في رحاب التوحيد
السنن الإلهية وحركة العقل البشري
كتبه: السيد محمود الموسوي
العدد (46) السنة 21 - 1431هـ/ 2010م
التعليقات: 0
القراءات: 2386

طالما وجدنا أن البحث العَقَدِيَّ ضمن البحوث العلمية المتعددة في جوانبها، منعزل عن حياة الإنسان وحركة الإنسان في كافة شؤونه، فقد نرى علم الفقه يتناول أحكام عبادات الناس ومعاملاتهم وعقودهم، ونرى علم الأخلاق يبحث سلوك الناس ودوافعهم وطرق تعاملهم وانفعالاتهم مع بعضهم بعضاً، ونرى العلوم الاجتماعية تتصل بهموم الناس وحركتهم ونظم قوانين حياتهم في جوانبها المختلفة، اجتماعاً واقتصاداً وسياسةً، فيستشعر الإنسان أهميةَ هذه العلوم وهذه المعارف، لما يرى من انعكاسات واضحة لها على حياته، إلا أن البحث العَقَدِيَّ في كثير أحيانٍ، نزع إلى المنحى الفلسفي والكلامي البحت، بعيداً عن اتصاله بحياة الإنسان الذي يؤمن بهذه العقيدة أو تلك. كما نرى في مباحث الوجود والماهية والخلاف في أصالتهما، ومباحث العدم والمعدوم وإمكان إعادة المعدوم من عدمه، وما شاكل ذلك.

إننا نرى أن المنهج القرآني في تناول البحث العَقَدِيِّ يتمازج مع حياة الإنسان، إما فيما يشعر به ويقع عليه نظره وما يحيط به من أشياء، وإما فيما يتصل بالعقيدة من أفعال واقعية، ويمكن أن نلاحظ ذلك من خلال، بيان النقاط التالية:

الأولى: أننا نجد حتى السورة التي هي مخصصة للبعد العَقَدِيِّ وهي (التوحيد) تتضمن بُعداً متصلاً بالإنسان، ففعل الأمر (قل هو الله أحد)، يشير إلى بُعد المسؤولية للإنسان المؤمن تجاه كلمة التوحيد في المجتمع، فتأمره بأن يخرج من أنانياته ويتحمّل مسؤولية تبليغ كلمة التوحيد إلى من لا يؤمن بها، والسور المكية التي نزلت آياتها مؤكدة على العقيدة، قد اختلطت بالآيات المدنية التي تناولت الجانب التنظيمي والقانوني في حياة الناس، بل إن السور والآيات المكية لم تكن آيات متمحضة في العقيدة، كما أن الآيات والسور المدنية لم تخلُ من البعدي العقيدي.

وكما نرى في سورة النور ذات الموضوع الاجتماعي التربوي في العلاقات الاجتماعية والعلاقة بين الجنسين وحدودها وأحكامها، فإن السياق يقودنا إلى التوحيد، في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يُزْجِي سَحَاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَاماً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَن مَّن يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ[1].

الثانية: أن آيات العقيدة تشير إلى قيم متصلة بالإنسان إما مباشرة أو من خلال أسماء الله الحسنى، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِلَـهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ[2].

الثالثة: أن سياق الآيات العام الذي يتحدث عن العقيدة كالإيمان بالله تعالى أو بالرسل واليوم الآخر، يتصل بسياق متعلق بحياة الإنسان، في التربية أو الأخلاق أو المواقف والمسؤوليات، كما في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ. الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاء بِنَاء وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ[3].

الرابعة: هنالك ربط بين عقيدة الإنسان بالله تعالى وبالغيب والرسل والآخرة، وسائر العبادات والسلوكيات، كما قال عز وجل: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ[4].

الخامسة: يثير القرآن دفائن العقول حول وجود الله والتوحيد عبر الموجودات التي تحيط بالإنسان، والتي تدخل ضمن اهتماماته، وتلامس حاجاته، والتي يقع عليها بصره وحواسه، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ. فَالِقُ الإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَاناً ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ. وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُواْ بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ. وَهُوَ الَّذِيَ أَنشَأَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ. وَهُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِراً نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُّتَرَاكِباً وَمِنَ النَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِّنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انظُرُواْ إِلِى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ[5].

وقوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ. وَإِلَى السَّمَاء كَيْفَ رُفِعَتْ. وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ. وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ. فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ[6].

التوحيد وارتباطه بواقع الإنسان

مما ذكرنا يتكشّف لنا أن منهجية القرآن الكريم هي منهجية تمازج بين العقيدة وعلى رأسها الإيمان بالله وتوحيده، وبين حياة الإنسان وحركته ومسؤولياته، وذلك لأن الإيمان بالله وتوحيده هي أشرف معرفة، وأولى المعارف التي تُبنى على أساسها سائر معارف الإنسان، وكما قال أحد الباحثين: «إن حديث العقيدة -في القرآن- ليس درساً يُعطى ثم يُمضى عنه إلى غيره! إنما هو درس يُعطى على الدوام ثم يُمضى معه إلى غيره! بحيث لا ينقطع الحديث عنه في يوم من الأيام!»[7].

وهنا ننقل بعض الروايات التي تدلّ على أهمية المعارف الإلهية العَقَدِيَّة، وبالأخص التوحيد:

«فعن محمد بن سماعة، قال: سأل بعض أصحابنا الصادق (عليه السلام) فقال له: أخبرني أي الأعمال أفضل؟ قال: توحيدك لربّك، قال: فما أعظم الذنوب؟ قال: تشبيهك لخالقك»[8].

وعن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): «أفضلكم إيماناً أفضلكم معرفة»[9].

وعن فقه الرضا (عليه السلام): «إن أول ما افترض الله على عباده وأوجب على خلقه معرفة الوحدانية، قال الله تبارك وتعالى: ﴿مَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ، يقول: ما عرفوا الله حق معرفته»[10].

ولذلك فإننا نشير إلى أبعاد عامة في اتصال معرفة الله وتوحيده بحياة الإنسان:

معرفة الله منقذة من الخطأ:

«من الأخطار الحقيقية التي تواجه الإنسان هي الوقوع في الخطأ خلال مسيرته الحياتية، والأخطاء لا شك هي مسألة نسبية، فقد يكون فعل ما، بالنسبة إليك خطأ، ولا يكون كذلك للآخرين، من جهة الاعتبار، وهذا الاختلاف في الاعتبار راجع إلى البعد الإيماني للإنسان، أي أنه راجع إلى الإجابة عن هذا التساؤل: من يحدد الخطأ من الصواب؟

فالنظرة الواقعية هي التي تقول: إن من يحدّد الخطأ من الصواب هو خالق الإنسان لأنه الأعرف بخلقه من أنفسهم، وهذا الإيمان يقوى إذا عرفنا محدودية معرفة الإنسان بنفسه، وتطوّر معرفته من الجهل إلى العلم، فهذا دليل على أن الإنسان لا يتمكّن من تحديد المصلحة الحقيقية في كل شيء، فلا بد أن يستعين بالخالق العالم، ليطبّق ما هو خير له، قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ[11].

وقال عز وجل: ﴿أُوْلَـئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ[12].

والأخطاء يعبر عنها في المصطلح الإسلامي بالمعاصي، أي أن الله تعالى حدّد مجموعة من الأخطاء هي نواهٍ لابد ألَّا يقربها الإنسان المؤمن، فمن هنا تكون معرفة الله ذات فائدة أساسية، فمن يعرف الله حق معرفته، فإنه يتقي الله ويتجنّب الوقوع في مهاوي المعاصي، سواء من الذنوب النفسية الشخصية، أو من الانحرافات الاجتماعية، فيراقب نفسه في السر والعلن، ولا يرتكب الذنب ولا يتعدّى حدود الله التي تجسّدت في أحكامه.

ففي «علل الفضل عن الرضا (عليه السلام): فإن قال قائل: لِمَ أمر الله الخلق بالإقرار بالله وبرسله وحججه، وبما جاء من عند الله عز وجل؟

قيل لِعللٍ كثيرة، منها أن من لم يُقرّ بالله عز وجلّ لم يجتنب معاصيه، ولم ينته عن ارتكاب الكبائر، ولم يراقب أحداً فيما يشتهي ويستلذّ من الفساد والظلم..

ومنها: أنَّا وجدنا الخلق قد يفسِدون بأمور باطنية مستورة عن الخلق، فلولا الإقرار بالله عز وجلّ وخشيته بالغيب، لم يكن أحد إذا خلا بشهوته وإرادته يراقب أحداً في ترك شهوته..»[13].

و«لا ريب أن هذا الوازع النفسي يتمثل في معرفة الله -سبحانه وتعالى- والإحاطة بعظيم صفاته وأسمائه، ومنها أنه -سبحانه- سميع عليم، يسمع ويرى، وحسّ المسؤولية إنما يظهر ويترسّخ في وجدان الإنسان وضميره كلما ازداد معرفة بالله -جل جلاله- بحيث يعيش الشعور برقابة الله سبحانه عليه، في كل حركة وسكنة تصدر منه، فهو معه في كل مكان، وفي كل لحظة وأوان. والرقابة الإلهية هي التي تجعل الإنسان يتزن، ويستقيم في حياته، فتخلق فيه روح التقوى»[14].

معرفة الله وحفظ التوازن

ومن الحقائق المهمّة التي تجعل معرفة الله تعالى تؤثّر في حياة الإنسان بإيجابية وتدفعه نحو النجاح الدنيوي والفلاح الأخروي، هي أن النفس تأنس بهذه المعرفة وتتغذّى بفيوضاتها وألطافها التي تسبغها على النفس البشرية، فتشعر النفس بالرضا، فتمتنع عن التعدّي على ما متَّع الله به الآخرين، من هنا تكون معرفة الله عز وجلّ وسيلة لحفظ التوازن في الشخصية في بعدها النفسي وبعدها الاجتماعي، كذلك هي غاية يسعى الإنسان إليها، لما فيها من قرب من الله، وأنس بلذيذ مناجاته، وهي ملجأ وركن لكل ضعيف ومحتاج.

فعن الإمام الرضا (عليه السلام): «لو يعلم الناس ما في فضل معرفة الله عزّ وجلّ ما مدّوا أعينهم إلى ما متّع الله به الأعداء من زهرة الحياة الدنيا ونعيمهما وكانت دنياهم أقلّ عندهم مما يطؤونه بأرجلهم، ولنعموا بمعرفة الله جل وعزّ، وتلذّذوا بها تلذّذ مَنْ لم يزل في روضات الجنان مع أولياء الله.

إن معرفة الله عزّ وجلّ آنس من كل وحشة، وصاحب من كل وحدة، ونور من كلّ ظلمة، وقوّة من كل ضعف، وشفاء من كل سقم»[15].

فما عند الله أفضل مما عند الآخرين، ولذلك فإن النظر إلى ما عند الآخرين، ومدّ العين إلى ما أعطاهم الله تعالى، تعتبر مشكلة حقيقية تواجه الإنسان، لأنه يسعى دائماً لمقارنة نفسه بما لديهم، بل ويسعى لامتلاك ما لديهم أو لامتلاك مثل ما يمتلكون، وهذه الحالة تجعل الإنسان مضطرباً لا يرضيه شيء، وقد يرتكب الأخطاء ويتعدى الحدود لتغذية هذه الرغبة الجامحة، وإن التغلّب على هذه المشكلة سيضع النفس على مرسى صلب من الرضا، وسبيلها للوصول إلى ذلك هو الرضا بما عند الله، ويكون ذلك عبر معرفته حق معرفته، كما قال تعالى في كتابه الكريم: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى[16].

معرفة الله مفتاح للأولياء:

بمعرفة الله يكون الله تعالى وليّ الإنسان، ومن يكون الله وليّه فإنه تعالى يحقّق على يديه الخير، ويُجري على لسانه الدعاء المستجاب، فيخترق حجب الشهوات وتراكمات المادّة، بنور المعرفة، فيكون من عباد الله المخلصين الذين يقولون للشيء كن فيكون.

يقول الإمام الصادق (عليه السلام): «الله ولي من عرفه وعدوّ من تكلّفه»[17].

ويقول الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم): «لو عرفتم الله حق معرفته، لمشيتم على البحور ولزالت بدعائكم الجبال»[18].

فمعرفة الله هي غاية ووسيلة في آن واحد، فهي وسيلة لإصلاح الإنسان وضمان عدم انحرافه، و هي غاية يسعى إليها المؤمنون ليستغنوا بها عما سواها من زخرف الحياة الدنيا».

«وهذه الصفات هي المعبرة عن المعرفة بالله تعالى، كقاعدة وأساس يبني عليها الإنسان سائر جوانب حياته، فترتسم حركته في الحياة وتتحدّد مساراته.. فإذا عرف الإنسان ربّه حقّ معرفته كما وصف بها نفسه، وكما عرّف بها أولياءه، فسيكون من العرفاء الأغنياء بمعرفته والهداة بنورها في سائر مناهجه.. خلافاً لمن تكلّف معرفة الله من تصورات البشر، وأقوالهم التي جانبت الحقائق وتوغّلت في التيه، فسبحان الله وتعالى عمّا يصفون.

ومعرفة الله من الأمور اللازم على الإنسان أن يوليها اهتماماً في مساحة معقولاته وثقافته، لأنها داخلة في تحديد نوع الإيمان، فقد جاء في رواية «إن أفضل الفرائض وأوجبها على الإنسان معرفة الربّ والإقرار له بالربوبية). وفي صدر تلك الرواية: ما أقبح بالرجل يأتي عليه سبعون سنة أو ثمانون سنة يعيش في ملك الله ويأكل من نعمه ثم لا يعرف الله حق معرفته»[19].

التوحيد والقرب الإلهي:

كما أن التوحيد هو بوابة دخول الإنسان إلى حصن الله تعالى، والتنعم بجنته، ونيل رضوانه، كما أن الشرك هو الذنب الذي لا يُغفر؛ فإن التوحيد الخالص هو المُنجي يوم لا ينفع مال ولا بنون في يوم القيامة.

قال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيداً[20].

وقال عز من قائل: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ[21].

و«إذا كان يوم القيامة، أمر الله بأقوامٍ ساءت أعمالهم -في دار الدنيا- إلى النار، فيقولون: ربنا! كيف تُدخلنا النار، وقد كنّا نوحدك في دار الدنيا؟.. إلى أن قال: فيقول الله: ملائكتي! وعزّتي وجلالي، ما خلقتُ خلقاً أحبّ إليّ من المقربين بتوحيدي، وأن لا إله غيري، وحقٌّ عليّ ألَّا أُصلي بالنار أهل توحيدي»[22].

وفي الحديث القدسي عن الله أنه تعالى قال: «إني أنا الله لا إله إلا أنا، فمن أقرّ بالتوحيد دخل حصني، ومن دخل حصني أمِن من عذابي»[23].

نظام السنن الإلهية في حركة العقل

المعرفة بالنسبة للإنسان هي حركة عقله باتجاه العلم وباتجاه الحقائق، فكلما كشف بنور العقل الحقائق عرفها وأدركها، وصارت في حيز علمه، فارتباط التوحيد بحياة الإنسان يتمركز في حركة العقل البشري باتجاه حقائق الحياة المختلفة، لتشكل له علماً ورؤيةً تبني مساره السليم في الحياة، ويمكننا أن نكتشف نظاماً دقيقاً استخدمه القرآن الكريمة في هذه الحركة العقلية للبشر باتجاه التوحيد، من خلال نظام السنن الإلهية.

وقبل أن نُبيّن هذا النظام القرآني، وهو كيفية حركة العقل البشري عبر السنن الإلهية وعلاقة التوحيد بها، نسلّط الضوء على ماهية السنّة بشكل إجمالي:

السنّن لغة:

«السنّة: جمعها سنن: السيرة والطريقة، الطبيعة، الشريعة»[24]، «والسنّةُ السيرةُ. قال الهذلي:

فأول راضٍ سُنَّةً مَنْ يَسيرُهـا

فلا تَجْزَعَنْ من سُنَّةٍ أنتَ سِرْتَها»[25]

وقال ابن منظور في لسان العرب: «وسنّ الله سُنّةً أي بيّن طريقاً قويماً. قال الله تعالى: ﴿سُنَّةَ اللهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ، نصب سنة الله على إرادة الفعل أي سنّ الله ذلك في الذين نافقوا الأنبياء وأرجفوا بهم أن يُقتلوا أين ثُقفوا أي وُجدوا»[26].

«وسننتها سناً واستننتها: سرتها، وسننت لكم سنة فاتبعوها. وفي الحديث: «من سَنَّ سُنَّةً حسنةً فله أجرها وأجر من عمل بها، ومن سن سنة سيئة يريد من عملها ليُقتدى به فيها، وكل من ابتدأ أمراً عمل به قوم بعده قيل: هو الذي سنه»[27].

و«الفرق بين العادة والسنة: أن العادة ما يُديم الإنسان فعله من قبل نفسه، والسنة تكون على مثال سبق»[28].

«أما السنة في الفكر: هي مجموعة القوانين التي يسير وفقها الوجود كله، وتتحرك بمقتضاها الحياة، وتحكم جزئياتها ومفرداتها فلا يشذّ عنها مخلوق وما في الكون ذرة أو حركة إلا ولها قانون وسنة[29].

السنن في القرآن:

إن الخطاب القرآني متنوع ومتعدد في طرائقه التي يوصل من خلالها المعارف للإنسان، فبعضها مثل وقصة، وبعضها أحكام مباشرة، وبعضها سنن، فإن نظام التعليم، وتربية الإنسان، وبناء فكره عبر خارطة السنن، هو أسلوب قرآني فريد، ودقيق جدًّا، وقد ذكرت الروايات هذا القسم في الخطاب القرآني:

«عن أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول: نزل القرآن أثلاثاً: ثلث فينا وفي عدونا، وثلث سنن وأمثال، وثلث فرائض وأحكام»[30].

و«عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن القرآن نزل أربعة أرباع: ربع حلال وربع حرام وربع سنن وأحكام وربع خبر ما كان قبلكم ونبأ ما يكون بعدكم وفصل ما بينكم»[31].

وذكر القرآن الكريم في آيات عديدة بعض السنن وأشار إليها باللفظ:

قال تعالى: ﴿مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللهُ لَهُ سُنَّةَ اللهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللهِ قَدَراً مَّقْدُوراً[32].

وقال عز وجل: ﴿يُرِيدُ اللهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ[33].

وقال سبحانه: ﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَانْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذَّبِينَ[34].

وهذه السنن هي سنن الله تعالى في خلقه، وما نسبتها في بعض الآيات إلى الأولين أو غيرهم، إلا لتعلقها بهم، ووقوعها عليهم، وليس من جهة أنها منسوبة منشأً لهم، فإن الكون كله قائم على نظام دقيق وسنن ثابتة، فلم يخلق الله الخلق عبثاً، إنما خلقه بالحق، كما قال عز وجل:

﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُن فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ[35].

وقوله تعالى داعياً إلى التفكير في خلقه الدقيق: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُّسَمًّى وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ[36].

ويقول الإمام علي (عليه السلام): «فإن الدنيا ماضية بكم على سنن»[37].

المواصفات العامة للسنن الإلهية:

وذكرت الآيات أيضاً بعض المواصفات للسنن الإلهية، وهي على النحو التالي:

1- لا تقبل السنن الإلهية التحويل، كما قال تعالى: ﴿سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رُّسُلِنَا وَلاَ تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلاً[38].

«التحويل تصيير الشيء في غير المكان الذي كان فيه»[39]، بحيث تتحول إلى مقصد أو نتيجة مغايرة غير التي وُضعت من أجلها، فنتيجة السُّنَّة نتيجة واحدة لا تتحول عنها إلى غيرها.

2- لا تقبل التبديل، كما قال تعالى: ﴿سُنَّةَ اللهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلاً[40].

«(تبديل) الشيء، تعويضه بغيره كاملاً، بحيث يرفع الأوّل ويوضع الثاني»[41]، فالسنن الإلهية، لا يمكن أن تُلغى ويوضع بدلاً عنها سنّة مناقضة لها.

3- والسنن الإلهية تجري وفق نظام دقيق وقانون مقدّر وموزون من لدن حكيم خبير، قال تعالى: ﴿سُنَّةَ اللهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللهِ قَدَراً مَّقْدُوراً[42].

«فالقدر المقدور هو ما كان على مقدار ما تقدم من غير زيادة ولا نقصان»[43].

4- من هذه الآية أيضاً نهتدي إلى أن السنن لها غايات وأهداف محددة ودقيقة، فلكل سنّة هدفاً تحققه في الحياة. فالهدف الجامع بينها هو الهداية.

5- في السنن الإلهية هداية الإنسان وسلامة طريقه، وفيها نور العلم وجودة المعرفة، فهي تحتوي على معارف توصله إلى الحقائق المطلوبة، وتبعده عن المهاوي المضلة، قال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ[44].

6- هي مظاهر هيمنة الله وعلمه وحكمته ورحمته، لأن الله تعالى أجرى سننه بالحق، لتتجلى لنا رحمته وحكمته في الخلق، وفي السنن يتجلى المعنى العميق للتوحيد، من خلال الاعتراف بهيمنته، وبحكمه، وبعدله، ومن خلال الالتزام الفعلي بالقوانين والسنن.

7- وللسنن الإلهية خاصية الاطِّراد، حيث تجري على اللاحقين كما جرت على السابقين، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وهذه الخاصية نفهمها من عدم تبديلها وعدم تحويلها، وهدفيتها التي جاءت بحكمة الله تعالى للخلق، وهذه الحكمة ليست خاصة بأقوام دون آخرين.

السنن والحتمية، وإشكالية سلب الحرية:

من خلال المواصفات العامة التي تحدث عنها القرآن الكريم للسنن الإلهية، قد يُتصور بأنها مادامت لا تقبل التغيير والتبديل والتحويل، أو الزيادة والنقصان، فهي قوانين حتمية تجري على كافة البشر، فهي بحسب هذا التصور مناقضة لحرية الإنسان في الحياة، وتوحي بالجبر، وتنافي قدرة الإنسان على التغيير، بل وتنفي بُعد المسؤولية التي تترتب على حرية الاختيار.

ولكن هذا الإشكال وهمي، لا أساس له، لأن السنن هي قوانين، تجري على من توافرت فيه الشروط، أي أنها مرتبطة بالاستحقاق سلباً أو إيجاباً، فهي بالتالي خاضعة لإرادة الإنسان في اختياره لمجرى هذه السنة أو تلك، ومن هنا فلا تنتفي المسؤولية.

ويشير السيد المدرسي إلى الفرق بين السنّة والقدر، في هذا الجانب بقوله: «والفرق بين القدَر والسنّة، أن القدَر كطلوع الشمس من مشرقها في وقتها لا يخضع أبداً لإرادة البشر، بينما السنّة كما التمرّد ضد الظلم، وسقوط الطاغوت، قد يتقدم أو يتأخر، أو حتى لا يقع إذا أراد الإنسان، فقد لا يقرر الشعب المضطهد الثورة ضد جلاديه، وقد يغير الطاغوت عاداته الظالمة في الوقت المناسب فيمدد في أجله، وهكذا جحود الظالمين وكفر المكذبين بآيات الله ليس قدراً، بل سنّة، فمن الممكن عقلاً أن يدور المرء مائة وثمانين درجة باتجاه الصلاح كما فعل قوم يونس، ولكن لا يقع ذلك عادة بسبب تكبر الفاسقين وتعاليهم عن التوبة إلّا بعد فوات الوقت.

﴿فَلَوْ لا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إِيمانُها أي لماذا لم يُقدّم هؤلاء إيمانهم في الوقت المناسب؟

لماذا لم يتب الطاغوت حين رأى تململاً اجتماعيًّا، بل أخذته العزة بالإثم، حتى أصبح التململ تمرّداً عارماً؟ ولماذا لم يتب الشعب المتوغل في الفساد الخلقي، وفي ظلم بعضهم لبعض، حين رأوا نقصاً في الثمرات، و تدهوراً في الاقتصاد، وفي الصحة العامة، بل استمروا في غيّهم حتى أنهار اقتصادهم وصحتهم تماما؟!

إنّ هذا التحريض القرآني الشديد يدل:

أولاً: على إمكانية تحوّل الفرد والمجتمع تحوّلاً جذريًّا قبل فوات الأوان.

ثانياً: إنه يدلّ على الصعوبة البالغة لهذا التحول»[45]

التوحيد ومسارات السنن الإلهية:

لقد ذكرنا من قبل أن العقل البشري الذي خلقه الله من نور، يستفيد من السنن الإلهية الدقيقة والحكيمة، في تنمية معارفه، فهو يتحرك من خلال السنن ويتقلب في المعرفة عبر نظامها الدقيق، ولقد جاءت العديد من البحوث في هذا الاتجاه، لاكتشاف مضامين السنن وما تقود إليه من معارف تبني حياة الإنسان الطيبة، ليأخذ الإنسان بأسباب التقدّم، فهي تشكل مدخلاً معرفيًّا مهمًّا لرقي الإنسان، وتعطيه مداخل تسخير القوانين والأشياء لتحقيق أهدافه السامية، ويمكن أن يتجنّب من خلالها الوقوع في التخلف والمهاوي، ونحن في هذا البحث، سنعمد إلى تقسيم هذه السنن الإلهية، لنعي الهيمنة الإلهية بحقيقتها، ولنكتشف أن التوحيد كعقيدة، متصلة بحياة الإنسان في كافة تفاصيلها من خلال نظام السنن الإلهية التي استوعبت أرجاء حياة الإنسان بتمامها.

السنن التكوينية تقود إلى التوحيد:

القرآن الكريم لم يجبر الناس على الإيمان بالله الواحد الأحد، ولم يملِ عليهم إيمانهم بالتوحيد، إنما جاء ليخاطب العقل البشري عبر آياته المباركة، ويثير في الناس دفائن العقول، لكي يكتشف العقل الحقائق الواضحة، فيقوده عقله إلى وجود الله الخالق، وإلى توحيد الله، كما قال تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ[46].

وقد جاءت السنن التكوينية في القرآن الكريم، لتحقق هذا الغرض، وتوصل الإنسان إلى الدخول في دائرة الإيمان بالله وتوحيده عبر تذكيره بما حوله من سنن في الخلق، وهذه هي مهمة الأنبياء والرسل حيث يذكّرون الناس بآيات الله، كما في قوله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُم مَّقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللهِ فَعَلَى اللهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُواْ أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُواْ إِلَيَّ وَلاَ تُنظِرُونِ[47].

والسنن التكوينية هي السنن التي تتحدث عن خلق الله تعالى وتكوينه للأشياء بما فيها من حركة ودقائق ومواصفات، مثل الكون وأجزائه (السماء والشمس والقمر والكواكب والنجوم) وما يتفرع منها كالمطر والسحاب والريح، وغيرها من الأرض وما فيها من مخلوقات، ويشمل ذلك تكوين الإنسان ومكوناته، منذ خلقه الأول، ومروره بعالم الذر والأصلاب والأرحام في ظلمات ثلاث، وحتى خروجه إلى الدنيا، صغيراً..فشاباً... فكهلاً... فشيخاً..

فنظام المخلوقات وسنن تكوينها في الخلق والحركة والنمو والمآل، هو نظام دقيق تثيره آيات القرآن الكريم، من أجل هدف كبير، هو إيصال الإنسان عبر عقله إلى خالقه، لكي يوحده.

كما قال الله تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ[48].

ففي الآفاق والأنفس يجد الإنسان آيات الله تعالى عبر نظام دقيق فيؤمن بأن الله تعالى شهيد عليها، فهو يحرك العقل باتجاه المخلوقات في الكون، لينظر تكوين الأشياء في حركتها ونموها وتناسقها، ليخرج بنتيجة واضحة توافق فطرته التي فطره الله عليها بالإيمان بالخالق، ومن خلال ملاحظة التكامل فيما بين المخلوقات مثلاً ينقاد العقل إلى الإيمان بوحدانية الله الذي لا شريك له ولا عديل.

فالشمس والقمر لهما سنن مقدرة: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللهُ ذَلِكَ إِلاَّ بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ[49].

ويقول تعالى: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَّعَ اللهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ[50].

فعند متابعة نظام حركة الشمس والقمر، وتعاقب الليل والنهار، وهطول المطر المتناسق مع منافع الناس، ليحي به الأرض، والأرض بدورها هي مسرح معاش الإنسان والدواب التي يسخرها من أجل حياته، يكتشف الذين يعقلون من خلال هذا النظام المتكامل بين سائر المخلوقات أن خالقها رب واحد لا شريك له، كما يقول تعالى في هذه الآية:

﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاء فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخِّرِ بَيْنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ[51].

التوحيد يقود إلى السنن الاجتماعية:

السنن الاجتماعية هي القوانين العامة التي تحكم حركة الإنسان في الحياة الاجتماعية والعلاقات وفي السياسة والاقتصاد والفكر والتنمية والتاريخ، فمن هذه السنن (الابتلاءات والفرص والنعم وحركة الطغيان والكفر وأحوال الحكم والأخلاق والسلوك والعلاقة بالمال) وتشمل التاريخ والحاضر والمستقبل.. فإن حركة المجتمع في التاريخ عبر سنن ثابتة هي حركة المجتمع في الحاضر ذاتها، وهي حركة المجتمع في المستقبل، لا تقبل التغيير، فعندما تتوافر الشروط ذاتها فإن النتائج عينها لا محالة تتحقق. فإن روح السنن ثابتة، وإنما تساق في القرآن الكريم من خلال الوقائع التاريخية من أجل التذكير بها كقالب تطبيقي حصل فعلاً[52].

والسنن الاجتماعية أهميتها تتركز في معرفة الإنسان لواقعه من أجل تحديد مسار مستقبله على هدى وبصيرة، استفادة من تلك السنن الثابتة التي لا تتحول ولا تتبدل، فعندما يعيها فإنه سيجري مجراها، ويستنّ بمعطياتها.

فمن السنن الاجتماعية سنّة الفشل عند التنازع، كما قال تعالى: ﴿وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ[53]، فلا يمكن أن تتقدّم أمة يسودها النزاع بين فئاتها وطوائفها.

ومن السنن، سنّة الزوجية في كل شيء، ﴿وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ[54]، فالتكامل والتوالد والنمو بين الكائنات لا يكون إلا بزوجين مختلفين، ولابد أن يتآلفا معاً، ليتحقق الاستقرار.. فالشذوذ والمثلية والتفكك الأسري كلها من عوامل التراجع والهدم.

وهذه السنن وضعت لكي يتعظ بها الذين يريدون التقدّم والعيش في حياة طيِّبة، يقول الله تعالى: ﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَانْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذَّبِينَ. هَـذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ[55].

ففي هذه الآية إشارة إلى أن (المتقين) الذين قادتهم السنن التكوينية لمعرفة الله تعالى حقًّا وصدقاً ووحَّدوه حق توحيده، هم الذين يتَّعظون بالسنن الإلهية التي جاءت في القرآن الكريم، وأبرزها السنن الاجتماعية التي جاء في آيات القرآن الكريم الكثير منها، فإن الاستفادة من هذه السنن تحتاج إلى إيمان بأن الله تعالى هو الواحد وهو عز وجلّ وحده المهيمن على نظام الخليقة وبيده تصريف الأمور، لتكون له هدى وبصيرة في الحياة.

فـ«من سنن الله في المجتمع أن المؤمنين ينتصرون. فعليهم ألاَّ يَهِنُوا وألاَّ يتسرب إلى نفوسهم الانهزام، أو اليأس والضجر. كما أن عليهم ألاَّ يتألموا لبعض الخسارات، إذ إن ربح الانتصار سوف يغطي على الخسارات البسيطة ﴿وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ[56].

ومن تلك السنن أن العلو والنصر لا يأتي بالصدفة، أو بلا شيء من التضحية، بل لابد من الاستعداد للقرح، ومعرفة أن الأعداء هم بدورهم يستعدون له، فلماذا التهرب منه ﴿إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ وَاللهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ[57][58].

ويمكن أن نأخذ مثلاً تطبيقاً لحركة العقل البشري من ملاحظة السنن التكوينية إلى الإيمان بالوحدانية إلى معرفة السنن الاجتماعية، ليقوده اتِّباعها إلى الهدى، نعرض هذه الفكرة ضمن سياق آيات من سورة الأنبياء، في قوله تعالى:

﴿أَوَ لَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُـمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَآءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلاَ يُؤْمِنُونَ * وَجَعَلْنَا فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجاً سُبُلاً لَّعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ * وَجَعَلْنَا السَّمَآءَ سَقْفاً مَّحْفُوظاً وَهُمْ عَنْ ءَايَاتِهَا مُعْرِضُونَ * وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ * وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِن قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفإِيْن مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ * كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ * وَإِذَا رَءَاكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُواً أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ ءَالِهَتَكُمْ وَهُم بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ * خُلِقَ الإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُوْرِيكُمْ ءَايَاتِي فَلاَ تَسْتَعْجِلُونِ * وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لاَ يَكُفُّونَ عَـن وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلاَ عَن ظُهُورِهِمْ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ * بَلْ تَأْتِيهِم بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ * وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِن قَبْلِكَ فَحَـاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون[59].

فحركة العقل تفاعلت عبر التالي:

أولاً: رؤية السنن التكوينية وملاحظتها، وهي تكوين السماوات والأرض، وأساسية الماء في الحياة لمختلف الكائنات، وتكامل نظام الأرض مع حاجات الإنسان، لكيلا تميد به، بل والتمهيد للإنسان وجعل السبل فيها لكي يهتدي، وهكذا السماء وعلاقتها حفظاً بسائر المخلوقات. ليؤمن الإنسان عبر إعمال عقله بالسنن التكوينية بأن الله خالقها الواحد الأحد.

ثانياً: بعد معرفة الله وتوحيده، يسوق القرآن عبر تسلسله السياقي سنناً اجتماعية يحتاج التصديق بها إلى الإيمان بالتوحيد، فتتجه حركة العقل نحو هذه السنن، ومن هذه السنن أن الموت حق، وأن هنالك فتناً وابتلاءات لتمحيص الإنسان عبر (الشر) أو (الخير)، وأن الإنسان خلق من عجل، فينبغي ألَّا يستعجل الآيات والحقائق، وأن الكافرين هم أهل النار، وأن الاستهزاء بالرسل عاقبته ترجع على المستهزئ نفسه.

ثالثاً: يتجه مسار العقل بعد معرفة السنن التكوينية، والسنن الاجتماعية، إلى فقه سنن الشريعة التفصيلية التي تنظم حياة الإنسان. وهذا هو المسار الآخر للعقل الذي سنتحدث عنه.

حركة العقل نحو سنن الشريعة:

سنن الشريعة هي أحكام الله تعالى لتنظيم حياة الإنسان في كافة شؤونه، فالسنّة بشكل عام، وكما هي معطيات اللغة هي «المنهج والطريقة والأسلوب الذي يعتمده الشخص في حياته. وبالرغم من استخدام هذه الكلمة (السنة) في الأحاديث، وفي كلمات العلماء للتعبير عما تتصل بحياة الرسول قولاً وفعلاً وموقفاً، إلا أنها لم تستخدم في القرآن بهذا المعنى»[60].

ومنشأ اصطلاح الفقهاء حول السنة في قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وأهل بيته (عليه السلام) وفعله وتقريره، هو «أمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) باتباع سنته، فغلبت كلمة (السنة) حينما تطلق مجردة عن نسبتها إلى أحد على خصوص ما يتضمن بيان حكم من الأحكام من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) سواء كان ذلك بقول أو فعل أو تقرير»[61].

وما نتحدث عنه في هذا القسم هي سنن الشريعة الأعم من اختصاصها بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بل بكل الأحكام الشرعية المستفادة من الكتاب العزيز، والمستفادة من أحاديث النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل بيته (عليهم السلام)، فسنن الشريعة واحدة، فالروايات الشريفة هي انعكاس لما في الكتاب العزيز.

ولأن من مواصفات السنن الثبات كما أسلفنا، فإننا هنا نقصد بسنن الشريعة القسم الثابت منها، وهي الأصول، بتعبير أهل البيت (عليهم السلام): «علينا إلقاء الأصول وعليكم التفريع»[62]، ومن خلال تلك السنن الثابتة تعرف سائر الأحكام للمتغيرات والوقائع المختلفة، حيث إن الحكم يتغيّر بتغيّر موضوعه، لا بتغير أصله أو نوعه، فيبقى ثبات السنن على حالها.

فأين مسار العقل البشري يتجه لكي يكتشف سنن الشريعة؟

إن معرفة السنن الإلهية الاجتماعية مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بمعرفة الأحكام التي عبّرنا عنها بسنن الشريعة، وهنالك مجموعة من الأحكام مرتبطة بدورها بالسنن التكوينية.

تطابق أحكام الشريعة مع السنن الإلهية:

يطرح سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد تقي المدرّسي (دام ظله) في كتابه القيّم (التشريع الإسلامي) نظرية في فقه الشريعة، تقوم على أساس الترابط بين السنن الإلهية والأحكام الشرعية، كمنهجية قرآنية، وملخصها أن «ربنا يبين في كتابه ما هو هذا العالم الذي يحيط بنا؟ وما هي أهداف خلقته؟ ونحن من؟ وما هي غاية خلقتنا؟ وكما يبين سنن الله التي أجراها في الخلق.. مثلاً سنة الصيرورة، سنة الزوجية، سنة التطور، سنة الهلاك، سنة الصراع، سنة المسؤولية والجزاء...

وحينما يذكر بسننه التي تلتصق أكثر فأكثر بحياتنا، يفصل القول فيها تفصيلاً، ويُبصِّرنا بأنفسنا وما تعمل فيها من شهوات عاصفة، وأهواء جامحة ونوازع فطرية خَيِّرة، ويضرب لنا من كل شيء مثلاً، ويقص علينا عِبَر الغابرين، ويحدثنا عمن نجا كيف نجا وعمن هلك لم هلك؟

وأحكام الشريعة مطابقة لسنن الله في الخلق»[63].

«حين يأمرنا الله بتحدي الطاغوت وتجنبه، فهذه شريعة إلهية مطابقة لسنة بيّنها ربنا سبحانه عبر قصص الذين اتبعوا الطاغوت فدمرهم الله شر تدمير.

وحين يأمرنا باتِّباع رسل الله وطاعة أوليائه، يسوق لنا مثلاً للذين آمنوا من واقع المؤمنين، الذين اتبعوا النبي نوحاً (عليه السلام) فنجّاهم الله من الطوفان، ومثلاً للذين كفروا من واقع الذين كفروا فأغرقهم الله.

فكل حكم يتبع حكمة، وكل حكمة تتصل بسنة[64]، وقد بيَّن الله الحكم وعلم حكمته، وذكر بسنته»[65].

ويمكن أن نذكر مثالاً ساقه السيد المدرسي ضمن أمثلة عديدة:

«قال تعالى: ﴿وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم إنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئاً كَبِيراً.

هنا نجد البصائر الثلاث:

1- السنة الإلهية: ﴿نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم.

2- الحكمة: ﴿إنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئاً كَبِيراً.

3- الوصية: ﴿وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ[66] وهي التي أطلقنا عليها سنّة الشريعة.

«وهكذا نستوحي من التدبّر في هذه الآيات الكريمة، أن أحكام الشريعة تتفرع من شجرة التوحيد، وأن أصولها الحكمة والسنن الإلهية، وأن الراسخين في العلم يسعون أبداً لمعرفة أصول الحكمة، وآفاق السنّن، كما يسألون ربهم المزيد من معرفته سبحانه»[67].

هذه المنهجية يذكرها سماحة المرجع المدرسي في كتابه التشريع الإسلامي كآلية لفهم الشريعة الإسلامية، فهماً عميقاً، خصوصاً للعلماء والفقهاء، ونكتفي بالإشارة إليها بهذا المقدار، من أجل بيان اتصال السنن التكوينية والاجتماعية بسنن الشريعة، في ظل التوحيد.

ارتباط سنن الشريعة بالسنن التكوينية:

لقد حدّد الله تعالى بعض الأحكام الشرعية وهي (سنن الشريعة) بالسنن التكوينية، ولا يتمكن الإنسان المسلم أن يؤدّي عباداته ويطيع الله في شرعه، إلا من خلال النظر إلى تلك السنن التكوينية، لارتباطهما ببعضها، مثل أداء الصلاة وهي عمود الدين، وواجب على كل مسلم ومسلمة في كل يوم خمس فرائض، فهي متصلة بسنن تكوينية، وهي حركة الشمس قبل شروقها فجراً وبعد شروقها، وإلى زوالها وحتى غروبها، فأوقات الصلاة محدّدة بأوقات تكوينية، كما قال تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً[68].

وكذلك الصيام، في قوله تعالى: ﴿كُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ[69].

وبخصوص بدء الشهر الشرعي كشهر رمضان ووجوب الصوم، فهو معتمد على رؤية الهلال، كما في الرواية: «صم لرؤيته، وأفطر لرؤيته»[70]، وهكذا العديد من الأحكام، مثل صلاة الآيات المرتبطة بالخسوف والكسوف والريح، ومثل أيام وليالي الزواج والعقد والجماع، وما شابه ذلك.

خلاصة القول

إن معرفة الله وتوحيده أشرف معرفة وأهمها بالنسبة إلى الإنسان، وهذه المعرفة التوحيدية تتم عبر تفكير العقل في السنن التكوينية التي يراها كل الناس دون استثناء، لكي يؤمن بالله عبر آياته الدقيقة، ثم يتجه العقل بعد الإقرار لله بالربوبية والإخلاص له بالوحدانية، نحو معرفة السنن الاجتماعية التي أجراها الله تعالى في خلقه، من أجل أن يتبصر الإنسان وينتهج سنن الصلاح والهدى ويبتعد عن سنن الهلاك والتيه والفشل، والسنن الاجتماعية بدورها متصلة بسنن الشريعة التي تنظّم حياة الإنسان، وبذلك تكون السنن التكوينية طريقاً إلى التوحيد، والتوحيد طريقاً إلى سنن الحياة الطيبة.

--------------------------------------------------------------------------------

[1] النور: 43.

[2] البقرة: 163.

[3] البقرة:21 - 22.

[4] البقرة: 3.

[5] الأنعام: 95 - 99.

[6] الغاشية: 17 - 21.

[7] دراسات قرآنية، محمد قطب، ص 22

[8] تنبيهات حول المبدأ والمعاد، آية الله الميرزا حسن علي الميرواريد، ص40، نقلاً عن البحار 3: 287، عن أمالي الشيخ.

[9] المصدر، نقلاً عن البحار 3: 14 عن جامع الأخبار.

[10] المصدر، عن فقه الرضا (عليه السلام) 65، وعنه البحار 3: 13

[11] البقرة: 216.

[12] البقرة: 221.

[13] ميزان الحكمة، الريشهري ج6، ص 154.

[14] التوحيد يتجلّى في الحياة، آية الله السيد محمد تقي المدرسي، ص56.

[15] ميزان الحكمة، الريشهري. ج6، ص155.

[16] طه: 131.

[17] الكافي، الكليني ج10، ص 28.

[18] ميزان الحكمة، ج10/1889.

[19] تنبيهات حول المبدأ والمعاد، آية الله الميرزا علي حسن ميرواريد، ص 40 نقلاً عن البحار.

[20] النساء: 116.

[21] لقمان: 13.

[22] كلمة الله، السيد حسن الشيرازي ص 32.

[23] كلمة الله، السيد حسن الشيرازي ص 31.

[24] المنجد في اللغة والأعلام، مادة سنّ.

[25] الصحاح في اللغة، للجوهري.

[26] لسان العرب ، ابن منظور ج 3، ص226.

[27] لسان العرب ج13، ص226.

[28] الفروق اللغوية، أبو هلال العسكري ص 347.

[29] حركة التاريخ في القرآن، عامر الكفيشي، ص226، نقلاً عن سنن القرآن في قيام الحضارات وسقوطها، ص27 ، محمد هيشور.

[30] الكافي، الشيخ الكليني، ج2 ص628.

[31] الكافي، الشيخ الكليني، ج2، ص628.

[32] الأحزاب: 38.

[33] النساء: 26.

[34] آل عمران: 137.

[35] الأنعام: 73.

[36] الروم: 8.

[37] نهج البلاغة، للإمام علي (عليه السلام)، الخطبة رقم 190.

[38] الإسراء: 77.

[39] التبيان في تفسير القرآن، الطوسي: محمد بن الحسن ج 8، ص: 440.

[40] الفتح: 23.

[41] الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل، آية الله الشيخ ناصر مكارم الشيرازي، ج 14، ص: 116.

[42] الأحزاب: 38.

[43] التبيان في تفسير القرآن، الطوسي ج 8، ص: 345.

[44] النساء: 26.

[45] من هدى القرآن، آية الله العظمى السيد محمد تقي المدرسي، ج3 ص431.

[46] الغاشية: 21.

[47] يونس: 71.

[48] فصلت: 53.

[49] يونس: 5.

[50] النمل: 60.

[51] البقرة: 164.

[52] بعض الباحثين يقسمون السنن تقسيمات مغايرة مثل سنن التاريخ، وسنن الإنسان، وسنن المجتمع، وبرأينا أن كلها سنن اجتماعية تجمع هذه الأقسام، ولعل التقسيمات تختلف أحياناً اعتباريًّا لا حقيقيًّا. فإننا نلاخظ أن روحها واحدة، فبعض السنن تأتي في قالب تاريخي من أجل التعريف بسنن الحاضر بل والمستقبل، سواء كانت مختصة بسلوك الفرد أو المجتمع على نحو متداخل.

[53] الأنفال: 46.

[54] الذاريات: 49.

[55] آل عمران: 137 - 138.

[56] آل عمران: 139.

[57] تفسير من هدى القرآن، آية الله العظمى السيد محمد تقي المدرّسي، ج1 ص464.

[58] آل عمران: 140.

[59] الأنبياء 30 - 41.

[60] التشريع الإسلامي، آية الله العظمى السيد محمد تقي المدرسي، ج 2، ص 149.

[61] أصول الفقه، العلامة محمد رضا المظفر، ج2، ص61.

[62] عن الإمام الرضا (عليه السلام) وورد مثله عن الإمام الصادق (عليه السلام)، وسائل الشيعة ج27، ص63.

[63] التشريع الإسلامي، آية الله العظمى السيد محمد تقي المدرّسي. ج2، ص51.

[64] اتصال الحكم والحكمة بالسنة الإلهية، ليس بالضرورة يأتي في آية واحدة، فإنه قد يأتي في سياق الآيات.

[65] التشريع الإسلامي، آية الله العظمى السيد محمد تقي المدرّسي ج2، ص51.

[66] التشريع الإسلامي، آية الله العظمى السيد محمد تقي المدرسي. ج2، ص56.

[67] المصدر نفسه، ص58.

[68] الإسراء: 78.

[69] البقرة: 187.

[70] وسائل الشيعة، الحر العاملي. ج10، ص256.

السيد محمود الموسوي

ــ عالم دين، باحث إسلامي.

ــ من مواليد عام ١٩٧٣م، بني جمرة. دولة البحرين.

ــ درس العلوم الدينية في البحرين (حوزة الإمام زين العابدين) وحضر دروس العلامة الشيخ عبدالأمير الجمري، والشيخ محمد الخرسي. ثم هاجر إلى سوريا والتحق بحوزة الإمام القائم العلمية في السيدة زينب (عليها السلام).

ــ عضو هيئة التحرير بمجلة البصائر، ومدير ممثلية سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد تقي المدرسي في البحرين، والمنسق العام لمؤتمر القرآن الكريم الذي تعقده الممثلية. والمشرف العام لمؤسسة أهل الكساء الثقافية والاجتماعية الخيرية.

ــ شارك في العديد من الندوات والمؤتمرات، وله محاضرات في قضايا القرآن والمجتمع والثقافة. كما أن له مقالة اسبوعية في صحف البحرين، نشر العديد من المؤلفات نذكر منها: * علي منابر من نور. * لقاء ثقافي في ريف دمشق.. لقاء مع سماحة المرجع المدرسي. * معالم العظمة.. دراسة إحصائية في مؤلفات الإمام الشيرازي. * آفاق من حركة الرسول الأعظم. * العولمة والمجتمع.. التحديات الجديدة وبرنامج المهام. * دراسات في مسارات المجتمع والحضارة.. رؤى معاصرة على ضوء القرآن.



ارسل لصديق