نـــدوة: مشـــاركة المـــــرأة العـربية في الحياة السـياسيّة
كتبه: أسرة التحرير
العدد (32) السنة 15 - 1425هـ/ 2004م
التعليقات: 0
القراءات: 4180

نظم المعهد العربي لحقوق الإنسان ندوة في العاصمة الأردنية (عمّان) حول المشاركة السياسية للمرأة العربية في الفترة من 31 مايو إلى 2 يونيو 2003م، وذلك بالتعاون مع المركز الإقليمي للأمن الإنساني في المعهد الديبلوماسي الأردني، وبدعم من الاتحاد الأوروبي.. وتأتي هذه الندوة في إطار تنفيذ مشاريعه الرامية إلى المساهمة في تغيير المجتمع العربي وفي إطار سعيه إلى تكريس توزيع جديد للعمل الاجتماعي والسياسي على أساس القدرة والكفاءة لا على أساس الجنس، وإيماناً منه بضرورة مناهضة بنى اللامساواة والتمييز.

ولا شك أن مسألة تقييم مشاركة المرأة العربية في الحياة السياسية تتطلّب رؤى تحليلية واضحة لاستقراء البعد التاريخي لهذه المشاركة، خاصّة عندما يتعلّق الأمر بمسألة المساواة بين النساء والرجال في البلدان العربية والإسلامية، وذلك نظراً لما تتّسم به هذه البلدان من تمازج وتداخل بين الدين والسياسة وتأثيرهما على وضعية المرأة عموماً ومشاركتها السياسية خصوصاً، حيث أنّ التواصل بين الماضي والحاضر السياسي يتجلّى في المنظومة والبنية القانونية للدول العربية، التي رغم اختلاف التجارب بينها في مستوى أنظمة الحكم، فهي تتقاسم تلميحاً أو تصريحاً أن الإسلام هو دين الدولة، وأن الإسلام مصدر التشريع.

فعلى المستوى القانوني، بيّنت العديد من الدراسات والأبحاث، الفارق بين التشريعات، والواقع الملموس الذي تعيشه المرأة العربية، وكذلك التعارض داخل المنظومة القانونية بين النظام القانوني العام المبني على مبادئ المواطنة والمساواة، وبين قانون الأحوال الشخصية المبني على امتياز الرجل والتمييز الجنسي، كما بيّنت هذه البحوث، التصادم بين القواعد المجدّدة والقواعد المحافظة على نمط الأسرة التقليدية، إضافة إلى تذبذب السياسات التشريعية بين المصادقة على الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان والتحفّظ عليها باسم الأصالة والإسلام.

ولعلّ التردّد في تبنّي رؤية جريئة وواضحة لمنزلة المرأة في مجتمعاتنا العربية، هو الذي شكّل عائقاً كبيراً طوال القرن الماضي أمام نهضة العرب الشاملة، وهو ما انعكس سلباً على واقع المرأة العربية وخاصّة في مستوى مشاركتها في الحياة السياسية، حيث يبرز جليّاً في العالم العربي، وبدرجات متفاوتة، ضعف تواجد المرأة في السلطة ومراكز اتّخاذ وصنع القرار، وفي المجالس الانتخابية مثل البرلمانات والمجالس البلدية، وحرمانها في بعض البلدان العربية من أبسط حقوقها السياسية كحقّ الترشّح والانتخاب، كما أنّ نسبة العضوية من النساء في الأحزاب السياسية والجمعيات ضعيفة جدًّا ولا تتناسب ودورهنّ في الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

فالتركيز على الميادين الاستراتيجية مثل التربية، والثقافة، والتنمية الاجتماعية والسياسية، هو المدخل الأمثل لتحقيق نقلة نوعية لأوضاع المرأة في البلدان العربية، حيث إنّ المرحلة الراهنة تقتضي المبادرة بالقضاء على مختلف أشكال التمييز ضدّ المرأة في الأسرة، وفي ميادين الشغل، وفي فضاءات النشاط الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، وفي أجهزة الإعلام المختلفة، وترسيخ حقوقها تشريعاً وممارسة، بالاعتماد على مناهج واضحة لتطوير العقليات، انطلاقاً من مرحلة الطفولة ومن البرامج المدرسية الموجّهة إلى مختلف مستويات التعليم إلى فضاءات المجتمع المدني وأجهزة الإعلام، حتّى نربّي أجيالنا على ثقافة حقوق الإنسان وعلى قيم العدالة ومبادئ المساواة.

إنّ بناء الديمقراطية وتحقيق الحرية والمساواة والتنمية في المجتمعات العربية يمرّ حتماً بالنهوض بحقوق المرأة عامّة وتكريس مشاركتها في الحياة السياسية خاصّة، ولاسيما من خلال تدعيم المساواة في مجال الأحوال الشخصية، وإحداث آليات لحماية حقوق المرأة، وتأمين تكافؤ الفرص بين الجنسين ودعم قدرة المرأة العربية على الجمع بين حقّها في العمل وواجباتها الأسرية وتأمين حقّها في هياكل وآليات السلطة ومواقع صنع القرار. كما أنّ إنجاز تغيير جذري لأوضاع المرأة العربية عموما، ومشاركتها في الحياة السياسية خصوصا لا يمكن أن يتحقّق بنظرة تعميمية أو تخصيصية بل يجب تبنّي رؤية شاملة ومتكاملة لا تقتصر على دور الحكومات بل تستند أساساً على العمل الأهلي ومؤسساته وفي المقدمة منها التنظيمات النسوية والحقوقية.

وقد انعقدت الندوة في ظروف إقليمية ودولية شائكة تطرح العديد من التحديّات مثل تفاقم مظاهر التمييز والإقصاء والتهميش، وتفاقم انتهاكات حقوق الإنسان والتنصّل من الالتزامات الدولية في مجال حقوق الإنسان وانتهاك مفاهيم ومبادئ القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني باسم شعارات متعددة منها الحرب على الإرهاب.

وتمثّلت التحديات الأخرى في الاحتلال الأجنبي لبلد عربي هو العراق وتهديد بلدان المنطقة، وتواصل الجرائم الإسرائيلية ضدّ الشعب الفلسطيني والاستهتار بمختلف قرارات الشرعية الدولية المتعلقة بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، واستشراء ظواهر العنف في البلدان العربية والتعصّب وتعثر مسارات التنمية وتفاقم النزاعات الداخلية التي تعوق تحقق الأمن والسلام.

وكان للمتتبع لفعاليات الندوة المذكورة أن يلاحظ بجلاء تلك الأهداف المرجوة من ندوات مهمة كهذه، ولعل من أهم تلك الأهداف بلورة رؤية حول الواقع الراهن لمشاركة المرأة العربية في الحياة السياسية وإجراء تقييم نقدي لواقع مشاركة المرأة سياسياً بهدف التعرّف على العقبات التي تحول دون النهوض بحقوق المرأة عامة ومشاركتها في الحياة السياسية خاصة ورصد ما تحقّق للمرأة العربية من مكاسب في مستوى تمتعها بحقوقها السياسية، وكذلك الوقوف عند الإجراءات التي تمّ اتخاذها على مستوى التشريعات الوطنية في مجال مشاركة المرأة في الحياة السياسية.

المشاركون في الندوة هم الباحثون والباحثات الذين واللواتي أعدوّا الدراسات حول مشاركة المرأة العربية في الحياة السياسية.. وينتمي معظمهم إلى المغرب، تونس، السودان، فلسطين، مصر، الأردن، لبنان، اليمن، البحرين، الكويت..

ضرورة قيام استراتيجيات وطنية:

الأستاذ أحمد عبيدات (رئيس مجلس أمناء المركز الوطني لحقوق الإنسان في الأردن) وراعي الندوة أكد ضرورة توافّر الشروط الموضوعية لخلق مناخ سياسي يتمتّع في ظلّه الأفراد والجماعات رجالاً ونساء بحق المواطنة الكاملة دون تمييز، داعياً إلى ضرورة قيام استراتيجيات وطنية تعتمد المنهج العلمي في التشريع والتخطيط والتنفيذ لإعداد وتأهيل الموارد البشرية التي تشكّل المرأة جانبا مهمّا منها.

إن قضية المرأة لم تدخل بعد في التنمية الشاملة:

الأستاذة ليلى شرف (عضو مجلس إدارة المعهد العربي لحقوق الإنسان) أكدت أهمية انعقاد هذه الندوة في الأردن في مرحلة سياسية تتميز بخوض المرأة الأردنية الانتخابات النيابية بأعداد كبيرة في ظل قانون جديد يضمن لها الوصول إلى المجلس النيابي الأردني بأعداد كبيرة نسبياً.

كما أشارت إلى المعوقات التي ما زالت تعترض مشاركة المرأة العربية السياسية من المركزية الشديدة في صنع القرار، التي تفقد الأطر الإدارية والسياسية المحلية، دورها ووزنها، وهشاشة التفاعل، والتواصل الجاد بين الهيئات الرسمية وهيئات المجتمع المدني وظاهرة هيمنة الحزب الواحد وضعف الأحزاب السياسية، كما أن قضية حقوق المرأة لم تدخل بعد في صميم العملية التنموية الشاملة في بلداننا العربية.

مشاركة المرأة السياسية جزء أساسي في نهضتنا:

أما الدكتور عاطف عضيبات (مدير المركز الإقليمي للأمن الإنساني في المعهد الديبلوماسي الأردني) فقد أكد من جهته على أهمية الندوة داعيا إلى جعل مشاركة المرأة السياسية جزءاً أساسياً في نهضتنا الحضارية.

تقرير حول المشاركة السياسية:

وتمّ تقديم تقرير تأليفي للدراسات الميدانية حول المشاركة السياسية في البلدان العربية، أثار أسئلة حول مدى عَدّ الحق في المشاركة السياسية حقاً من حقوق الإنسان في البلدان العربية ومدى اعتماد مرجعية حقوق الإنسان من طرف الدول العربية، فإذا كانت حقوق النساء تعتبر اليوم جزءاً لا يتجزأ من حقوق الإنسان وهي كيان موحد غير قابل للتجزئة والتقييد فإن الواقع السائد في الدول العربية يبقى بعيدا عن هذا النظر.

كما بيّن التقرير الهوة الفاصلة بين ما تنص عليه معظم دساتير الدول العربية، وبين ما تضعه بقية القوانين الأخرى من قيود على ممارسة هذه الحقوق.

وأكّد التقرير على أن الأبحاث تبرز ضعف مشاركة المرأة في العملية الانتخابية ومحدودية تمثيل النساء في البرلمانات، وضعف مشاركتهن في السلطة التنفيذية، ولا تقتصر هذه الإشكاليات على التمثيل في مواقع اتخاذ القرار الحكومية بل تمتد إلى منظمات المجتمع المدني والأحزاب السياسية.

هذا وقد أثار التقرير التأليفي نقاشاً ثرياً زاد في تعميق الأفكار والمعلومات حول واقع المشاركة السياسية للمرأة العربية، وقد وقع التركيز على ضعف التجارب الديمقراطية في البلدان العربية التي تؤثر سلباً في التمتع بالحق في المشاركة عامة والمشاركة السياسية خاصة في ظل غياب الحراك الديمقراطي والاجتماعي العام، والذي غالباً ما يكون موسمياً، وكذلك على محدودية الدور الاجتماعي لحركة حقوق الإنسان عامة وحركة حقوق النساء خاصة.

وأشار التقرير أيضاً بكثير من الجرأة إلى تأثير ظهور حركات الإسلام السياسي وانعكاساته على تسيير السلطات وخاصة على الممارسة النسائية السياسية. وقد أكدّت النقاشات على ضرورة ربط المشاركة السياسية للنساء بالحقوق الإنسانية التي نصّت عليها المواثيق الدولية.

مفهوم المشاركة السياسية:

في هذا الإطار تمّ التعرّض إلى مفهوم المشاركة السياسية وما ينطوي عليه من إشكاليات، وكذلك الحق في الاختلاف والمساواة والاعتراف بالأهلية والكفاءة والحق في الانتخاب والترشّح، وتمّت الإشارة إلى أن استبطان هذه الحقوق يتطلب إرساء علاقة تشاركية مبنية على الانتفاع المتساوي والمتبادل لعملية الشراكة، بالإضافة إلى أن مشاركة المرأة في الحياة السياسية لا تقتصر على تبوؤ النساء لمناصب سياسية بل يتمثل في تنظيم أنفسهن في حركات ضاغطة تهدف إلى التأثير في عملية اتخاذ القرار وصنع السياسات.

معوقات المشاركة السياسية:

أما فيما يخص معوقات تفعيل مشاركة المرأة في الحياة السياسية، فقد تمّت دراسة ونقاش مختلف تلك المعوقات بأشكالها السياسية والاجتماعية والاقتصادية والقانونية والثقافية وقد تمّ تصنيفها إلى:

- معوّقات قانونية:

وهي راجعة إلى ضعف الإرادة السياسية في بلورة قوانين تقوم على المساواة في الحقوق وعدم اقتصارها على المساواة أمام القانون.

- معوّقات اجتماعية:

مثل سيطرة الموروث الاجتماعي والنظام الأبوي القائم على عادات وتقاليد وقيم تمييزية.

- معوقات اقتصادية:

تتعلق بانتشار الفقر وتأنيثه (أي ارتباطه بوضع المرأة عامة) نتيجة لسياسات البنك الدولي والعولمة وإعادة الهيكلة وبالتالي مديونية معظم البلدان العربية.

- معوقات سياسية:

تمثلت في غياب التقاليد الديمقراطية وهيمنة فكر الحزب الواحد في العديد من الدول العربية وهيمنة القبلية والطائفية والعشائرية وعدم تمتع النساء العربيات بالمواطنة الكاملة.

وهناك معوقات ذاتية تعود إلى عدم وعي النساء بأهمية دورهن السياسي كنتيجة للتربية العائلية والمدرسية التي يتلقينها منذ الصغر.

هذا وقد حضر الندوة الأستاذ عبد الباسط بن حسن مدير المعهد العربي لحقوق الإنسان، والسيدة صوفي أوريل ممثلة عن الاتحاد الأوروبي.

على هامش الندوة:

تميزت الندوة بالورشات المهمة التي أقيمت ضمن فعالياتها الفكرية والسجالية.. ومن هذه الورش:

ورشة: (العنف وقضايا المشاركة السياسية للمرأة):

فقد خرجت بنتائج وتوصيات من أهمها التأكيد على أن العنف يبدأ داخل الأسرة ويمتد إلى المجتمع ويرتبط بالموروث الثقافي الذي يقوم على مبدأي الإخضاع والسيطرة، واتفق المشاركون في أشغال الورشة على أن العنف يؤثر على المشاركة السياسية بإنشائه علاقة غير متوزانة بين النساء والرجال.

ورشة: الحق في التعليم وأثره على المشاركة السياسية للمرأة:

أوصت بالاهتمام بتعليم المرأة ومدى تمتعها بالحق في التعليم، وصورة المرأة في الكتاب المدرسي، وأثر ذلك على إقدامها أو تقبلها في الحياة السياسية.

كما أوصت بالحرص على مجانية التعليم وإلزاميته فعلياً، وبتوحيد النظام التعليمي في المنطقة العربية

ورشة: الفقر وأثر السياسات الاقتصادية على المشاركة السياسية للمرأة:

فقد أثارت قضية الفقر بوصفه ظاهرة شاملة تهدد المجتمع العربي، بنسائه ورجاله، من خلال ما ينطوي عليه من آثار سلبية على كافة المستويات.

ونتيجة لكون المرأة أكثر المتضررين من الفقر، فقد أجمع المشاركون والمشاركات على تعزيز دور المرأة في صنع القرار واتخاذه داخل الهياكل الاقتصادية، وتدعيم دور المرأة في الاقتصاد الوطني باعتماد النوع الاجتماعي في المخططات التنموية الوطنية.

ورشة: دور الشبكات في تفعيل المشاركة السياسية للمرأة:

تناولت بعض تجارب الشبكات في البلدان العربية، وأهمية الشبكات في تعزيز خطاب نسوي تقدمي حول قضايا المرأة، ولا سيما قضية مشاركتها في الحياة السياسية، وإمكانية استثمار دور هذه الشبكات في تشكيل جماعات ضاغطة تعزز من مشاركة المرأة وتدخلّها في القرارات السياسية على مستوى البلدان العربية المختلفة.

ورشة: دور الإعلام والتكنولوجيا الحديثة في تفعيل المشاركة السياسية للمرأة:

ناقشت أهمية استثمار دور الإعلام والتكنولوجيا في نشر ثقافة حقوق الإنسان بشكل عام، وحقوق المرأة بشكل خاص، ومدى إمكانية استخدامها في تغيير الصور النمطية التي تكرّس دونية المرأة وإقصاءها عن الفضاء العام، ومن وضع السياسات الإعلامية والتحكّم بها. وقدمت الورشة مجموعة من التوصيات موجهة إلى الحكومات العربية منها رفع القيود الموجودة في التشريعات والممارسات ضد حرية الرأي والتعبير، واعتماد آليات لدراسة صورة المرأة في وسائل الإعلام بهدف تغيير صورة المرأة النمطية السائدة.

وأخيراً كانت هناك ورشة اختصت بموضوع (التدريب والتربية على حقوق الإنسان والتثقيف الشعبي) في دعم المشاركة السياسية للمرأة، حيث تناولت ثنائية التربية التقليدية والتربية البديلة، كما تناولت بالدرس واقع التدريب على حقوق الإنسان في العالم العربي والذي يتسم بالافتقار إلى الأدلة التدريبية وإلى المدربين الأكفاء، إضافة إلى النقص في التمويل والتنسيق. وأشارت الورشة إلى واقع بعض المنظمات الحقوقية في العالم العربي بوصفها منظمات منطوية على ذاتها، تحوّلت بفعل الزمن إلى أندية نخبوية تفتقر إلى الممارسة الديمقراطية وإلى التداول على مراكز القيادة والتشبيك.

ومن المؤمل أن تستثمر نتائج الندوة في إعداد برامج تدريبية تهدف إلى رفع القدرات العربية في مجال تفعيل المشاركة السياسية للمرأة.


ارسل لصديق