الوجود بين تصورات البشر وبصائر الوحي
كتبه: الشيخ معتصم سيد أحمد
العدد (32) السنة 15 - 1425هـ/ 2004م
التعليقات: 0
القراءات: 2131

أهمية مبحث الوجود

بدأ السفسطائيون إنكارهم لكل حقيقة، إذ أنكروا حقيقة الوجود، ومنه انطلقت نظرية المثل الأفلاطونية التي لم تعترف بالحقائق العينية، وَعَدَّتَهْا ظلالاً لعالم المثل، الذي بدوره ينتهي إلى مثال واحد هو مثال الخير وهو الوجود الحقيقي عندهم، وعلى نكران حقيقة الوجود تفرعت بقية المدارس المثالية التي شككت في الخارج استناداً لبعض الأخطاء الحسية، أو التي لم تعترف بقيمة معرفية عند الإنسان تؤهله لمعرفة الموجود الخارجي.

وعلى نقيضها قامت فلسفات على الاعتراف بحقيقة الوجود، وأنتجت ما أنتجت من الزخم الفلسفي لتأسيس مبدأ الواقعية، وإن كان ثمة تباين فيها أدى إلى تفاسير مختلفة ونظريات متعددة لحقيقة الوجود، حيث إن بعضها جعل الوجود حقيقة واحدة في الواجب والممكن، فقالوا إن الله عز وجل في درجة عالية من الوجود والمخلوق في درجة متدنية «فهذا التفاوت ليس إلا في الشرف والمرتبة فقط، أما في الحقيقة فلا»[1] وما عملية الخلق إلا تنزل الدرجة العالية إلى الدانية، وبعضها ذهب كالرواقيين إلى القول بأن كل شي هو الله ولا فرق بين كبير أو صغير جليل أو حقير، فالله غير خارج عن الطبيعة، وبعض تلك الاتجاهات آمنت بثنائية الوجود بين الخالق والمخلوق، فقالت بوحدة الوجود وتعدد الموجود... وهكذا.

ولذا كانت النظرة إلى الوجود هي التي تشكل طبيعة المنهج الفلسفي عند الفيلسوف، يقول السيد الطباطبائي «الموجود إما خارجي أو ذهني، والموجود إما واحد أو كثير، والموجود إما بالفعل أو بالقوة، والجميع كما ترى، أمور غير خارجة من الموجودية المطلقة، والمجموع من هذه الأبحاث هو الذي نسميه الفلسفة»[2].

وقد اهتم صدر المتألهين كثيراً بمبحث الوجود في جميع كتبه الفلسفية حيث اشتغل «بفكرة الوجود، على نحو لم نعهده لدى السابقين من السلف، من ذوي الموسوعات الفلسفية كابن سينا مثلاً»[3]، يقول صدر المتألهين في مقدمة كتاب المشاعر: «فمن جهل بمعرفة الوجود يسري جهله في أمهات المطالب ومعظماتها، وبالذهول عنها فاتت عنه خفيات المعارف وخبيئاتها، وعلم الربوبيات ونبواتها، ومعرفة النفس واتصالاتها ورجوعها إلى مبدأ مبادئها وغاياتها»[4]، ولذا انطلق لوضع فلسفة خالصة للوجود، واعتمد عليها في إثبات وجود المبدأ الأول ببرهان الإمكان الوجودي، وصاغ منها العلاقة بين الواجب والممكن بنظرية الوحدة في عين الكثرة، والكثرة في عين الوحدة، فمفهوم الوجود إذاً هو الجذر الذي بنى عليه صدر المتألهين نظريته المعرفية.

ومن هنا يُعدُّ مفهوم الوجود مدخلاً لفهم نظرياته في المعرفة، ولذا سأخصه بالبحث فهو من أهم الفلسفات الدارجة إلى اليوم ويكثر المروجون لها وسط الحوزات العلمية.

وكل ما أريد فعله هو تأصيل نظرة إسلامية لموضوع الوجود بشكل مقارن مع النظريات الفلسفية، تاركاً نقاش بعض النتائج الفلسفية الخطيرة التي ترتبت على مفهومهم للوجود مثل وحدة الوجود ونظرية الفيض.

الوجود مشترك معنوي أم لفظي؟

تبنى صدر المتألهين ومن تبعه من الفلاسفة، كون الوجود مشتركاً معنوياً، فكل ما يصدق عليه لفظ وجود يرجع إلى معنى واحد، واستدلوا على ذلك بالحمل والنفي، فالقول: إن الإنسان موجود، والجبل موجود، واجتماع النقيضين ليس بموجود: هو حقيقة واحدة تحمل على كل الممكنات، حتى قال صدر المتألهين: «إن كون مفهوم الوجود مشتركاً بين الماهيات قريب من الأوليات»[5].

ولذا سخف الرأي القائل بالاشتراك اللفظي بين وجود الله ووجود الممكن قائلاً: «ونظيره في السخافة ما نسب إلى بعضهم: أن مفهوم الوجود مشترك لفظي بين الواجب والممكن»[6] فمفهوم الوجود مفهوم واحد على كل ما يصدق عليه الوجود، فليس بين الوجود والعدم مرتبة ثالثة، وقد رد على هذا الرأي بقوله «بأنا إما أن نقصد بالوجود الذي نحمله على الواجب معنىً أو لا، والثاني يوجب التعطيل، وعلى الأول إما أن نعني به معنى الذي نعنيه إذا حملناه على الممكنات، وإما أن نعني به نقيضه، وعلى الثاني يلزم نفي الوجود عنه عند إثبات الوجود لـه تعالى عن ذلك، وعلى الأول يثبت المطلوب، وهو كون مفهوم الوجود مشتركاً معنوياً»[7].

وقد اعتقدوا أن القول بالاشتراك اللفظي شبهة ناشئة من الخلط بين المصداق والمفهوم، فالمغايرة ثابتة للمصداق والاشتراك ثابت للمفهوم، يقول: «إن منشأ هذه الشبهة هو الخلط بين خصائص المفهوم والمصداق، أي الذي لا يقاس بالمخلوقات في مورد الله سبحانه إنما هو مصداق الوجود، وليس مفهومه، والاختلاف في المصاديق لا يؤدي إلى الاختلاف في المفهوم»[8]، هذا ملخص ما قيل في الاشتراك المعنوي.

مناقشة الاشتراك المعنوي:

بني الاستدلال على كون الوجود مشتركاً معنوياً بين الخالق وخلقه، على كون مفهوم الوجود مفهوماً واحداً، حقيقته نفي العدم، وهو مشترك بين الواجب والممكن، فإن لم يصدق عليه مفهوم الوجود فهو العدم، وليس هنالك مرتبه ثالثة بين الوجود والعدم، ولمناقشة هذا الأمر وتَبَيُّن مدى بعده وقربه من الحقيقة لا بد من النقاش معهم في عدة نقاط هامة وهي:

1ـ عن المفهوم الذهني، وهل اللفظ الدال على معنى يشير إلى الحقيقة العينية المتحققة في الخارج أم إلى المفاهيم الذهنية؟.

2ـ الوجود حقيقة بما هو هو، هل يمكن أن يدرك، فإن كان يدرك هل يدرك بالعلم والعقل أم بشيءٍ آخر، وبالتالي هل لـه مفهوم؟.

3ـ هل حقيقة الوجود هي نفي العدم فقط، وليس للوجود حقيقة ذاتية إلا بالنقيض؟ أم أن نفي العدم هو من لوازم الوجود وليس حقيقته؟.

أولاً: لفظة الوجود معناها في المفهوم أم في المصداق:

إن العلم ليس عملية انطباع صور الأشياء على الذهن البشري، واتحادها مع النفس المدركة، ومن ثم استخراج مفاهيم كلية من تلك الصور الذهنية، كما أن العلم ليس مرتبة من مراتب النفس، وإنما هو نور خارج عن ذات الأشياء وذات الإنسان، وهو كشف كامل للواقع الخارجي بما هو خارجي، وبهذا أثبتنا أن المدرك بنور العلم هو الواقع العيني لا الصور والمفاهيم الذهنية، إنما تلك الصور والمفاهيم تأتي في المرتبة الثانية بعد تحقق العلم بالواقع الخارجي، وهي مفاهيم ينتزعها العقل من الواقع فليست لها حقيقة ذاتية، وإنما هي متقومة بالخارج المنكشف بنور العلم، كذلك يمكن للروح خلق سلسلة غير متناهية من المفاهيم والصور الذهنية كما في الخيال، ولكن ليست لها حقيقة لأن الواقع يكذبها، ففي مرتبة الروح تتساوى صور الخيال والصور التي لها حقائق خارجية، العقل هو الحاسم بتصديق أو تكذيب هذه الصور، فإذاً الحقيقة هي للواقع المشار إليه في الخارج، والألفاظ موضوعة للمعلوم والمعقول بالحقيقة، فإن كان الخارج فهي تشير إليه، وإن كان المفاهيم الذهنية فهي تشير بالأصالة لتلك المفاهيم التي هي بدورها تعبير عن الخارج، أما الفلاسفة فقد جعلوا المفهوم وسيطاً بين اللفظ والخارج.

وإذا اتضح هذا الأمر جلياً، ووجد الإنسان نور العلم بوجدانه، وتبين لـه أن هذه الحقيقة النورانية لا تدرك إلا بنفسها، وبهذه الحقيقة يكون الواقع مكشوفاً، فهو بذلك يتعامل مع الحقائق الخارجية لا المفاهيم الذهنية، وبذا يكون التعبير عن هذه الحقائق بالألفاظ والكلمات التي تعبر وتشير إلى الحقيقة الخارجية نفسها لا الصور والمفاهيم الذهنية، فلا معنى «لوضع الألفاظ للأمور المتصورة في الذهن، سواء تصورها أم لا، والغالب عدم توجه الإنسان إلى المتصورات، ولو كان متوجهاً إليها أيضاً فلا دليل ولا محصل لوضع اللفظ للأمور الذهنية بعد مشاهدة الخارج بالحس والعيان»[9].

وهذا فاصل جوهري بين معارف الفلاسفة ومعارف الأنبياء، فحصر الفلاسفة المعرفة في المفاهيم والصور الذهنية، ثم راح يجولون بفكرهم في عالم تلك الصور ليستخرجوا نظريات من الضروريات، وفق معطيات المفهوم الذهني، فمثلاً المفهوم الذهني لحقيقة الوجود لا يفرق بين الواجب والممكن، وكذا مفهوم العلم والحياة والقدرة والسمع والبصر، كل هذه لا يجد الذهن فوارق بينها كونها صفات للواجب وصفات للممكن، فحقيقتها بالمفهوم الذهني واحدة، أليس نقيض العلم الجهل، والحياة الممات، والقدرة العجز، وهكذا..، فهذا خطأ منهجي وقع فيه علماء البشر عندما حصروا المعرفة في المفاهيم والصور الذهنية، وليس الأمر كما قالوا: «من الواضح أن العقل يتعامل دائماً مع المفاهيم، وكلما تحقق تفكر أو تعقل واستدلال، فإن المفاهيم الذهنية تقوم بدور الوسائل الضرورية التي لا بديل لها»[10]، ولكن هذا الوضوح مرتكز على كون المعرفة صوراً ومفاهيم ذهنية، وقد تبين وضوح بطلان ذلك، ومن ثم إذا قبلنا بكون هذه المفاهيم وسائط، فنحن لا نعترف بأكثر من كونها وسائط للتخاطب والتفاهم، عندما تتحول إلى لغة مسموعة أو مكتوبة فهي بالتالي تكون إشارات لحقائق لا يمكن أن تكون ذهنية، فهي إذاً ليست علماً.

أما إذا اعتقدنا أن الألفاظ تشير إلى الحقيقة الخارجية، فكل لفظ يتقوم معناه بنفس الحقيقة المشار إليها في الخارج، وكذا الأسماء الموضوعة للأعلام، فعمرو ومهدي، هي ألفاظ تشير إلى شخص عمرو المشخص في الخارج وكذا مهدي، وليس صورتهما الذهنية، لأن المعلوم بالأصالة والحقيقة هو الخارج المكشوف بنور العلم وليس صورة الأشياء المنطبعة في الذهن، وإن كان هناك سلسلة من المفاهيم الذهنية للحقائق الخارجية، فهي لا تعدو أن تكون لغة الذهن ومنطق الفكر، فعندما تجول في خاطر الإنسان أفكار فهي ليست تعبيراً عن وجود ذهني متقوم بماهيات الأشياء، وإنما هي مجرد لغة الذهن، كما أن الكلام لغة اللسان، والفرق بينهما هو أن الأولى صامتة والثانية ناطقة، فكلتاهما تعبير عن حقائق خارجية بنفس أدوات اللغة والألفاظ، فكلمة زيد في الفكر والذهن هي نفسها في اللسان والنطق.

هذا في إطار المفاهيم الجزئية، أما المفاهيم الكلية مثل الجنس والنوع فهي متقومة كذلك بالخارج، بلحاظ عدم النظر إلى مشخصاتها الخارجية، فالألفاظ المستخدمة في هذا النوع من المعاني ليست متقومة بالوجود الذهني، وإنما أيضاً بالوجود الخارجي، والفرق بينها وبين الجزئي هو أن الجزئي ناظر إلى الخارج بمشخصاته، والكلي ناظر إلى الخارج أيضاً ولكن بعيداً عن مشخصاته «فالحقيقة ملاك الشخصية لحاظ الشيء بمشخصاته الخارجية، ومع غمض العين عنها، يكون اللفظ موضوعاً لهذا النوع الممتاز عن غيره، فالفرق بين (زيد) و(إنسان) ليس إلا من حيث لحاظ المشخصات الفردية في زيد، وعدم لحاظها في الإنسان، ومعلوم أن الإنسان هو الأفراد الخارجية من غير لحاظ ما به قوام الفردية»[11].

فمن هنا عرفنا أن الألفاظ تشير إلى حقائق خارجية بمشخصاتها أو غير مشخصاتها، فهي إشارات لما يكشفه العقل من علم ومعاني، فاجتماع النقيضين محال بحكم العقل، واللفظ الدال عليه يشير إلى تلك الحقيقة المكشوفة بنور العقل لا مفهومها الذهني المتصور، لأن المعنى المقصود «نفس الحقائق الخارجية وجدت أم لم توجد، لأن العقل والعلم كاشفان للماهيات الخارجية بلا احتياج إلى الثبوت العقلي والعلمي، وعلى تقدير الثبوت يكون المعقول المعلوم الثابت بهما وجهاً للخارج والألفاظ سمات للخارج بواسطة هذه الوجوه، فمعنى الألفاظ والمراد منها نفس الحقائق أولاً وبالذات، وعليه الفطرة الأولية العقلائية، فالمكشوف نفس الحقائق، والأسماء سمات لها فيمكن، تعلم الإنسان أسماء الأشياء موجودة كانت أو غير موجودة»[12].

وعلى هذا فإن تهمة الخلط بين المفهوم والمصداق، ليس لها أساس من الصحة إذا علمنا أن الألفاظ متقومة بالخارج، وليس بالذهن، فأساس اللغة والعلم هو الحقائق الخارجية وليس المفاهيم الذهنية، وعليه فإن لفظ الوجود إما أن يشير إلى وجود الممكن، وإما أن يشير إلى وجود الله، فهي متقومة بمصداقها الذي يختلف من الله إلى الممكن، ولا يصح بحال القول إن الوجود مشترك معنوي، لأنه تشبيه بين الخلق والخالق، فلا نتهم حينها بالخلط بين المفهوم والمصداق، فالمشار إليه هنا هي الحقائق الخارجية الظاهرة بذاتها، أو بنور العلم بما هي في الخارج، فاللفظ هنا لا يتعدى كونه سمة لحقيقة خارجية، وليس هناك إطار آخر للعلم والمعرفة سوى هذا.. فالمتهِم أحق بالاتهام، لكونه خارجاً عن دائرة حقيقة التعاطي المعرفي، سارحاً في دوائر هي أقرب إلى التصورات والأوهام، فلسان روايات الأئمة (عليهم السلام) واضح في التفريق بين الألفاظ والأسماء فيما إذا استخدمت في حق الخالق أو حق المخلوق، فعن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «من عبد الله بالتوهم فقد كفر، ومن عبد الاسم ولم يعبد المعنى فقد كفر، ومن عبد الاسم والمعنى فقد أشرك، ومن عبد المعنى بإيقاع الأسماء عليه بصفاته التي يصف بها نفسه، فعقد عليه قلبه ونطق به لسانه في سر أمره وعلانيته، فأولئك أصحاب أمير المؤمنين (عليه السلام) أولئك هم المؤمنون حقاً»[13]، وعن أبي الحسن (عليه السلام) قال: «... ولو كان كما يقولون لم يعرف الخالق من المخلوق ولا المنشئ من المنشأ، لكنه المنشئ، فرق بين من جسمه وصوره وأنشأه وبينه إذ كان لا يشبهه شيء ولا يشبه هو شيئاً، قلت أجل جعلني الله فداك، لكنك قلت: الأحد الصمد، وقلت: لا يشبه هو شيئاً، والله واحد والإنسان واحد، أليس قد تشابهت الوحدانية؟ قال: يا فتح أحلت ثبتك الله، إنما التشبيه في المعاني، فأما في الأسماء فهي واحدة، وهي دلالة على المسمى..»[14]. وعن الإمام الرضا (عليه السلام) «...كما أنا رأينا علماء الخلق إنما سموا بالعلم لعلم حادث إذ كانوا قبله جهلة، وربما فارقهم العلم بالأشياء فصاروا إلى الجهل، وإنما سمي الله عالماً لأنه لا يجهل شيئاً، فقد جمع الخالق والمخلوق اسم العلم واختلف المعنى على ما رأيت.. وكذا السمع والبصر..قد جمعنا الاسم ولم يجمعنا المعنى»[15]. وعن أبي جعفر (عليه السلام) «الأسماء والصفات مخلوقات المعاني، والمعني بها هو الله..» فبالتالي الأسماء والصفات هي سمة ودلالة تشير إلى حقيقة متقومة بنفسها في الخارج فليس هناك اتحاد وتطابق بين الاسم والمعنى (فمن عبد الاسم والمعنى فقد أشرك) فكل ما يحمله الاسم من مفهوم ومعنى متقوم في حقيقة كونه إشارة لحقيقة المعنى المشار إليه، فإن كانت في الأسماء معاني فالمعني بها هو الله، فلا تتعدى كونها سمة كاشفة عن حقيقة خارجية.

ثانياً: مفهوم الوجود بين التحقق والامتناع:

هل الوجود حقيقة مكشوفة أم غير مكشوفة؟، فإن كانت مكشوفة ومعلومة، هل لها مفهوم أم لا؟ من عرف حقيقة العلم عرف بأنه نور ظاهر بنفسه، مقدس عن المعلومية والمفهومية، لأن حقيقته نورانية طبيعتها الكشف والظهور، وعرف أيضاً أن نور العلم مختص بكشف المظلمات، أما الحقائق النورية الأخرى فإنها ليست مورداً لكشف العلم، لأنها حقائق ظاهرة بنفسها لا تحتاج إلى نور العلم، وأظهر هذه الحقائق النورية نور الوجود الذي يجده الإنسان ظاهراً بنفسه، فلا يعرف الوجود إلا بنفسه، فيتقدس عن المعلومية والمفهومية، ولكي تعرف الوجود يجب أن تتوجه إليه بالوجود نفسه لا بالعلم والشعور، ومن أسباب ضلالات البشر، أنهم تصوروا أن الوجود يدرك بالعقل فتصوروا لـه مفهوماً، في حين أن نفس العلم والعقل متحقق وجودهما بنور الوجود، فكل شيء موجود إنما يكون بنور الوجود، فحتى المفهوم الذي تصوروه للوجود هل هو موجود أم غير موجود؟ فإن كان غير موجود فانتفى المطلب، وإن كان موجوداً فيفترض أن يتحقق بالوجود، فكيف يكون مفهومه المتحقق به أكثر ظهوراً منه؟، ومن ثم كيف يتحقق هذا المفهوم؟ فإما أن يكون مفهوماً ماهوياً، أو مفهوماً فلسفياً، أما ماهوياً فليس للوجود ماهية كما يقر بذلك الفلاسفة أنفسهم، يقول: «وقد ثبت استحالة التركب لحقيقة الوجود واستحالة الماهية لـه»[16]، وأما فلسفياً فهو موقوف على إدراك العقل لـه، وهذا منتفٍ لأن العقل أيضاً موجود به، فمجرد تصور المفهوم للوجود هو عملية تعين الوجود بماهية، فقبل مرحلة التعين لا يمكن تصور مفهوم للوجود، فإما أن يكون الوجود متعيناً أو غير متعين، فالأول المفهوم فيه تابع للوجود المتعين بالماهية، فيكون المفهوم تابعاً للماهية وليس للوجود، وأما الثاني فيستحيل فيه فرض التصور والماهية، فعرفنا بذلك أن نور الوجود أظهر من نور العلم والعقل، فكيف تحقق المفهوم إذاً، سوف نتناول ذلك بشيء من التفصيل تحت عنوان مفهوم الوجود.

و«هذه الحقيقة التي يشار إليها بلفظ الوجود ومرادفاته في ساير اللغات ظاهرة بذاتها لكل أحد، وهي أظهر الأنوار في الظهور والواقعية، وهذا منشأ امتناع النقيضين، فهي أظهر الحقائق في الحقيقة الواقعية، وحجب الناس عنها الجهالة بطريق وجدانها وعيانها، فإن طريق وجدانها ليس هو نور العلم والفهم والشعور، فإنها غير كاشفة عنها، فمن طلبها من تلك الطرق لا يجدها ويصير محجوباً عنها، بل الطريق إلى معرفتها نفسها فإنها أظهر الحقائق في الواقعية والظهور بذاتها»[17]، ولمعرفة هذه الحقيقة جيداً لا بد أن نفرق بين الوجود والموجود «فمن الخلط بين الوجود والموجود انطلق البشر إلى القول بأصالة الوجود (لا الماهية)، وتجاهلوا الفوارق المائزة بين طبيعة الأشياء، ودفعت هذه الجهالة بهم إلى ضلالة أخرى هي الخلط بين الوجود والمُوجِد، فاحتجبوا عن الله سبحانه ببعض خلقه»[18]، فالموجود هو ما نراه ونلمسه ونتحسسه، مثل السماء والأرض والحجر والشجر وغيرها، أما الوجود فهو الحقيقة التي تجعل السماء والأرض موجودة، وهي مشتركة بينها، فإن تحقق هذه الموجودات وبقاءها واستمرارها إنما هو بنور الوجود.

ولكي نجد الفرق واضحاً بين الوجود والموجود، نلاحظ هذا التداخل بين الموجود والعدم، فكل موجود محدود بالعدم ومحاط به، مما يهدينا إلى أن ذات الموجودات هو العدم الذي أشرق بنور الوجود، فلولاه لم يكن الموجود موجوداً، فيتضح بذلك أن الوجود شيء والموجود به شيء آخر، فالموجود حادث مسبوق بالعدم، فكيف يكون الشيء ذاته الوجود ويكون معدوماً في لحظة ما؟، ولا يتوقف الأمر هنا على القول: إن العدم هو مادة للوجود، وإن الله خلق الكون من عدم، فينقلب ذات العدم إلى الوجود «بل عطاء نور الوجود إلى العدم عطاء مستمر، بحيث لو توقف العطاء يحول الموجودات إلى عدم. وهذا التفسير يهدينا إلى الفرق الكبير بين الوجود كحقيقة ثابتة ظاهرة بذاتها، والموجود كظل متطور ظاهر بغيره»[19].

ومن هنا نعرف أن حقيقة الوجود ليست مفهوماً منتزعاً من الموجودات، وإنما حقيقة متحققة، ظاهرة بنفسها مظهرة لغيرها، بها يخرج الموجود من حيز العدم، أما الموجود فهو سنخ آخر ومرتبة ثانية تختلف في الحقيقة والجوهر عن مرتبة الوجود.

ثالثاً: وجود الله بين التعطيل والتشبيه:

وهكذا يتضح أن خلط الفلاسفة بين الوجود والموجود، وإعطاءهما معنى واحداً مقابلا للعدم، هو السبب في القول بأصالة الوجود والاشتراك المعنوي، «والحاصل أن المفهوم الفلسفي للوجود يساوي مطلق الواقع، وهو المقابل للعدم، وحسب الاصطلاح فإنه نقيضه، ولهذا فهو يشمل الذات الإلهية المقدسة والواقعيات المجردة والمادية، الجوهر منها والأعراض، والذوات والحالات»[20]، فأصبحت حقيقة الوجود عندهم حقيقة واحدة في الواجب والممكن، فكل ما يصدق عليه الوجود يرجع إلى معنى واحد، وهذه النتيجة مبنية على أن حقيقة الوجود هي نفي العدم مما يقودنا إلى النقطة الثالثة: وهي أن حقيقة الوجود متقومة بمعرفة النقيض وهو العدم، وهذا خلط واضح بين حقيقة الشيء ولازمه، فنفي العدم هو لازم الوجود لا حقيقة الوجود، فالعلم فليست حقيقته هي نفي الجهل، وإنما هي لازم لـه، فالعلم حقيقة وجودية ونفي العلم حقيقة عدمية، فالوجود ليس من الإضافيات التي لا تعرف إلا بالنسبة إلى شيء آخر كالعدم؛ ومن هنا نتفق معهم على أن كل موجود ليس بمعدوم، ولا نسلم بأن حقيقة كل موجود هي حقيقة واحدة، فإن كان هناك اشتراك معنوي فهو من باب نفي العدم، لا التطابق بين كل معاني الوجود بحيث يكون حقيقة واحدة، وأما حقيقة لفظ الوجود فهي متقومة بالمعنى المشار إليه في الخارج، فإن كان المقصود بها الموجود، فتكون حقيقتها بحقيقة الموجود المتحقق في الخارج، من المخلوقية والذاتية العدمية والفقر والعجز، وكل لوازم المخلوق، وإن كان المقصود بها الوجود الذي به يتحقق الموجود في الخارج، فحقيقته هي نور مخلوق ظاهر بنفسه مظهر لغيره به يخرج المخلوق من حيز العدم، وإن كان المقصود به الله سبحانه وتعالى فإن حقيقته هي الكمال المطلق القائم بنفسه، فكل ما يصدق عليه لا يصدق على الموجود، وكل ما في الموجود هو بخلافه، فالوجود الذي يوصف به الخلق مخلوق بخلاف الوجود الذي يوصف به الله عز وجل، وهو إثباته وإخراجه من الحدين حد التعطيل وحد التشبيه، فعن أبي عبد الله (عليه السلام) في رده على الزنديق الذي قال: فما هو؟ قال الإمام: «هو شيء بخلاف الأشياء، ارجع بقولي: شيء إلى إثبات معنى، وأنه شيء بحقيقة الشيئية، غير أنه لا جسم ولا صورة ولا يحس ولا يجس ولا يدرك بالحواس الخمس، لا تدركه الأوهام، ولا تنقصه الدهور ولا يغيره الزمان...»[21] ونتجاوز بذلك إشكالية ارتفاع النقيضين الوجود والعدم، فالله ليس في حد الموجود، وبذلك تختلف الرتبة والسنخية التي هي شرط ارتفاع النقيضين.

ومن هنا كانت تأكيدات الشرع بعدم مقايسة الخلق بالخالق لعدم وجود أي نوع من أنواع الاشتراك المعنوي، بل هناك بينونة كاملة بين الخالق وخلقه، فعن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: «لا يليق بالذي هو خالق كل شيء إلا أن يكون مبايناً لكل شيء متعالياً عن كل شيء»، وعن الإمام الرضا (عليه السلام) قال: «فالحجاب بينه وبين خلقه لامتناعه مما يمكن في ذواتهم، ولإمكان ذواتهم مما يمتنع منه ذاته، ولافتراق الصانع والمصنوع والحاد والمحدود»، عن الإمام علي (عليه السلام) «دليله آياته.. ووجوده إثباته.. ومعرفته توحيده.. وتوحيده تمييزه عن خلقه. وحكم التمييز بينونة صفة لا بينونة عزلة، إنه رب غير مربوب، كل ما يتصور فهو خلافه»، ويقول الإمام الرضا (عليه السلام): «مباينته إياهم مفارقته إنيتهم..وكنهه تفريق بينه وبين خلقه، مباين لا بمسافة، فكل ما في الخلق لا يوجد في الخالق، وكل ما يمكن فيه يمتنع عن صانعه».

فهل بعد ذلك يمكن إيجاد مفهوم مشترك بين الله وخلقه وبين وجود الله ووجود الممكن، إذاً الاشتراك لا يتعدى أن يكون لفظياً وليس معنوياً، فلفظة الوجود مشتركة بين الله وخلقه ولا يتحقق لها معنى إلا بمصداقها والجهة المشار إليها بها.

أصالة الوجود أم الماهية؟

بعد إثبات حقيقة الواقع وإمكانية التعرف عليه من قبل الفلسفة الواقعية دار الجدل بينهم حول طبيعة الموجود وأصله هل هو الماهية أم الوجود؟، فما هو الوجود؟ وما هي الماهية؟.

الوجود هو ذلك المفهوم العام المشترك الذي ينطبق على هذه الأمور الواقعية، يقول السيد الطباطبائي: «الوجود بمفهومه مشترك معنوي يحمل على ما يحمل عليه بمعنى واحد، وهو ظاهر بالرجوع إلى الذهن حينما نحمله على أشياء أو ننفيه عن أشياء»[22].

أما الماهية فهي ذلك المفهوم الخاص الذي يختص بكل أمر من الأمور الواقعية، مثل مفهوم الحجر والشجر والمدر... فهذه المفاهيم تنطبق على مورد معين ومحدد، والماهية في المرحلة السابقة للوجود والتحقق هي في حد الإمكان حيث يتساوى فيها الوجود والعدم، فهي ليست موجودة لعدم تعلق الوجود بها، وليست معدومة، فإن كان ذاتها العدم لا يتحقق لها الوجود فهي بما هي هي لا وجود ولا عدم، «فالماهية من حيث هي ليست إلا هي لا موجودة ولا معدومة ولا شيئاً آخر»[23].

وبذلك اتضح أن كل موجود لـه حيثيتان: حيثية الماهية وحيثية الوجود، وهذا التغاير هو ذهني فحسب، أما في الواقع والخارج فهما متحدتان من حيث الهوية، وكل «موجود ممكن الوجود فله حيثيتان: إحداهما حيثية الماهية، والأخرى حيثية الوجود»[24].

وبعد أن اعترفت الفلسفة الواقعية بهذا التفريق وقع الخلاف على الأصالة هل هي للماهية أم للوجود أم لكليهما أم كلاهما اعتباريان؟، انحصر الخلاف أخيراً بين أصالة الماهية وأصالة الوجود، فذهبت المدرسة الإشراقية إلى أصالة الماهية واختار ملاّ صدرا أصالة الوجود، وهو يقول: «وإني قد كنت شديد الذب عنهم في اعتبارية الوجود وتأصل الماهيات، حتى أن هداني ربي وانكشف لي انكشافاً بيناً أن الأمر بعكس ذلك»[25].

وما يهمنا التركيز عليه في هذا المبحث هو القول بأصالة الوجود لأنه مختار معظم الفلاسفة المسلمين.

أصالة الوجود:

ويتحقق الاستدلال على أصالة الوجود بعد تحقق الاستدلال على كون الوجود مفهوماً واحداً مشتركاً معنوياً بين كل الوجوديات فهو الخطوة الأولى في بحث أصالة الوجود.

ويمكن تلخيص البرهان على كون الأصيل هو الوجود والماهية أمر اعتباري، بالنظر إلى أنّ واقعية الأشياء إما أن تكون وجوداً أو تكون شيئاً لـه الوجود، أما الأول فقد ثبت به المطلب، وأما الثاني تكون الماهية أمراً عرضياً والوجود تعلق بها، مما يثبت بكلا الاحتمالين أصالة الوجود، لأن كل شيء «أي كل أمر واقعي إنما يتوفر على الواقعية تحت ظل الواقع، وإذا فرضنا أن واقع الوجود نسلب عنه الوجود، فيكون عدماً، فهذا الفرض لا يتعدى الوهم الفارغ، ومن هنا نستنتج: أن الأصل الأصيل في كل شيء هو وجوده، والماهية أمر ذهني»[26]، فالوجود هو المشترك بين كل الواقعيات والماهية مختصة بكل موجود على حدة، فالأصالة للمشترك العام، لأن الماهية مختصة، وما يصحح أصالة الوجود جواز إثبات الوجود وسلبه عن الماهية، فإن كان الوجود عين ذاتها لا يصح سلب الشيء عن نفسه، فالقول: إن الإنسان موجود والجبل موجود والعنقاء غير موجودة، مما يدلل على أن المحمول في كل القضايا هو الوجود، فتحقق أن الماهية اعتبارية والوجود هو الأصيل.

يقول السيد الطباطبائي: «الماهية لا تأبى في ذاتها أن يحمل عليها الوجود وأن يسلب عنها، ولو كانت عين الوجود لم يجز أن تسلب عن نفسها لاستحالة سلب الشيء عن نفسه، فما نجده في الأشياء من حيثية الماهية غير ما نجده فيها من حيثية الوجود»[27].

وإذا لاحظنا كل ما ذكر نجد أن الأمر في أصالة الوجود مبني على الاشتراك المعنوي بين الموجودات، وأن الحدود الماثلة بين الموجودات هي من لوازم الماهية الاعتبارية، ومن هنا استبعد رأي المشائين في كون التباين بين الموجودات الخاصة إنما هو بتمام ذواتها، فكان الاعتراض عليهم مبنياً على امتناع تحقق المفهوم الواحد من الوجودات المتباينة، وقد رد الحكيم السبزواري، « هذا القول بأن المعنى الواحد لا ينتزع من حقائق متباينة متخالفة من دون جهة واحدة تكون هي في الحقيقة منشأ لانتزاع ذلك المعنى الواحد، وأتى بدليل في شرحها ونقل عن صدر المتألهين أنه قال: امتناع انتزاع مفهوم واحد من حقائق متخالفة من حيث التخالف من الفطريات»[28].

ومن هنا نجد أن افتراض المعنى الواحد متقدم على كل مراحل البرهان على أصالة الوجود والاشتراك المعنوي، في حين أنه في مرحلة البحث والتحقيق تتساوى فرضية المعنى الواحد وعدمه، وتتساوى أصالة الوجود والماهية، وهذه هي المصادرة بعينها، فكل البراهين السابقة مبنية على تسالم أن الوجود معنى واحد وهو المتأصل، فالبرهان القائم على حمل الوجود وسلبه مبتنٍ على تأصل الوجود، كما أن تحقق الواقعية قائم على كون الوجود في الله هو الوجود في المخلوق، وهذا مما لا دليل عليه، ويتضح من خلال الأمرين التاليين:

أولاً: فإنه مفترض فيه الوحدة المعنوية بين كل مراتب الوجود، وهذا ما عليه البحث والاعتراض، فإذا لم نفترض أن هنالك اشتراكاً معنوياً في الوجود، لا يثبت دليل الحمل والسلب، لأنه متقوم على أن الوجود واحد بين الموجودات، فيكون الدليل متقوماً على الفرض نفسه الذي نبحث في إثباته، هذا بالإضافة إلى أن الحمل والنفي يكفي فيه اشتراك الموجودات المخلوقة في معنى الوجود ولا يستدعي ذلك تعميمها إلى وجود الله.

ثانياً: إن هذا الأمر مبني على قاعدة فاسدة وهي: كل شيء إن لم يكن موجوداً فهو معدوم فلا مرتبة ثانية بين الوجود والعدم، أي إن حقيقة الوجود وواقعيته هي نفي العدم، سواء كان في الواجب أو في الممكن، وقد بينا أن نفي العدم هو لازم الوجود وليس حقيقته، فيكفي في الواقعية أن تكون الأشياء ثابتة ومتحققة فهي تشترك في كونها ليست عدماً، ثم تتقوم حقيقة المتصف بالوجود بنفس الشيء المتحقق في الخارج، فإن كان الله فهو الخالق المباين لخلقه، وإن كان الموجود فهو مخلوق وحينها لا يمكن الفصل بين الموجود والماهية، وهذا كافٍ لإثبات معنى واحد بين الواقعيات المتباينة بكونها مشتركة في أنها ليست عدماً، وهو كافٍ أيضاً لصحة الحمل، فالقول: إن التفاحة موجودة والجبل موجود واجتماع النقيضين ليس بموجود... فيكفي في الحمل هنا أن تشترك هذه الأمور في كونها ثابتة متحققة، بمعنى أنها معدومة أو ليست معدومة، ولا يستدعي حمل الأشياء على الوجود الاشتراك والتطابق الكامل بين كل معاني الوجود، لأن معناه متقوم بتشخص نفس الموجود نفسه في الخارج، فوجود الإنسان ووجود الجبل مشتركان في كونهما متحققين ومخلوقين بنور الوجود وهما ليسا عدماً، أما حقيقة وجودهما فهي متقومة بماهية كل واحد في الخارج، فحقيقة وجود الإنسان غير حقيقة وجود الجبل، فكل حقيقة متقومة بما هي في الخارج، ولا يستدعي أن يكون كلاهما حقيقة واحدة حتى يصح حملهما عليها، فيكفي أنهما ليسا عدماً.

أما التفريق الحاصل بين الوجود والماهية فهو متوقف على إثبات الوجود الذهني، لأن الفصل من لوازم الوجود الذهني، وسوف نعقد عنواناً خاصاً لهذا الأمر، فالوجود والماهية في الواقعيات شيء واحد لا يمكن التفريق بينهما، فالمحدودية من لوازم الوجودية في الخارج والتباين حاصل من ذات الشيء الذي تعلق به الجعل الإلهي، وهو الإنسان بما هو إنسان، والحجر بما هو حجر، وهكذا.. بحيث لو لم يكن ذلك الجعل لذات الشيء لكان العدم، لأن ذاته العدم، فالوجود حقيقة مجعولة لذات الشيء وليست هي حقيقة ذاتية منفصلة عن جعل الجاعل وحدود الجعل، ولا يعني هذا القول بأصالة الماهية، لأن الماهية نفسها متحققة ومتحصلة بنفس الجعل الإلهي، فالموجود بما هو موجود محدود بالماهية، والماهية لازم ذاتي للموجود نفسه، بمعنى أن الماهية بما هي هي متشخصة ومتحققة بالموجود نفسه في الخارج، وهذا هو تفسير الخلق، وهو إثبات الواقع بما هو متحقق في الخارج، لا يمكن في صقع الواقع الفصل بين الموجود وماهيته.

«فالذي لـه التحقق، ذاك الذي يقال له: شمس أو قمر أو بشر أو شجر أو حجر، قولاً إطباقياً من عامة عقلاء الناس، لا يعقلون للوجود حقيقة، ولا يرون إلا الذات المشخصة بالشخصية الخاصة»[29]، أما قبل التحقق والإيجاد فليس هنالك معنى للقول: إن الماهية لا وجود ولا عدم، بل هي عدم، فعلى حسب نظرية الخلق هناك تقدير الله للأشياء ثم هداها أي أخرجها من حد التقدير إلى حد القضاء والإبرام، والماهية بهذا المعنى مخلوقة ومقدرة بعد أن لم تكن، فيكون الخلق على ضوء ذلك، إيجاد الموجود بحقيقته الخارجية بعد أن لم يكن، وهذا الإيجاد مستمر لحاجة المخلوق له، ولولاه لكان عدماً محضاً، فكونه موجوداً لا يعني أن موجوديته قائمة بذاته بل هي معلقة بجعل الجاعل وليس بأصالة الوجود، والله تعالى قادر على تبديله إلى ما لا نهاية، يخلق ما يشاء بقدر ما يشاء كيف يشاء متى شاء، ولا يحمل هذا القول على أصالة الماهية والوجود معاً، فالتفكيك بينهما أمر اعتباري لا تحقق له، وإنما الأصالة هنا للخلق والجعل والإبداع الذي يتعلق بأمر الله عز وجل وإرادته، قال أبو عبد الله (عليه السلام): «خلق الله المشية قبل الأشياء، ثم خلق الأشياء بالمشية»[30]، فهذا الموجود معلق بمشية الله سبحانه ولا تأصل لـه في الوجود ولا في الماهية.

وثَمَّ اعتراض مفاده أن المفهوم الذهني للشيء هو ماهية الوجود الخارجي، والماهية الموجودة في الأذهان هي بعينها الموجودة في الأعيان، فلو كانت الماهية متقومة ومتشخصة بآثارها ولوازمها فَلِمَ لا نجد تلك الآثار على الوجود الذهني للماهية؟ فمفهوم النار مثلاً في الذهن لا يحمل آثار النار الخارجية من الإحراق، مما يعني أن الماهية ليست هي التشخص في الخارج، فلو كانت الماهية متحققة بآثارها في الخارج لكانت الآثار في الذهن أيضاً، ومن هنا صح سلب الوجود عنها.

إلاّ أن هذا الاعتراض مبني على مقدمتين غير مسلم بهما:

الأولى: كون المفهوم الذهني هو ماهية الوجود الخارجي، وأن المعلوم من الخارج هو ماهية الموجودات، وقد بينا في فصل العلم أن العلم ليس انطباع صور الأشياء في الذهن أو تجريد الماهيات عن الوجود العيني للتعرف عليه، إنما العلم بالكشف الكامل للموجود بما هو متحقق ومتشخص في الخارج، ومن هنا لا نسلم لهم بكون العلم عن طريق تلك المفاهيم الماهوية والفلسفية. ثم إننا لو سلمنا بتلك الصور والمفاهيم الذهنية إلا أننا لا نعترف بأكثر من كونها رسوماً ونقوشاً للمعلوم كالنقش على المرآة والورق والصور الفوتوغرافية، فهي لا تعبر عن أكثر من شكل الموجود لا ماهيته، وإذا اعترفنا بوجود هذه الصورة التي تعكس نقش الموجودات الخارجية فلا بد أن نعترف بوجود صور لا تعبر عن أي موجود لـه تحقق في الخارج، كصورة العنقاء مثلاً أو تصور نهر من زئبق، ومن هنا نكتشف أن للنفس مقدرة على التصور إما أن تكون تلك الصورة لها واقعية أو ليست لها واقعية، فهي في حدود النفس متساوية في عرض واحد، أما تمييز الصحيح من غيره فليس من حكم النفس إنما هو من تدخل العقل، وقد ناقشنا هذا الأمر بالتفصيل في فصل العلم والعقل[31].

وإذا سلمنا بأن الماهية الذهنية هي عين الماهية الخارجية، فليس هنالك دليل على تعميم الآثار للماهية العينية والذهنية، فإن الآثار ثابتة للماهية بشرط تحققها في العين، وذلك أن الآثار ليست ذاتية تابعة للذات بما هي ذات وإنما هي مجعولة بجعل الجاعل، فلا مانع أن يكون الجاعل جعل لها الآثار بشرط العين بعنوان الاقتضاء لا بعنوان الذاتية والعلية، فالنار مثلاً ملازمة للإحراق ولكن بتعلق الإرادة الإلهية الجاعلة، ولذلك يمكن تخلفها عن أثرها كما في قصة سيدنا إبراهيم (عليه السلام) ﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلاَمًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ[32].

وثانياً: مبتنى هذا الأمر على كون الأصيل في الخارج إنما هو الوجود، وهو محل البحث والتحقيق وغير مسلم به، فأصحاب أصالة الماهية يمكنهم النقض بأن مفهوم الوجود في الذهن لا يحمل هذه الآثار أيضاً، والمتأصل لا ينفك عن آثاره في الذهن وفي الواقع، فإن كان ما في الذهن هو مفهوم الوجود، وما في العين حقيقة الوجود، فالاعتبار نفسه متحصل في الماهية، فإن كانت حقيقة الوجود لا تتحقق في الوجود الذهني فكذا الماهية أيضاً.

بداهة مفهوم الوجود

تسالم الفلاسفة على كون مفهوم الوجود مفهوماً بَدَهيًّا ليس بحاجة إلى تعريف، بل هو غير قابل للتعريف، «يعتبر مفهوم الوجود من أكثر المفاهيم التي ينتزعها الذهن من جميع الموجودات بديهية، فهو ليس بحاجة إلى تعريف، ولا تعريفه ممكن إن حاول أحد ذلك»[33]، ذلك لأن تعريف الشيء يعني تجزئته إلى جنس وفصل، والوجود مفهوم بسيط لا يقبل التجزئة، وليس هنالك شيء أعم منه لتعريفه، فإذا قلنا: إن للوجود جنساً فإما أن يكون هو الوجود، وإما أن يكون غير الوجود، ولا شيء غير الوجود، فإذا كان الجنس هو الوجود، فما هو الفصل إذاً؟ هل هو شيء غير الوجود؟ ولا شيء غير الوجود، فالفصل أيضاً هو الوجود، فأصبح الفصل يفيد أصل ذاته مع أن الفصل يفترض أن يفيد وجود الذات لا أصل الذات، فانقلب الفصل المفصل إلى مقوم وهو محال.

كما أنه ليس للوجود مادة وصورة خارجية، و ليس لـه مادة وصورة عقلية أيضاً، لأن المادة والصورة العقلية هي الجنس والفصل، وقد أثبتوا بطلان ذلك، لأن الوجود «لا يكون جزءاً لشيء، لأن الجزء الآخر والكل المركب منهما إن كانا هما الوجود بعينه فلا معنى لكون الشيء جزءاً لنفسه، وإن كان أحدهما أو كلاهما غير الوجود كان باطل الذات، إذ لا أصيل غير الوجود، فلا تركيب. وبهذا البيان يثبت أن الوجود لا جزء له، ويتبين أيضاً أن الوجود بسيط في ذاته»[34].

ولكن السؤال كيف تحقق ذلك المفهوم البدهي إذاً؟ فهل هو من جنس المفاهيم الماهوية؟ أم المفاهيم الفلسفية؟.

وهل نجد هناك طريقاً آخر لانتزاع مفهوم غير هذين الطريقين كما بينتم، فكل مفهوم قام على وصف الخارج إما أن يكون من باب الماهية، وإما أن يكون من باب المفاهيم الفلسفية، أما المفاهيم المنطقية فبعيدة، لأنه ليس لها تحقق خارجي وإنما هي ذهنية بحتة، فعروضه واتصافه ذهني، و«المفاهيم التي لها مصداق خارجي ـ حسب الاصطلاح فإن اتصافها خارجي ـ تنقسم إلى قسمين: أحدهما تلك المفاهيم التي هي بمنزلة قوالب لأمور متشابهة وهي تشخص حدودها الماهوية أي المفاهيم الماهوية، والثاني تلك المفاهيم الحاكمة عن أصل الوجود والعلاقات الوجودية، وأيضاً عن النقيض والأمور العدمية، وهي لا تبين ماهية خاصة أي المفاهيم الفلسفية»[35].

وعلى ضوء هذا المبنى لا يمكن تحقق هذا المفهوم المتصف بالبداهة، فأما المفهوم الماهوي فإنه لا يتحقق فليس للوجود ماهية، وأما المفهوم الفلسفي فلا يتحقق أيضاً لأنه ليس للوجود تصور أصلاً، فكيف يستخلص منه مفهوم فلسفي؟ ومفهوم الشيء فرع تصوره، والوجود بما هو وجود لا صورة له، وكما قال الفلاسفة: إن المفاهيم الفلسفية هي عروض خارجية واتصاف في الذهن، ولا يمكن تحقق أي اتصاف في الذهن للوجود، و«إننا إذا أردنا أن ندرك الوجود من خلال التصور ومن خلال العلم الحصولي فهذا غير ممكن»[36].

وإذا لم يمكن تصور الوجود من جهة العلم الحصولي، فلا يبقى مجال لتحقق هذا المفهوم الفلسفي إلا من باب إدراكه بالعلم الحضوري من قبيل إدراك النفس للنفس، وهو ما يؤكده الأستاذ مطهري قائلاً: «وما نقوله من أن كنه الوجود في غاية الخفاء يقصد منه أنكم مهما أردتم أن تدركوه بصورة فليست هي صورته وليست هذه حقيقته، لكن يمكن إدراك الوجود نفسه بنحو العلم الحضوري، فتلك الأنا التي تدركونها إدراكاً حضورياً هي حقيقة وجودكم»[37].

لكنا نقول: إن كانت تلك الأنا التي ندركها إدراكاً حضورياً هي الوجود ذاته فهي ليست في غاية الخفاء وإنما في غاية الوضوح، فإن كان الحضور أمراً واضحاً، وكان الحاضر هو الوجود نفسه فوضوحه لا ريب فيه، إلا إذا لم يكن ذلك الإدراك للوجود نفسه، ومن هنا نتعرف على موضع المغالطة في كلامه، وللوقوف على ذلك لا بد أن نفرق بين النظر إلى الوجود بما هو وجود، وبين النظر إلى الوجود المتلبس بالماهية، فتلك الأنا المدرَكة بالعلم الحضوري هل هي ماهية النفس المتحققة بالوجود؟ أم هي الوجود العيني للنفس بعيداً عن ماهيته؟ بمعنى هل الحضور هو حضور ماهية أنفسنا لأنفسنا؟ أم هو حضور ذات الوجود إلى أنفسنا؟، فإن كان الأول فالمفهوم للماهية وليس للوجود، وإن كان الثاني فهو:

أولاً: مدرك في غاية الوضوح، فبالتالي كنه الوجود في غاية الظهور، إلا إذا لم يكن هذا الشيء المدرك هو الوجود.

ثانياً: ليس فيه محصل، لأن الوجود بالطبع حاضر لدى نفسه، أي ذاته هي ذاته فلا يتحقق معنى من هذا الحضور، فهو أشبه بتعريف الماء بعد الجهد بالماء، فإذا كان الأنا هي تعبير عن وجودنا، فحضور الأنا للأنا هو إثبات لها لا غير، فبالتالي الوجود هو الوجود لا حيثيتان فيه، وأي محاولة أخرى هي دعوة لتفكيك البسيط وهو محال.

أما القول: «فلو أدرك الإنسان الألم بالعلم الحضوري فهذا هو الوجود العيني للألم لا تصور الألم وكذا اللذة»[38]، هذه مغالطة أخرى لأن الإدراك على مبنى الفلاسفة كيفية نفسانية، أو هو مرتبة من مراتب النفس، وكلها من مقولات الكيف والتجرد، فكيف يكون الوجود بعينه حاضراً وموجوداً في هذه الكيفية النفسانية، أي وجود نفس الألم بعيداً عن التعين بالماهية؟، وهذه عودة إلى نقطة البداية، ففي عالم الإدراك تتعامل النفس مع صور الأشياء ومفاهيمها لا ذواتها العينية، سواء في العلم الحضوري أو الحصولي، ولم يبق إلا القول: إن الإدراك هو كشف للشيء نفسه، فالألم هو كشف الألم نفسه، وإدراك النار في الخارج هو كشف للنار نفسها في الخارج، وحينها يكون إدراك الألم هو نفس وجود الألم، أما إذا كان الإدراك عن طريق الاتحاد مع الكيف النفساني، فالمتحد هو المفهوم ومن هنا كان المدرك هو مفهوم الألم، ومن المعلوم عند الفلاسفة أن للألم مفهوماً، إلا أن يقولوا ليس هناك فرق بين مفهوم الألم ووجود الألم، فإن كان هناك فرق فالمدرك هو المفهوم وليس الوجود، وإن لم يكن فرق فكنه الوجود ليس في غاية الخفاء، لأن مفهومه مدرك وهو عين كنهه.

وهذا ما يقودنا إلى أن التفريق الذي ذكرته الفلسفة بين حقيقة الوجود وكنه الوجود ليس في محله، لأن الوجود بما هو وجود بسيط غير مركب لا ماهية له، فحقيقته هي عين كنهه وكنهه هو عين حقيقته، فإن كانت حقيقته مفهومة فكنهه مفهوم بلا فرق، ومجرد التفريق ملاحظ فيه الماهية وحينها يكون المفهوم المحصل هو للماهية وليس للوجود، فلا يصح بعد ذلك قول السبزواري:

مفهومه من أعرف الأشياء

وكنهه في غاية الخفاء

فهذا المفهوم المعروف لأي شيء؟! وأمامنا حقيقة بسيطة لا تركيب فيها، حتى التعين والواقعية ملاحظ فيها التركب مع الماهية، وهي خارجة عن الوجود بما هو وجود، أي اعتبار واحد، وهو كنهه وحقيقته، فإن كان مفهوماً فكنهه كذلك، وليس أمامهم إلا أن يقولوا: إن الموجود هو ذلك الشيء المتحقق في الخارج لا غير وهو عين بداهته وليست هنالك حقيقة للموجود غير المتشخص في الخارج.

الوجود والموجود حقيقة أم حقيقتان؟

كما ذكرنا في السابق، أن التفريق بين الوجود والموجود ضروري، وأن الخلط بينهما هو منشأ كثير من الأخطاء في الفلسفة، فإذا تعمدنا عدم التفريق بين الوجود والموجود، لا يكون سبباً لإثبات حقيقة واحدة للوجود خلف الموجودات المتشخصة بالماهية في الخارج تسمى الوجود، لأن عدم التفريق لا يثبت إلا مفهوماً واحداً منتزعاً من الموجودات، وإثبات المفهوم ليس بالضرورة إثبات حقيقة خلف المفهوم سوى منشأ الانتزاع وهو الموجودات المتقومة بالماهية لا غير، فليس هنالك معنىً آخر متقوم بذاته يسمى الوجود، هو أصل تحقق تلك الموجودات، يمكن التعرف عليه من خلال المفهوم، فالكلي لا تحقق لـه «فتوهموا على هذا الأساس أن للوجود مفهوماً متصوراً يكون هو الحاكي عن حقيقة الوجود»[39]، إذ إن إهمال هذه الحقائق المتشخصة في الخارج، والتعامل مع مفهومها المشترك، أي الموجود بما هو موجود، أو الوجود المطلق، قفزة واضحة عن الحقيقة المتعينة في الخارج

وإن قولهم: «فإن موضوع هذا العلم ـ أي الفلسفة ـ هو الوجود المطلق، أو الموجود بما هو موجود، ويعتبر مفهوم الموجود من أكثر المفاهيم التي ينتزعها الذهن من جميع الموجودات بديهيةً»[40]، وهذا المفهوم المنتزع لا يكون مسوقاً لإثبات حقيقة خلف هذا المفهوم يعبر عنها بالوجود المطلق، فهو لا يتعدى كونه من الكليات التي لا تحقق لها في الخارج إلا بمصاديقها، أما الواقع والوجدان فإنهما كاشفان عن الموجودات المتعينة بالماهية التي تم منها الانتزاع لا غير، وذلك كمفهوم البياض المنتزع من اللون الأبيض المتعين في محله، فكل شيء أبيض يشترك في هذا المفهوم ولكنه ليس دليلاً على إثبات حقيقة متحققة في الخارج تسمى صرف البياض.

ولكن كيف جاز لنا نحن القول بأن الوجود حقيقة واقعية، هو نور ظاهر لنفسه مظهر لغيره، وهو مختلف عن الموجودات المتحققة به اختلافاً في السنخ والرتبة، وما هو الفرق بين قولنا وقولهم: إن الوجود هو مفهوم مشترك بين الموجودات، وهو مطلق الواقع وهو حقيقة واحدة ذات تشكك ومراتب؟ فالوجود عندهم أيضاً «ظاهر بذاته كالنور حقيقةً وليس تشبيهاً، ومظهر لغيره، لأن موجودات لم تكن ثم بفضل الوجود وبركته أصبحت متحققة»[41]، وكما عرفوه أيضاً بذلك الشيء الموصوف بالكمال، لا نقص فيه وليس فيه هلاك ولا فناء، لأن «حقيقة الوجود السارية في هياكل الأشياء التي يتوجه إليها الأولياء، وليس لها هلاك ولا فناء، لا تتصف بالكمال والنقص من حيث هي هي، بل هي الكمال الحقيقي كله»[42]. فما هو الفرق إذاً؟

فإذا سعينا لإيجاد توافق، فقد يكون في أن الوجود حقيقة ظاهرة بنفسها مظهرة لغيرها، أما وجه الاختلاف فهو:

أولاً: في أننا تعرفنا على الوجود بذاته وليس بمفهومه وتصوره لأن الوجود عندنا نور ظاهر بنفسه لا يمكن التعرف عليه بالعقل حتى يمكن تصوره.

ثانياً: أن مفهوم الوجود المتصور عند الفلاسفة هو معنىً واحد يشترك فيه كل موجود حتى الله سبحانه وتعالى، هذا المفهوم المتصور للوجود لا يمكن حصره في معنى محدد وإنما هو متأصل في كل موجود، وهذا خلاف قولنا، فإن الوجود الذي عرفناه بذاته هو حقيقة نورانية، وهو فعل الله وخلقه، به يتحقق الموجود في الخارج بجعل متواصل، فذات الموجود هي العدم المحض لولا تعلق الوجود به.

ثالثاً: إن حقيقة الوجود عند الفلاسفة هي واجبة الوجود وهي ذات الله سبحانه وتعالى، أما الموجودات فهي تعينات لتلك الحقيقة الواجبة التي تفيض الوجود على ماهيات الأشياء، أما عندنا فالوجود هو حقيقة مخلوقة مجعولة من قبل الله سبحانه وتعالى، وهي فعله وتجلي إرادته، وليست هي ذاته، بل هي مباينة له بينونة صفة لا بينونة عزلة[43].

الوجود إما واجب وإما ممكن:

فإذا كان الوجود الذي تبحث فيه الفلسفة هو تلك الحقيقة الظاهرة بنفسها المظهرة لهياكل الأشياء، وأنها هي الكمال المطلق لا نقص فيه، وهي الوجود المحض لا فناء فيه، والوجود ثابت لها بالذات، فكيف نفسر هذا النقص المتحقق في الموجودات؟.

وقد أجابوا على هذا السؤال، بأن هذا النقص ليس من لوازم الوجود، إنما من لوازم الماهية، فالوجود عندما يتعلق بمرتبة من مراتب الموجودات المحددة بالماهيات يظهر ذلك النقص وهو من آثار الماهية، «فإذا قلنا مراتب الوجود تختلف بالكمال والنقص، أو قلنا مراتب الماهيات تختلف بالكمال والنقص، كما هو مقالة أهل الإشراق، فبالعرض والمجاز، لأن الوجود من حيث هو هو كمال لا غير، ونقص الوجود بالإضافة إلى وجود آخر باعتبار تحدده بماهية دون ماهية، والماهية من حيث هي هي نقص لا غير»[44]، فإذاً الوجود عند الفلاسفة كمال لا نقص فيه من كل الجهات إلا إذا تعلق بالماهيات الناقصة بالذات، فكل نقص نصف به الوجود فهو من باب المجاز، لأن النقص تابع للماهية المتعينة بالوجود، أما بذاته فهو الكمال لا غير، فمن هنا لا تصدق تلك القاعدة التي بنيت عليها أهرامات من الفكر الفلسفي وهي: «الوجود إما واجب، وإما ممكن»، لأن الإمكان هو مرحلة تعين الوجود بالماهية وهو أمر ثانوي على حقيقة الوجود، فالوجود بما هو وجود لا يمكن تصور الإمكان فيه، لأنه كمال لا نقص فيه، فكيف تكون الحقيقة الواحدة التي تتصف بالكمال والوجود الذاتي حقيقة واجبة وحقيقة ممكنة؟.

فإن قيل: ذلك من باب أن الماهيات بما هي لا وجود ولا عدم، وهي بذاتها مقتضية للتحقق بتعلق الوجود بها، إلا أن ذلك لا يكون وصفاً الوجود نفسه لأن الإمكان هنا من لوازم الماهية، والماهية ممكنة التحقق إذا عرض لها الوجود، وليس الإمكان من ذات الوجود، لأن طبيعة الوجود هي التحقق لا إمكان فيه، فكيف صح قسمة الوجود إلى ممكن، والإمكان ليس من لوازمه، وإنما هي من مختصات الماهية؟.

أما إذا كان الوجود عند الفلاسفة بما هو وجود حقيقة ذات تشكك، بمعنى لا يمكن تصور الوجود من غير تعين، فهو حقيقة مقولة بالتشكيك، فوجود العقل مثلاً هو تلك الحقيقة بعينها (أي الوجود) تحددت وتعينت بالماهية العقلية، «فتكون حقيقة الوجود كثيرة في عين أنها واحدة، وواحدة في عين أنها كثيرة، وبتعبير آخر حقيقة مشككة ذات مراتب مختلفة»[45]، فلا نتصور معنى للإمكان أيضاً، لأن الإمكان والتعين وصف للذات نفسها، فهي كثيرة في عين أنها واحدة وواحدة في عين أنها كثيرة، فمن أين أتى الفصل في نفس الحقيقة الواحدة نفسها بين الوجوب والإمكان؟، فالوجوب هو عين الإمكان، والإمكان هو عين الوجوب، فيكون الوجود في أعلى مراتبه هو الله، وفي مراتب تعينه هو الممكن، «إن للمراتب المترتبة من الوجود حدوداً غير أعلى المراتب فإنها محدودة بأنها لا حد لها»[46]، فينتفي بذلك معنى الخلق، لأن التعين حقيقة متقومة بذات الوجود، ولا يصح أكثر من القول: إن الوجود حقيقة ذات تشكك وكفى، ولا فصل بين الواجب والممكن، لأن الوجود بما هو وجود واجب في عين أنه ممكن وممكن في عين أنه واجب، والتفريق من باب ما به الاشتراك هو عين ما به الامتياز، فالفرق بين الوجود الواجب والممكن هو الوجود نفسه، لأن مرتبة الممكن أضعف من مرتبة الواجب، وما به الامتياز هو أيضاً الوجود لأن الوجود في المرتبة الضعيفة هو نفس الوجود في المرتبة العليا.

وإذا دققنا في الأمر نجد أن الامتياز والاتفاق ليس من باب الوجود المجرد، وإنما من باب الوجود بشرط التعين، أما الوجود قبل التعين فلا يتصور فيه الامتياز لأنه ذاته، فإن لم يكن هناك تعين فلا يكون هناك تميز البتة، وكما تعلم، فإن شرط التعين إما أن يكون لازماً ذاتياً للوجود، وإما أن يكون عرضياً على الوجود، فإن كان عرضياً فهو بعيد عن حقيقة الوجود لأن الوجود صرف لا عرض فيه، فلا يجوز الفصل بين الممكن والواجب، وإن كان ذاتياً يستلزم ذلك تركب الوجوب بالماهية فيخرج الوجود من بساطته، كما يستلزم أصالة الوجود والماهية معاً وهو محال عندهم، فثبت أن الإمكان أمر عرضي وهو من لوازم الماهية لا من لوازم الوجود، فلا يؤخذ الإمكان قيداً في الوجود.

ولا يصح اعتراضهم بأن الإشكال قد يتوجه إلى التشكيك العامي كتشكيك الضوء، وإنما قصدنا من التشكيك في الوجود هو التشكيك الخاصي، «فإن للوجود تشكيكاً خاصياً يختلف عن التشكيك في مراتب الضوء الذي هو تشكيك عامي»[47]، وهو ما يتحقق بالعلة والمعلول، فحينها لا ينتفي معنى الخلق، وذلك لأن كل موجود لا يخرج عن كونه علة أو معلولاً إلا ما يكون على رأس السلسلة فإنه يتصف بالعلية فقط، والمعلول الواقع في نهاية السلسلة يتصف بالمعلولية فحسب، ومن هنا يكون كل معلول في هذه السلسلة ليست لـه جهة استقلال عن وجود علته المانحة للوجود، فيكون وجود الموجود هو عين التعلق والربط بالعلة، كما قال اليزدي «إن المعلول هو عين الربط والتعلق بالعلة، وليس أمراً مستقلاً ولـه ارتباط بالعلة»[48]، ومن هنا يكون كل الوجود حقيقته عين التعلق والربط بالذات الإلهية، فيتحقق من هنا معنى الوجود الإمكاني ومعنى الخلق في عين أن الوجود حقيقة واحدة، و«يمكننا إقامة دليل آخر على المراتب التشكيكية للوجود بهذا البيان: وهو أن وجود المعلول عين الربط بوجود علته المانحة للوجود، وهو مرتبة من مراتب وجودها، إذن كل عالم الوجود ـ المتكون من مجموعة من العلل والمعلولات ـ لا استقلال لـه بالنسبة لله تعالى، وهذه المجموعة بأكملها تعتبر مراتب من تجلياته جلّ وعلا»[49].

وهذا الكلام ليست لـه حقيقة واقعية، فالفرض المطروح هو أن الوجود المطلق أو سمه الوجود الحقيقي هل هو نفسه المتحقق في الأشياء أم غيره؟، فإن كان غيره انتفى المطلب، وإن كان هو بناءً على أصالة الوجود، فيكون الوجود نفسه الحقيقي والمطلق هو نفسه المتحقق في الممكن، وهذا ما به الاشتراك، أما الامتياز فهو من باب نفس الوجود ولكنه في مرتبة تعينه بالماهية، والسؤل هنا، هذا التعين في الوجود هل هو لازم ذاتي الوجود لنفسه أم هو عرضي؟، وبمعنى آخر هل هو علة ذاته أم لـه علة أجنبية عنه؟، أما الفرض الثاني فمنتفٍ بالبداهة، وأما الأول فالوجود هو الوجود حقيقة واحدة لا تفاضل بينها، ولا تقدم وتأخر فيما بينها، فحقيقة الوجود في المطلق هي عين حقيقة الوجود في الممكن والإمكان لازم ذاتي لنفس حقيقة الوجود، ومن هنا فإن كان الوجود حقيقة ذات تشكك فكل مراتبه في عرض واحد لا تسلسل عللياً بينها، لأن العلة إذا فرضت هي نفس الوجود والوجود هو نفسه في كل المراتب، ولا يشفع هنا التمايز المرتبي بين الوجود، حيث لا مانع هناك أن تكون الحقيقة واحدة في مراتب متعددة في عرض واحد، حيث إن المرتبة الضعيفة لا تخرجها من كونها وجوداً، والوجود بما هو وجود متأصل بذاته، فمن أي باب أخذت العلة والمعلول؟.

ولا نقبل هنا الاعتراض بالمفهوم المقسمي للوجود، «بأن مفهوم الوجود ينقسم إلى قسمين الواجب والممكن» وذلك للأمرين التاليين:

أولاً: كما بينا ليس للوجود مفهوم، وإن كان هناك مفهوم فهو مجرد عنوان انتزاعي لا غير.

ثانياً: كما نوهنا سابقاً إن مجرد انتزاع مفهوم مشترك من بين الوجوديات ليس كاشفاً عن حقيقة وراء هذا العنوان المفهومي، فالعنوان المقسمي لمفهوم الوجود إما أن يكون عنواناً ذا حقيقة، أو ليس لـه حقيقة، فإن لم يكن لـه حقيقة بطل الاشتراك المعنوي الذي حاولوا إثباته، فكيف يكون هناك اشتراك معنوي وليس هناك معنى خلف المفهوم، وبالتالي بطل التقسيم، وإذا كان خلفه معنى، فهذا المعنى إما أن يكون هو حقيقة الوجود نفسه بما هو وجود، وإما أن يكون معنى لحقيقة أخرى، فإن كان هو حقيقة الوجود نفسه، فحقيقة الوجود واحدة، وهي حقيقة ذاتية الوجود لا يتصور فيها الإمكان والنقص أبداً، وإن كان الثاني فهو خروج عن الموضوع وتقسيم لا معنى لـه.

ومن هنا جاز لنا الفصل بين الوجود والموجود، فعندما نقول وجود نقصد به تلك الحقيقة التي بها يتحقق الموجود، وهي فعل الله عز وجل وليست ذاته، فهي خلق من خلق الله عز وجل، وعندما نقول موجود نقصد بها المخلوقات التي تحققت بفعل الله عز وجل وإرادته، وهي مخالفة لحقيقة الوجود بالمرتبة والسنخ فهي ذاتية العدم، «وأما ساير الأشياء المظلمة الذات فإنها تكون موجودات بالوجود، وقوامها بالوجود الذي خلقه الله، وليس ذات الموجودات ذات الوجود الذي يناقض العدم، بل الموجودات أشياء ثابتات باقيات بمشيئة الله تعالى، وليست هذه الموجودات في رتبة الوجود، بل رتبة الموجودات متأخرة عن رتبة الوجود، فإنها موجودات بالوجود، كما أن الوجود الذي هو ظاهر بذاته عندنا، ليس في رتبة خالقه الذي هو الله تعالى أيضاً، بل رتبته متأخرة عن رتبة خالقه، فإن ذاته ظاهر بذاته عند كل أحد، ولكن ذات الله تعالى محجوب بالمدارك عن كل أحد»[50].

وعلى ضوء ما تقدم تتجلى لدينا ثلاث حقائق: وهي الله سبحانه وتعالى، وفعل الله وإرادته المتعلقة بالخلق، والمخلوق، ولا يجوز انتزاع مفهوم مشترك بين هذه الحقائق الثلاث.

الوجود الخارجي والوجود الذهني:

بنت الفلسفة منظومتها المعرفية على أساس أن هنالك وجوداً آخر غير الوجود المتحقق في الخارج وهو الوجود الذهني، الذي تتحقق فيه ماهيات الأشياء وهو وجود حقيقي به يتم التعرف على الموجود الخارجي، بل ليس هنالك فرق بينها وبين الخارج إلا من جهة أن المفاهيم الذهنية تترتب عليها آثار أخرى غير آثار الماهيات الخارجية، فـ«المعروف من مذهب الحكماء، أن لهذه الماهيات الموجودة في الخارج المترتبة عليها آثارها، وجوداً آخر لا يترتب عليها فيه آثارها الخارجية بعينها، وإن ترتبت آثار أخر غير آثارها الخارجية، وهذا النحو من الوجود هو الذي نسميه الوجود الذهني وهو علمنا بماهيات الأشياء»[51]، يقول الحكيم السبزواري في ذلك:

للشيء غير الكون في الأعيان

كون، بنفسه، لدى الأذهان[52]

وبهذا قسمت الفلسفة الموجود إلى خارجي وذهني، والوجود الذهني هو عبارة عن تجريد الماهيات الخارجية عن الوجود العيني، وإحضارها إلى الذهن بحقيقتها الخارجية من غير الآثار المترتبة على العين في الخارج، لأن «أدوات المعرفة، التي تتبلور جذورها في الذهن، إنما تستطيع درك ما لا يترتب عليه أثر إلا نفس وجوده، كالمفاهيم وصور الأشياء، دون ما تترتب عليه الآثار»[53]، أما كيفية تجريد هذه الصور فقد اختلفوا في ذلك إلى كيفيتين:

الأولى: نظرية التجرد والانتزاع، وفيها يقوم العقل بتجريد خصوصيات الموجود الخارجي، ومن ثم يقوم بإخراج القدر المشترك بينها، كمفهوم الإنسانية الذي يشترك فيه مجموعة من الأفراد في الخارج، فيحصل الذهن بذلك على مفهوم كلي، وهكذا كل الحقائق يمكن انتزاع مفهوم كلي منها.

الثانية: تبديل المعرفة من الصورة الحسية إلى الصورة الخيالية، وهي المرحلة التي ينفك فيها الإحساس عن الواقع الخارجي، فيظل الذهن يحتفظ بصورة الواقع في عالم الخيال، وهي صورة خالية من جميع آثار الصورة الحسية والملازمات الخارجية، وبعد مماثلة هذه الصورة مع بقية الصور الخيالية الموجودة في الذهن، يتمكن الذهن من إيجاد الحيثيات المشتركة بين تلك الصورة والصور الخيالية الأخرى، مما يمكنه من خلق مفهوم كلي تشترك فيه مجموعة من الأفراد، وهذا الرأي هو مختار صدر المتألهين، الذي يدعي أن هذه التبدلات في المعرفة إنما هي درجات ارتقاء المعرفة من الصورة الحسية إلى صورة أكثر منها لطافة وهي صورة الخيال، التي بدورها تصل إلى معرفة ألطف وأكمل وهي المفهوم الكلي وهو من مختصات العقل.

بكلتا الطريقتين المؤدى واحد، وهو حصول الذهن على صور ومفاهيم كلية، يتشكل منها الوجود الذهني، وبذلك نرى أن الفلسفة نقلت المعرفة من الخارج إلى الذهن، وهي الطريقة الوحيدة عندهم لكي يرتقي الإنسان في عالم المعرفة.

إشكالات على الوجود الذهني:

ونحن لا نختلف معهم في أن هنالك صورة في ذهن الإنسان، ولكن نختلف معهم في أمرين:

أولاً: كون هذه الصور ليست هي ماهيات الواقع الخارجي، وإنما هي رسوم وأشكال يرسمها الذهن كالرسم على الورق والصورة الفوتوغرافية، لأن المدرك بالحواس هو مجرد صورة الشيء لا ماهيته، فالعين لا تبصر سوى الصورة، فيكون التصور الذي يتشكل من هذه الحاسة وهو مجرد صورة المرئي وشكله، فكيف جاز للفلاسفة أن يَعدُّوا هذه الصور والأشكال هي ماهيات للموجودات الخارجية؟ اللهم إلا أن يكون ذلك نوعاً من الافتراض، فالفنان الذي يرسم بريشته صورة لفرس مثلاً من وحي ذاكرته، فإن الصورة في الورق لا تختلف قيد أنملة عن الصورة الموجودة في ذهنه، فلا تتعدى الصورة الذهنية رسمة كالتي في الورق.

فلو كان مجرد وجود صور ذهنية دليلاً على كونها ماهيات لحقائق خارجية، لكانت كل الصور التي في الذهن ماهيات مع أنهم لا يلتزمون بذلك، ولذا تكلفوا في تمييز المفهوم الماهوي عن المفهوم المنطقي والفلسفي مع أنها في حد واحد، فهي مفاهيم خلقها الذهن في عرض واحد، وتمييز الماهوي بكونه ينطبق على أفراده في الخارج لا يخرجه عن كونه مفهوماً ذهنياً في نفس حد المفهوم المنطقي والفلسفي، لأن مجرد وجود صورة في الذهن لها أفراد في الخارج، لا يعطي هذه الصورة دليلاً على كونها ماهية لتلك الأفراد، وإنما قد يكون هذا مجرد دليل نميز به بين الصورة الخيالية التي تخلقها النفس وهي لا تمت إلى الواقع بأي صلة وبين الصورة الواقعية التي خلقتها النفس، بعد علمها بالموجود الخارجي.

فالماهية في نظرنا، هي حدود الأشياء المتشخصة بآثارها في الخارج ولا يمكن فكها عنه، وما استدلوا به من جواز تصور الماهية من غير الوجود الخارجي هو أقرب إلى البحث اللغوي منه إلى البحث العلمي الفلسفي، فقولهم: إن التفاحة موجودة، فلو كانت الماهية هي نفس التفاحة في الخارج لصح القول إنّ التفاحة تفاحة، كما أن سلب الوجود عن التفاحة، كقولنا: التفاحة غير موجودة، دليل على أن الماهية لا تأبى أن يحمل عليها الوجود أو يسلب.

وهذه مغالطة لغوية مفضوحة، فعندما يقول: تفاحة، يسرب إلى ذهنك أن هذا اللفظ (التفاحة) هو حدود وماهية التفاحة الخارجية، فعند قوله: التفاحة موجودة، فكأنما حمل هذه الماهية على الوجود، وكذلك في السلب، وهذه خدعة أصلح للسفسطائي، لأن لفظة تفاحة ليست هي ماهية التفاحة وإنما هي مجرد اسم لا يتعدى كونه سمة وإشارة لحقيقة في الخارج تعارف الناس عليها حسب الوضع اللغوي، فعندما تقول: (التفاحة موجودة) فإنك لا تعني أكثر من الإشارة إلى تلك الحقيقة الثابتة في الواقع، وكذا السلب بأن تلك الحقيقة التي نشير إليها بلفظ تفاحة غير موجودة، ولذا لا يصح قولنا: التفاحة تفاحة، لأن لفظ تفاحة موضوع للإشارة لحقيقة معينة، فالقول: التفاحة تفاحة، لا يتعدى أكثر من تكرار الاسم الموضوع لتلك الحقيقة.

ومن هنا يمكننا الجزم بأن الألفاظ والأسماء والصفات هي إشارات لحقائق خارجية لا غير، ولا نتخيل أن تلك الألفاظ هي إشارة إلى المفاهيم الذهنية التي بدورها تعبير عن الخارج، و« الاستعمال بالفطرة ليس إلا الإشارة إلى الحقائق الخارجية أولاً وبالذات، وأما تصور الإنسان في الذهن ما يريد الإخبار عنه صدقاً أو كذباً، أو إيجاده في الخارج، فهو أجنبي عن استعمال الألفاظ، والإخبار عن الواقع بتلك الألفاظ»[54].

أما ما هي تلك المعاني والصور التي يجدها الإنسان في ذهنه، فيمكننا الاصطلاح عليها بلغة الذهن، وهي المرحلة الأولى للغة اللسان، وهي لا تعدو كونها ألفاظاً تحمل من المعاني ما يحمله الكلام باللسان، فكلاهما إشارات لحقائق خارجية.

ثانياً: إن انتزاع صور وتجريد الواقع ليست هي الطريقة للإدراك والمعرفة كما بينا، وقد حصر الفلاسفة أنفسهم في الوجود الذهني بناءً على كون المعرفة محصورة في صور الماهيات الحاصلة في الذهن، وقد أثبتنا في الفصل السابق أن المعرفة هي تعامل مع الخارج نفسه بالكشف الكامل للمعلوم بما هو متحقق في الخارج، وأن العلم في مدرسة الأنبياء هو عطاء إلهي يستطيع الإنسان التعرف به على المعلوم بما هو، ولا يتوقف الأمر على الانتزاع والتصور.

والمتتبع للحركة المعرفية عند الفلاسفة يجد أنها بنيت على كون المعرفة تتحقق بتلك الصور الذهنية، وأن التعامل مع الخارج عن طريق المفاهيم الكلية التي قسموها إلى المفاهيم الماهوية والفلسفية والمنطقية، ثم راحوا يؤسسون معارفهم على ضوء هذه المفاهيم ظناً منهم أن المعرفة هي الارتقاء بالموجود المادي من المادة إلى اللامادة، ولا يتأتى ذلك إلا عن طريق خلق الذهن لمفاهيم كلية تحفظ للموجود حقيقته الخارجية، عن طريق ربطه بتلك المفاهيم الكلية، في الوقت نفسه يتعامل العقل مع وجودها الخالي من آثارها المادية، ولذا افترضوا تجرد النفس وتجرد المعرفة، وبما أن المجرد عندهم هو علم بنفسه، فلا تتمكن النفس حينئذٍ من التعرف على الواقع المادي، إلا بجعله مجرداً لكي يسمو إلى درجة النفس، ولا يمكن تجرد المادي إلا بالتعرف على درجة وجوده من حيث الكمال، وهي درجة الوجود الخالي من كل الآثار العينية.

يقول الشيخ السبحاني: «إن ما يمكن معرفته حقيقةً ـ إن صح ـ إنما هو حدود الوجود وماهيات الموجودات، التي ترجع معرفتها إلى معرفة درجة الوجود من حيث الكمال»[55]، وإنما يتم ذلك الكمال عن طريق صوره التي تتشكل منها المفاهيم الكلية، وحينها تصبح تلك المفاهيم مرتبة من مراتب النفس، التي تتكامل بتلك المفاهيم، المفاضة من العقل المفارق، وهو عقل مجرد يفيض هذه الكليات على النفس التي تتحد به وتستفيد منه على قدر استعدادها، وبالتالي كلما ازدادت درجات الاتحاد تكاملت النفس، يقول السيد الطباطبائي: «إن المفيض لهذه الصور العقلية جوهر مجرد عقلي، هو أقرب العقول المجردة من الجوهر المستفيض فيه جميع الصور العقلية، المعقولة عقلاً إجمالياً تتحد معه النفس المستعدة للتعقل على قدر استعدادها، فتستفيض منه ما تستعد لـه من الصور العقلية»[56]، فكلما تعرفت النفس على هذه الأمور المجردة كلما خطت خطوات في طريق الكمال المعنوي، ومن هنا لا يمكننا فصل هذه الأمور المجردة عن النفس، وإنما هذه المفاهيم نفسها عندما تصل إلى حد التجرد تصبح درجة من درجات النفس الكمالية، بحيث يتحد فيها العقل والعاقل والمعقول، ولا فرق بين هذه الحيثيات إلا من جهة اللحاظ، «فكل مجرد عقل وعاقل ومعقول. وإن شئت فقل: إن العقل والعاقل والمعقول مفاهيم ثلاثة منتزعة من وجود واحد»[57].

وهذه المفاهيم هي نفسها الواقع ولكن في مرتبة وجودية أرقى وألطف من وجودها الخارجي، وبهذا نتعرف على أن الوجود الذهني مرتبة متقدمة على الوجود المادي، وهو الخطوة لتجريد النفس تماماً عن غواشي المادة، لكي تتعامل مع الوجودات النورانية المجردة، وحينها تبدأ رحلة أخرى في عالم الكمال المعنوي.

ويبدأ التجرد الوجودي عند الإنسان من عالم المادة وهو موطن النقص والإمكان، ومن ثم يتكامل الإنسان من هذا العالم إلى عالم المثال، وهو العالم المنزه عن آثار المادة، ثم أرقى مرتبة وجودية وهي العقل وهي أقرب المراتب إلى المبدأ، و«العوالم الثلاثة مترتبة طولاً، فأعلاها مرتبة وأقواها وأقومها وجوداً وأقربها من المبدأ الأول تعالى وتقدس عالم العقول المجردة، لتمام فعليتها وتنزه وجودها عن شوب المادة والقوة. ويليه عالم المثال المنزه عن المادة دون آثارها. ويليه عالم المادة موطن النقص والشر والإمكان، ولا يتعلق بما فيه العلم إلا من جهة ما يحاذيه من المثال والعقل على ما تقدمت الإشارة إليه»[58].

ومما تقدم يتضح لنا أن الوجود الذهني تبلور في عقلية الفيلسوف نتيجة لمجموعة من الافتراضات، ساهم في تكوينها النزعة الذاتية لكسب المعرفة بالطاقة البشرية، مما جعل هذا النهج البشري يبتعد أكثر عن معارف الأنبياء والرسل، فالتعامل مع الوجود الذهني باعتبار أنه تمام المعرفة، شكل القفزة التي حرفت التفكير الفطري عند الإنسان، وأبعدته عن الواقع الموضوعي للمعرفة، وهذا الواقع يتحقق من عنصرين أساسيين، وهما: العلم الذي هو نور إلهي ظاهر بنفسه مظهر لغيره من المخلوقات الظلمانية، فمن وجد ذلك العلم بالعلم عرف أنه ليس من سنخ تلك الصور والمفاهيم الذهنية المظلمة بذاتها، والعنصر الآخر هو المعلومة التي يجب التعرف عليها بواسطة ذلك العلم، وهي الخارج نفسه بما هو متحقق الوجود في الخارج، وهذه المعلومة مهما وصلت من المعلومية والظهور بنور العلم، لا يمكن أن ترتقي إلى مستوى تكون فيه نوراً بنفسها، فمعلوميتها عين تعلق نور العلم بها، فإذا انصرف ذلك النور عنها أصبحت في عداد المجهولات، فكم من معلومة كانت واضحة لنا ولكنها تبخرت وأصبحت في عالم النسيان، فلو كانت المعرفة مجردة وهي مرتبة من مراتب النفس فما ينبغي أن ينسى الإنسان بعد ما أصبحت المعرفة درجة من درجات النفس.

وبعدم اعترافنا بالوجود الذهني كما رسمه الفلاسفة لا نسلم لهم بمفهوم الوجود الذي انطلقوا منه لإثبات أصالة الوجود ونظرية الفيض ووحدة الوجود وغيرها، ولا يعني هذا عدم إيماننا بمفاهيم ذهنية كلية أو جزئية، ولكنها:

أولاً: ليست هي المعرفة، ولا مرتبة من مراتب النفس، وإنما هي مفاهيم ينتزعها الذهن بعد علمه بالواقع الخارجي، كشفاً وعياناً للخارجي نفسه.

ثانياً: ليس لهذه المفاهيم وجود مستقل بمعنى العقل المفارق أو المرتبة المثالية، وإنما هي معانٍ متقومة بعلمنا بالخارج نفسه لا أصالة لها ولا استقلال، وإنما هي مظلمة بذاتها مكشوفة بنور العلم، فما كان منها منتزعاً من واقع علمنا بالخارج يكون لها من الصدق ما للمعلوم بالأصالة، وما كان منها خيالاً محضاً ووهماً فلا قيمة له، وهو الفرق بين العلم والجهل، فالعلم من العقل والجهل من النفس الأمارة بالسوء.

حقيقة الوجود هل هي ذات الله أم هي فعل الله؟

بناءً على مجموعة من المقدمات تبنت الفلسفة أن حقيقة الوجود في أعلى مراتبها هي الله وهو واجب الوجود، ومن هنا كانت كل أدلتهم في إثبات وجود الله هي نفسها الأدلة في إثبات حقيقة الوجود المطلق أو إثبات الوجود الواجبي، فعندما ينتهي البرهان بناءً على أصالة الوجود إلى إثبات حقيقة تكون واجبة الوجود بنفسها فتلك الحقيقة هي الله عندهم، فكل براهينهم تنتهي لإثبات الوجود الواجبي، ثم يثبتون لها من الصفات ما لحقيقة الوجود المطلق من صفات، فـ«البراهين الدالة على وجوده تعالى كثيرة متكاثرة. وأوثقها وأمتنها هو البرهان المتضمن للسلوك إليه من ناحية الوجود»[59]، ويمكن تسلسل المقدمات بالشكل التالي:

أولاً: إن حقيقة الموجودات حقيقة واقعية وليست وهماً وخيالاً كما ادعت المدارس السفسطائية والمثاليات الفلسفية والفيزيائية وغيرها.

ثانياً: إن أصل واقعية الأشياء بوجودها لا بشيء آخر، فالأصل في كل ما اتصف بالواقعية هو الوجود، و الماهيات ليست أكثر من أمور اعتبارية، وبمعنى آخر: إن الوجود هو حقيقة واحدة في كل ما اتصف بالوجود، ولكنه ذو مراتب تشكيكية.

ثالثاً: إن هذه الحقيقة (الوجود) ثابتة الوجود بالضرورة، لأن ثبوت الشيء لنفسه ضروري، وسلبه عن نفسه ممتنع، وهذه الضرورة ضرورة ذاتية، فإن كانت بالغير لانتهى الأمر إلى التسلسل. فحقيقة الوجود إذاً واجبة الوجود، وأقصر الطرق التي قرروا بها برهان الصديقين «وأوجز ما قيل أن حقيقة الوجود إما واجبة وإما تستلزمها، فإذن الواجب بالذات موجود، وهو المطلوب»[60].

وبهذه المقدمات أثبتوا أن مطلق الوجود أو حقيقة الوجود هي واجبة الوجود بالذات، والواجب بالذات هو الله سبحانه، ولذا سمي في الفلسفة (بواجب الوجود)، أما الوجودات الإمكانية عندهم فهي مراتب متنزلة من حقيقة الوجود، وهذا التنزل موقوف بالغير، وهو الواجب الذي يفيض الوجود على هذه الماهيات، فبالتالي ليس وجودها وجوداً استقلالياً وإنما وجودها ربطي قائم بواجب الوجود، ومن هنا فسروا عملية الخلق بفيض الوجود من الواجب على هياكل الممكنات، فليس هنالك إلا حقيقة واحدة في دار التحقق وهي الوجود، وذلك الوجود هو الله، وبإفاضة الوجود من الواجب المالك للوجود بالذات تتحقق الممكنات، وإن «قدرته تعالى هي مبدئيته للإيجاد وعليته لما سواه، وهي عين الذات المتعالية، ولازم ذلك دوام الفيض واستمرار الرحمة وعدم انقطاع العطية»[61].

فإذاً غاية ما توصلت لـه الفلسفة الإلهية وما تميزت به من غيرها من الفلسفات أنها أثبتت واجب الوجود، انطلاقاً من إثبات أصالة الوجود المبتنية على الاشتراك المعنوي بين الوجودات، وقد بينا سابقاً فساد تلك المقدمات، ويمكننا تلخيص هذه الاعتراضات بما يلي:

أولاً: لا نعارض واقعية الموجودات، ولكن الإيمان بالواقع مبني على الاعتراف بهذه الموجودات نفسها بما هي متحققة، ومن هنا لا يمكننا تبرير تلك القفزة الحاكمة بجواز التفريق بين الموجود والماهية، لأن الموجود الذي نؤمن لـه بالواقعية هو نفسه المتحقق في الخارج من غير فصل بينه وبين ماهيته، ولا نجد معنى آخر للواقعية، والموجود في الخارج هو عين ماهيته، وماهيته هي عين وجوده، ولا يمكن الفصل بينهما أبداً.

ولذا لم يتمكن الفلاسفة من هذا الفصل إلا بافتراض الوجود الذهني، وأن المفاهيم الماهوية هي ماهيات للخارج نفسه، وقد بينا فساد ذلك، فإن كان هناك وجود ذهني فليس لـه حقيقة واقعية، والحاكم بصدقه وكذبه عندنا هو الواقع نفسه الحاكم بعدم الفصل بين الوجود والماهية، فإن كانت ماهية التفاحة هي لونها وحجمها وطعمها ورائحتها فما هو وجودها إذاً؟، ولا يفهم من ذلك تأصل الماهية والوجود وإنما تأصل نفس الموجود بما هو؛ والموجود هو الشيء المتشخص نفسه بحدوده لا غير، فالمحدودية لازم ذاتي للموجود نفسه، فإذاً الواقعية حاكمة على كون الموجود هو تلك الحقيقة الخارجية لا غير، فمن أين أثبتوا أن هنالك حقيقة تقف خلف هذا الموجود المتشخص في الخارج، حقيقة تسمى بالوجود؟!.

ثانياً: ليس لديهم إلا طريق واحدة لإثبات حقيقة الوجود الواحدة، وهو إثبات مفهوم الوجود المشترك بين كل الموجودات، وقد بينا أن إثبات هذا المفهوم إن تم، فإنه ليس كاشفاً عن حقيقة واقعية خلف هذا المفهوم تكون واجبة الوجود، وإنما هو مجرد كاشف عن وجود رابط مشترك بين كل الموجودات، وهو كونها ثابتة ومتحققة في الخارج، بمعنى أنها ليست معدومة وهو كافٍ لاشتراكها جميعاً في مفهوم الوجود، وهذا المفهوم لا يثبت أكثر من الإخبار بواقعية الأشياء لا إثبات أن هنالك حقيقة يمثلها هذا المفهوم، وهي صرف الوجود الواجب بذاته، فهو أجنبي عن دلالة المفهوم المشترك، فلا يتعدى مفهوم الوجود الدلالة على ثبوت الشيء وتحققه، أما ما هي حقيقة الوجود فيستحيل إثباتها من هذا المفهوم، لأن حقيقة الوجود متقومة بالموجود في الخارج نفسه.

ثالثاً: إن إثبات المفهوم المشترك بين الوجود ليس كاشفاً عن أصالة الوجود وإنما هو كاشف عن أصالة الموجودات، بمعنى تحقق الموجودات وثبوتها في الواقع، أي هو مجرد مخبر عما اتصف بالوجود، واتصاف الموجود في الخارج ليس هو أكثر من التحقق والثبوت.

رابعاً: إن التقابل بين الوجود والعدم ليس كاشفاً عن أن حقيقة الموجود هي حقيقة واحدة، وإنما كاشف على أن كل موجود غير معدوم والفرق شاسع، لأن تمام التقابل ليس بين الوجود والعدم، وإنما بين الثبوت والعدم، فالتقابل بين الوجود والعدم لخصوصية الثبوت والتحقق، فالعقل لا يمنع أن تكون هناك مجموعة من الحقائق المختلفة التي يكون بينها تقابل في العدم، ولا جامع بينها إلا الثبوت والتحقق المقابل للعدم، كما لا نجد مانعاً أن تكون هناك حقائق متصفة جميعها بالوجود متباينة في ما بينها، إن وجود كل واحدة يختلف عن وجود الأخرى، وليس بينها اشتراك إلا في كونها جميعاً طاردة للعدم، أي مشتركة في خصوصية الثبوت والتحقق، فحقيقة الوجود حقيقة متقومة بذاتها لا بطردها للعدم، ومن هنا صح لنا القول: إن وجود المخلوقات المشتركة فيما بينها في حقيقة المخلوقية، متباينة بينونة ذاتية عن وجود الله مع الاشتراك في نفي العدم، وهذا لا يستدعي التطابق بين معاني الوجود.

خامساً: إن إثبات واجب الوجود من الوجود الإمكاني وأصالة الوجود لا يتحقق، لأن إثبات الواجب مبتنٍ على أن حقيقة الوجود واحدة في الواجب والممكن، وإذا ثبت ذلك لا يمكن افتراض أي نوع من التباين بينها، وإلا خرجت عن كونها حقيقة واحدة، وبما أن هذه الحقيقة الواحدة واجبة الوجود فكيف تكون واجبة وممكنة؟، وإذا قبلنا مرادهم بأن حقيقة الوجود هي حقيقة واحدة لا اثنينية فيها، فحينها، لا نؤمن إلا بوحدة الوجود والموجود كما ذهب إليها ابن عربي، وقد بينا سابقاً أن الإمكان من لوازم الماهية والتعين، إن فرض هناك تعين لحقيقة الوجود نفسها، فلا يمكن أن يكون الإمكان وصفاً للحقيقة المعينة نفسها، إن كان ذلك من باب المجاز وأن المقصود هو تنزل الوجود إلى مرتبة التعين بالماهية، فنقول: إن الاستخدام المجازي لا يخرج الشيء عن حقيقته، فهل هذا الشيء الذي أعطى الماهية الاعتبارية هو الوجود أم غيره؟، فإن كان الوجود، فهل هو تلك الحقيقة نفسها التي اتصفت بالوجود الذاتي؟، فإن كانت نفسها فكيف اتصفت الحقيقة نفسها بكونها واجبة وممكنة؟، هذا بالإضافة إلى التطابق الكامل بين الله والطبيعة، فإن كان ذات الله هو الوجود، وهذا الوجود هو نفسه الذي في الطبيعة من غير أي علامة تفرق بينهما سوى الإمكان المفترض في تلك الحقيقة المتعينة، فإن ثبت هذا الإمكان فإنه لا يخرج الوجود عن حقيقته الواجبة، وإنما هو وجود واجب وإن تعين بالماهية.

حينها يبقى الكلام في أن هذه الحقيقة الواجبة في عين أنها واجبة تكون مطلقة ومتعينة، ومن هنا لا يكون الوجود الواجب شرطاً في لا متعين، وإنما هو متحقق في المتعين وغير المتعين، ولا يمكن أن يقبل الاعتراض بأن التعين نفسها هو دليل على الإمكان، لأن الوجود المتعين المحدود هو دليل على إخراج الوجود من كونه واجباً. هذا الكلام لا نقاش في صحته، ولكن لا يفيد أصحاب نظرية وحدة الوجود، التي تفترض أن الوجود حقيقة واحدة في الواجب والممكن، وأن التعين هو لازم ذاتي للوجود نفسه، فهي واحدة في عين أنها كثيرة وكثيرة في عين أنها واحدة، وهي نتيجة صحيحة لا تقبل الريب بناءً على الحقيقة الواحدة في الوجود، ولكن لا يمكن إثبات الإمكان في الحقائق المتكثرة من الوجود، لأن التعين لازم ذاتي بل هو الحقيقة المطلقة نفسها، ومن هنا لا يمكن تصور أي نوع من أنواع العلة، وحصر العلة في مرتبة الوجود المطلق فقط، واعتقاد أن الوجود الممكن هو معلول لها لا مبرر له، لأن الوجود المطلق نفسه هو الممكن لا غير، والممكن هو المطلق نفسه، بمعنى إذا نظرنا إلى الوجود المطلق نجده هو الممكن نفسه، وإذا نظرنا إلى الممكن نجده هو المطلق نفسه، دائرة لا بداية لها، وافتراض أي نقطة من هذه الدائرة أنها هي البداية افتراض لا مسوغ لـه سوى التخرص والتكهن.

وللتعرف على محاولة الفلسفة القفز على العقول لإثبات الممكن نتبع الآتي:

1ـ أثبتت الفلسفة من خلال أصالة الوجود في كل الموجودات أن الوجود حقيقة واحدة.

2ـ ثم أثبتت أن هذه الحقيقة واجبة الوجود لأن إثبات الشيء لنفسه ضرورة وسلبه ممتنع.

3ـ ثم افترضت أن هذه الحقيقة هي الله سبحانه.

4ـ ثم تفترض أن الله هو العلة للوجود، فكل الممكنات هي معلولات لله.

وإذا نظرنا إلى النقطة الرابعة نلاحظ القفزة التي أرادت أن تثبت منها الفلسفة الوجود الإمكاني، وهي الإيحاء بأن الخلق هو فعل الله وليس هو ذات الله، وهذا ما لا يقبل لأن الله عندهم هو نفس حقيقة الوجود وحقيقة الممكن هو الوجود نفسه، ولا فرق بينهما إلا أن الوجود تارة يلاحظ بتعين وتارة من غير تعين، أو حتى قل هي حقيقة واحدة ذات مراتب، فهو لا يخرج عن كونه وصفين لحقيقة واحدة.

ولذا يصرح صدر المتألهين أن النظر إلى الوحدة في الوجود في عين النظر إلى الكثرة من غير تفريق هو الكمال المنشود، يقول: «انظر أيها السالك طريق الحق، ماذا ترى من الوحدة والكثرة جميعاً وفرادى؟ فإن كنت ترى جهة الوحدة فقط، فأنت مع الحق وحده، لارتفاع الكثرة اللازمة عن الخلق، وإن كنت ترى الكثرة فقط فأنت مع الخلق وحده، وإن كنت ترى الوحدة في الكثرة محتجبة، والكثرة في الوحدة مستهلكة، فقد جمعت بين الكمالين، وفزت بمقام الحسنيين»[62].

الوجود هو فعل الله:

بناءً إلى معارف القرآن في الخلق فإن الموجودات المخلوقة ذاتية العدم، وهي تختلف عن الوجود الذي به تحققت في السنخ والرتبة، وإن حقيقة هذه الموجودات هو المتحقق في الخارج نفسه بما هو لا غير، مع ما يحيطها من العدم والنقص والفقر والظلمة الذاتية، «أما سائر الأشياء المظلمة الذات تكون موجودات بالوجود وقوامها بالوجود الذي خلقه الله، وليس ذات الموجودات ذات الوجود الذي يناقض العدم، بل الموجودات أشياء ثابتات باقيات بمشيئة الله تعالى، وليست هذه الموجودات في رتبة الوجود، بل رتبة الموجودات متأخرة عن رتبة الوجود»[63].

والوجود هو تلك الحقيقة الظاهرة بنفسها المظهرة لغيرها، بها خرجت الموجودات من العدم إلى التحقق والثبوت، وهذه الحقيقة ليست هي ذات الله تعالى، وإنما هي أمر الله سبحانه وتعالى وفعله وخالقيته، مختلفة عن الله في السنخ والرتبة أيضاً، وليس للوجود شيئية في قباله تعالى ليكون هو الأصل، وإنما هو فعله الدال عليه، فمن «عرف الله تعالى بالفطرة يعرف أن الوجود ليس إلا كالعلم والحياة والقدرة، فإن من عرفه... يعرف أن حيث ذاته الإشارة إلى الملك القدوس المالك لهذه الأنوار القدسية التي يهبها لمن يشاء على قدر ما يشاء فيبسطها ويقبضها بمشيئته، وذلك لأن من كمال هذه الأنوار ظهورها بذاتها وإظهارها غيرها لمن وجدها، ولا يكون الوجدان والفقدان لواجدها في درجات غير محدودة والاختلافات الحاصلة لقبضها وقبض كمالاتها وبسطها بذات هذه الأنوار، فهي بذاتها إشارات إلى من يملكها ويهبها ويبسطها ويقبضها في الدرجات والاختلافات المشهودة بمشيئته ورأيه وإرادته»[64].

ومن هنا لا يمكن إيجاد أي مفهوم مشترك بين هذه الأمور الثلاثة، فالله سبحانه وتعالى مباين لخلقه بينونة صفة لا بينونة عزلة، وإن الوجود هو أمر الله وفعله، وليس ذاته المقدسة، فإن شاء فعل وإن لم يشأ لم يفعل، وإن الموجود المتحقق هو متعلق أمر الله ومشيئته وهو قائم بإرادته إن شاء أبقاه وإن شاء أعدمه وإن شاء استبدله بخلق غيره.

وإن الفلاسفة عندما نظروا إلى نور الوجود وانبهروا بأنوار فعل الله ومشيئته، ظنوا أن ذلك النور هو الله، فاحتجبوا عن الله بخلقه، ومن هنا جاءت أحاديث الأئمة (عليهم السلام) لتميز بين الله سبحانه وتعالى و فعله وأمره وأسمائه، وبخاصة أحاديث الإمام الرضا (عليه السلام) الذي انتشرت في عهده الفلسفة، فعن الإمام الرضا (عليه السلام) «خلق الله الخلق حجاباً بينه وبينهم، ومباينته إياهم مفارقته إنيتهم»، وعنه أيضاً «فأسماؤه تعبير، وأفعاله تفهيم، وذاته حقيقة، وكنهه تفريق بينه وبين خلقه»، وعنه «.. ولا معرفة إلا بإخلاص، ولا إخلاص مع التشبيه، ولا نفي مع إثبات الصفات للتشبيه، وكل ما في الخلق لا يوجد في خالقه، وكل ما يمكن فيه يمتنع في صانعه»، وعنه «كيف يستحق الأزل من لا يمتنع من الحدث، وكيف ينشئ الأشياء من لا يمتنع من الأشياء، إذاً لقامت فيه آية المصنوع، ولتحول دليلاً بعدما كان مدلولاً»، ومئات من الأحاديث التي تثبت البينونة التامة بين الخلق وخالقه، وبالطبع لا يمكن إيجاد أي معنى مشترك بين الحقائق المتباينة تبايناً كلياً.

الوجود في فكر المرجع المدرسي:

ما بيناه في بحوثنا السابقة أنما هو محاولة تأصيلية لنظرية سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد تقي المدرسي (دام ظله) في المعرفة، وليس عرضاً لنظريته، ولذا في ختام كل مبحث قمت بذكر بعض أقواله التي توافق ما قمنا بتأصيله.

يقول سماحته: «الذي يهدينا إليه العقل، ويذكرنا به القرآن والنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل البيت (عليهم السلام) إنه يتلخص في النقاط التالية:

1ـ أن العالم المحيط بنا حق، وليس مجرد خيال.

2ـ أن لـه رباً خلقه وقدره ودبر أمره.

3ـ أن الله غَيْرُ خلقه وخلقه غير الله، وأنهما سمتان مختلفتان بذاتهما، فبينما الخلق عاجز ومحدود ومتغير وعدمي ومظلم الذات، فإن الخالق قادر لا متناهٍ وقيوم ونور السماوات والأرض.

ومعلوم أن الفرق كبير بين هذه النظرة وبين النظريات الفلسفية الأحادية، التي لا تعترف إلا بنوع واحد من الوجود، حيث تزعم أن الكثرة التي نشاهدها في الموجودات، والتعددية التي نؤمن بها بين الخالق والمخلوق، ما هي سوى مراتب وتطورات لذات الوجود الواحد.

حيث إننا نرى الاختلاف بين الخالق والمخلوق ذاتياً وكبيراً وحاسماً، ولا يمكن أن يصبح المخلوق خالقاً، والحادث قديماً، أو المحدود مطلقاً»[65].

ويقول: «ومن معرفة حقيقة الوجود نعرف النظرة الإسلامية في الخلق: إذ إن الخلق لا يعدو أن يكون إيجاداً مستمراً للأشياء، فالكون موجود بنور الوجود، بينما نور الوجود قائم بالله، فالله سبحانه هو القيوم القائم بذاته، والذي تقوم الأشياء به»[66].

ويقول سماحته: «ليس الله في تذكرة القرآن وتوجيهه وجوداً ولا موجوداً، وإنما هو حق قيوم.

فالوجود ـ رغم أنه اسم مقدس من أسماء الله الحسنى ـ ورغم أنه نور يُظهر حقائق الكون، ورغم أنه يختلف عن الموجودات... ورغم ذلك كله فهو ليس بإله.. ولا الله بوجود سبحانه، إنما هو خلق من خلقه، يتصرف فيه كيفما يشاء، يعطيه لشيء فينقلب ظاهراً مخلوقاً، إن أقرب الوسائل لمعرفة أن الوجود مخلوق، إنما هو التصرف فيه، وإعطاؤه مرة لشيء ثم سحبه منه، فهو إذاً حقيقة يديرها مالكها الله القدير!

والموجودات ليست بإله هي الأخرى، بل النجم والشجر يسجدان لله، والشمس والقمر يجريان بتدبير الله والأرض خاشعة بأمره، وأبسط الأدلة على ذلك، أن معالم الضعف بارزة في الأشياء ولن تكون إذاً هي الله القدير سبحانه.

إن المبدأ الفلسفي الذي يقسم الوجود إلى ممكن وواجب، ويتصور أن القسم الأول هو الخليقة والقسم الثاني هو الخالق، إن هذا المبدأ مرفوض في القرآن، إذ إن الله ليس بوجود ولا الخليقة بوجود، إنما الوجود نور مملوك لله، وموهوب للخليقة، فكيف يمكن أن يشترك الخلق مع الله في قائمة واحدة ونسميها الوجود، بينما هي ثلاثة قوائم: الله، الوجود، الخلق!!، والمبدأ الصوفي الذي يزعم أن الله هو هو ذات الموجودات، وكذلك المبدأ المادي الذي يحسب الخلائق هي ذات السيطرة الذاتية على نفسها، فهي هي الرب، ولا إله سواها، إن هذين المبدأين مرفوضان أيضاً، ذلك أن الله أسمى من مخلوقاته، وأجل وأعلى من ملكوته، فهو خلو من خلقه، وخلقه خلو منه، وبينه وبين خلقه تباين في الصفات، ولا اشتراك إلا في الألفاظ التي لم توضع إلا في حدود إمكانية الخلق أنفسهم.

إن الحد الفاصل بين الله وبين الخلق التباين المطلق بينهما، فكل ما يجوز في الخلق يستحيل في الخالق وهكذا العكس»[66].

وقد فصل سماحة السيد مختاره في نظرية الوجود في كتاب العرفان الإسلامي، ومبادئ الحكمة، وبحوث حول القرآن الكريم.

--------------------------------------------------------------------------------

[1] بيصار، محمد، الوجود والخلود في فلسفة ابن رشد، ص115.

[2] الطباطبائي، العلامة السيد محمد حسين، نهاية الحكمة ص5.

[3] آل ياسين، جعفر، صدر الدين الشيرازي ص14.

[4] الحائري، د. مهدي، هرم الوجود ص 113.

[5] نهاية الحكمة ص 8 (مصدر سابق).

[6] المصدر السابق ص 9.

[7] المصدر السابق ص 9.

[8] المنهج الجديد، ج1 ص 273، (مصدر سابق).

[9] الميانجي، محمد باقر، توحيد الإمامية، ص54

[10] المنهج الجديد ج1ص 262 (مصدر سابق).

[11] توحيد الإمامية، ص 54 (مصدر سابق).

[12] الاصفهاني، الميرزا مهدي، مصباح الهدى في أصول الفقه، مخطوط.

[13] المجلسي، الشيخ محمد باقر، بحار الأنوار، ج4، باب المغايرة بين الاسم والمعنى، ص165.

[14] التوحيد للشيخ الصدوق: ص 186.

[15] التوحيد: ص 190.

[16] رضا الصدر، الفلسفة العليا ص 96.

[17] الأصفهاني، الميرزا مهدي، أبواب الهدى مخطوط.

[18] المدرسي، السيد محمد تقي، بحوث حول القرآن الحكيم: ص67.

[19] المصدر السابق ص74.

[20] المنهج الجديد ج1 ص278. (مصدر سابق).

[21] الصدوق، الشيخ محمد علي، التوحيد 244.

[22] نهاية الحكمة ص 8، (مصدر سابق).

[23] الزنجاني، السيد ابراهيم، بداية الفلسفة الإسلامية ص 87.

[24] المنهج الجديد ج1 ص 324، (مصدر سابق).

[25] المصدر السابق ص319 نقلاً عن الأسفار الأربعة ج1 ص 49.

[26] الطباطبائي، السيد محمد حسين، أصول الفلسفة والمنهج الواقعي ج2 ص 55.

[27] نهاية الحكمة ص 9. (مصدر سابق).

[28] الطهراني، السيد هاشم الحسيني، توضيح المراد، تعليقة على شرح تجريد الاعتقاد ص 47.

[29] الخرساني، محمد جواد، هداية الأمة إلى معارف الأئمة ص 451.

[30] التوحيد، ص 339 (مصدر سابق).

[31] راجع مجلة البصائر،(العقل والوحي.. دراسة في حقل المعرفة) العدد 30، شتاء 1424هـ/2003

[32] سورة الانبياء، آية69

[33] المنهج الجديد ج1 ص 265 (مصدر سابق).

[34] نهاية الحكمة ص13 (مصدر سابق).

[35] المصدر السابق ص 263.

[36] المطهري، الشيخ مرتضى، شرح المنظومة ج1 ص 21.

[37] شرح المنظومة ج1 ص 21. (مصدر سابق)

[38] المصدر السابق.

[39] أبواب الهدى مخطوط. (مصدر سابق).

[40] المنهج الجديد ج1 ص265، (مصدر سابق).

[41] هرم الوجود ص 63، (مصدر سابق).

[42] توضيح المراد، (مصدر سابق).

[43] سوف نناقش هذه النقطة بشيء من التفصيل تحت عنوان منفصل فيما يأتي.

[44] توضيح المراد ص48. (مصدر سابق).

[45] نهاية الحكمة ص 18، (مصدر سابق).

[46] مصدر السابق ص19.

[47] المنهج الجديد ج 1 ص368. (مصدر سابق).

[48] مصدر سابق، ج 1ص371.

[49] مصدر سابق، ص373.

[50] الميرزا مهدي الأصفهاني، أبواب الهدى مخطوط.

[51] نهاية الحكمة ص 34. (مصدر سابق).

[52] شرح المنظومة ص 23، (مصدر سابق).

[53] السبحاني، الشيخ جعفر، نظرية المعرفة ص 247.

[54] أبواب الهدى (مخطوط)، مصدر سابق.

[55] نظرية المعرفة ص 246. (مصدر سابق).

[56] نهاية الحكمة ص 249. (مصدر سابق).

[57] مصدر سابق، ص 260.

[58] مصدر سابق ص 246.

[59] مصدر سابق ص 268.

[60] مصدر سابق، ص 268.

[61] مصدر سابق، ص 326.

[62] المدرسي، السيد محمد تقي، العرفان الإسلامي ص 250.

[63] أبواب الهدى، مخطوط. (مصدر سابق).

[64] الميرزا الأصفهاني، أبواب الهداية، خطوط.

[65] العرفان الإسلامي ص299 (مصدر سابق).

[66] بحوث حول القرآن، ص 78 (مصدر سابق)

[67] مصدر السابق ص 86.


ارسل لصديق