أمتنا بين الانشطار والتماسك
كتبه: الشيخ محمد حسن الحبيب
العدد (45) السنة 20 - 1430هـ/ 2009م
التعليقات: 0
القراءات: 3789

لست سلبيًّا حينما قدّمت كلمة الانشطار على كلمة التماسك، ولا أريد أن أنظر إلى واقع أمتنا الإسلامية بعين سوداوية، ولكنها -مع كل أسف- وصف لواقع الحال. وقد عمل المخلصون -علماء ومفكرون ومثقفون وساسة وذوو الرأي والنظر- من أبناء هذه الأمة لإيقاف حالة الانشطار هذه والصيرورة إلى أحسن الأحوال، ولكنهم تفاجؤوا بأن ما يمكن الوصول إليه لا يرقى إلى مستوى التماسك فضلاً عن الاندماج الذي طالما طمحوا إليه وعملوا من أجله.

وعلى الرغم من أن الرباط الوثيق الذي به تم اتحاد المختلفين واندماج المتفرقين ما زال موجوداً، ويدَّعي كل من أبناء الأمة التمسك به والاعتصام بحبله المتين، مما يعني أن المشكلة تكمن في صحة الدعوى، أو في وجود موانع وعقبات تحول بين أبناء الأمة وقيم التماسك والاندماج الحقيقي، مما يجعلها تعيش التنافر بين ما تؤمن به والواقع الذي تعيش فيه.

وقبل الولوج في هذه الإشكالية ينبغي أن نقف على المعنى الذي من خلاله تتشكل الأمة، ومن خلاله تطلق الأمة.

قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ[1].

الأمة في اللغة على معانٍ، منها: الطريقة والملة والدين، ومنها: القوم المجتمعون على أمر ومقصد واحد، ومنها غير ذلك، لكن الذي يعنينا هنا هو أن كل قوم نُسبوا إلى نبي وأضيفوا إليه فهم أمة[2].

قال الشيخ الطبرسي: أصل الأمة الجماعة التي على مقصد واحد، فجُعلت الشريعة أمة واحدة لاجتماعهم بها على مقصد واحد[3].

وقال السيد الطباطبائي: أصل الكلمة من: أمَّ يأمُّ إذا قصد، فأُطلق لذلك على الجماعة، لكن لا على كل جماعة، بل على جماعة كانت ذات مقصد واحد وبغية واحدة هي رابطة الوحدة بينها، وهو المصحح لإطلاقها على الواحد وعلى سائر معانيها إذا أطلقت[4].

وعلى هذا المعنى يمكن أن تكون القومية أو الجغرافيا أو العرق أو الفكر أو العقيدة مجتمعةً أو آحاداً مرتكزاً لتحقق مفهوم الأمة الواحدة، وحينها تنسب إلى ما ارتكزت عليه فتكون أمة عربية أو كردية أو غيرهما، وهكذا بالنسبة إلى البقية.

وأمتنا تنسب إلى الإسلام فكراً وعقيدةً وإيماناً مما يعني أن الدوائر الأخرى ينبغي أن تنصهر في بوتقة الإسلام، فالأعراق والقوميات والجغرافيا، وكذلك الأفكار، كلها تتصاغر وتندمج بعضها مع بعض تحت لواء الإسلام لتكون أمة واحدة متماسكة يخضع جميع أبنائها للواحد الأحد ويتمتع الجميع بالسوية، فلا يمتاز بعضهم على بعض إلا بالتقوى.

قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ[5].

وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ رَبَّكُمْ وَاحِدٌ وَإِنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ كُلُّكُمْ لآدَمَ وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ وَلَيْسَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى عَجَمِيٍّ فَضْلٌ إِلا بِالتَّقْوَى»[6].

دعوى الانتماء:

الانتماء الحقيقي إلى أمة الإسلام لا يتم من خلال التواجد على أرض المسلمين أو الولادة من أبوين مسلمين[7]، وإنما يكون من خلال الإيمان بالجامع المكوِّن لمفهوم الأمة والعمل بمقتضاه أمراً ونهياً.

قال تعالى: ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ[8].

قال السيد المدرسي: «وفي هذه الآية يضع القرآن الحكيم المقياس الاجتماعي الذي يميز المنافق عن المؤمن وهو مقياس الوحدة الإيمانية، فلو ادَّعى جماعة أنهم مؤمنون ثم تفرّقوا أحزاباً وشيعاً انطلاقاً من أهوائهم ومصالحهم فإن ادّعائهم سيكون باطلاً وسخيفاً لأن المؤمنين تجمعهم كلمة واحدة هي كلمة التوحيد، وإن التقوى هي محور نشاطهم وصبغة أعمالهم وحياتهم»[9].

العلاقات وإشكالية الانشطار:

التفرّق والتمزّق الذي ابتليت به الأمة يعود في الغالب إلى اضطراب في العلاقة بينها وبين قيمها الجامعة، وبينها وبين مراكز القوى فيها، وينعكس ذلك على العلاقة بين سائر أبنائها.

1- القرآن الكريم حدد محورية الحق سبحانه في الأمة التي يريد وأمر بالاعتصام بحبله.

قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ[10].

ونهى عن التنازع مبيناً أسبابه وعلاجه ونتائجه. قال تعالى: ﴿وَأَطِيعُواْ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ[11].

2- يقوم الحاكم بدور هامٍّ وخطيرٍ جدًّا في حراسة القيم وتقديمها إلى أبناء الأمة بما يليق وشأنها وشأن الأمة التي تنتمي إليها، ولذا أصبح قربه منها معرفةً والتزاماً وسلوكاً، وقدرته على تحمل المسؤولية هو السبيل لتوليه هذه المكانة وهذا المنصب، كما أن بُعده عنها هو الآخر يبعده عن هذا الموقع.

ولعل الكلمة الجامعة لهذه المعاني وغيرها أيضا هي (الظلم) فمن اتَّصف بأي نوع منه فإنه لا يجوز أن يكون في هذا الموقع، ومن كان على هذه الصفة وتبوأ منصب الحكم فإنه يعد معتدياً مغتصباً للمنصب.

قال تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ[12].

ومع أن هذه الآية الشريفة ترتبط بالنبوة والإمامة ارتباطاً مباشراً، وتبيّن أن من تلبّس بظلم في أي آن من آنات حياته فإنه لا يليق لهذا المنصب، إلا أنه يمكن لنا الاستفادة منها في المواقع المختلفة التي تحمل أية مسؤولية في الأمة.

وإذا دققنا النظر في الآثار المترتبة على الظلم فإننا سنجده سبباً أساساً في تمزيق الأمة وتفريقها وتقطيع أوصالها، وما الثورات والانتفاضات التي قامت ضد الحاكمين على مرّ التاريخ إلا صرخة في وجه الحاكم الظالم غالباً ومقاومة له، ومن الطبيعي أن يسفر عن التصادم بين الحاكم والمحكوم المزيد من التباعد والتباغض والتمزق والتفرق.

ولسنا هنا في صدد ذكر مثالب الحكام وتعداد المظالم الصادرة عنهم وعن رجالهم قديماً وحديثاً ولكن ما ينبغي الوقوف عليه هو: أن الظلم وما يتبعه من قهر وذلّ واستعباد وتعذيب وتنكيل هو من الأسباب الرئيسة في تمزّق الأمة، وعليه فإن الطامحين في وحدة الأمة والعاملين في هذا الحقل تقع عليهم مسؤولية مقاومة الظلم والظالمين بغض النظر عن انتماءاتهم العقدية أو الجغرافية أو غيرهما وموقعهم في السلطة، فقبح الظلم المقرّ من جميع العقلاء لا يخفّف من قبحه أي انتماء، ولا تستر سوءته المكانة والموقع في السلطة.

ولهذا انبرى الصالحون من أبناء هذه الأمة وفي مقدمتهم أهل البيت (عليهم السلام) والصحابة الأجلاء (رضي الله عنهم) لتصحيح الاعوجاج الصادر من الحكام، وبذلوا كل غالٍ ونفيسٍ لمنع الظلم ورفعه من واقع الأمة، وبغض النظر عن الإخفاقات والنجاحات في هذا المضمار إلا أنهم، ووفقاً لقيم الدين الحنيف الجامع لهذه الأمة، أدَّوا ما عليهم من مسؤولية تجاه دينهم وأمتهم، وتستمر قافلة المصلحين في مقاومة ما يفتت ويمزق الأمة، وما الدعوات التي تصدر من المصلحين لرفع الظلم والحيف عن الناس إلا طلباً لوحدة الأمة وتماسكها بالعودة إلى الدين الجامع. واتهامهم بتمزيق وحدة الصف وشقّ عصا المسلمين وغيرها من الأوصاف كالانفصاليين والمخربين ما هو إلا مجانبة للحقيقة والإمعان أكثر فأكثر في ممارسة الظلم، مما يعني المزيد من التشرذم والتفرق.

والصحيح هو: النظر إلى دعوات المصلحين بعين العقل وعرضها على قيم الدين فما وافقها ينبغي العمل به، والالتفات إلى آثار مخالفته. قال تعالى: ﴿وَأَطِيعُواْ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ[13].

3- منذ أن ودّعت الأمة الإسلامية الخلافة العثمانية في العام 1924م تفرّقت إلى عدد كبير من الوحدات السياسية، وهذه الوحدات ليس لها كيان سياسي واحد سوى منظمة المؤتمر الإسلامي التي أسست في 12 رجب 1389 هـ الموافق 25 سبتمبر 1969م، وتضم سبعاً وخمسين دولة إسلامية، وهي شكل من أشكال التعبير عن وحدة العالم الإسلامي.

وهذا الشكل، وإن كان محفوفاً بالهشاشة والضعف في الكثير من القضايا الخلافية في العالم الإسلامي، إلا أن وجوده أمر مطلوب، ولكن يجب أن نعترف أنها لم تتقدم خطوة واحدة في سبيل وحدة الأمة، أو فقل ليس من اهتماماتها، ولكن من المؤكد أن من صلب اهتماماتها منع الانشطار والتشظي بين أبناء الأمة! وعليه ينبغي «إعادة تقويم خبرتها السابقة في مجال الأمن الجماعي والتسوية السلمية للمنازعات بين الدول الأعضاء. فالاتجاه العام الذي سيطر على موقف المنظمة هو الابتعاد عن النزاعات العربية والأفريقية وتركها للمنظمات الدولية المعنية مثل الأمم المتحدة ومنظمة الوحدة الأفريقية وجامعة الدول العربية. ولعل حالة الحرب العراقية الإيرانية تؤكد هذا الاتجاه. والشيء ذاته ينطق -وبدرجة أكثر وضوحاً- على مسألة الاحتلال العراقي لدولة الكويت»[14]. والاحتلال الأمريكي لكل من أفغانستان والعراق وهما من الدول الأعضاء.

وإذا تجاوزنا هذا الإطار واتجهنا إلى سائر الأطر ذات الطبيعة الجغرافية أو غيرها فهي ليست بأحسن حالاً من هذه المنظمة، مما يفرض على الجميع تقوية هذه الأطر من خلال العودة إلى القيم الجامعة التي يدين بها أبناء الأمة الإسلامية.

ولعل تصحيح العلاقات فيما بينهم تكون من الأولويات الملحة وخصوصاً في زماننا هذا الذي استبدلت فيه العلاقات الأخوية بالعلاقات الكيدية، بل والتآمر من خلال الاستعانة بالأعداء «ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم».

4- شكّل دخول الناس في الإسلام انتماءً جديداً يتطلب منهم هجران الرواسب في انتماءاتهم السابقة، فالقبيلة والقوم والوطن وغيرها انتماءات مقبولة إذا كانت نقية من أدران الجاهلية وأدرجت في إطار الإسلام، بحيث يكون ولاء الإنسان إلى الدين أولاً وبالذات وليس العكس.

ولمزيد من الاندماج وتأكيداً لحالة الانسجام بين أبناء الإسلام فقد ارتقى بالعلاقة بين أبنائه إلى مستوى الأخوة وهي رباط معنوي يتصل بالواحد الأحد، وهكذا يكون الاعتقاد بالتوحيد له انعكاسات على الواقع الخارجي بين المؤمنين.

قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ[15].

وروي عن الإمام الصادق (عليه السلام) قوله: «الْمُؤْمِنُ أَخُو الْمُؤْمِنِ كَالْجَسَدِ الْوَاحِدِ إِنِ اشْتَكَى شَيْئاً مِنْهُ وَجَدَ أَلَمَ ذَلِكَ فِي سَائِرِ جَسَدِهِ، وَأَرْوَاحُهُمَا مِنْ رُوحٍ وَاحِدَةٍ، وَإِنَّ رُوحَ الْمُؤْمِنِ لأَشَدُّ اتِّصَالاً بِرُوحِ اللهِ مِنِ اتِّصَالِ شُعَاعِ الشَّمْسِ بِهَا»[16].

وسئل الإمام الرضا (عليه السلام): مَا حَقُّ الْمُؤْمِنِ عَلَى الْمُؤْمِنِ؟ فقال (عليه السلام): «فَقَالَ إِنَّ مِنْ حَقِّ الْمُؤْمِنِ عَلَى الْمُؤْمِنِ الْمَوَدَّةَ لَهُ فِي صَدْرِهِ، وَالْمُوَاسَاةَ لَهُ فِي مَالِهِ، وَالنُّصْرَةَ لَهُ عَلَى مَنْ ظَلَمَهُ، وَإِنْ كَانَ فَيْءٌ لِلْمُسْلِمِينَ وَكَانَ غَائِباً أَخَذَ لَهُ بِنَصِيبِهِ، وَإِذَا مَاتَ فَالزِّيَارَةُ إِلَى قَبْرِهِ، وَلا يَظْلِمُهُ، وَلا يَغُشُّهُ، وَلا يَخُونُهُ، وَلا يَخْذُلُهُ، وَلا يَغْتَابُهُ، وَلا يَكْذِبُهُ، وَلا يَقُولُ لَهُ أُفٍّ فَإِذَا قَالَ لَهُ أُفٍّ فَلَيْسَ بَيْنَهُمَا وَلايَةٌ، وَإِذَا قَالَ لَهُ: أَنْتَ عَدُوِّي فَقَدْ كَفَّرَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ، وَإِذَا اتَّهَمَهُ انْمَاثَ الإِيمَانُ فِي قَلْبِهِ كَمَا يَنْمَاثُ الْمِلْحُ فِي الْمَاءِ»[17].

ومن خلال ذلك اجتمعت القوميات والأعراق والأنساب والأوطان كلها تحت راية التوحيد، وأصبح الجميع في دين الله أخواناً.

والآن هل العلاقة بين أبناء الأمة على هذا الوجه؟ أم أن الأمر عاد كما كان قبل الإسلام؟ والحقيقة المرة هي أن الأمر عاد منذ زمن بعيد حتى قال ابن خلدون: إن عصبية الجاهلية نسيت في أول الإسلام، ثم عادت كما كانت، في زمن خروج الحسين (عليه السلام) عصبية مضر لبني أمية كما كانت لهم قبل الإسلام[18].

وقال أحمد أمين: لم يكن الحكم الأموي حكماً إسلاميًّا يُسوّى فيه بين الناس، ويُكافأ فيه المحسن عربيًّا كان أو مولى، ويعاقب من أجرم عربيًّا كان أم مولى، ولم تكن الخدمة للرعية على السواء، وإنما كان الحكم عربيًّا، والحكام فيه خدمة للعرب على حساب غيرهم، وكانت تسود العرب فيه النزعة الجاهلية، لا النزعة الإسلامية[19].

وواقعنا المعاصر ليس بعيداً عن هذه العصبيات وتلك الرواسب التي عمل الإسلام على إبعادها عن أبنائه منذ اليوم الأول؛ لذا نحن بحاجة إلى تداخل أبناء الأمة بعضها مع بعض مما يتيح للجميع فرصة التعارف والتآزر والمناصرة والتكافل فيما بينهم. ولكي يتم ذلك ينبغي الاستفادة من الحج والعمرة بعقد المؤتمرات والحوارات واللقاءات فيما بين المسلمين، كما ينبغي تأسيس المؤسسات الحكومية وشبه الحكومية والأهلية -ولعل الأخيرة هي الأهم- على مستوى الأمة ذات الطابع التشاوري أو العملي بمختلف التوجهات العلمية والعملية.

5- التعدد المذهبي في الأمة الإسلامية، بل وغيرها من الأمم، لا يؤدي بالضرورة إلى التفرّق والتشرذم، إلا إذا دخلت عليه مؤثرات من الخارج تقوم بتوظيفه لأهداف خاصة لا تنسجم مع وحدة الأمة وائتلافها، وهذا يعني أن ما تشهده بعض الساحات الإسلامية أحياناً من تدابر أو تنازع بين أتباع المذاهب الإسلامية ليس الخلاف العلمي هو المسؤول عنه، وإنما هو نتيجة لتدخل بعض الساسة أو المنتفعين في استغلال الخلاف وتوظيفه للاصطفافات الطائفية والنعرات المذهبية. وتشتد الحالة خطورة حين يتحوّل الحكّام إلى رجال طوائف يعملون على نبذ وتحقير الطوائف الأخرى وسلب حقوقها تعالياً عليها وتعصباً ضدها، والنتيجة الطبيعية لمثل هذا السلوك ليس التماسك والاندماج قطعاً وإنما التفكّك والتفرّق والانقسام، ومن المؤكد أن الرابح لن يكون هو بل أعداء الأمة.

وقد عمل المخلصون من أبناء الأمة على نبذ الطائفية وإبعاد الطائفيين عن ساحة التأثير ومنعهم من استغلال الخلاف العلمي إلى مادة لتأجيج الصراع والانقسام، وقد حققوا نتائج هامة على مستوى المذاهب الأربعة (المالكي، الحنفي، الشافعي، الحنبلي) بالرغم من الحوادث المؤسفة والمؤلمة التي حدثت فيما مضى من التاريخ.

والآن تبقى الآمال معقودة على تلك الجهود أيضاً في إكمال مهمتها لتتلاقى المذاهب جميعاً الشيعية منها والسنية صفًّا واحداً للنهوض بهذه الأمة إلى ما كانت عليه في تاريخها المجيد.

وعلينا أن نعي أن سلاح الإقصاء والتهميش والتكفير لن يوصل أحداً إلا إلى الخسران والتفكك والضياع «والعياذ بالله».

--------------------------------------------------------------------------------

[1] الأنبياء/ 92.

[2] كتاب العين، الخليل الفراهيدي، ج 8 ص 428.

[3] تفسير مجمع البيان، الشيخ الطبرسي ج 7 ص 111.

[4] تفسير الميزان، السيد الطباطبائي ج 2 ص 123.

[5] الحجرات/ 13.

[6] بحار الأنوار، العلامة المجلسي ج 73 ص 350.

[7] الولادة يترتب عليها أثر الإسلام إن لم يعقبها جحود.

[8] المؤمنون/ 52.

[9] تفسير من هدى القرآن، السيد المرجع المدرسي ج 8 ص 191.

[10] آل عمران/ 103.

[11] الأنفال/ 46.

[12] البقرة/ 124.

[13] الأنفال/ 46.

[14] منظمة المؤتمر الإسلامي: بلورة لمواقف لفظية دونما أثر عملي، بقلم: د. حمدي عبد الرحمن:

http://www.aljazeera.net/NR/exeres/1AE3F47F-4A6E-450F-A782-539E2571677F.htm

[15] الحجرات/ 10.

[16] بحار الأنوار، العلامة المجلسي، ج 58، ص 149.

[17] بحار الأنوار، العلامة المجلسي، ج 58، ص 233.

[18] نقلاً عن كتاب جهاد الإمام السجاد [عليه السلام]، السيد محمد رضا الجلالي، ص 135.

[19] نقلا عن كتاب جهاد الإمام السجاد [عليه السلام]، السيد محمد رضا الجلالي، ص 137.


ارسل لصديق