ميزان المعرفة لدى المدرستين الأحسائية والخراسانية
كتبه: ياسر عبدالله آل خميس
العدد (46) السنة 21 - 1431هـ/ 2010م
التعليقات: 0
القراءات: 4143

لم يكن الميرزا مهدي الأصفهاني[1] (1303- 1365هـ) رائد المدرسة العقدية الخراسانية[2] المشهورة باسم التفكيكية[3] بأول الثائرين نقداً على منهج الفلسفة اليونانية، والكشف الصوفي، ومدرسة العرفاء -الحكمة المتعالية- لصدر المتألهين الشيرازي (ت: 1050هـ)[4]، التي عُنيت بالتوفيق بين النصوص الشرعية وآراء الفلاسفة والصوفية، لتقديم رؤية إسلامية شاملة لقضايا الوجود وشأن المبدأ والمعاد[5]، إذ سبقه إلى ذلك الشيخ أحمد بن زين الدين الأحسائي (1166-1241هـ)[6] -مؤسس المدرسة الحكمية الأحسائية- بتقديم المنهج والنقد نفسهما المتناولين لنظريات الفلاسفة، والمتصوفة، والعرفانيين.

تتفق المدرستان على منهج معرفي واحد، وهو اعتماد النص الشرعي -القرآن الكريم والسنة الشريفة- بتجرد عن تأويل المناهج الأخرى، ثم إعطاء العقل الفطري دوراً كبيراً في تعقله وتدبره، ويقصدون بالعقل الفطري البَدَهِيَّات التي لا يختلف عليها العقلاء، من قبيل: أن وجود زيد في المسجد يعني عدم وجوده في المنزل، وأن وجود الأثر يدل على وجود المؤثر، واستحالة اجتماع النقيضين، وهلمج.

وعندما شنع الميرزا الأصفهاني على رمز المدرسة الأحسائية في رسالته (الصوارم العقلية على تأويل الأحاديث المروية، والمقامع العقلية على مفارق الشيخية)[7]، ظُنَّ -بضم الظاء- أنهما ضدين منهجيين، والحق أنهما منهج واحد، كما تقدم[8]. وقد تجلّى اتفاقهما بوضوح في دراسة (ميزان المعرفة) لآية الله السيد جعفر سيدان[9] -من رموز المدرسة التفكيكية- المطابقة لنظريات الشيخ الأحسائي في نبذ المناهج اليونانية والصوفية والعرفانية، واعتماد مدرسة الوحي سبيلاً وحيداً إلى المعرفة.

وقد كتبها السيد سيدان (على المبنى) في مصطلحات المدرسة التفكيكية، أي: طرح الموضوعات العقلية والعرفانية وبيان مصطلحات القوم، ثم تسجيل وجوه النقد والنظر والملاحظة والإشكال الرئيسية على تلك الأسس والأدلة، ثم شرح الفوارق الواقعة بين تلك المفاهيم والمعارف الدينية الخالصة المستمدة من الوحي الإلهي عبر عرض الأُولى على الثانية[10].

ويسمى هذا المنهج في المدرسة الأحسائية بدليل المجادلة، أي استخدام قواعد القوم ومصطلحاتهم عند نقاش أطروحاتهم، وهو ما ذكره العلماء في كتبهم من البراهين والأقيسة بكل أنواعها كما هو مقرر في المنطق وفي علم الأصول، وهذه الأدلة إنما هي مستنبطة من إدراكات عقولهم وأفهامهم[11].

ورغم تغير صياغة الخطاب بين الأحسائي والتفكيكيين المعاصرين، لاستحداث بعض المصطلحات الفلسفية، وظهور بعض المناهج الفكرية غير الحاضرة في عصر الأحسائي، إلا أنه أحاط بكل ما تناولوه تقريباً. وقد تعود سعة إحاطته إلى طبيعة الحركة العلمية في عصره، الثرية بالرسائل وأجوبة المسائل بين أهل العلم.

سنعرض في هذه الصفحات رأي آية الله السيد سيدان في نقد مناهج المعرفة لدى الماديين، والفلاسفة، والصوفية، والعرفاء الشيعة، وتوضيحه لماهية الميزان الصحيح للمعرفة، لنرى تطابقها مع آراء الشيخ الأحسائي في تشخيص ميزان المعرفة، على أمل أن تنفتح المدارس الفكرية الشيعية على بعضها، وتتقارب، لمواجهة الشبهات العقائدية بجبهة واحدة، ومنهج متماسك.

نقد المنهج المادي (التجريبي)

ينحصر ميزان المعرفة عند الماديين بكسب المعلومات عن طريق الحس والتجربة، وهم يرفضون كلّ المعارف الّتي لا تقوم على أساسهما[12]. ويسمى هذا المنهج بضد الميتافيزيقا، أي: رفض القضايا الميتافيزقية التي لا يمكن التحقق من صدقها تجريبيًّا باعتبار أنها خالية من المعنى وبالتالي قضايا زائفة[13]. فهم لا يؤمنون بالغيب، كالخالق جل وعلا، والملائكة، والجن، وهلمج.

يرى السيد سيدان بطلان هذا المنهج لوجود الكثير من الأدلة، منها: أن الحواس تخطئ، وعلى هذا الأساس فلا بد للحس من ميزان يستطيع أن يكتشف خطأ الحواس. كما أن القواعد والقوانين العامة والكلية في العلوم المختلفة كالحساب والهندسة والطبيعيات مقبولة، ولم تخضع جزئياتها للحس والتجربة، ولا ربط لها بالحواس[14].

ويرى الشيخ الأحسائي بطلان هذا المنهج كون الحواس أدنى وسائل الإدراك لدى البشر، وتلك الوسائل غير محصورة في العقل والحس فقط كما يرى التجريبيون، بل هي أكثر من ذلك، وتقع ضمن سلسلة طولية، يدرك العالي فيها ما يدركه السافل، ولا يدرك السافل فيها ما يدركه العالي، وعناصر تلك السلسلة بالترتيب التنازلي: الفؤاد، ثم العقل، ثم النفس، ثم الحواس. فالنفس تدرك ما لدى الحواس، ولا تدرك الحواس ما لدى النفس، والعقل يدرك ما لدى النفس، ولا تدرك النفس ما لدى العقل، والفؤاد يدرك ما لدى العقل، ولا يدرك العقل ما لدى الفؤاد[15].

وللفؤاد الحاكمية على العقل، وليست للعقل حاكمية على الفؤاد، فالفؤاد هو أعلى مشعر في الإنسان، يدرك حقيقة الأشياء بنور الله تعالى[16] بَدَهِيًّا بلا واسطة، ولا قانون، ولا حس، ولا صورة، ولا جهة. وهو مصطلح يرادف معنى العقل الفطري كونه لا يخطئ[17]، وقولنا (لا يخطئ) يعني اتفاق عموم العقلاء على ما يراه من بَدَهِيَّات يدركها الجميع بلا حس وبلا تجربة، وحيث إن الأنبياء قد بُعثوا ليثيروا الدفائن التي استودعها الله عقول الناس، فقد اعتبر الأحسائي الفؤاد دليل الأنبياء، وأسماه دليل الحكمة[18]. أما العقل فيُقيم الحجة والبرهان على ما يراه الفؤاد، إذ هو «داعٍ معين لمراد الفؤاد»[19].

نقد منهج المتصوفة

قبل الحديث عن المؤاخذات على المنهج الصوفي، فإننا سنعرض لمحة عن نشأة التصوف وغايته، لنرى سر النفور الشيعي منه.

ظهر الفكر الصوفي في العصر الأموي على يد أبي هاشم الكوفي المتوفى بالشام سنة 150هـ وقيل 162هـ[20]، ويذهب أغلب الصوفية للقول بتأسيسه على يد الحسن البصري (ت: 110هـ)[21]. وقد كان للساسة الأمويين دور كبير في إظهاره وترويجه لما رأوا قيام الثورات ضدهم تحت شعار (الرضا من آل بيت محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)) وانجذاب الناس عقليًّا وعاطفيًّا نحو الأئمة (عليهم السلام).

ولا يحتاج المتأمل في الفكر الصوفي وطرقه الكثيرة إلى جهد كبير حتى يكتشف الغاية منه، فظاهره الزهد، والتقشف، والذكر، والعبادة، وحب أهل البيت (عليهم السلام) وجميع الصحابة، وباطنه مُخدِّر سياسي، يدعو لاعتزال الحياة العامة، والانشغال بتصفية النفس حتى الوصول إلى مرحلة الفناء والاندكاك في ذات الله تعالى[22].

وقد تمكن الصوفيون من جذب البسطاء إلى طرقهم، وكانت العقول الشيعية هدفاً دائماً لغزوهم الفكري، فزعموا أن جذور التصوف تعود إلى أمير المؤمنين (عليه السلام)?[23]، وتغلغلوا إلى أماكن تواجد الشيعة، في محاولات جادة لاستقطابهم، فتصدى لهم المعصومين (عليه السلام)، وبيَّنوا حقيقة أمرهم، وفساد معتقدهم، وحذَّروا أتباعهم من الميل إليهم ولو بحسن الظن. وفي ذلك نقل الشيخ المفيد محمد بن محمد بن النعمان (رضي الله عنه)، عن محمد بن الحسين?بن أبي الخطاب أنه قال: كنت مع الهادي علي بن محمد (عليهما السلام) في مسجد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، فأتاه جماعة من أصحابه منهم أبو هاشم الجعفري، كان رجلاً بليغاً، وكانت له منزلة عنده (عليه السلام)، ثم دخل المسجد جماعة من الصوفية وجلسوا في ناحية مستديراً وأخذوا بالتهليل، فقال (عليه السلام): لا تلتفتوا إلى هؤلاء الخدّاعين فإنهم خلفاء الشيطان، ومُخرِّبو قواعد الدين، يتزهدون لراحة الأجسام، ويتهجدون لصيد الأنعام، يتجوعون عمراً حتى يديخوا للأيكاف حمراً، لا يهللون إلا لغرور الناس، ولا يقللون الغذاء إلا لملء العساس، واختلاس قلوب الدفناس، يكلمون الناس بإملائهم في الحب، ويطرحون بأذليلائهم في الجب، أورادهم الرقص والتصدية، وأذكارهم الترنم والتغنية، فلا يتبعهم إلا السفهاء، ولا يعتقدهم إلا الحمقى، فمن ذهب إلى زيارة أحدهم حيًّا وميتاً فكأنما ذهب إلى زيارة الشيطان وعبادة الأوثان، ومن أعان أحداً منهم فكأنما أعان يزيد ومعاوية وأبا سفيان.

فقال له رجل من أصحابه: وإن كان معترفاً بحقوقكم؟

قال: فنظر إليه شبه المغضب، وقال: دع ذا عنك، من اعترف بحقوقنا لم يذهب في عقوقنا. أما تدري أنهم أخس طوايف الصوفية، والصوفية كلهم مخالفونا، وطريقتهم مغايرة لطريقتنا، وإن هم إلا نصارى أو مجوس هذه الأمة، أولئك الذين يجهدون في إطفاء نور الله بأفواههم، والله متم نوره ولو كره الكافرون[24].

ونقل السيد المرتضى عن الشيخ المفيد عن أحمد بن محمد بن الحسن بن الوليد عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن محمد بن عبد الجبار، عن العسكري (عليه السلام) أنه كلَّم أبا هاشم الجعفري فقال: يا أبا هاشم، سيأتي على الناس زمان وجوههم ضاحكة مستبشرة، وقلوبهم مظلمة منكدرة، السنة فيهم بدعة، والبدعة فيهم سنة، المؤمن بينهم مُحقَّر، والفاسق بينهم مُوقَّر، أمراؤهم جاهلون جائرون، وعلماؤهم في أبواب الظلمة سائرون، أغنياؤهم يسرقون زاد الفقراء، وأصاغرهم يتقدمون على الكبراء، كل جاهل عندهم خبير، وكل محيل عندهم فقير، لا يميزون بين المخلص والمرتاب، ولا يعرفون الضأن من الذئاب، علماؤهم شرار خلق الله على وجه الأرض، لأنهم يميلون إلى الفلسفة والتصوف، وأيم الله إنهم من أهل العدول والتحرف، يبالغون في حب مخالفينا، ويضلون شيعتنا وموالينا، وإن نالوا منصباً لم يشبعوا من الرشا، وإن خُذلوا عبدوا الله على الريا، لأنهم قطّاع طريق المؤمنين، والدعاة إلى نحلة الملحدين، فمن أدركم فليحذرهم وليصن دينه وإيمانه، ثم قال: يا أبا هاشم، بهذا حدثني أبي عن آبائه عن جعفر بن محمد (عليهما السلام)، وهو من أسرارنا فاكتمه إلا عن أهله[25].

وقد تواترت الأحاديث الواردة في الصوفية وإنكار ما أتوا، وذكر الحر العاملي أن عددها يقترب من الألف حديث ليس لها مُعارض[26]. ومع ذلك فقد وجد التصوف منفذاً يتسلسل من خلاله إلى الفكر الشيعي ويؤثر فيه، حتى قال السيد شهاب الدين المرعشي النجفي (قدس سره): «وعندي أن مصيبة الصوفية على الإسلام من أعظم المصائب تهدّمت بها أركانه وانثلمت بنيانه، وظهر لي بعد الفحص الأكيد والتجول في مضامير كلماتهم والوقوف على ما في خبايا مطالبهم والعثور على مخبياتهم بعد الاجتماع برؤساء فرقهم أن الداء سرى إلى الدين من رَهَبة النصارى فتلقاه جمع من العامة كالحسن البصري والشبلي ومعروف وطاوس والزهري وجنيد ونحوهم، ثم سرى منهم إلى الشيعة حتى رقى شأنهم وعلت راياتهم بحيث ما أبقوا حجراً على حجر من أساس الدين، أوَّلوا نصوص الكتاب والسنة وخالفوا الأحكام الفطرية العقلية، والتزموا بوحدة الوجود بل الموجود، وأخذ الوجهة في العبادة والمداومة على الأوراد المشحونة بالكفر والأباطيل التي لفقتها رؤسائهم. والتزامهم بما يسمونه بالذكر الخفي القلبي شارعاً من يمين القلب خاتماً بيساره معبراً عنه بالسفر من الحق إلى الخلق تارة، والتنزل من القوس الصعودي إلى النزولي أخرى وبالعكس معبراً عنه بالسفر من الخلق إلى الحق، والعروج من القوس النزولي إلى الصعودي أخرى، فيا لله من هذه الطامات، فأسروا ترهاتهم إلى الفقه أيضاً في مبحث النية وغيره...»[27].

يرتكز الفكر الصوفي على جعل الكشف والشهود ميزاناً للمعرفة[28]، ويرى السيد سيدان أن الاعتماد على الكشف منهج خاطئ وإن كان يؤدي إلى الحقيقة في بعض الأحيان، لأسباب منها: أنّ كثيراً من المكاشفات بعضها يناقض البعض الآخر وليست لها نتيجة واحدة بل هي متفاوتة من شخص إلى آخر ومن مكاشفة إلى أخرى. ومن المحتمل أن تكون المكاشفة الّتي شاهدها الإنسان نتيجة للأعمال الرياضية الروحية الّتي يقوم بها صاحب المكاشفة ولا ربط لها بالواقع، وهذا الاحتمال وارد وقويّ كما نشاهد بعض الآثار تحصل نتيجة لاستعمال بعض الأدوية ولا تكون تلك الآثار انعكاساً عن الواقع وبياناً له.

وجعل الشيخ الأحسائي النصوص الشرعية ميزاناً لقبول المكاشفات أو ردها، قال في شرحه للعرشية ما مفاده أن الجميع يدَّعي من مكاشفته الصواب، وذلك في نظره «دعوى باطلة، إلا أن يشهد الله سبحانه بصحتها، وذلك بما أنزل في محكم كتابه، وأوحى إلى نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم)، وألهم أولياءه أهل البيت (عليهم السلام)، فإذا اختلفت الأربعة فعليهم الترافع إلى محكم الكتاب والسنة، فمن شهدا له بالصدق فهو الصادق، ومن لم يشهدا له فأولئك هم الكاذبون»[29].

فالكشف لدى المدرستين ليس ميزاناً للمعرفة.

وقد أثيرت على الشيخ الأحسائي شبهة أخذه بالمنهج الصوفي الإشراقي لاعتماده على المكاشفات في تلقِّي المعارف الحكمية عن المعصومين (عليهم السلام) كما ذكر في ترجمته لنفسه[30].

ولا يمكننا اعتبار مكاشفاته علماً لَدُنِيَّا ادَّعاه لنفسه، لأنه لا يعتبر بالمكاشفة إن خالفت الشريعة كما تقدم، ولعدم إتيانه بروايات موضوعة زعم أن المعصومين (عليهم السلام) حدثوه بها في المنام. بل قال باطلاعه على أدلة المسائل من خلال الرؤيا بما هو مأثور في الكتب المشهورة عن المعصومين (عليهم السلام)، وأقام الأدلة الشرعية على آرائه الحكمية وأتى ببراهينها العقلية.

وقد وجدنا في سير علماء الشيعة ما يؤكد استئناسهم بالكشف المطابق للكتاب والسنة، إذ توصل الكثير منهم إلى بعض الحقائق الدينية عن طريقه، كالشيخ البهائي[31]، والميرزا محمد التنكابني[32]، والشيخ محمد تقي البرغاني المعروف بالشهيد الثالث[33]، والميرزا مهدي الأصفهاني[34]، وآخرين لا يسعنا حصرهم.

نقد منهج الفلاسفة

الفلسفة كلمة دخيلة على اللغة العربية، أُخِذت من كلمة (فيلاسوفوس) اليونانية، وتعني محب الحكمة. وأول من أطلقها على نفسه سقراط عندما تصدّى لمواجهة السوفسطائيين في بلاد اليونان، وتحوّلت في العربية إلى كلمة (فيلسوف) ومنها أُخِذَت كلمة الفلسفة[35]. وهذا يعني أن نمط التفكير الفلسفي عند العرب ليس قديماً، بل إنك لا تجد له ذكراً قبل الإسلام حتى نشاط حركة الترجمة في العصرين الأموي والعباسي بإشراف السلطة السياسية.

وقد جرّ الانفتاح على الثقافة اليونانية العقول العربية نحو آفاق فكرية جديدة لم تكن معهودة، وكان الاعتقاد ببعضها كفراً في نظر بعض العلماء، وإيماناً محضاً لدى بعضهم الآخر، فانقسموا متجادلين إلى مؤيد للمنهج الفلسفي، ومنكر له، وأسفر جدالهم عن مؤلفات كثيرة، أشهرها كتاب (تهافت الفلاسفة) للغزالي، وكتاب (تهافت التهافت) لابن رشد في الرد على الغزالي.

جعل الفلاسفة من العقل وحده ميزاناً في معرفة الحقائق، وكلّ شيء خارج عن الاستدلال العقلي لا اعتبار به ولا يمكن قبوله حسب مذهبهم[36]، ورد عليهم السيد سيدان بما يلي:

أولاً: مقبولية العقل لكل ما يدركه ويصل إليه، وقد وُجِد اختلاف كبير بين الفلاسفة في الأصول والمباني الأساسية للتعقل والتفكير إلى حد التناقض والتضاد في أكثر المسائل المهمة، وهذا شاهد على أن العقل لا طريق له إلى كل المسائل والحقائق، بل إن الواضح من الأمور لدى العقل محدود وكثير من المسائل المهمة لا وضوح فيها عقلاً.

ثانياً: أن الكثير من المسائل غير الخارجة عن حدود العقل مكتنفة بالدقة العقلية، بحيث يكون كشفها وإدراكها نادراً لكبار الناس، فتبقى دائرة الاستفادة من العقل محدودة في حدود البَدَهِيَّات والبرهانيات، ولا يمكن الاستفادة منه في جميع مجالات المعرفة.

وكان الأحسائي قد أخذ على الفلاسفة اختلافهم، ورآه دليلاً على بطلان منهجهم[37]، وأفاد بمحدودية الاستفادة من العقل لأنه لا يستقل في إدراك الاعتقادات بمعزل عن النص الشرعي الوارد عن المعصومين (عليه السلام) وإلا لاهتدى المخالفون بدونهم (عليهم السلام)[38]. كما نبَّه إلى وقوع الأخطاء في ترجمة كتب الفلاسفة اليونان وأن نُسخها المعرَّبة مخالفة لجوهرها الأصلي[39].

الميزان الصحيح:

يرى السيد سيدان أن الأسلوب الصحيح للوصول إلى حقائق الوجود والكون هو الاعتماد على العقل في دائرة المستقلات العقلية الّتي يتفق فيها عموم العقلاء، وبعد الإيمان بالله جل وعلا، ورسالة خاتم الأنبياء، وما جاء به الوحي، بعد ثبوت ذلك بدليل هذا العقل الفطري، فقد انفتح باب آخر صحيح لتحصيل الحقائق يوجب الاطمئنان واليقين، وهو: التدبر والتعقل فيما جاء به الوحي، فما يتضح مما جاء به الوحي بعد صحة الدليل سنداً ودلالة هو الحق والحقيقة. وإن لم ينتخب الإنسان هذا الطريق فاحتمال وقوعه في خطر الاشتباهات العظيمة قوي جدًّا[40].

ورؤيته تطابق دعوة الأحسائي إلى اعتماد العقل الفطري تحت مظلة النص الشرعي، لأن الاعتماد على العقل وحده لا يؤدي إلى الحقيقة بل إلى الخلاف الذي وقع بين الفلاسفة. قال: «وأنت إذا نظرت إلى صور أجسامهم وكلامهم وأفعالهم الطبيعية رأيتها كلها مختلفة، وهي صفة بواطنهم، وإذا جرى كل واحد منهم على مقتضى طبيعته خاصة، كما هو معنى قولهم: «إن الاعتقادات أمور عقلية لا يجوز فيها التقليد» وجب أن يختلفوا ولا يتفقوا، بخلاف الذين يعتقدون بعقولهم ما يفهمونه من شيء واحد، بأن يكون كل واحد منهم طالباً للمراد من ذلك الشيء الواحد، فإنهم لا يختلفون لاجتماعهم عليه. مثاله: إذا نظر جماعة إلى شخص حاضر عندهم، فإنهم لا يختلفون في وصفه اختلافاً كثيراً، لأن أفهامهم في إدراك صفاته تابعة لأبصارهم، فيفهمون مما رأوا. وهؤلاء أمثال العلماء الذين يعتقدون بعقولهم بما علَّمهم الله تعالى، وأخبرهم نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم)، وأوصياؤه (عليهم السلام)، فإنهم لا يكادون يختلفون، لأن كلام الله سبحانه، وكلام نبيه وأهل بيته عليه وعليهم السلام يجمعهم، وأما الذين يعتقدون ما يخطر على خواطرهم من غير أمر جامع ترجع تلك الخواطر إليه، بل كل واحد منفرد عن غيره، فإنهم كما كانوا مختلفين في الصور -بحيث لا تجد اثنين على صورة واحدة- كذلك هم في اعتقاداتهم»[41].

ولا يتأتى استخدام العقل الفطري وتطويعه للنص الشرعي إلا بالتجرد من ترسبات الأفكار الدخيلة، لذا اشترط على الباحث في مقدمة شرحه للمشاعر: «أن ينظر الناظر فيه بمحض فهمه، وخالص دليل عقله، ولطيف فطرته التي فطر عليها وحسه، غير ملتفت إلى ما أنست به نفسه من المطالب، ولا إلى قواعد رسخت في ذهنه مما حفظها، قبل أن يفتح له باب العلم العياني، والبرهان النوراني، ولا إلى دواعٍ نفسانية من الحياء والاستنكاف عن التعلم، فإن العالم إنما يكون عالماً بالتعلم..»[42].

نقد منهج الفلاسفة الإسلاميين (العرفاء والإشراقيين)

سعى الكثير من الفلاسفة إلى أن تكون الفلسفة من النخبة وإلى النخبة فقط، ذلك أن الفلسفة لا تقدم إلا بالفلسفة[43]. وخالفهم آخرون وقالوا بأن تكون لكل الناس[44]، أما صدر المتألهين الشيرازي مؤسس مدرسة العرفاء الشيعة -الحكمة المتعالية- فقد عالج قضاياها بعمق تميّز بمتانة العبارة، وعظيم البلاغة، وحسن الأداء، وسهولة الطرح، فانجذبت إليه العوام والنخب. كما هاج عليه الكثير من علماء عصره، بما فيهم ابنه الميرزا إبراهيم[45]، ويقال بأنه «رأى المير[46] في المنام وسأله: لماذا يكفرني الناس ولا يكفرونك مع أن مذهبي لا يخرج عن مذهبك؟ فقال له: السبب هو أنني كتبت مطالب الحكمة بحيث يعجز العلماء عن فهمها، ولا يمكن لغير أهل الحكمة أن يفهموها، وأنت كتبت الحكمة بشكل مبتذل، وبينتها بحيث إذا رآها معلم مكتب يفهمها، ولذا كفروك ولم يكفروني»[47].

يعتقد صدر المتألهين بأن العلوم الإلهية هي عين الإيمان بالله، وهي «ليست من المجادلات الكلامية، ولا من التقليدات العامية، ولا من الفلسفة البحثية المذمومة، ولا من التخيلات الصوفية، بل هي من نتائج التدبر في آيات الله، والتفكر في ملكوت سماواته وأرضه، مع انقطاع شديد عما أكب عليه طبائع المجادلة والجماهير، ورفض تام لما استحسنه قلوب المشاهير..»[48].

ولا ترى المدرستين الأحسائية والخراسانية أية مصاديق في مطابقة المنهج الذي ادَّعاه صدر المتألهين مع نتائج فلسفته، فتجد الأحسائي في شرح المشاعر قد ردَّ عليه وساق الأمثلة على تطابق آرائه والصوفية، قال: «أي شيء تعتقده الصوفية بتخيلاتهم فهو يقول به، فإنهم يقولون: ليس لله في الأشياء قبل إيجادها وجهين، إن شاء جعلها متحركة، وإن شاء جعلها ساكنة، وإنما له وجه واحد، لأن مشيئته أحدية التعلق، وهي نسبة تابعة للعلم، والعلم نسبة تابعة للمعلوم، والمعلوم أنت وأحوالك، وهو يقول بهذه كلها.

والصوفية يقولون: معطي الشيء ليس فاقداً له في ذاته، إلا أنه في ذاته بوجه أشرف، وهو يقول بذلك.

وهم يقولون: بسيط الحقيقة كل الأشياء، وهو يقول بذلك.

وهم يقولون: مآل أهل النار إلى النعيم، فإنهم يتنعمون بالتعذيب، وهو يقول بذلك.

وهم يقولون بجواز التفكه بالمردان في مقام النفس الملهمة، وهو يقول بذلك كما في أشعاره.

وهم يقولون: إن فرعون مات مؤمناً طاهراً لأنه بعد إيمانه لم يعمل ذنباً، والإسلام يجب ما قبله، وهو يقول بذلك، لأنه لما قال مميت الدين[49] بذلك في الفصوص، قال: وهذا كلام يشم منه رائحة التحقيق. وأمثال هذه من تخيلاتهم، فإنه قائل بكل ما قالوا..»[50].

ويرى السيد سيدان أن هناك جمعاً من الفلاسفة الإسلاميين مع تقيدهم بالإسلام إلا أنهم عملاً يتابعون في البحوث العلمية والأفكار والآراء للشخصيات والنوابغ البشرية، ويعتمدون عليهم في مختلف المسائل، وإذا ما كانت أفكارهم مخالفة للشريعة فإنهم يسعون لتوجيه الشريعة وتأويلها بالشكل الذي يحصل التوافق والانطباق بينهما، وهم العرفاء والإشراقيون، المشتركون في جهة واحدة، وهي الجمع بين العقل والكشف، لا بمعنى أنه لا بد من الجمع بين العقل والكشف في الكشف عن الحقائق، بل بمعنى أنه يصح عندهم انتخاب أي من الطريقين. وهؤلاء يؤولون ويوجهون الآيات والروايات أكثر من الفلاسفة، ويتمسكون بالمتشابه من الآيات والروايات لأجل إثبات آرائهم ونظرياتهم[51]، ثم أتى بنظرية صدر المتألهين في المعاد مثالاً على فكر أولئك المؤولين.

نقد نظرية صدر المتألهين في المعاد

تدل هذه النظرية في فكر المدرستين الأحسائية والخراسانية على خلل ميزان المعرفة لدى مدرسة العرفاء الشيعة -الحكمة المتعالية- لعدم اعتمادها النص الشرعي والعقل الفطري، بل قيامها بتأويل النصوص الشرعية لتوافق آراء الفلاسفة.

ابتدأ السيد سيدان نقده بذكر الآيات الكريمة والروايات المعتبرة المصرحة بأن المعاد الجسماني يكون بأجزاء الإنسان المكونة في دار الدنيا والأرواح، كقوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُّحْيِى الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيْمٌ[52].

وقوله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الإِنْسانُ أَلَّنْ نَّجْمَعَ عِظامَهُ[53].

وقوله تعالى: ﴿وَاَنْظُرْ إِلَى الْعِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها ثُمَّ نَكْسُوها لَحْمَاً فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قالَ اَعْلَمُ أَنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيْرٌ[54].

والروايات الشريفة: «في الاحتجاج: عن الصادق (عليه السلام) أنّه سئل عن الناس يُحشرون يوم القيامة عراة؟ قال (عليه السلام): بل يحشرون في أكفانهم، قال: أنّى لهم بالأكفان. وقد بليت؟ قال (عليه السلام): إنّ الّذي أحيا أبدانهم جدّد أكفانهم».

وَ«عن الصادق (عليه السلام) قال: إذا أراد الله أن يبعث الخلق أمطر السماء أربعين صباحاً فاجتمعت الأوصال ونبتت اللحوم».

وَ«عن الصادق (عليه السلام) قال: أتى جبرئيل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فأخذه وأخرجه إلى البقيع فانتهى به إلى قبر فصوّت بصاحبه فقال: قم بإذن الله، فخرج منه رجل أبيض الرأس واللّحية يمسح التراب عن وجهه وهو يقول: الحمد لله والله أكبر، فقال جبرئيل: عد بإذن الله، ثم انتهى به إلى قبر آخر، فقال: قم بإذن الله فخرج منه رجل مسودّ الوجه وهو يقول: يا حسرتاه يا ثبوراه، ثم قال له جبرئيل: عد إلى ما كنت بإذن الله، فقال: يا محمّد هكذا يحشرون يوم القيامة، والمؤمنون يقولون هذا القول، وهؤلاء يقولون ما ترى».

ثم نقل من الأسفار الأربعة كلام صدر المتألهين في المعاد، وتصريحه في مواضع كثيرة من كتبه أن المعاد في القيامة هو هذا البدن بعينه، إلا أنه صرح مراراً أنّ المراد من عينيّة هذا البدن ليس الجسم العنصري المادي، بل صورة البدن بلا مادة، يعني البدن القائم بالنفس والمُنشأ بواسطة النفس والّذي يكون من ملكاتها وهذا النوع من المعاد مختص للمتوسطين من الناس وأمّا الكاملون من الناس فقيامتهم بالروح فقط بلا بدن حتى مثل هذا البدن الآنف الذكر. كقوله: «فكل جوهر نفساني مفارق يلزم شبحاً مثاليًّا ينشأ منه بحسب ملكاته وأخلاقه وهيئاته النفسانية بلا مدخلية الاستعدادات وحركات المواد كما في هذا العالم شيئاً فشيئاً» إلى أن قال: «فإن قلت: النصوص القرآنية دالة على أنّ البدن الأخروي لكل إنسان هو بعينه هذا البدن الدنياوي له، قلنا: نعم ولكن من حيث الصورة لا من حيث المادة، وتمام كلّ شيء بصورته لا بمادته».

وأيضاً: «وأنزل من هذه المرتبة من الاعتقاد في باب المعاد وحشر الأجساد اعتقاد علماء الكلام، كالإمام الرازي ونظرائه بناءً على أنّ المعاد عندهم عبارة عن جمع متفرقات أجزاء ماديّة لأعضاء أصلية باقية عندهم» إلى أن قال: «ولا يخفى على ذي بصيرة أنّ النشأة الثانية طور آخر من الوجود يباين هذا الطور المخلوق من التراب والماء والطين، وأنّ الموت والبعث ابتداء حركة الوجود إلى الله أو القرب منه لا العود إلى الخلقة المادية والبدن الترابي الكثيف الظلماني».

واختتم سيدان بحثه بذكر كلمات لثلاثة شخصيات علمية مرموقة في الرد على نظرية صدر المتألهين، وهم: آية الله ميرزا أحمد الآشتياني، وآية الله الحاج الشيخ محمد تقي الآملي، وآية الله السيد أحمد الخوانساري.

وكان الأحسائي قد فهم من كلمات صدر المتألهين ما ينفي المعاد الجسماني، قال في شرحه للعرشية إن: «مجاري مراداته في عباراته تشعر بأن الدار الآخرة بجميع ما فيها عند المصنف أمور عقلية وليس فيه شيء من الأجسام ولا من الأمور الظاهرة بل ولا شيء من عالم الشهادة، ولقد تبت أيديهم، وخسرت صفقتهم، وما أشبه هذا الرأي بقول الصابئة الأولى الذين يقولون: بغاديمون وهرمس، يعنون بهما شيث وإدريس، ولم يقولوا بغيرهما من الأنبياء (على محمد وآله أفضل الصلاة والسلام)، فإنهم -أعني الصابئة- اقتصروا على المعقول من قولهما وتركوا المحسوس، والكل قد تجنبوا طريق الرشاد وتركوا سنة المنذر ومنهاج الهادي (صلى الله عليه وآله وسلم)»[55].

وكان يعتقد أن المعاد يكون بالجسد الأصلي للإنسان، وهو ما جر عليه الاتهام بإنكار المعاد الجسماني، وكان ذلك شرارة تكفيره في قزوين سنة (1236هـ)[56]، وشحن النفوس عليه في كربلاء[57]، ومراده من هذا الجسد أنه الجسد الأصلي للإنسان في الدنيا والآخرة، وقد فصّل رأيه في شرحه على الزيارة الجامعة، فقرة «وأجسادكم في الأجساد» قائلاً: «هو الجسد الباقي، وهو الطينة التي خلق منها، ويبقى في قبره إذا أكلت الأرض الجسد العنصري وتفرّق كل جزء منه ولحق بأصله، فالنارية تلحق بالنار، والهوائية تلحق بالهواء، والمائية تلحق بالماء، والترابية تلحق بالتراب، يبقى مستديراً كما قال الصادق (عليه السلام)، وقد قال علي (عليه السلام) في النفس النامية النباتية فإذا فارقت عادت إلى ما منه بُدئت عود ممازجة لا عود مجاورة، وعنى بها هذا الجسد العنصري الذي ذكرنا، وأما الثاني الباقي هو الذي ذكره الصادق (عليه السلام) تبقى طينته التي خلق منها في قبره مستديرة[58] أي مترتبة على هيئة صورته أجزاء رأسه في محل رأسه وأجزاء رقبته في محلها، وأجزاء صدره في محله، وهو تأويل قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ[59].

وهذا الجسد هو الإنسان الذي لا يزيد ولا ينقص يبقى في قبره بعد زوال الجسد العنصري عنه الذي هو الكثافة والأعراض، فإذا زالت الأعراض عنه المسماة بالجسد العنصري لم تره الأبصار الحسية، ولهذا إذا كان رميماً وعُدم لم يوجد شيء حتى قال بعضهم: إنه يعدم وليس كذلك، وإنما هو في قبره إلا أنه لم تره أبصار أهل الدنيا لما فيها من الكثافة، فلا ترى إلا ما هو من نوعها، ولهذا مثل به الصادق صلوات الله عليه بأنه مثل سحالة الذهب في دكان الصائغ، يعني أن سحالة الذهب في دكان الصائغ لم ترها الأبصار، فإذا غسل التراب بالماء وصفّاه استخرجها، كذلك هذا الجسد يبقى في قبره هكذا، فإذا أراد الله سبحانه بعث الخلائق أمطر على كل الأرض ماء من بحر تحت العرش، أبرد من الثلج، ورائحته كرائحة المني يقال له صاد، وهو المذكور في القرآن، فيكون وجه الأرض بحراً واحداً، فيتموج بالرياح، وتتصفى الأجزاء، كل شخص تجتمع أجزاء جسده في قبره مستديرة، أي على هيئة بنيته في الدنيا، أجزاء الرأس ثم تتصل بها أجزاء الرقبة، ثم تتصل أجزاء الرقبة بأجزاء الصدر، والصدر بالبطن، وهكذا، وتمازجها أجزاء من تلك الأرض، فينمو في قبره كما تنمو الكمأة في نبتها، فإذا نفخ إسرافيل في الصور تطايرت الأرواح كل روح إلى قبر جسدها، فتدخل فيه فتنشق الأرض عنه كما تنشق عن الكمأة»[60].

تـنـــــويـه:

نود أن نشير إلى أنه وإن جرى خلاف كبير بين علمائنا في القضايا الفكرية الشائكة، وكيفية توظيف النصوص الشرعية والتعامل معها، فإنهم يُبدون حسن الظن، ويحفظون المقامات، ويبقون في منأى عن التكفير. وهذا ما نجده جليًّا في مناقشاتهم، كقول العلامة المجلسي في تعليقه على جواب للسيد الشريف المرتضى: «ولم نتعرض للرد والقبول حذراً من أن ينتهي القول إلى ما لا يرتضيه من يعرف الحق بالرجال، ويمكن تأويل كلامه بحيث لا ينافي ما نظن فيه ونعتقده من غاية العرفان، والله أعلم بحقيقة الحال..»[61].

وكوصف الشيخ الأحسائي لصدر المتألهين الشيرازي بالعالم الجليل الفاخر، والحكيم المتوغل الماهر[62]. وتأكيده على أن جوهر الخلاف بينهما فكري محض، ودافعه تبيان الحقيقة، وليس الحسد والبغضاء، قال: «اعلم أيها الناظر في كلامي أني أعتقد أني إذا قلت قولاً فإني أُملي على كاتبين لا يغادران صغيرة ولا كبيرة، فلا تتوهم على أن بيني وبين المصنف شيئاً من عداوة، أو حقد، أو حسد، أو تكبر، أو شيء حداني إلى الرد عليه غير بيان الحق»[63].

وحتى لا يتوهم أحد اعتقاده بكفر صدر المتألهين وأتباع مدرسته الحكمية، قال في أجوبة المسائل الدامغانية: إن «تكفيرهم فذلك شيء عند الله وأنا لا أعلم حكمهم عند الله سبحانه». وذكر أن «كثيراً من القائلين بهذا أناس لهم إيمان وديانة وصلاح واعتقاد عظيم في أهل البيت (عليهم السلام) لو علموا بأن هذا القول مناف لمذهب أئمتهم وأنه مذهب أعدائهم لتركوا وأنكروه ولكن شُبِّهَ لهم فلأجل هذا أسكت عنهم»[64].

--------------------------------------------------------------------------------

[1] من تلامذة السيد اليزدي صاحب العروة الوثقى، والآخوند الخراساني صاحب الكفاية في الأصول، والمحقق الشيخ محمد حسين النائيني. انشغل بالفلسفة والعرفان في بداية أمره، ثم عدل عنهما بعد مكاشفة وقعت له في مسجد السهلة، قال تلميذه الشيخ علي النمازي الشاهرودي: «كان مشتغلاً بتعلم الفلسفة المتعارفة، وبلغ أعلى مراتبها، قال: لم يطمئن قلبي بنيل الحقائق، ولم تسكن نفسي بدرك الدقائق، فعطفت وجه قلبي إلى مطالب أهل العرفان، فذهبت إلى أستاذ العرفاء والسالكين السيد أحمد المعروف بالكربلائي في كربلاء، وتلمذت عنده حتى نلت معرفة النفس، وأعطاني ورقة أمضاها وذكر اسمي مع جماعة بأنهم وصلوا إلى معرفة النفس وتخليتها من البدن، ومع ذلك لم تسكن نفسي إذ رأيت هذه الحقائق والدقائق التي سموها بذلك لا توافق ظواهر الكتاب وبيان العترة ولا بد من التأويل والتوجيه. ووجدت كلتا الطائفتين كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً، فطويت عنهما كشحاً، وتوجهت وتوسلت مجدًّا مكدًّا إلى مسجد السهلة في غير أوانه باكياً متضرعاً متخشعاً إلى صاحب العصر والزمان (عليهم السلام)، فبان لي الحق، وظهر لي أمر الله ببركة مولانا صاحب الزمان صلوات الله عليه، ووقع نظري في ورقة مكتوبة بخط جلي: «طلب المعارف من غيرنا أو طلب الهداية من غيرنا (الشك مني) مساوق لإنكارنا»، وعلى ظهرها مكتوب: أقامني الله وأنا حجة ابن الحسن. قال: فتبرأت من الفلسفة والعرفان، وألقيت ما كتبت منهما في الشط، ووجهت وجهي بكله إلى الكتاب الكريم وآثار العترة الطاهرة، فوجدت العلم كله في كتاب الله العزيز وأخبار أهل بيت الرسالة». (الشيخ علي النمازي الشاهرودي، مستدرك سفينة البحار، ج: 10، ص: 517، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة).

[2] نسبة إلى خراسان وهي إقليم إيراني انتشر في حوزاتها العلمية منهج الميرزا الأصفهاني،

[3] أول من أطلق عليها اسم التفكيكية هو الشيخ محمد رضا الحكيمي في كتابه «المدرسة التفكيكية» (راجع دراسة (المدرسة التفكيكية الأسس والبناءات والمقولات) للشيخ علي ملكي الميانجي، المنشورة في مجلة نصوص معاصرة، العدد الثاني من ربيع سنة 1426هـ، ص: 11، تعريب الشيخ حيدر حب الله). وتُعنى هذه المدرسة بالفصل بين المناهج المعرفية الثلاثة: الأسلوب والمنهج القرآني، الأسلوب والمنهج الفلسفي، والأسلوب والمنهج العرفاني، لتخليص النص الشرعي من كل الرواسب الصوفية واليونانية التي لحقت بتأويله.

[4] له ترجمة في الكثير من المصادر، منها ما ذكره السيد الأمين في أعيان الشيعة: «هو من عظماء الفلاسفة الإلهيين الذين لا يجود بهم الزمن إلا في فترات متباعدة من القرون، وهو المدرس الأول لمدرسة الفلسفة الإلهية في القرون الثلاثة الأخيرة في البلاد الإسلامية الإمامية، والوارث الأخير للفلسفة اليونانية والإسلامية، والشارح لهما، والكاشف عن أسرارهما، ولا تزال الدراسة عندنا تعتمد على كتبه، لاسيما الأسفار الذي هو القمة في كتب الفلسفة قديمها وحديثها، والأم لجميع مؤلفاته». (السيد محسن الأمين، أعيان الشيعة، ج: 9، ص: 321، دار التعارف للمطبوعات، بيروت).

[5] راجع: أعيان الشيعة، ج: 9، ص: 375.

[6] ولد الشيخ الأحسائي في قرية المطيرفي الأحسائية سنة 1166هـ، وتنقَّل بين الحواضر العلمية (البحرين، العراق، إيران) وذاع صيته. وصفه العلامة الأميني بأنه «أحد فطاحل العلماء، يروي عن سيدنا بحر العلوم، والشيخ كاشف الغطاء، والسيد صاحب الرياض، والسيد مهدي الشهرستاني، والشيخ أحمد?بن الحسن البحراني، والشيخ أحمد بن محمد من آل عصفور، ويروي عنه صاحب الجواهر، والحاج ميرزا إبراهيم الكلباسي صاحب الإشارات» (الشيخ عبد الحسين الأميني، شهداء أعلام الفضيلة، ص: 317.مؤسسة الوفاء، بيروت). وقد وقع الخلاف حول شخصه، بين محبٍّ غالٍ، وقادحٍ قالٍ، وخلص الشيخ عبد الله نعمة إلى أن «اختلاف الناس فيه -بلا ريب- دليل على نبله ورفع مكانته وعظم شخصيته» (الشيخ عبد الله نعمة، فلاسفة الشيعة، ص: 129، دار الكتاب الإسلامي). يعتبر الشيخ الأحسائي رمز ما يعرف اليوم بالشيخية، وهم مدرسة فكرية كانت موحدة أبان حياته، ولكنها انقسمت بعد وفاة تلميذه السيد كاظم الرشتي إلى: أتباع الميرزا حسن كوهر -من تلامذة الشيخ الأحسائي- وأتباع الحاج محمد كريم خان الكرماني -تتلمذ قليلاً لدى السيد كاظم الرشتي- المعروفين باسم الركنية لإيمانهم بالركن الرابع. وقد كان السيد الرشتي يرفض لقب الشيخية ويعتبره نبزاً (راجع دليل المتحيرين للسيد كاظم الرشتي) وسار على نهجه أتباع الميرزا كوهر، فيما قَبِل جماعة الحاج الكرماني به، وكتب زعيمهم في البصرة السيد عبد الله الموسوي رسالة في (شرح أحوال علماء الشيخية في البصرة).

[7] مخطوطة. ذكرها الأغا بزرك الطهراني في الذريعة إلى تصانيف الشيعة، ج: 15، ص: 92، دار الأضواء، بيروت، تحت اسم (الصوارم العقلية في الرد على الشيخية). كتبها الأصفهاني رداً على « ملفقات الشيخ أحمد الأحسائي لأنها صارت مادة لحيرة الحمقاء، وضلالة السفهاء، حتى ادعوا الركنية والبابية، ثم أظهر الله لأهل الفضل ضلاله وجنونه « وشنع فيها على الأحسائي أشد التشنيع، وقدح في مذهبه وعقيدته، قال في نهايتها: « الحمد لله الذي أظهر جنون هذا الأعرابي بكلامه في الكتابين، وأقام الحجة على شيعته في بطلان تحريفاته وتأويلاته للكتاب والسنة « (راجع: الميرزا مهدي الأصفهاني، أبواب الهدى، ص: 75،76، مركز فرهنكي انتشاراتي منير، إيران).ومن قرأ التاريخ بتأمل يدرك براءة مدرسة الشيخ الأحسائي من البابية والركنية (فرقتان أظهرتهما روسيا بالتعاون مع الدولة العثمانية) وكنا قد فصلنا ذلك في تحقيقنا لإجازة الشيخ محمد?بن الشيخ عبد علي آل عبد الجبار القطيفي للملا محمد الطبسي، الصادر عن هيئة الخط التراثية، وملخصه أن المصالح السياسية قد التقت بين روسيا والعثمانيين ضد القاجاريين -حكام إيران- في العام 1259هـ، حين دخل العثمانيون والقاجاريون في منازعات حدودية. وكان الروس قد تكبدوا قبلها خسائر جسيمة في الحملة العسكرية التي قادها العلماء الشيعة ضدهم لصالح القاجاريين سنة (1241هـ) برئاسة السيد محمد الطباطبائي الكربلائي (المجاهد). فأدركوا أن للحوزة العلمية قوة هائلة تهدد أمنهم القومي.

ولأن القاجاريين يستمدون مكانتهم الاجتماعية والسياسية من علاقتهم المتميزة بالعلماء الشيعة، لاسيما علماء مدينة النجف الأشرف، فقد رأى العثمانيون وجوداً إيرانيًّا باطنيًّا على الأراضي العراقية يهدد أمنهم القومي، قاموا على أثره بالتخطيط لاغتيال الحوزة، ومن هنا كان التقاء المصالح بينهم وبين الروس في إسقاط الحوزة العلمية من الداخل الديني، في محاكاة لتجربة الغرب في إسقاط الكنيسة على يد الراهب الألماني مارتن لوثر.كان غالبية أفراد العائلة القاجارية الحاكمة يميلون إلى مدرسة الشيخ الأحسائي، ويرجعون في التقليد إلى السيد كاظم الرشتي (ت: 1259هـ)، وهو ما جعل الاستعمار يخرج الباب والكرماني من رحم المدرسة الأحسائية دون خصومها، لأن سقوطها يؤدي إلى اضطرابات دينية، واجتماعية، وسياسية تضعف مكانة العائلة القاجارية في المجتمع الشيعي عموماً، والإيراني خصوصاً، فينشغلون بالقضايا الداخلية على حساب مصالح الدولة الخارجية.

وقد ساعدهم على ذلك ما كانت تشهده الساحة العلمية من صراعات مأساوية بين الأصوليين والأخباريين من جهة، وبين الأصوليين أنفسهم حول أطروحات الشيخ الأحسائي من جهة أخرى، ولا نظن تلك الفتن بمنأى عن شرارهم.بدأت الدولة العثمانية تنفيذ أولى خطوات المؤامرة باغتيالها السيد كاظم الرشتي سنة 1259هـ، ثم قامت روسيا عبر جاسوسها الشهير (كنياز) بإظهار الباب بوصفه أحد تلامذة الرشتي. وكان ظهور الباب مدخلاً إلى بروز رجل آخر تتلمذ لمدة بسيطة على يد السيد كاظم الرشتي، وهو محمد كريم خان الكرماني -أحد أفراد العائلة الحاكمة وله مآرب في الحكم- ونال شهرة عظيمة في المجتمع الإيراني بعدما رد على الباب وفضح أكاذيبه قبل أن يدَّعي الركنية.

وقد أثرت تلك المؤامرة سلباً على مدرسة الشيخ الأحسائي، حتى أصبح بينها وبين الناس حاجزاً نفسيًّا، تعدّى الجوانب الفكرية إلى النواحي الشخصية. قال السيد محمد الطالقاني: «ونفى الشيخ محمد الخالصي أن تكون في الأحساء قرية باسم المطيرف، وأن يكون الشيخ أحمد أحسائيًّا، واحتمل مجيئه من أفريقيا، وأن له مع أعداء الإسلام نسب وصلة (خرافات شيخية وكفريات إرشاد العوام، ص 72)، وقد رده الشيخ غلام حسين معتمد الإسلام (كلمه أزهزار، ص 3)، وقال الخالصي أيضاً تحت عنوان: «رجال الدعوة اللا دينية في العراق وإيران» ما نصه: «الأول أحمد الأحسائي وهو رجل أسود اللون سمَّى نفسه أحمد وادَّعى أنه أحسائي. والأحساء بريئة منه»، وقال: «ولذا يظهر من القرائن المفيدة للعلم أن الشيخ أحمد الأحسائي والسيد كاظم الرشتي كانا قسيسين».

(السيد محمد حسن آل الطالقاني، الشيخية نشأتها وتطورها ومصادر دراستها، ص: 94).وكان تلميذي الشيخ الأحسائي الشيخ حسن كوهر في كربلاء المقدسة، والشيخ محمد حجة الإسلام المامقاني في تبريز، أول من أفتى بكفر الباب، وقالا بضلالة الحاج محمد كريم خان الكرماني مؤسس الركنية، وأعلنا براءة المدرسة منهما.

[8] خلص الشيخ سعيد القريشي -أحد فضلاء الأحساء المعاصرين من شراح فكر الشيخ الأحسائي- في قراءته لكتاب أبواب الهدى للميرزا مهدي الأصفهاني (مخطوطة) إلى التطابق التام بين فكر الشيخ الأحسائي والميرزا الأصفهاني، ورأى أن الاختلاف بينهما كائن في طريقة التعبير الفلسفية، لاجتهاد الميرزا الأصفهاني في تقديم مصطلحات جديدة تختلف عن مصطلحات الأحسائي في المسمى وتتوافق في المضمون.

[9] نُشرت هذه الدراسة في مجلة البصائر، العدد: 44، شتاء 1430هـ.

[10] الشيخ محمد رضا الحكيمي، رجال المدرسة التفكيكية، رصد أبرز الشخصيات التفكيكية في القرن الرابع عشر الهجري، القسم الأول، مجلة نصوص معاصرة، العدد الثاني، ربيع الأول 1426، ص: 85.

[11] الشيخ أحمد الأحسائي، شرح الفوائد، مؤسسة فكر الأوحد للتحقيق والطباعة والنشر، ج: 1، ص: 197.

[12] آية الله السيد جعفر سيدان، ميزان المعرفة، مجلة البصائر، العدد: 44، ص: 15.

[13] مراد وهبه، المعجم الفلسفي، دار قباء الحديثة للطباعة والنشر والتوزيع، القاهرة، ص: 383.

[14] آية الله السيد جعفر سيدان، المصدر السابق.

[15] قال: «كل شيء لا يدرك ما وراء مبدئه، لأن الإدراك إن كان بالفؤاد فهو أعلى مراتب الذات، وأول جزئيها، وأعلاهما وأشرفهما، وليس له وراء ذلك ذكر في حال، فلا يجد نفسه هناك، ولا يجده غيره، إذ أول وجدانه ذلك الإدراك، وإن كان بالعقل والنفس والحس المشترك وبالحواس الظاهرة، فهي بجميع إدراكاتها ومدركاتها دون ذلك، فلا يدرك الشيء ما وراء كونه، فإذا تصور شيئاً بغير الفؤاد أدرك ما وراءه، أي: أن ما وراءه شيء يدركه. فإذا أدرك ذلك الأعلى، أدرك وراءه شيئاً... وهكذا، لا يقف على حد لا يجد وراءه شيئاً». (راجع شرح الفوائد، ج: 2، ص: 211). يعتبر الفؤاد في حكمة الشيخ الأحسائي أعلى مراتب الإدراك الذاتية في الإنسان، فهو «عبارة عن وجوده الأولي، الذي هو مادته النوعية، التي تؤخذ منها حصة للشيء، وتضاف إليها صورته المشخصة له التي بها هو هو. فالحصة هو فؤاده، وهو نور الله في قوله (عليه السلام): «اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله». وهو حقيقة من فعل الله، وهو وجوده، وهو مادته، وهو كونه، والصورة المشخصة له هي حقيقة من نفسه لأنها قابليته، وإن كان الإدراك بما دون الفؤاد كالعقل والنفس والخيال والحس المشترك والحواس الظاهرة، فهي بجميع إدراكاتها ومدركاتها دون الفؤاد، ودون إدراكه، فتدرك أنفسها وما دونها. ولا تدرك ما وراء ذلك: أي ما فوقها، لأن الشيء لا يدرك فوق كونه، أي: وجوده، فإذا تصور شيئاً بأحدهما -أي بغير الفؤاد- أدرك بالفؤاد ما فوق ما أدركه بواحد منها، بمعنى أنه يدرك شيئاً فوقه، كما لو أدرك بعقله شيئاً أدرك بفؤاده أن فوق العقل شيئاً، وأدرك أيضاً بفؤاده أن ما أدركه بعقله فوقه شيء، وأدرك أن وراء هذا الأعلى شيئاً وهكذا، حتى يدرك فؤاده، وينقطع السير، حتى أنه لو كان الإدراك بما هو دون الفؤاد وجد مدركات بعضها فوق بعض، بلا نهاية ولا غاية، حتى يكون الإدراك بالفؤاد لأعلى مراتبه الذي هو نور الله تعالى، فيستدير وينقطع السير» (شرح الفوائد، ج: 2، ص: 211- 212).

[16] عن محمد بن عيسى بن سليمان الجعفري قال: كنت عند أبي الحسن (عليه السلام) فقال: «يا سليمان اتق فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله. فسكت حتى أصبت خلوة، فقلت: جعلت فداك سمعتك تقول: اتق فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله، قال: نعم يا سليمان، إن الله خلق المؤمن من نوره وصبغهم في رحمته وأخذ ميثاقهم لنا بالولاية، والمؤمن أخو المؤمن لأبيه وأمه، أبوه النور، وأمه الرحمة، وإنما ينظر بذلك النور الذي خلق منه». (محمد بن الحسن الصفار، بصائر الدرجات، منشورات الأعلمي، طهران، ص: 100).

[17] فمن المحال أن يخطئ من ينظر بنور الله تعالى.

[18] قال في شرح المشاعر: «وبحثنا ليس مبنيًّا على النقل، وإنما هو مبني على الأدلة العقلية، إما من دليل الفؤاد -أعني دليل الحكمة- وهو أعلاها، وهو دليل الأنبياء والأولياء، أو من دليل العقل -أعني دليل اليقين المسمى بدليل الموعظة الحسنة- وهو دليل المتقين والصالحين. أو من دليل العلم -أعني دليل المجادلة بالتي هي أحسن- وهو أدناها، وهو دليل العلماء». (الشيخ أحمد الأحسائي، شرح المشاعر، ج: 2، ص: 363، مؤسسة البلاغ).

[19] الشيخ أحمد الأحسائي، شرح الزيارة الجامعة، ج: 3، ص: 188. طبعة دار المفيد.

[20] أول من أطلق عليه لقب الصوفي، ولا يعده الصوفية في طبقاتهم. روى الشيخ الصدوق في قرب الإسناد عن سعد بن عبد الله عن محمد بن عبد الجبار عن العسكري صلوات الله عليه أنه قال: «سئل الصادق (عليهم السلام) عن حال أبي هاشم الكوفي، فقال: إنه فاسد العقيدة جدًّا وهو الذي ابتدع مذهباً يقال له التصوف وجعله مقرًّا لعقيدته الخبيثة» (الحر العاملي، الاثنا عشرية، ص: 33، دار الكتب العلمية، قم المقدسة). وقال الشهيد المطهري عنه: «من أهالي الشام، فقد وُلد وعاش فيها، إلا أن تاريخ وفاته مجهول، والقدر المتيقن أنه كان استاذاً لسفيان الثوري (ت: 161هـ)، ويبدو أنه أول شخص أطلقت عليه تسمية الصوفي. قال سفيان: لولا أبو هاشم لما عرفت دقائق الرياء» (الشهيد الأستاذ مرتضى المطهري، مدخل إلى العلوم الإسلامية (الكلام - العرفان - الحكمة العملية) دار الكتاب الإسلامي، الطبعة الأولى 1421هـ، إيران، ص: 80-81).

[21] من كبار الأعلام، ذكر الأستاذ جودة أبو اليزيد المهدي في كتابه (بحار الولاية المحمدية في مناقب أعلام الصوفية، ج: 1، ص: 35، دار غريب للطباعة والنشر والتوزيع، القاهرة) أن الحسن البصري قد لبس خرقة التصوف من أمير المؤمنين (عليه السلام). ونقل أقوال بعض الباحثين الصوفيين في تأكيد ذلك. كان البصري كاتباً في دولة معاوية لوالي خراسان الربيع بن زياد (المصدر السابق، نقلاً عن تذكرة الحفاظ للذهبي). والحق أن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) وعلماء الشيعة ينكرون عليه، وقد وُصف «في كلام جماعة من غير أصحابنا بالزهد، كما وصف ابن سيرين بالورع، ذكره ابن سعد وذكره أبو نعيم في حليته الأولياء ج2/ 131 وقال فيه: أليف الهم والشجن، عديم النوم والوسن... ولذلك عَدُّوه من الزهاد الثمانية، لكن قال أبو عمرو الكشي في رجاله (64): علي بن محمد بن قتيبة قال: سئل أبو محمد الفضل بن شاذان عن الزهاد الثمانية فقال: (إلى أن قال) والحسن (يعني الحسن البصري) كان يلقى أهل كل فرقة بما يهوون، ويتصنع للرئاسة، وكان رئيس القدرية... قلت: وصنف الفضل?بن شاذان من أجلة أصحابنا الفقهاء والمتكلمين كتاباً في الرد على الحسن البصري في التفضيل، ذكره النجاشي في ترجمته» (السيد محمد علي الأبطحي، تهذيب المقال في تنقيح كتاب رجال النجاشي، ج: 2،، ص: 368).

[22] والفناء من أعلى مقامات الصوفية، ينمحي به العبد في الرب، وتغيب هويته (راجع المعجم الفلسفي، مراد وهبه، ص: 476). تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيراً.

[23] قال ابن أبي الحديد المعتزلي في مقدمة شرحه على نهج البلاغة: «ومن العلوم علم الطريقة والحقيقة، وأحوال التصوف، وقد عرفت أن أرباب هذا الفن في جميع بلاد الإسلام إليه ينتهون، وعنده يقفون، وقد صرّح بذلك الشبلي، والجنيد، وسري، وأبو يزيد البسطامي، وأبو محفوظ معروف الكرخي، وغيرهم، ويكفيك دلالة على ذلك الخرقة التي هي شعارهم إلى اليوم، وكونهم يسندونها بإسناد متصل إليه (عليه السلام)».

[24] الحر العاملي، مصدر سابق، ص: 29.

[25] المصدر السابق، ص: 33.

[26] المصدر السابق، ص: 34.

[27] آية الله العظمى السيد المرعشي النجفي، شرح إحقاق الحق، ج: 1، ص: 183، منشورات مكتبة آية الله العظمى السيد المرعشي النجفي، قم المقدسة، إيران.

[28] السيد جعفر سيدان، المصدر السابق، ص: 16.

[29] الشيخ أحمد بن زين الدين الأحسائي، شرح العرشية، ج:1، ص: 45.

[30] قال في ترجمته المخطوطة لنفسه ونشرت في مقدمة شرحه على الزيارة الجامعة: «توجهت إلى الإخلاص في العبادة، وكثرة الفكر والنظر في العالم، وكثرة قراءة القرآن، والاعتبار، والاستغفار في الأسحار، فرأيت منامات غريبة عجيبة في السماوات وفي الجنات وفي عالم الغيب والبرزخ ونقوشاً وألواناً تبهر العقول، ثم انفتح لي رؤيتهم (عليهم السلام)، حتى أني أكثر الليالي والأيام أرى من شئت منهم على ما أختار منهم الذي أراه (عليهم السلام)، وإذا رأيت أحداً منهم وانتبهت وانقطع كلامي قبل تمامه رجعت في النوم ورأيت ذلك الذي رأيته عند منقطع كلامي حتى أتمِّمُه، وإذا ذكر لي أحد من الناس: أَنْ إذا رأيتهم تسأل لي الدعاء رأيت كذلك..».

[31] نقل العلامة المجلسي عن انفتاح باب المكاشفات بالرؤيا له حين كان في حرم أمير المؤمنين (عليه السلام)، قال: «وفتح الله عليَّ ببركة مولانا صلوات الله عليه أبواب المكاشفات التي لا تحتملها العقول الضعيفة...» ونقل تصحيح الإمام الرضا (عليه السلام) لسند الزيارة الجامعة. (بحار الأنوار، ج: 102، ص: 113- 114).

[32] من أعلام القرن الثالث عشر الهجري، ويعد أبرز تلامذة الشيخ محمد تقي البرغاني الذي أفتى بكفر الشيخ الأحسائي في قزوين، ومنهجه في تخطيء الشيخ الأحسائي والرد عليه ظاهر لكل من تصفح قصص العلماء، قال: «ومن جملة الإفاضات التي نلتها أنني في ليلة من الليالي أيام الإقامة في كربلاء رأيت الإمام موسى الكاظم (عليه السلام) في عالم الرؤيا فسألته عن عدة أمور فأجابني، ثم سألته: ما هو الحق في المسألة المعروفة الظن الخاص والظن المطلق فلم يجب (عليه السلام)، فعلمت أن المقصود أنه في هذا الأعصار حيث إمام الزمان غائب وباب العلم مفسد، يجب العمل بالأحكام الظاهرة بين أيدينا» (الميرزا محمد التنكابني، قصص العلماء، ص: 82).

[33] ذكر تلميذه الميرزا التنكابني في (قصص العلماء) عندما تعرض لترجمته بأنه كان يمنع تمثيل حادثة كربلاء في مصيبة سيد الشهداء (عليه السلام)، كما كان يمنع المراثي وإنشاد مصائب أهل البيت (عليهم السلام) إلى أن رأى في إحدى ليالي القدر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) على منبر المسجد الذي يصلي فيه وخاطبه قائلاً: «أيها الشيخ لا تمنع من الغناء في مراثي ولدي الحسين فليقرؤوا كما يشاؤون»، وقد ذكر تفصيل هذا المنام في كتاب مجالس المتقين. ولم يعد يمنع من إنشاد المصيبة وجوّز التمثيل بعد ذلك المنام، وكان هو بنفسه يحضر المجالس.

[34] تلقّى عن الإمام الحجة ما هو صريح في خطأ منهجه العرفاني فعدل إلى منهجه التفكيكي كما نقلنا في ترجمته عن تلميذه الشيخ علي النمازي الشاهرودي.

[35] راجع: الشيخ محمد تقي مصباح اليزدي، المنهج الجديد في تعليم الفلسفة، ج: 1، ص: 17.

[36] السيد جعفر سيدان، المصدر السابق، ص: 16.

[37] الشيخ أحمد الأحسائي، شرح الفوائد، ج: 2، ص:369.

[38] الشيخ أحمد الأحسائي، شرح الزيارة الجامعة، ج: 3، ص: 155.

[39] قال في شرح الفوائد (ج: 2، ص:369): «لو ترجمت قول الفارسي (قسم بخور) فقلت: قسم بمعنى اليمين، وبخور بمعنى كل، فإنه يبطل المعنى ويكون غير مراد الفارسي، لأن مراده احْلِفْ، وعلى ترجمتك يكون المعنى كل اليمين. فلما كثر الخطأ من اجتهاد الحكماء من أنفسهم من غير أخذه من قواعد الوحي كما نزل، بل ربما فرّعوا عليه ما لا يدخل تحت قواعده، ومن الخطأ في الترجمة، ومن تجويز سوء الفهم، اختلف رأي المتقدمين مع المتأخرين». وسوء الترجمة إشكال طرحه الإسلاميون على خصومهم الفكريين المتأثرين بالفلسفة، كأبي حامد الغزالي في مقدمته الأولى بكتابه (تهافت الفلاسفة) بقوله: «ثم المترجمون لكلام رسطاليس لم ينفك كلامهم عن تحريف وتبديل مُحوِج إلى تفسير وتأويل، حتى أثار ذلك أيضاً نزاعاً بينهم». وكذلك آية الله العظمى السيد محمد تقي المدرسي في كتابه (العرفان الإسلامي) ص: 92 - 94، ورأى أن المترجمين لم يعنوا بترجمة أفكار كافة الفلاسفة، وأنهم قد أسبغوا على المؤلفات اليونانية صيغتهم وتفسيراتهم، بل وقاموا بتأويل الأقوال ليرفعوا النزاع بين الفلاسفة.

[40] آية الله السيد جعفر سيدان، ألمصدر السابق، ص: 18.

[41] الشيخ أحمد الأحسائي، المصدر السابق، ج:1، ص:187-188.

[42] الشيخ أحمد الأحسائي، شرح المشاعر، ج:1، ص: 21-22، مؤسسة البلاغ.

[43] وكان الفيلسوف الأوروبي هيغل أبرز الدعاة إلى ذلك (راجع: جورج بوليتزر، مبادئ أولية في الفلسفة، ص: 5، دار الفارابي، بيروت، لبنان).

[44] المصدر السابق.

[45] قال الشيخ يوسف البحراني: «كان فاضلاً عالماً متكلماً جليلاً نبيلاً جامعاً لأكثر العلوم سيما في العقليات والرياضيات، قال بعض أصحابنا -بعد الثناء عليه-: وهو في الحقيقة مصداق (يخرج الحي من الميت). قد قرأ على جماعة منهم والده ولم يسلك مسلكه، وكان على ضد طريقة والده في التصوف والحكمة، وقد توفي رحمه الله في دولة السلطان شاه عباس الثاني بشيراز في عشر السبعين بعد الألف. ومن مؤلفاته حاشية على شرح اللمعة إلى كتاب الزكاة، وله أيضاً كتاب تفسير العروة الوثقى» (لؤلؤة البحرين، ص: 132).

[46] هو المير محمد باقر الداماد، من كبار الفلاسفة الشيعة، أستاذ صدر المتألهين، توفي في العام 1041هـ.

[47] محمد سليمان التنكابني، قصص العلماء، ص: 358، دار المحجة البيضاء.

[48] راجع مقدمته في كتابه (المشاعر).

[49] يقصد محي الدين ابن عربي، من رموز الصوفية، وعن علاقته بفكر صدر المتألهين قال الشيخ حسن زاده الآملي « الذي راح يفكك نصوص صدر الدين الشيرازي ويرجع محتوياتها إلى أصولها في كتابات ابن عربي، فانتهى بعد ما يناهز العشرين عاماً من البحث التنقيبي إلى ما يلي: (إن جميع المباحث الرفيعة والعرشية للأسفار منقولة من الفصوص والفتوحات وبقية الصحف القيمة والكريمة للشيخ الأكبر وتلاميذه بلا واسطة أو مع الواسطة) ثم يقول: (إذا ما اعتبرنا كتاب الأسفار الكبير مدخلاً أو شرحاً للفصوص والفتوحات فقد نطقنا بالصواب) «. راجع كتاب التوحيد للسيد كمال الحيدري في حاشية على العلم الذاتي.

[50] الشيخ أحمد الأحسائي،شرح المشاعر، ج:1،ص:52-53.

[51] السيد جعفر سيدان، ألمصدر السابق، ص: 20.

[52] يس، آية: 78.

[53] القيامة، آية: 3.

[54] البقرة، آية: 259.

[55] الشيخ أحمد الأحسائي، شرح العرشية، ج: 2، ص: 291.

[56] ذكر ابنه الشيخ عبد الله في ترجمته لحياة والده بأنه ارتحل من كرمان شاه إلى قزوين عندما حل الوباء الشديد على إيران بعد مضي سنة من وفاة شاه زاده، وقد ذكر ابن بشر هذا الوباء ضمن حوادث سنة 1236هـ في تاريخه (عنوان المجد في تاريخ نجد، ج: 1، ص: 459).

[57] نقل السيد محمد حسن الطالقاني في كتابه (الشيخية نشأتها وتطورها ومصادر دراستها، ص: 106، مكتبة المعارف، النجف الأشرف)، رسالة كتبها الأحسائي إلى تلميذه الشيخ عبدالوهاب القزويني -من كبار العلماء المعروفين بالزهد والعبادة وله إجازة من أربعين مجتهداً (محمد سليمان التنكابني، قصص العلماء، ص: 105)- فيها عرض واف لما جرى معه في كربلاء المقدسة، وتوضيح رأيه في المعاد، ومتنها: «بسم الله الرحمن الرحيم

إلى جناب عالي الجناب، ولب الألباب، الداخل في الخيرات من كل باب، أهدي جميل التحية والسلام، أصلح الله أحواله وبلّغه آماله في مبدئه ومآله بحرمة محمد وآله، آمين رب العالمين.أما بعد، فإن سألتم عن محبكم وداعيكم فأنا أحمد الله إليكم، أما أنا من جهة نفسي ظاهري وباطني ففي راحة، وأما الناس من جهتي فقد اختلفوا، فمنهم من آمن ومنهم من كفر ولو شاء الله ما اختلفوا ولكن الله يفعل ما يريد.

جاء الورع الزاهد الشيخ متقي وأراد أن يطعن على جنابك، فلم يجد غير أنه نظر في بعض كتبي في قولي: «إن للإنسان جسدين الأول يعاد يوم القيامة وهو الجسد الأصلي، والثاني أعني العارضي الذي ليس للإنسان، وإنما هو عرض لحق المكلف من الأكل والشرب وليس من حقيقه، وإنما هو في نفس الأمر جسد تعلمي أو بمحكمه، وإن قلت: إنه من العناصر فإن كل ما تحت فلك القمر من العناصر والجواهر والأغراض». ونفخ الشيطان في قلبه، فقال: إنه كفر، وهذا كافر، والمولى عبدالوهاب صلى خلف الكافر، وأعانه عليه قوم آخرون ﴿فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا [الفرقان: 4] ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ [النور: 11] خوفاً على دراهم العجم والهند، حتى قالوا: إنك تقول: إن الذي خلق السماوات والأرض علي بن أبي طالب (عليه السلام)، وحكموا بنجاسة الأرض التي أطؤها، وبنجاسة حضرة الحسين (عليه السلام) لأني أدخل عليه للزيارة، والأمر الأعظم مما تسمع، وبذلوا الأموال على ذلك القريب والبعيد تشييداً لتكفيري ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ [إبراهيم: 41].وقلت: هذا كلام للخواجه نصير الدين في التجريد، والعلامة في شرح التجريد، ولا تجب إعادة فواضل الإنسان، وبيّنه العلامة في الشرح أنه لا يحشر إلا الطينة الأصلية، وقال المجلسي كلاماً طويلاً من جملته: «دويم انكه دربدن أصلية هست كه باقي است ازاول عمر تا آخر عمر، وأجزاء فضيلة ميباشد، زيادة وكم ومتغيرو متبدل ميشود، وإنسان كه مشار إليه است بأنا ومن آن أجزاى أصلية است كه مدار حشر ونشر وثواب وعقاب برآن است».

وفي هذا الكتاب مثل هذا الكلام كثير، والصادق (عليه السلام) كما في الكافي سئل عن الميت: «هل يبلى جسده؟ قال: نعم حتى لا يبقى لحم ولا عظم إلا الطينة التي خلق منها، فإنها لا تبلى تبقى في قبره مستديرة حتى يخلق منها كما خلق أول مرة»، وكل العلماء على هذا، فقد جعلوا هذا الجسد الثاني الذي لا يعود -كما هو رأيي- هو الجسد التعليمي أعني العارض أو العرض، حتى أني صرحت في بعض كتبي بأن الجسد الذي يعاد لو وزن لما زاد على هذا الذي في الدنيا المرئي مقدار ذرة، فإن الله يقول: ﴿وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ [الأنبياء: 47] فقوله: ﴿أَتَيْنَا بِهَا أي بعينها ذلك، ولكن متى كنت كافراً جاهلاً بالميعاد وأنا أدَّعي أنه ما أحد -كذا- عرف مثلي، وقد وقف علماء العرب والعجم كلهم عليها، فما طعن فيها إلا جاهل بمعنى قولي، أو معاند منكر للحق، وقد قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «إذا قال أحدكم لأخيه يا كافر كفر أحدهما»، لكن يا شيخ حسبي الله وكفى به شهيداً إن الله يقول في كتابه الحق: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ [ق: 17].والحاصل أنا أقول: حسبي الله وكفى، ليس وراء الله منتهى، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته، وسلام على من يعز عليك، وخص نفسك بالسلام». انتهى.

وأود أن أشير إلى أن خروج الأحسائي من إيران كان في العام 1240هـ، بعد حادثة تكفيره في قزوين بأقل من أربع سنوات، وكان خلال تلك المدة يحظى باحترام الأساطين، فقد ذكر الملا هادي السبزواري صاحب المنظومة ما ملخصه: «في سنة 1240هـ التي جاء فيها الشيخ أحمد الأحسائي إلى أصفهان كنت مع تلاميذي أحضر درس الشيخ بأمر من الآخند النوري، وقد حضرت درسه مدة 53 يوماً، وكان في مقام الزهد عديم النظير، ولكنه ما كان في نظر فضلاء أصفهان بتلك المنزلة من العلم» (أعلام هجر، ج: 1، ص: 154 نقلاً عن مقدمة كتاب شرح منظومة السبزواري.). ويبدو أن مدة إقامته في كربلاء المقدسة وحتى وفاته سنة 1241هـ لم تبلغ السنتين.

[58] جاء في موثقة عمار عن الصادق (عليه السلام)، أنه قال: سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن الميت هل يبلى جسده؟ قال: «نعم، حتى لا يبقى لحم، ولا عظم، إلا طينته الأصلية التي خُلق منها، فإنها لا تبلى، بل تبقى في القبر مستديرة، حتى يُخلق منها كما خلق أول مرة» (أبي جعفر محمد بن علي بن بابويه القمي، من لا يحضره الفقيه، ج: 1، ص: 191، منشورات جماعة المدرسين في الحوزة العلمية بقم المقدسة).

[59] الصافات، آية: 164.

[60] الشيخ أحمد الأحسائي، شرح الزيارة الجامعة، ج: 4، ص: 20 - 21.

[61] العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج: 27، ص:279، دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان.

[62] راجع مقدمة شرحه للعرشية.

[63] المصدر السابق، ص 63 – 64.

[64] السيد كاظم الرشتي، رسالة كشف الحق، من مجموعة الرسائل، طبعة حجرية، نقلاً عن: أجوبة المسائل الدامغانية للشيخ أحمد الأحسائي.


ارسل لصديق