلا أنها رفضت ذلك الأمر، وظناً منه بضعف سلطنة فطاني قام الجيش السيامي بالهجوم على فطاني، لكن النتيجة كانت في صالح سلطنة فطاني، حيث رجع الجيش السيامي منهزماً.

وواصلت (راج كونينغ) سياسة الإصلاح التي بدأتها السلطانة(راج هيجو) وأحدث ذلك تقدماً هائلاً في حركة العمران حتى وصفها الرحالة الإنجليزي هملتون بأنها عامرة ابتداء من بوابة المدينة وانتهاءً بحي (بندر) وهو آخر حي في المدينة فلو مر قط على سقوف المنازل من أولها إلى آخرها فإنه لا يضطر إلى النزول منها إلى الأرض.

وعد المؤرخون هذه السلطانة آخر الحكام من سلالة (سري وانغسا)، فقد تولى الحكم بعدها (باكر) ثم (راج كلنتن) ثم ابنه (راج مس جايم) ثم (راج أحمد)، وفي هذه الأثناء كانت (سيام) مشغولة بحروبها الداخلية وانفصال ولاياتها عن العاصمة إلى أن ظهرت شخصية تسمى (فرأ باتق) فأخذ يؤلف جيشاً من السياميين، فلما تم له ذلك شن حرباً كاسحة على المنشقين في الداخل، وعلى المطالبين بانفصال ولاياتها عن العاصمة إلى أن تم له الاستقرار في (سيام).

وفي عام 1782م قتل (فرأباتق) وتولى مكانة (راج راما) وهو الأول من سلالة (مهاجكري) ونقل العاصمة إلى بانكوك، وبعد أن هدأت الحروب مع بورما أرسل إلى فطاني يطالبها بالاعتراف بسيادة (سيام) عليها فرفضت ذلك الأمر الذي أجج الحرب من جديد بين الجارين، حيث أرسل (راج راما) قائده (فرأ ياكلاهوم) عام 1786م على رأس جيش إلى فطاني، الذي وصلت في عهد السلطان راج أحمد إلى حالة شديدة من الضعف في التسليح والعمران والحركة التجارية، وسبب ذلك هزيمة كبيرة للجيش الفطاني كما قتل السلطان في هذه المعركة، وسيطر الجيش السيامي على فطاني وفرض سلطته التي كان عنوانها الاستخدام المفرط للشدة والعنف مع الشعب الفطاني، فأمر القائد فرأ ياكلاهوم بإحراق البيوت والمزارع وقتل المئات من المدنيين الأبرياء، وبهذا أصبحت فطاني منطقة محتلة حتى الوقت الراهن.

الصحوة الإسلامية في تايلاند

يمثل المسلمون في الأقاليم الجنوبية في تايلاند الأغلبية السكانية، حيث يبلغ عدد المسلمين خمسة ملايين وخمسمائة ألف، يتوزعون في أربع ولايات هي:

1- ساتون.

2- جالا.

3- يالا.

4- تراتوات.

وتنتظم هذه الأقاليم تحت مسمى إقليم فطاني، ويتوزع بقية المسلمين التايلانديين الذين يقدر عددهم بـمليونين على بقية أقاليم البلاد، يسكن قسم منهم العاصمة بانكوك، ويتبع أغلب المسلمين المذهب الشافعي، والبعض الآخر المذهب الشيعي الأثني عشري، يسكن أغلبهم في العاصمة بانكوك.

وقد تعرض المسلمون منذ تأسيس الدولة الحديثة إلى التنكيل والاضطهاد وصل إلى حد منعهم من حق ممارسة العبادة، ففي1932م، قام (فهون) بانقلاب في (بانكوك)، استطاع على إثره أن يسيطر على البلاد، وأعلنت الديمقراطية شعاراً للحكومة الجديدة، وأطلقت الوعود بالمساواة والعدل وتحدث الناس عن الإصلاحات المرتقبة ولكن بقي المسلمون ينتظرون حدوث تغير في وضعهم دون جدوى، بل إن رئيس الوزراء (سونكرام) الذي كان مشهوراً بالتعصب المقيت للجنس السيامي قام بتنشيط حركة (تسييم) المسلمين الملايو، فلم يعد من حق المسلمين أن يلبسوا الأزياء الملاوية، ولا التحدث باللغة الملاوية ولا التسمي بها، وقطع أي صلة تذكر الملايو بأنه كان مسلماً، وألزم الأطفال بالركوع لتمثال بوذا في المدارس وألغى مصطلح (ملايو مسلم) ليحل محلة (تاي مسلم)، وأجبر النساء على خلع الحجاب ولبس الملابس القصيرة جدا تشبها بالسياميين وقامت الحكومة بتهجير عدد كبير من الفطانيين إلى بانكوك وتوطين أكثر من مئة ألف بوذي في فطاني المسلمة أملاً في تغيير الوضع الديمغرافي لصالح سيام ويجري التخطيط مؤخراً لتوطين 650.000 بوذي في جميع أنحاء فطاني التي تبلغ مساحتها الحالية 15.000 كم2.

وفي عام 1944م قام (الحاج سولونغ) بتأسيس(هيئة تنفيذ الأحكام الإسلامية) وقدمت الهيئة اعتراضاتها لرئيس الوزراء السيامي فجاء الرد الرسمي سلبياً مؤيداً لما يحصل في فطاني.

المسلمون التايلانديون والمراكز الثقافية

يعيش المسلمون حالياً وضعاً أفضل من سابقه حيث يستطيعون ممارسة حريتهم كاملة، وقد انعكس ذلك في الزيادة المضطردة في عدد المساجد والمراكز الثقافية، ويقدر عدد المساجد في تايلاند بـ2500 مسجد تتوزع أغلبها في الأقاليم الجنوبية حيث بلغ عددها 2078 مسجداً يعتبر 360 مسجداً منها من المساجد الأثرية، والبقية تتوزع في بانكوك وبقية أقاليم تايلاند.

كما يوجد في فطاني أكثر من 400 مدرسة دينية، تدرس فيها العلوم الإسلامية كالفقه والقرآن واللغة العربية وعلوم الحديث، لكن المسلمين التايلانديين بدؤوا يعزفون عن التوجه للدراسة الدينية، وتوجه الأغلب للمدارس الحديثة التي يضمن الملتحق بها وظيفة في الإدارات الحكومية، مع أن الحكومة التايلاندية تمارس التمييز في سلم الوظائف، ولهذا السبب فإن أغلب الشعب الفطاني يمارس الزراعة والفلاحة، حيث تعتبر فطاني أفضل الأراضي الزراعية التايلاندية، ومن أهم المحاصيل هو الأرز والكاكاو والنارجيل.

ويمثل المسلمون التايلانديون عرقيات متعددة حيث يرجع الأغلب إلى الأصل الماليزي، والبقية يشكلون الأعراق التي وفدت من إيران وباكستان والهند وأندونيسيا.

إلى وقت قريب لم يكن في فطاني كلية تدرس فيها دروس المراحل العليا، وقد اقتصر على تأسيس كرسي في جامعة رامكام هانك لتدريس الفقه الإسلامي على المذهب الشافعي، لكن في الوقت الحاضر تم تأسيس مدرسة ضخمة في ولاية ويتيالاي سونكلانا تدرس فيها العلوم الإسلامية، وكلية أخرى في جالا، ويستطيع المسلمون طباعة الكتب الإسلامية، والقرآن الكريم، حيث تم أخيراً إنجاز ترجمة معتمدة من قبل المجلس المركزي للشؤون الإسلامية، وهي الجهة التي ترعى كل ما يخص المسلمين في شؤونهم الدينية.

وللمسلمين الشيعة تأثير ملحوظ في الحركة الثقافية في تايلاند، حيث تنتشر المراكز الثقافية التابعة لهم في العاصمة بانكوك المنطقة التي تمركزوا فيها منذ دخول التشيع لبلاد تايلاند قبل 450 سنة،[1] من خلال التجار والدعاة والعلاقات الدبلوماسية بين الدولة الصفوية والقاجارية والحكومة التايلاندية والسلطة في فطاني.

وفي مدينة آيوديا يقف شاهداً على دخول مذهب أهل البيت (عليهم السلام) لتايلاند قبر العلامة الشيخ أحمد القمي (1543- 1657م)، الذي استوطن بانكوك عام 1582م، وما لبث أن أصبح ذا تأثير واضح على الوضع التجاري والسياسي في تايلاند، فقد تسلم منصب رئيس جمارك البلاد ثم ما لبث أن أصبح رئيس وزراء آيوديا بأمر من ملك البلاد آنذاك.

وللشيخ القمي الذي هاجر من قم قبر شُيِّد عليه مسجد زُيِّن بأجمل النقوش الإسلامية، ويعتبر مزاراً يحترمه جميع المسلمين بشتى طوائفهم ومذاهبهم والبوذيون، حيث يقصدونه برجاء تحقيق آمالهم، كما يقوم السياسيون عند تنصيبهم بزيارة لهذا القبر، ويشاهد الزائر للمسجد على القبر ما يدل على مكانة القمي في الثقافة التايلاندية، حيث كتب على الحجر الذي وضع على القبر باللغة الإنجليزية والتايلاندية ما يلي: الشيخ أحمد رئيس وزراء دولة تايلند في آيوديا، في زمان الشاه نارسون، المولود في محلة بايين في مدينة قم سنة 1543م، شيعي اثنا عشري.

ويوجد في تايلاند في العاصمة بانكوك علاوة على المسجد المشيد على قبر القمي الذي أصبح معلماً سياحياً، أربعة مساجد لأتباع مذهب أهل البيت (عليهم السلام)، وفي كل مسجد مركز للنشر الثقافي، وهذه المساجد هي: مسجد شاهي، ومسجد الحظ الحسن (خوشبخت)، ومسجد داراي، ومسجد الإعانة الإسلامية، ويبلغ عدد أتباع مذهب أهل البيت (عليهم السلام) أكثر من 150.000 نسمة، يتمركز الأكثر في بانكوك وقسم منهم في الأقاليم الجنوبية.

أزمة المسلمين مع الحكومة التايلاندية

يعيش المسلمون في تايلاند أزمتين هما:

الأولى: داخلية هم أحد أسبابها، وتتمثل في حالة الضعف والفقر والأمية والجهل، مع وجود كل مقومات القوة والتمكن، وكذلك انقطاع التواصل مع المراكز الثقافية والمعرفية في العالم الإسلامي، وسبب ذلك ضعفاً في الدعوة لدين الله، مع أن البوذيين يعيشون حالة من الحيرة والشك وفي أحيان عديدة الرفض للمعتقدات التي تدعو إليها البوذية.

كما أن تغلل الفكر المتشدد الذي تمثله الوهابية سبب مشكلات عديدة، أبرزها تعميق القطيعة مع المحيط الاجتماعي ذي التنوع الثقافي والديني، وبدل أن ينخرط المسلمون في المجتمع ويمارسوا الدعوة للإسلام عبر بناء العلاقات الحسنة والأخلاق الرفيعة، بدأت تظهر الدعوة للعنف وحمل السلاح، وكأن الدعوة للإسلام ليس لها طريق إلا القتل والإرهاب، مع أن تاريخ الإسلام في تايلاند يوضح أن انتشاره كان بسبب التجار الذين مثلوا الأخلاقيات الإسلامية الرفيعة والسامية الأمر الذي حبب أهل تلك البلاد لهذا الدين الذي يدعو للتسامح واحترام الآخر وإن اختلف معه في الرأي.

الثانية: سببها الحكومة التايلاندية وتتمثل فيما يلي:

1- التمييز بين المواطنين المسلمين وغيرهم في الوظائف الحكومية، وفي الاهتمام بالجنوب وأماكن تواجد المسلمين.

2- ضعف التمثيل الإسلامي في البرلمان، حيث يشكل المسلمون نسبة ضئيلة جداً، لا تناسب عددهم، ففي البرلمان 200 ممثل للشعب تسعة منهم يمثلون المسلمين فقط.

3- وجود تيار حكومي متشدد يسعى لمسخ الهوية الإسلامية عبر نشر المعابد البوذية في مناطق ذات الغالبية المسلمة، بل تجد أمام كل مسجد في الأقاليم الجنوبية معبداً وضعت فيه أصنام بوذا.

4- عدم تمكين المسلمين من الاستفادة العادلة من تكنولوجيا المعلومات، فلا يوجد للمسلمين أي قناة تلفزيونية أو إذاعية تهتم بالتوجيه ونقل أخبار المسلمين هناك، وأخيراً قامت الحكومة بإعطاء المسلمين نصف ساعة يوم السبت صباحاً تنقل فيه أخبار المسلمين ويبدأ البث بقراءة للقرآن الكريم، ونصف ساعة عصر يوم الأحد فقط.

5- إبعاد المسلمين عن المراكز الاقتصادية المهمة، فالقليل من المسلمين فقط هم الذين يزاولون التجارة أو الصناعة، وتتمركز كل تلك الإمكانات في يد الأكثرية البوذية، وقد يكون للمسلمين يد في هذا الأمر، خصوصاً وأن الدولة تدعي تحقيق المساواة في الفرص الاستثمارية.

6- استخدام العنف المفرط في التعامل مع المسلمين فقط، ولا نرى ممارسة تلك السياسة تجاه الأقليات الأخرى، فمنذ كانون الثاني لعام 2004م ولغاية هذا الوقت سقط أكثر من 420 قتيلاً، ولا زال التوتر والعنف يسودان الوضع في الجنوب، ويرجع أحد أسباب ذلك إلى وجود تيار متشدد داخل الحكومة يدعو إلى لتصفية الوجود الإسلامي في تايلاند.

--------------------------------------------------------------------------------

[1] هذا ما ذهب إليه الباحث الإيراني السيد أحمد فدائي، حيث اعتبر أن دخول التشيع في بانكوك يرجع للقمي الذي هاجر لتايلاند عام 1582م، لكن من الواضح أن ذلك غير دقيق، لأن الهجرة والتجارة من قبل الإيرانيين والعراقيين بدأت مبكرة جداً، فالذي نذهب إليه مع وجود قرائن تدعمه هو دخول التشيع لتايلاند مع وفود الطلائع الأولى للتجار المسلمين، كما أن التاريخ الذي تعرض للقمي يوضح أنه عمل عند مجيئه لتايلاند في وسط جالية إيرانية وعربية كبيرة، كما أن ماليزيا الجارة القريبة لتايلاند كان بها نسبة كبيرة من المولين لآل البيت (عليهم السلام)، بل كانت مركزاً نشطاً للمعارضة الشيعية التي هربت من ظلم الحكومات الجائرة.

أ.د.فاي تنكو بتاني

باحث متخصص في الشؤون الإسلامية - تايلند.



ارسل لصديق